أوروبا والهجرة... انزلاق لجهة اليمين المتطرف

الرهان على اختراق مفاصل الدولة قاسم مشترك يجمع بين الجماعات المتشددة

مواطنون ألمان في وقفة احتجاجية ضد اتساع ظاهرة التطرف اليميني في ألمانيا الشهر الماضي (أ.ف.ب)
مواطنون ألمان في وقفة احتجاجية ضد اتساع ظاهرة التطرف اليميني في ألمانيا الشهر الماضي (أ.ف.ب)
TT

أوروبا والهجرة... انزلاق لجهة اليمين المتطرف

مواطنون ألمان في وقفة احتجاجية ضد اتساع ظاهرة التطرف اليميني في ألمانيا الشهر الماضي (أ.ف.ب)
مواطنون ألمان في وقفة احتجاجية ضد اتساع ظاهرة التطرف اليميني في ألمانيا الشهر الماضي (أ.ف.ب)

في الأيام الأخيرة، حذر موقع «ميديا بارت» الفرنسي الشهير في تقرير له من مغبة خطر انزلاق اليمين المتشدد في أوروبا نحو العنف... ما الذي يستدعي الموقع المعروف بيقظته للحركات المغرقة في الأصولية والعلمانية الأوروبية المتطرفة الجافة إلى إصدار مثل هذا التحذير؟ وهل هناك ما هو جديد ومثير يمكن أن يزخم ويدعم مسيرة النازيين والفاشيين الأوروبيين مرة جديدة؟

