بحر الحضارات يحتضر... المشاكل البيئية تخنق البحر المتوسط

بحر الحضارات يحتضر... المشاكل البيئية تخنق البحر المتوسط
TT

بحر الحضارات يحتضر... المشاكل البيئية تخنق البحر المتوسط

بحر الحضارات يحتضر... المشاكل البيئية تخنق البحر المتوسط

لطالما كانت ضفاف البحر المتوسط موطناً لعدد كبير من الحضارات، وعبر أمواجه أبحرت سفن الفينيقيين وقدامى المصريين والإغريق والرومان والمسلمين، فمثّل بذلك جسر تواصل بين الشرق والغرب والجنوب والشمال. وفي مراحل كثيرة، شهد هذا البحر صراعات الشعوب ومغامراتها التي غيّرت وجه التاريخ من دون أن تترك ندوباً ظاهرة على جسده.
وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بدأ كل شيء بالتغيُّر مع شق قناة السويس، فأصبح البحر المتوسط شرياناً رئيسياً للتجارة العالمية. ومع اكتشاف النفط في الخليج، صار المتوسط معبراً هاماً للإمداد بالطاقة، ثم أعلنته الاكتشافات الأخيرة مكمناً واعداً للغاز الطبيعي، مما ينذر بتأجيج نيران الصراعات القائمة على شواطئه الشرقية والجنوبية، ويعمّق الجراح التي تنال من نظمه الطبيعية.
تعاني معظم البحار في العالم مشاكل بيئية، لكن طبيعة الصراع على المتوسط، لا سيما في أجزائه الشرقية، حولته إلى ساحة معركة لا يبالي الكثيرون بحجم التخريب الذي ينالها. ولأن المصائب لا تأتي فرادى، فمياهه هي من بين الأكثر تأثراً بتغيُّر المناخ العالمي، إذ ترتفع حرارتها بمعدلات متسارعة تصل حالياً إلى 0.12 درجة مئوية في السنة. كما تعتبر شواطئ المتوسط من أكثر مناطق العالم تأثراً بارتفاع البحار، لأن معظم النشاطات الصناعية والسياحية في دول الحوض تتركز في الأراضي الساحلية المنخفضة. وكان العالم المصري الراحل الدكتور محمد عبد الفتاح القصاص اقترح بناء حاجز متحرك في مضيق جبل طارق للتحكم بمستوى ارتفاع البحر المتوسط. لكن هذا يحتاج إلى دراسات معقدة، تأخذ في الاعتبار أثر حاجزٍ كهذا على حرارة المياه وتركيزات التلوث في منطقة مغلقة.
وفيما تمثل مساحته أقل من 1 في المائة من مجمل مساحة البحار في العالم، يختنق البحر المتوسط بما يعادل 7 في المائة من كمية المواد البلاستيكية الدقيقة التي تغص بها المحيطات. ويقدر تقرير صدر سنة 2015 عن خطة عمل البحر المتوسط، التي يديرها برنامج الأمم المتحدة للبيئة، أن كمية النفايات البلاستيكية التي ترمى فيه تتجاوز 730 طناً يومياً، حيث تمثل ست دول فقط هي تركيا وإسبانيا وإيطاليا ومصر وفرنسا والجزائر مصدراً لثلاثة أرباع هذه الكمية.