أغلب الظن أن الموقع كان مستدلاً في استنتاجه هذا بتوقيف خلية للنازيين الجدد في إيطاليا وبحوزتها قذيفة صاروخية كانت مملوكة للجيش القطري، معتبراً أن توقيف هذه المجموعة جاء بعد سلسلة من الأحداث التي شهدتها أوروبا، والتي توضح جنوح بعض أعضاء أقصى اليمين إلى التطرف.
هل الحركات اليمينية الأوروبية باتت تمثل خطراً حقيقياً مصحوباً بالعنف في داخل القارة العجوز؟ وإذا كان ذلك كذلك، فمن يدعمها من جهة؟ وما هي محفزات الأحداث التي تجعل منها لاعباً قوياً في الفترة المقبلة؟
الناظر إلى الداخل الفرنسي بعين فاحصة في الفترة الأخيرة يدرك كيف أن الاستخبارات الفرنسية وإن كانت توجه دوماً جهودها لمتابعة الإرهاب الأصولي الإسلاموي، لا سيما بعد عمليات «القاعدة» و«داعش» هناك في السنوات الأخيرة، فإن مراقبة اليمين الأوروبي المتطرف (خصوصاً أن بعض الخلايا الفرنسية اليمينية مؤخراً كادت تتسبب في كوارث) قد باتت تشكل جزءاً مهماً من الاستراتيجية الوطنية في هذا المجال.
يعلم القاصي والداني أن إشكالية الهجرة والمهاجرين، القانونيين منهم وغير الشرعيين، قد شكلت - ولا تزال - واحدة من أهم وأخطر الذرائع التي يستغلها دعاة الشعبوية اليمينية المتطرفة في طريق مغازلة صفوف الجماهير الأوروبية، والترويج لأطر فكرية مزعجة، من نوعية «أسلمة أوروبا» و«الاستبدال الكبير»، تلك النظرية التي روج لها الباحث الناشط السياسي الفرنسي «رينو كامو».
ولعل قرارات الدول الأوروبية الأخيرة الخاصة بإيجاد آلية لتوزيع المهاجرين سوف تفعل فعل الزيت عندما يصب على النار فيزيد أوراها اشتعالاً... ماذا عن ذلك؟
الأسبوع الماضي، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن 14 دولة عضواً في الاتحاد الأوروبي وافقت على «آلية تضامن» جديدة اقترحتها ألمانيا وفرنسا لتوزيع المهاجرين على دول التكتل.
أما مفوض الاتحاد الأوروبي للهجرة والشؤون الداخلية والمواطنة، ديمتريس أفراموبولوس، فقد أكد من ناحيته أن وزراء الخارجية الأوروبيين قد عملوا على التوصل إلى استراتيجية من شأنها مساعدة المهاجرين في ليبيا، وتنظيم عمليات النقل الإنسانية، وكذلك العودة الطوعية.
يعن لنا هنا أن نتساءل: هل مثل هذا القرار كفيل بإشعال الأصوليات اليمينية الأوروبية، تلك التي تؤمن بالجذور الثقافية والإيمانية لأوروبا المسيحية، الرافضة لاستقبال أعداد من البشر يمكنها أن تكون عاملاً مهدداً لمستقبل القارة على أكثر من صعيد؟
الشاهد أن إيطاليا التي يتنامى فيها اليمين الأوروبي المتشدد إلى حد التطرف قد رفضت المشاركة في مثل هذا اللقاء، وتغيب وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني الذي كرر بعد اختتام أعمال الاجتماع أن «بلاده لا ينبغي أن تبقى معسكراً لبروكسل وباريس وبرلين يأوي إليه اللاجئون».
والتساؤل المطروح: هل هناك من يدعم يمين إيطاليا المتطرف بنوع خاص؟ بمعنى: هل هناك أموال بعينها تجد طريقها إلى الداخل الإيطالي بداية لدفع الإيطاليين في طريق عودة الفاشية القديمة، وإن من خلال أصوات وأثواب أكثر عصرانية؟
هناك قصة بدأت فصولها مؤخراً في وسائل إعلام أوروبية، تربط بين ما يجري من تنامٍ وتصاعد لتلك الحركات من جهة، وبين ما بات يصطلح على تسميته «الأوليغارشية الروسية» من جهة ثانية؛ تحتاج القصة إلى قراءة معمقة، غير أنها في اختصار غير مخل موصولة بادعاءات أوروبية لم يقطع أحد بالمرة بصحتها بالمطلق، تدور حول رغبة الكرملين، والثعلب الروسي فلاديمير بوتين، في إضعاف أوروبا إلى أبعد حد ومد، بهدف واحد، وهو التمهيد لفكرة القارة الأوراسية، تلك التي تكون فيها الكلمة والغلبة لموسكو، والقادرة على التحكم في شؤون الأوروبيين.
أجزاء القصة تذهب إلى أن أطرافا أوروبية بعينها تجد ذاتها الآن متهمة بتلقي أموال من الروس لتنفيذ مخططات بوتين، وفي القلب من تلك الأطراف في إيطاليا بنوع خاص زعيم حزب «الليغا»، ونائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية ماتيو سالفيني، ومستشاره جيانلوكا سافويني.
ولعل المتابع لوسائل الإعلام الإيطالية يدرك أن هناك أدلة ملموسة في أيدي المحققين، وقد تسربت لوسائل الإعلام الإيطالية، منها تسجيل صوتي بين ثلاثة رجال أعمال روس، ونظراء لهم من إيطاليا، قد التقوا في فندق «متروبول» في موسكو، حيث كان من المقرر رسمياً التباحث في قضايا نفطية، إلا أن الاجتماع في حقيقته كان للتغطية على دعم غير قانوني لحزب الرابطة، وزعيمه سالفيني.
كثيراً جداً ما تندر الأوروبيون على نظرائهم الأميركيين بشأن أموال التبرعات، تلك التي جعلت الديمقراطية الأميركية، كما يقال، تباع على الأرصفة من جهة، ومن ناحية أخرى ساهمت الأموال عينها في تجذير حضور الجماعات اليمينية الأميركية، التي يبدو أنها انتقلت إلى أوروبا، عبر جسرين: واحد آيديولوجي، والآخر مالي عبر التبرعات ذاتها.
الناحية الفكرية الأميركية التي أثرت تأثيراً سيئاً للغاية على الأوروبيين تمثلت في الرجل الذي قاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت أبيض، وعبر مغازلة تيار اليمين الأميركي، والحديث دون شك عن المستشار ستيف بانون، هذا الذي هجر أميركا إلى أوروبا، وهناك بدأ في بلورة مشروعه العنصري الرافض لغير الأوروبيين في أراضي القارة العجوز، من خلال اجتماعاته مع قيادات اليمين المتطرف في أوروبا، من ماريان لوبان في فرنسا إلى فيكتور أوربان في المجر، سعياً منه إلى إطلاق ثورة شعبوية في القارة الأوروبية، تمر عبر تنظيم مختلف التشكيلات اليمينية المتطرفة في كل أوروبا.
كان حلم بانون أن تهيمن التنظيمات اليمينية المتشددة إلى حد التطرف على الانتخابات البرلمانية الأوروبية الأخيرة، غير أن هذا الحلم في واقع الأمر لم يتحقق. ففي المحصلة، شهدت أصوات اليمين المتطرف ارتفاعاً وثباتاً، لكنها لم تكن في كل الأحوال بمثابة نصر مبين، غير أن هذا لا يعني إنكار نجاح اليمين المتطرف في استقطاب كثير من الأطراف المحايدة، لا سيما في ضوء الدعم المالي الأميركي هذه المرة... ماذا عن هذا؟
مؤخراً، طفت على سطح الأحداث معلومات تشير إلى أن اليمين الأميركي المتطرف قد أنفق ما لا يقل عن 50 مليون دولار من «الأموال السوداء» لتمويل حملات اليمين المتطرف الأوروبي على مدى العقد الماضي.
ولأن معظم تلك المؤسسات الأميركية هي أقرب ما تكون إلى الهيئات الخيرية، فإنه ليس هناك ما يجبرها على كشف مصادر إنفاق أموالها، وقد كانت تلك الأموال مساعداً لستيف بانون في السعي لاستئجار منشأة دينية تعود إلى القرن الثالث عشر الميلادي، لتدريب أجيال جديدة من الأوروبيين اليمينيين المتطرفين، قبل أن تحبط خططه بسبب احتجاجات السكان المحليين على أنشطة من هذا النوع، تعمق الشقاق والفراق في الداخل الأوروبي، وبشكل غير مسبوق.
لم تكن إيطاليا وحدها الغارقة في أموال الفاشية الأوليغارشية الروسية من ناحية، وأموال الإمبريالية الفوقية الأميركية من ناحية ثانية، فهناك - على سبيل المثال لا الحصر - النمسا، حيث فضيحة نائب مستشار النمسا زعيم حزب الحرية المضطر للاستقالة هاينز كريستيان شتراخه، التي تكشفت في مايو (أيار) الماضي، بفعل فضيحة «إييبيزا» التي دارت حول عروض مالية لقاء تسهيل مصالح روسية في النمسا.
يمكن للمرء أن يتفهم تنامي وتصاعد حركات اليمين الديني والآيديولوجي في إيطاليا بسبب أوضاعها المالية المتعثرة، ويمكن للمشهد أن ينسحب على النمسا جراء أطماع براغماتية لمسؤولين حكوميين، لكن ماذا عن ألمانيا، تلك القاطرة الاقتصادية التي تقود أوروبا بأكملها؟ وهل تصاعد ونمو التيار اليميني فيها مرده الحاجة إلى حفنة دولارات؟
قصة ألمانيا تحتاج حتماً إلى صفحات طوال، لا سيما أن الخلايا اليمينية هناك حققت نتائج خطيرة وكبيرة، من خلال قدرتها على التغلغل في مفاصل الدولة الألمانية، وتحديداً في صفوف الأمن والجيش، مثلما تفعل جماعات الإسلام السياسي في الشرق، وفي الغرب إن استطاعت إلى ذلك سبيلاً.
أحدث التقارير في هذا الإطار هو الذي نشرته وكالة «بلومبرغ» في 14 يوليو (تموز) الجاري، والذي تؤكد فيه أن بعض الأحزاب الأوروبية بدأت تتخلص ممن يثبت تبنيه للفكر اليميني المتطرف، إلا أن بقية التقرير تزعج الأوروبيين جراء معرفتهم بحقائق تثبت أن الجماعات اليمينية تمكنت من غرس عملاء لها داخل صفوف القوات المسلحة والشرطة في بلادهم.
هل أضحت أوروبا مخترقة بالفعل من الأصوليين ومن المتطرفين اليمينيين الأوروبيين؟
في يوليو (تموز) الماضي، كانت هيئة حماية الدستور الألمانية تعلن في تقرير لها أن النجاحات التي أحرزت في عملية تجريد عناصر يمينية متطرفة، مثل أنصار حركتي «مواطنو الرايخ» و«المواطنون المستقلون»، من السلاح لا تعني انقضاء التحذير من هذا الخطر.
والمثير أن تقريراً فرنسياً ألمانياً، صدر الأسابيع القليلة الماضية، تحدث عن القاسم المشترك الذي يجمع بين الجماعات المتطرفة، سواء كانت يمينية أو أوروبية أو إسلامية، والذي يكمن حتماً في رهاناتها المتواصلة على اختراق مفاصل الدولة، خصوصاً تلك التي تتعلق بالجيش والأمن والاستخبارات.
هل لا تزال الإسلاموفوبيا عنصراً محفزاً لكثير من الجماعات اليمينية الأوروبية المتطرفة؟
ذلك كذلك بالفعل. ففي دراسة أجراها باحثون لصالح مؤسسة «بيرتلزمان» الألمانية بمدينة غوترزلوه في ألمانيا، أشار نصف المستطلعة آراؤهم إلى أن الإسلام يبقى تهديداً جذرياً لأوروباً، مما يعني أن هناك إشكالية تعميم في الواقع الراهن الألماني خاصة، والأوروبي عموماً، ما تمثل في أسوأ صورة معاصرة في الدنمارك مؤخراً، رغم أنها من الدول الاسكندنافية المتمتعة بكثير من الرفاهية، والتي لا يتوجب أن يعرف التشدد طريقه إليها.