كما يُستخدم المتوسط كمصب لجميع أنواع المنصرفات الملوثة، ابتداءً بمياه الصرف الصحي غير المعالجة مروراً بالمياه العادمة الصناعية وانتهاءً بالمنسكبات النفطية. ورغم كونه مصدر رزق لملايين الناس الذين يعتمدون على البحر في معيشتهم من خلال الصيد والتجارة والسياحة، فإن أكثر أبنائه لا يهتمون برئتهم الزرقاء، التي أصبحت مع الوقت مضرب مثل لهم في اللامبالاة، كما يظهر في القول الشائع: «أعمل منيح وكُب بالبحر».
مأساة المتوسط هي في جغرافيته غير التقليدية، إذ إنه بقلة منافذه على المياه المفتوحة أقرب ما يكون إلى البحيرة المغلقة، حيث تقترح إحدى الدراسات أن قطرة الماء التي تأتيه من المحيط الأطلسي تستغرق مائة عام لتعود إلى مصدرها. ويؤدي انغلاق المتوسط على نفسه إلى زيادة تركيز السموم التي تصب فيه. ولأن كبرى تياراته المائية تتجه من الغرب إلى الشرق، فإن شواطئ بلاد الشام وتركيا ومصر تتحمل العبء الأكبر من الضرر.
وفي الشرق أيضاً، ترمي الصراعات بثقلها في مياه المتوسط. فحسب تقارير رسمية سورية، أدى تخريب خطوط وقود تحت الماء قبالة مصب بانياس النفطي إلى تدفق كميات كبيرة من النفط الخام إلى البحر في نهاية شهر يونيو (حزيران) 2019. حيث كانت آثار التسرب تُشاهد في نطاق 100 كيلومتر. وفي غزة، يستمر صب أغلب الصرف الصحي في البحر مباشرة من دون معالجة، بسبب مصاعب تتصل بتوفير الطاقة وحظر إسرائيلي على استيراد مواد وتجهيزات معالجة المياه والمنصرفات إلى القطاع، بادعاء أن 70 في المائة من مكوناتها تدخل في الاستخدام العسكري.
لعقود كثيرة مضت، ساهمت الأطماع الاستعمارية ونماذج الاحتلال المباشر وغير المباشر في تعميق الفجوة الاقتصادية والسياسية بين بلدان جنوب المتوسط ودول الشمال. وللتغلب على الأزمات المالية المزمنة، كانت أغلب دول شمال أفريقيا وجنوب أوروبا وبلاد الشام تضع حماية البحر المتوسط في مرتبة أدنى على حساب استقطاب الاستثمارات بأي ثمن لتوفير قوت شعوبها.
وأحياناً تأتي المشاكل من حيث لا تكون متوقعة. فقناة السويس، التي جعلت البحر المتوسط مفترق طريق لـ30 في المائة من الملاحة البحرية العالمية، صارت معبراً للأنواع الحية الغازية القادمة من البحر الأحمر، مثل سمكة الأسد العدوانية السامة التي تهدد الشعاب المرجانية ومصائد الأسماك. وازدادت مشكلة الأنواع الغازية بعد توسعة قناة السويس سنة 2014. حتى أصبحنا اليوم نشهد نحو ألف نوع حي غريب عن منظومة المتوسط الأحيائية.
ومع تفاقم المشاكل البيئية يوماً بعد يوم، أشعلت الاكتشافات الغازية والنفطية في قاع المتوسط تسابقاً محموماً للظفر بثرواته البحرية بين عمالقة الطاقة في العالم. ويفتقر الكثير من هذا النشاط إلى دراسات دقيقة للأثر البيئي، إذ إن دول المنطقة تتسابق على تحقيق أرباح سريعة لدعم اقتصاداتها. ويخشى دعاة حماية التنوع الحيوي أن تؤدي فوضى الناقلات والحفارات ومنصات التنقيب إلى ما لا يحمد عقباه. والأمثلة على ذلك كثيرة، ففي مطلع 2019 جرفت الأمواج عشرات السلاحف النافقة على طول سواحل الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويعتقد باحثون أن هذا الحادث مرتبط بتفجيرات استكشافية تحت الماء.