حروب اليوم... عندما يُقاس النصر بعدم سقوط النظام

صورة نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني لإطلاق صواريخ باليستية في بداية الحرب (أ.ف.ب)
صورة نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني لإطلاق صواريخ باليستية في بداية الحرب (أ.ف.ب)
TT

حروب اليوم... عندما يُقاس النصر بعدم سقوط النظام

صورة نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني لإطلاق صواريخ باليستية في بداية الحرب (أ.ف.ب)
صورة نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني لإطلاق صواريخ باليستية في بداية الحرب (أ.ف.ب)

يقول كثير من الخبراء الاستراتيجيّين إن عالم اليوم هو عالم اللاتماثل بامتياز (Asymmetry). عالم يمرّ في مرحلة انتقالية بين نظام عالميّ لم يعد ناجعاً، وعالم مُنتظر ما زال في طور التبلور؛ عالم لا مرجعيّة فيه سوى فوّهة البندقيّة. عالم تغيب فيه الدبلوماسيّة التقليديّة؛ عالم تصبح فيه الحرب الإعلاميّة تسير جنباً إلى جنب مع المعركة الفعليّة في ساحات الحرب لترسم صورة نصر قد لا تكون حقيقيّة؛ عالم تتبدّل فيه نظريات النصر.

ماذا يعني، مثلاً، أن تُعلن دولة ما انتصارها تحت شعار «ربحنا لأننا لم نخسر»؟ فهل يُقاس النصر استناداً إلى نسبة ما حقّق العدو من أهدافه المُعلنة؟ هل يُقاس النصر بعدم سقوط النظام ولو كان على حساب الدولة والمجتمع؟

لقطة من حرب أوكرانيا (أرشيفية - أ.ف.ب)

في مثل هذا العالم أصبح «المُعطّل» (Disruptor) يتحكّم بديناميكيّة العلاقات الدوليّة وحركيتها. عالم مترابط «رقميّاً» (Digital) إلى حدّ الذوبان، لكنه مُفتّت فعلياً على مستوى العلاقة بين الدول، وعلى مستوى سلاسل التوريد. في هذا العالم، ماذا يعني ميزان القوى؟ تتمثل عناصر قوّة الدولة بـ: القوة العسكريّة، القوة الاقتصاديّة، القوة السياسيّة، وكذلك القوة التكنولوجيّة، ولكن ماذا يعني ذلك عندما تصبح تكلفة الحرب مُتدنّية جدّاً، بحيث تسمح للاعب من خارج الدولة أن يستحصل على التكنولوجيا المتطوّرة ذات الاستعمال المزدوج (Dual use)، وتحويلها عند الحاجة سلاحاُ فتّاكاً؟

انطلاقاً من ذلك، بات يُطرح سؤال عما هو فنّ الحرب في عالم اليوم، وكيف يتم تطبيقه. يقول المفّكر الفرنسي جيرارد شاليان في كتابه «فن الحرب الجديد»، إن العالم الغربي أصبح في حاجة إلى فن حرب جديد، بعد أن كشف باقي العالم (المُستعمَر) أسرار هذا الفنّ ووسائله. فبدل النصر المُطلق الذي كان ولا يزال يعتمده الغرب، أصبح فن الحرب الجديد لا يقوم على تدمير الخصم فقط، بل على تعطيل نظامه، وإرباك إدراكه، وضرب شبكاته الحيوية بأدوات رخيصة ولا متماثلة. تنطبق أكثر ما تنطبق هذه المعادلة على الفريق الأضعف في الحرب. أما الأقوى، فلا يزال يعتمد على استعمال القوّة المفرطة، حتى تصل إلى حدّها الأقصى، لتنتقل الحرب بعدها، وفي حال صمود الأضعف، إلى مرحلة الانسداد (Stalemate). في هذه الحالة، لا يمكن للأقوى الحسم الكامل والشامل، خاصة إذا قرر الأضعف عدم التنازل عن أي شيء.

صورة نشرتها وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» من إطلاق قذائف صاروخية من قارب سريع خلال مناورات حربية في مضيق هرمز (أرشيفية)

في هذا الإطار، كتب الصحافي البريطاني، جنان غانيش، في «فاينانشال تايمز» مقالاً تحت عنوان «قرن الانسداد»، قال فيه إن الانسداد هو سيّد الموقف في عالم اليوم، حتى مع القوى العظمى: روسيا غارقة في أوكرانيا. أميركا حائرة ماذا تفعل في الخليج. وفي الوقت نفسه، تأخذ الصين الدروس من هاتين التجربتين لرسم الاستراتيجيّة المستقبليّة تجاه تايوان. لكن الفكرة الأهم التي وردت في المقال ترتكز على معنى الاستقرار (Stability) في العصر الحالي مقابل القرن الماضي. ففي القرن العشرين، كان الاستقرار ينتج من انتصار فريق على فريق آخر. هكذا حصل في الحرب العالميّة الثانية. لكن تعريف الاستقرار اليوم، في القرن الـ21، قد يرتكز على فكرة «الانسداد»، أو على مبدأ «لا غالب ولا مغلوب»، وعلى قبول الأفرقاء بالواقع والتعايش معه، وكأنه الحالة الطبيعية. يعيد ذلك التذكير بالتجربة الكورية من عام 1950 وحتى اليوم: منطقة عازلة؛ وقف للنار، لكن دون معاهدة سلام. ومن الواضح أن هناك جهوداً اليوم لتكرار شيء شبيه بالتجربة الكورية في أوكرانيا، وتحديداً ما يخص إقليم الدونباس في شرق البلاد، الذي تسعى روسيا إلى إكمال سيطرتها عليه.

تفرض هذه الخلفية طرح تساؤلات حول كيف يُفكّر المُنظّرون الجيوسياسيّون اليوم في النظريّات التي وضعها مفكّرو الغرب بعد الثورة الصناعيّة. فهل لا تزال نظريات البريطاني هالفورد ماكندر، حول أهميّة السهل الأوراسيّ (هارتلاند) قائمة في القرن الحادي والعشرين؟ كان ماكندر يرى أن من يسيطر على أوروبا الشرقية يسيطر على الهارتلاند، ومن يسيطر على الهارتلاند يتحكّم بمصير العالم. وماذا عن الريملاند (Rimland)، أو الحافة الساحلية لأوراسيا والتي نظّر فيها المفكر الأميركي نيكولا سبايكمان قائلاً إن من يسيطر على الحافة الساحلية لأوراسيا يسيطر على أوراسيا، ومن يسيطر على أوراسيا يسيطر على العالم. فأين أصبحت هذه النظريات؟

عندما رسم الرئيس الصيني شي جينبينغ مشروعه الكوني «الحزام والطريق» أراد جمع نظريتيّ كل من ماكندر وسبايكمان، أي الهارتلاند والريملاند، على أن تكون الصين مركز الثقل الأساسيّ. حالياً، يعاني الريملاند، المفترض أن يُشكّل خط الاحتواء للصين بعد أن كان خطّ الاحتواء للاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة، من صعود الهند وباكستان، ومن تداعيات الحرب الحالية مع إيران. وفي الوقت نفسه، يتوطّد مسار الهارتلاند بين روسيا والصين بشكل يمكن القول فيه إنه للسيطرة على الهارتلاند ليست هناك ضرورة للسيطرة على أوروبا الشرقية، بعكس ما نظّر ماكندر. فأوروبا الشرقية أصبح أغلبها ضمن حلف «ناتو» المترنّح. وتبدّلت المعادلة الآن على الشكل التالي: بدل السيطرة على أوروبا الشرقية كنقطة انطلاق للسيطرة على السهل الأوراسي، قد يمكن البدء من شرق آسيا، ومن الصين بالتحديد، والتمدّد نحو أوروبا الشرقيّة للسيطرة على السهل الأوراسيّ. فهل بدأ التحول لتكون الصين أولى بين متساوين؟ والجدير ذكره هنا، أن التأثير الصيني قد وصل إلى أوروبا الشرقيّة، عبر روسيا، بحيث استفادت الصين من الأخطاء الجيوسياسيّة التي ارتكبها الغرب، سواء ما يتعلق بتوسعة حلف «ناتو»، أو الحرب الروسيّة على أوكرانيا. ولكن ماذا لو فُتحت طريق الشمال بعد ذوبان الجليد القطبي بحيث تصبح الطريق سالكة على مدار السنة: هل ستستمرّ النظريات الجيوسياسيّة الغربيّة القديمة في تأثيرها، أم لا بد من البحث عن تعديلات جذريّة لأنه لا يمكن الهرب من قدريّة الجغرافيا، خاصة في السهل الأوراسيّ؟

طائرات تنطلق من على سطح حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» خلال الحرب على إيران 3 مارس 2026 (رويترز)