وفي اليونان، يؤدي الضجيج الناتج عن حركة الملاحة عبر قناة السويس واستكشاف مكامن الطاقة إلى قتل أو طرد حيتان العنبر والحيتان ذات المنقار، وهي حساسة لأمواج السونار. وربما تزداد الأمور سوءاً إذا نجحت أوروبا في سعيها لإنشاء شبكة أنابيب تمدها بالغاز الطبيعي عبر البحر المتوسط للحد من اعتمادها على الغاز الروسي.
وبينما تزداد المخاوف البيئية، يتحول المتوسط إلى برميل بارود تطمح فيه كل دولة إلى زيادة نفوذها الإقليمي. فتركيا تتبع استراتيجية يرى العديد من جيرانها أنها محاولة للسيطرة على شرق المتوسط، وكذلك تعزز مصر وإسرائيل واليونان قدراتها لحماية ما تراه حقوقاً مكتسبة في حقول الغاز البحرية.
وفي البحر المتوسط، أجرت روسيا مؤخراً كبرى مناوراتها العسكرية منذ انتهاء الحرب الباردة، كما تقوم الولايات المتحدة بتكثيف عملياتها في المنطقة بعد عقود من التجاهل. حتى إيران تسعى إلى موطئ قدم على شواطئ المتوسط، وكذلك الصين التي تلحظه ضمن خطتها التجارية المعروفة باسم مبادرة الحزام والطريق.
وفيما لا تزال فرص الصدام ضئيلة، تبقى التجاذبات والمصالح السياسية كافية لتجميد التعاون العابر للحدود بهدف حماية البحر المتوسط. ومن الواضح أن الإدارة الإقليمية السيئة لهذا المورد الطبيعي والتداخلات السياسية والاقتصادية تفرض واقعاً قد لا يكون على المدى البعيد في صالح جميع الفرقاء.
هناك العديد من الخيارات لإنقاذ البحر المتوسط من مصيره المحتوم، تبدأ أولاً بتعزيز التعاون بين بلدانه باعتبار حماية بيئته هماً مشتركاً يجب تحييده عن الخصومات. ولكن يبدو هذا الخيار بعيداً عن الواقع، حيث تنفق الدول المتوسطية على السلاح أضعافاً مضاعفة، فيما تبقى ميزانيات حماية البيئة أمراً شكلياً.
لايزال المشهد على الشواطئ الشرقية للمتوسط يخطف الأنفاس بجماله في كثير من الأماكن، ولذلك قلما يدرك أحد حجم الكارثة التي تحتضنها الأعماق. ومع تغيُّر المناخ والنمو السكاني المطرد، ستطفو المشاكل إلى السطح على شكل عواصف أكثر عنفاً خلال وقت لا يمكن التنبؤ به.
وبعيداً عن النفط والغاز، قد تكون المكاسب الاقتصادية من البحر المتوسط هي أفضل حافز لحمايته. فعلى شواطئه التي يجتمع عليها 200 مليون سائح كل عام لن يكون من المقبول مشاهدة أكوام القمامة ومعاينة الطفح الجلدي الناجم عن المياه الملوثة وأسراب قناديل البحر. وفي هذه المنطقة الهشة اقتصادياً، لن تتمكن الحكومات من غض النظر طويلاً عن الضربات الموجعة التي يتلقاها أحد أهم مصادر مواردها المالي