تماهي الخطوط في الحرب والسلم

لا يزال المفكرون العسكريون يتحدّثون عن ثلاثة مستويات للحرب هي: الاستراتيجيّة، العملانيّة، والتكتيك. في هذه المعادلة، تعوّدت الجيوش على وضع الاستراتيجيّات، وتمريرها إلى المستوى التكتيكي، وعبر المستوى العملانيّ كي تُختبر ميدانيّاً. وبعد الاختبار، لا بد من أخذ الدروس، تحليلها، ومن ثم القيام بالتعديلات اللازمة. كانت هذه الدورة (Cycle) تأخذ وقتاً طويلاً للتحليل، واقتراح اللازم، ثم إدراجها في العقيدة القتاليّة. لم يعد هذا الأمر قائماً. فالمُصنّع والمقاتل أصبحا معاً في أرض الميدان خلال القتال. يختبر المقاتل السلاح الجديد إلى جانب المهندس الميكانيكي، أو مهندس الكمبيوتر، أو المُبرمج (Coder). وبذلك تكون هذه الدورة، قد تقلّصت إلى أيام وأسابيع بعدما كانت تُقاس بالسنين.

غيّر الفيلسوف الأميركي الفيزيائي الراحل، توماس كون، فهمنا لتاريخ العلوم. فهو كان قد نظّر حول مفهوم الثورات العلميّة، ونقد الفهم القديم التراكميّ والتدريجيّ في التطوّر العلميّ. ففي الثورة العلمية، حسب كون، تسقط النظريات القديمة لتحلّ مكانها نماذج فهم جديدة. هكذا هي حال عالم اليوم، خاصة وأن النماذج العلميّة القديمة لم تعد تقدّم الحلول الناجعة، وتحديداً في الحروب الحديثة. فالعقيدة العسكريّة القتاليّة ترتكز عادة على الوسائل المتوافّرة. وكلّما قدّم العلم وسائل جديدة، ارتقت العقيدة العسكريّة مع هذا التحوّل. ومن يُهمل هذا التحوّل العلميّ سيدفع الأثمان الكبيرة. هكذا هي حال أوروبا وحلف «ناتو» بعد الإهمال الأميركيّ. في عالم اليوم، انتقلت صناعة الأسلحة إلى القطاع الخاص بكل أبعادها. وبدأت الشركات الناشئة تقدّم الحلول للعسكر بسرعة فائقة، أو حتى أصبحت هذه الشركات تقدّم الحلول العسكريّة. بكلام آخر، أصبح العالم مُعسكراً بكل أبعاده (Militarized)، حسب ما يقول المفّكر الأميركيّ، ستيفن بيتر روزن. وبذلك، تحوّل كل إنجاز إلى الاستعمال المزدوج (Dual Use). فالذكاء الاصطناعي الذي من المفروض أن يسهِم في كشف الأمراض والمساعدة على شفائها، أصبح يُستعمل في المُسيّرة الانتحاريّة. كذلك الأمر، سقطت القوانين الدوليّة التي من المفروض أن تحمي الإنسان خلال الحرب، لتصبح المدينة الحضريّة (Urban) هي المسرح الأساسيّ للحرب. هكذا الحال في قطاع غزّة، وكذلك في لبنان. ففي الحالتين تُمارس عقيدة الأنقاض (Rubble Doctrine)، حسب ما قال بعض الخبراء العسكريّين.

لقطة من فيديو وزَّعه «حزب الله» تُظهِر عنصراً منه يجهّز مسيّرات لإطلاقها باتجاه الأراضي الإسرائيلية

يُصنّف عالم اليوم على أنه الأكثر شفافيّة (Transparent) من حيث انتشار الأفكار، التكتيكات والوسائل العسكريّة. فما ينجح في مكان مُحدّد، يأخذه مكان آخر، يُدخل عليه التعديلات اللازمة كي يتلاءم مع محيطه المباشر وحربه الخاصة. وهكذا دواليك.

في الختام، قد يمكن القول إن كل هذه التحوّلات إنما تحصل على حساب الدولة - الأمّة التي أصبحت عاجزة عن أداء مهامها الأساسيّة، خاصة في مجال «احتكار» استعمال وسائل العنف، كما بشّر ماكس ويبر. فهل نحن أمام ظاهرة «الحرب الدائمة، والمنخفضة الحدّة والتكلفة»؟ وهل انضمّ اللاعب «المُعطّل» واللاعب «اللادولتيّ» إلى مجال العلاقات الدوليّة على حساب الدولة- الأمّة، أو بصفته شريكاً لها؟


الأمم المتحدة تتوقع ارتفاع درجات الحرارة بفعل ظاهرة النينيو

تجربة تشغيل نظام ضباب تبريد في وسط مدينة بوسان بكوريا الجنوبية استعداداً لموجة الحر الصيفية (إ.ب.أ)
تجربة تشغيل نظام ضباب تبريد في وسط مدينة بوسان بكوريا الجنوبية استعداداً لموجة الحر الصيفية (إ.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة تتوقع ارتفاع درجات الحرارة بفعل ظاهرة النينيو

تجربة تشغيل نظام ضباب تبريد في وسط مدينة بوسان بكوريا الجنوبية استعداداً لموجة الحر الصيفية (إ.ب.أ)
تجربة تشغيل نظام ضباب تبريد في وسط مدينة بوسان بكوريا الجنوبية استعداداً لموجة الحر الصيفية (إ.ب.أ)

توقعت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة، الثلاثاء، حدوث ظاهرة النينيو بقوة متوسطة أو ربما شديدة؛ ما قد يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة العالمية وزيادة مخاطر التعرض لظواهر جوية متطرفة خلال الأشهر المقبلة.