(يستند هذا المقال إلى تقرير صدر حديثاً عن مجموعة الأطلسي الشهرية)


مقالات ذات صلة

مصر: غالبية الدول تعتبر مشاريع قرارات «كوب 27» متوازنة

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري سامح شكري (إ.ب.أ)

مصر: غالبية الدول تعتبر مشاريع قرارات «كوب 27» متوازنة

أكد رئيس مؤتمر الأطراف حول المناخ (كوب27) سامح شكري اليوم (السبت) أن «الغالبية العظمى» من الدول تعتبر مشاريع القرارات التي قدمتها رئاسة مؤتمر المناخ «متوازنة» بعدما انتقدها الاتحاد الأوروبي. وأوضح وزير خارجية مصر سامح شكري للصحافيين بعد ليلة من المفاوضات المكثفة إثر تمديد المؤتمر في شرم الشيخ أن «الغالبية العظمى من الأطراف أبلغتني أنها تعتبر النص متوازنا وقد يؤدي إلى اختراق محتمل توصلا إلى توافق»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. وتابع يقول «على الأطراف أن تظهر تصميمها وأن تتوصل إلى توافق».

«الشرق الأوسط» (شرم الشيخ)
بيئة البيئة في 2021... قصص نجاح تعزز الأمل في تخفيف أزمة المناخ

البيئة في 2021... قصص نجاح تعزز الأمل في تخفيف أزمة المناخ

شهدت سنة 2021 الكثير من الكوارث والخيبات، لكنها كانت أيضاً سنة «الأمل» البيئي. فعلى الصعيد السياسي حصلت تحولات هامة بوصول إدارة داعمة لقضايا البيئة إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة. كما شهدت السنة العديد من الابتكارات الخضراء والمشاريع البيئية الواعدة، قد يكون أبرزها مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» التي أطلقتها السعودية. وفي مجال الصحة العامة، حقق العلماء اختراقاً كبيراً في مواجهة فيروس كورونا المستجد عبر تطوير اللقاحات وبرامج التطعيم الواسعة، رغم عودة الفيروس ومتحوراته. وفي مواجهة الاحتباس الحراري، نجح المجتمعون في قمة غلاسكو في التوافق على تسريع العمل المناخي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق فرقة «كولدبلاي» تراعي المعايير البيئية في جولتها سنة 2022

فرقة «كولدبلاي» تراعي المعايير البيئية في جولتها سنة 2022

أعلنت فرقة «كولدبلاي» البريطانية، الخميس، عن جولة عالمية جديدة لها سنة 2022 «تراعي قدر الإمكان متطلبات الاستدامة»، باستخدام الألواح الشمسية وبطارية محمولة وأرضية تعمل بالطاقة الحركية لتوفير كامل الكهرباء تقريباً، فضلاً عن قصاصات «كونفيتي» ورقية قابلة للتحلل وأكواب تحترم البيئة. وذكرت «كولدبلاي» في منشور عبر «تويتر» أن «العزف الحي والتواصل مع الناس هو سبب وجود الفرقة»، لكنها أكدت أنها تدرك «تماماً في الوقت نفسه أن الكوكب يواجه أزمة مناخية». وأضاف المنشور أن أعضاء فرقة الروك الشهيرة «أمضوا العامين المنصرمين في استشارة خبراء البيئة في شأن سبل جعل هذه الجولة تراعي قدر الإمكان متطلبات الاستدامة» و«

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق بعد انخفاضها بسبب الإغلاق... انبعاثات الكربون تعاود الارتفاع

بعد انخفاضها بسبب الإغلاق... انبعاثات الكربون تعاود الارتفاع

انخفضت انبعاثات الغازات المسببة للاحترار العالمي بشكل كبير العام الماضي حيث أجبر وباء «كورونا» الكثير من دول العالم على فرض الإغلاق، لكن يبدو أن هذه الظاهرة الجيدة لن تدوم، حيث إن الأرقام عاودت الارتفاع بحسب البيانات الجديدة، وفقاً لشبكة «سي إن إن». وتسببت إجراءات الإغلاق لاحتواء انتشار الفيروس التاجي في انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 7 في المائة على مدار عام 2020 - وهو أكبر انخفاض تم تسجيله على الإطلاق - وفق دراسة نُشرت أمس (الأربعاء) في المجلة العلمية «نيتشر كلايميت شينج». لكن مؤلفيها يحذرون من أنه ما لم تعطِ الحكومات الأولوية للاستثمار بطرق بيئية في محاولاتها لتعزيز اقتصاداتها الم

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
بيئة 5 ملفات بيئية هامة في حقيبة بايدن

5 ملفات بيئية هامة في حقيبة بايدن

أعلن الفريق الانتقالي للرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن أن وزير الخارجية السابق جون كيري سيكون له مقعد في مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، وهي المرة الأولى التي يخصّص فيها مسؤول في تلك الهيئة لقضية المناخ. ويأتي تعيين كيري في إطار التعهدات التي قطعها جو بايدن خلال حملته الانتخابية بإعادة الولايات المتحدة إلى الطريق الصحيح في مواجهة تغيُّر المناخ العالمي ودعم قضايا البيئة، بعد فترة رئاسية صاخبة لسلفه دونالد ترمب الذي انسحب من اتفاقية باريس المناخية وألغى العديد من اللوائح التشريعية البيئية. وعلى عكس ترمب، يعتقد بايدن أن تغيُّر المناخ يهدّد الأمن القومي، حيث ترتبط العديد من حالات غياب الاستقرار

«الشرق الأوسط» (بيروت)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».