ووفقاً للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، فإن ظاهرة النينيو هي ارتفاع دوري في درجات حرارة سطح الماء في وسط المحيط الهادئ وشرقه، وتستمر عادة ما بين تسعة أشهر و12 شهراً.

وقالت المنظمة إن مياه المحيط الدافئة تغذي تطور ظاهرة النينيو، وتوقعت درجات حرارة أعلى من المتوسط في معظم أنحاء العالم من يونيو (حزيران) إلى أغسطس (آب). ورجّحت المنظمة استمرار الظاهرة حتى نوفمبر (تشرين الثاني)، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

شخص يحتمي تحت مظلة خارج كاتدرائية نوتردام وسط موجة حر شديدة في باريس (رويترز)

وقالت الأمينة العامة للمنظمة سيليسي ساولو: «علينا الاستعداد لظاهرة النينيو التي قد تكون قوية؛ ما سيؤدي إلى تفاقم الجفاف وهطول الأمطار الغزيرة وزيادة مخاطر موجات الحرارة، سواء على اليابسة أو في المحيط». وأضافت ساولو أن ظاهرة النينيو الأحدث، التي شهدها العالم في 2023 -2024، أسهمت في جعل عام 2024 الأشد حرارة على الإطلاق. وذكرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أنه لوحظ تغير في المنطقة الواقعة على جانبي خط الاستواء في المحيط الهادئ؛ إذ ارتفعت درجات حرارة سطح المحيط بسرعة من أواخر أبريل (نيسان) إلى منتصف مايو (أيار)؛ ما يشير إلى تطور ظروف ظاهرة النينيو.

أحد الركاب الهنود يرتشف ماء الليمون البارد خلال ظهيرة يوم حار في كلكتا (إ.ب.أ)

ومن المعروف أن هذا النمط يؤثر في ظروف المناخ الإقليمية؛ إذ قد يؤدي إلى زيادة هطول الأمطار في جنوب الولايات المتحدة وأميركا الجنوبية وأجزاء من القرن الأفريقي وآسيا الوسطى، في حين يتسبب بجفاف في أستراليا وأميركا الوسطى وإندونيسيا وأجزاء من جنوب آسيا. وقالت المنظمة إنه يمكن أن يسبب ارتفاع درجات الحرارة عالمياً، ويؤجج الأعاصير في وسط المحيط الهادئ وشرقه.

يستمتع الرجال بالبحر بجوار ميناء دوفر في بريطانيا بينما صدرت تنبيهات صحية برتقالية اللون بجميع أنحاء المملكة المتحدة تحسباً لموجة حرّ (رويترز)

وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش: «يجب على العالم أن يتعامل مع الأمر على أنه تحذير مناخي ملح. ستؤجج ظروف النينيو الاحترار العالمي»، وحث على التحول من الوقود الأحفوري إلى الطاقة المتجددة.


انتقادات واشنطن تختبر تماسك «الناتو»

هيغسيث برفقة نظيريه الأسترالي والبريطاني خلال مؤتمر صحافي في سنغافورة يوم 30 مايو (رويترز)
هيغسيث برفقة نظيريه الأسترالي والبريطاني خلال مؤتمر صحافي في سنغافورة يوم 30 مايو (رويترز)
TT

انتقادات واشنطن تختبر تماسك «الناتو»

هيغسيث برفقة نظيريه الأسترالي والبريطاني خلال مؤتمر صحافي في سنغافورة يوم 30 مايو (رويترز)
هيغسيث برفقة نظيريه الأسترالي والبريطاني خلال مؤتمر صحافي في سنغافورة يوم 30 مايو (رويترز)

صعّدت الولايات المتحدة لهجتها تجاه حلفائها في حلف شمال الأطلسي خلال عطلة نهاية الأسبوع في سنغافورة، لكنّ مسؤولين من أوروبا الغربية شدّدوا على أن الحلف لا يزال متماسكاً.

وفي كلمة أمام «حوار شانغريلا»، أشاد وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث بالشركاء الآسيويين لزيادة إنفاقهم الدفاعي واصطفافهم الوثيق مع واشنطن، في ظل تصاعد التوترات مع الصين. وقال: «عندما تتوافق مصالحنا، نتحرك معاً بعزم مركّز». وأضاف: «عندما تتباعد مصالحنا، نكيّف مواقفنا بواقعية، من دون دراما أو وعظ. أعتقد أن أوروبا الغربية قد تستفيد من ملاحظة ذلك». وتابع: «أمام أوروبا و(الناتو) قرارات كبيرة ينبغي اتخاذها».

زيادة الإنفاق الدفاعي

اتهمت إدارة الرئيس دونالد ترمب مراراً الحكومات الأوروبية بعدم الاستثمار بما يكفي في جيوشها، وبالاعتماد المفرط على الحماية الأميركية، في وقت حضّت فيه كلاً من أوروبا والحلفاء الآسيويين على زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

جانب من جلسات «حوار شانغريلا» في سنغافورة يوم 31 مايو (أ.ف.ب)

وأعلنت واشنطن في مايو (أيار) خططاً لسحب 5 آلاف جندي من ألمانيا، فيما هدّد ترمب بالانسحاب من «الناتو». وسعى مسؤول رفيع في «الناتو» إلى التقليل من شأن سحب القوات الأميركية، قائلاً إن الخطوة كانت مقرّرة سلفاً، وإن تماسك الحلف لم يتأثر، كما نقلت وكالة «رويترز».

وقال الأدميرال جوزيبي كافو دراغوني، رئيس اللجنة العسكرية في «الناتو»: «في تحالف ناضج، إذا احتاج أحد الحلفاء (...) إلى إعادة توجيه بعض القوة إلى مكان آخر، فبوسعه أن يفعل ذلك، وعلى الآخرين أن يكونوا قادرين على سدّ الفراغ».

بدوره، قال نيلس هيلمر، وزير الدولة في وزارة الدفاع الاتحادية الألمانية، إن برلين تسرّع استثماراتها العسكرية بصرف النظر عن الانتشار الأميركي مستقبلاً. وأضاف: «ما نعرفه على وجه اليقين... هو أنه ستكون هناك تحولات في هذا المجال». وتابع: «لهذا السبب نحن بصدد تولّي أمننا بأيدينا».

«مصداقية الناتو» وترابط المسارح

استخدم وزراء أوروبيون المنتدى أيضاً لطمأنة الشركاء الآسيويين إلى أن «الناتو» لا يزال يحظى بالمصداقية خارج جواره المباشر.

وقالت وزيرة الدفاع الفرنسية كاترين فوتران في كلمة أمام المندوبين إن «مصداقيتنا في آسيا تعتمد أيضاً على صلابتنا في أوروبا، في الدفاع عن أوكرانيا في مواجهة العدوان الروسي».

هيغسيث يتوسط نظيريه الأسترالي والبريطاني خلال مؤتمر صحافي في سنغافورة يوم 30 مايو (رويترز)

وقال وزراء دفاع أوروبيون آخرون إن مسارح الأمن باتت أكثر ترابطاً على نحو كبير. وقال وزير الدفاع النرويجي توري ساندفيك، مشيراً إلى أن قوات كورية شمالية تقاتل في أوكرانيا، إن «المسرحين الأوروبي - الأطلسي والهندي - الهادئ أصبحا غير قابلين للفصل». وأضاف: «ستكون الولايات المتحدة منشغلة في مسارح أكثر».

لكن، على الرغم من كل الانتقادات الصادرة عن البنتاغون، قال عدد من أعضاء مجلسَي الشيوخ والنواب الأميركيين إنهم يسعون إلى طمأنة الحلفاء الأوروبيين والآسيويين إلى أنهم يحظون بدعم الحزبين في الكونغرس.

وقالت السيناتورة الأميركية تامي داكوورث: «سمعت القلق نفسه من الجميع، وليس فقط في المنطقة». وأضافت: «هناك بالفعل حلفاء في (الناتو) قلقون بشأن التزام أميركا بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ».

ومع ذلك، لا يزال التشكيك قائماً بين مندوبين آخرين بشأن وتيرة التحرك الأوروبي للاستثمار في الأمن الجماعي. وقال بافلو كليمكين، الزميل الأول غير المقيم في «مؤسسة كارنيغي»، ووزير الخارجية الأوكراني السابق: «على أوروبا أن تتعلم كيف تصبح لاعباً». وأضاف: «لا سبيل للالتفاف على ذلك. لكنه قد يكون مفيداً للغاية لشراكتها مع الولايات المتحدة، لأن الولايات المتحدة ستحترم مثل هذا الزخم الأوروبي».