«الصيف الجميل»... رواية تكشف فساد الشريحة الفنية

جزء من ثلاثية تتناول المجتمع الإيطالي في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي

«الصيف الجميل»... رواية تكشف فساد الشريحة الفنية
TT

«الصيف الجميل»... رواية تكشف فساد الشريحة الفنية

«الصيف الجميل»... رواية تكشف فساد الشريحة الفنية

صدرت عن «منشورات المتوسط» بميلانو رواية «الصيف الجميل» 1940 للروائي الإيطالي تشيزرِه باﭬيزِه، ترجمة كَاصد محمد، وهي الرواية الأولى من ثلاثية تحمل الاسم ذاته، إضافة إلى روايتي «الشيطان على التلال» 1948 و«بين نساء وحيدات» 1949. وقد فازت هذه الثلاثية بجائزة «ستريغا» أعرق وأرقى الجوائز الأدبية الإيطالية.
لم يعش باﭬيزِه (1908 - 1950) حياة طويلة بسبب الإحباطات النفسية، والخسائر العاطفية الممضة حيث تركته حبيبته الأولى التي اُعتقِل بسببها، ورفض أن يشي بها إلى السلطة الفاشية آنذاك، وحينما خرج من السجن عام 1936 وجدها قد اقترنت بشخص آخر. أما المرأة الثانية فهي الممثلة الأميركية كونستانس داولينغ التي التقاها عام 1947 لكنها سرعان ما هجرته وقفلت راجعة إلى بلادها تاركة إياه يتخبط في عزلة قاتلة أفضت به إلى الانتحار بجرعة كبيرة من الحبوب المنوِّمة.
تحتاج روايات باﭬيزِه إلى قراءة تأملية، فاحصة لأنها تزاوج بين المنحى الرمزي الذي لا يخلو من بعض الصعوبة أحياناً، والأسلوب النقدي الصارم الذي يفكِّك الواقع ويعيد صياغته من جديد على وفق رؤيته الفنية المطعّمة بحسٍ شعري عالٍ يمكن أن يتلمسه القارئ في غالبية قصصه ورواياته التي تركت تأثيرها الواضح على عمالقة الأدب الإيطالي حيث قال عنه إيتالو كالفينو إنّ «باﭬيزِه هو الكاتب الإيطالي الأهمّ، والأكثر عُمقاً، والأشدّ تعقيداً في زماننا، وليس من صعاب تواجهنا إلاّ وحذونا حذوه». أما إمبرتو إيكو فقد قال عنه: «كان باﭬيزِه أحد الكُتّاب الأساسيين الذين قرأتهم في مرحلة الشباب، وقد أثرّ بي بلا شك ليس من ناحية الأسلوب، ولكن من ناحية المخيلة الأدبية».
لا شك في أنّ كتابات باﭬيزِه عميقة ومعقدة لأنها مرصّعة بشذرات فكرية أو فلسفية، إن شئتم، ولكي نتجاوز هذا الإشكال علينا أن ندقق في كل التفاصيل الصغيرة التي تتعلق بالأنساق السردية لكل شخصية على انفراد. فرغم وجود شخصيات ثانوية كثيرة في رواية «الصيف الجميل» إلاّ أنّ التركيز منصبٌّ على جينيا وغويدو وأميليا ورودريغوس، فجينيا عاملة في مشغل خياطة، وغويدو، عسكري برتبه رقيب، ورسام في الوقت ذاته، ويتحدر من أصول قروية. أما أميليا فهي «موديل» لعدد من رسّامي مدينة تورينو. يحاول باﭬيزِه أن يلفت انتباه القرّاء إلى الطبقة الفنية المترفة أو الميسورة الحال في الأقل، لكنها فاسدة، ومنحرفة كما هو الحال مع الفنانِين الذين صادفناهم على مدار النص الروائي، فهم ينغمسون في رسم الفتيات والنساء العاريات مقابل مبالغ مادية ضئيلة، وأوهام فارغة. تتمحور ثيمة الرواية، بل الثلاثية برمتها، على الانتقال من مرحلة المراهقة والصبا إلى مرحلة النضج والبلوغ، وقد ركز الكاتب على شخصية جينيا ذات الستة عشر ربيعاً لكنها ما تزال طائشة، حمقاء في نظر أصدقائها المقرّبين، ومع ذلك فهي تعمل، وتكسب قوت يومها من كدّ اليمين، وعَرَق الجبين، وأكثر من ذلك فهي تعيل شقيقها سفيرينو، وتعدّ له الطعام كلما وجدت متسعاً من الوقت، لكن حياتها سوف تنقلب رأساً على عقب حينما تستدرجها صديقتها أميليا إلى عالمها الخاص في استوديوهات الفنانين الذين يرسمون الأجساد العارية ويبيعون لوحاتهم للأثرياء والموسرين من الطبقة البرجوازية. ورغم أنّ جينيا موقنة تماماً بأن غويدو لا يمكن أن يتزوجها ألبتة إلاّ أنها تخوض غمار تجربتها العاطفية الأولى معه، وتجد نفسها في مرسمه. ثم يتخلى عنها وكأنها مجرد ذكرى عابرة وَمَضت في أفق خياله ثم تلاشت إلى الأبد. إنّ ما يقدِّمه باﭬيزِه ليس أفول هذه العلاقة العاطفية التي كانت قائمة من طرف واحد، وإنما تصوير الإحساس بالخيبة، والشعور بالهزيمة التي يتعرض لها الكثير من الشباب في مرحلة المراهقة، وما ينجم عنها من تداعيات موجعة تظل لصيقة بالذاكرة الإنسانية ما دامت الأنفاس تصعد في الصدور.
تتمثل الشخصية الثانية بـ«غويدو» الذي عرفناه رقيباً في الجيش، ورسّاماً قادماً من ريف تورينو، ولعل باﭬيزِه أراد أن يدرس العلاقة بين الريف والمدينة لكنه أخرج هذه الشخصية من إطارها الريفي البسيط، وأدخلها في الإطار المعقد حينما جعله رسّاماً يرسم الطبيعة، والحياة الجامدة، واللوحات التشخيصية العارية لكن مشكلته الأساسية أنه يفضل رسم الطبيعة على الأشكال البشرية، بل إنه يجد سعادته المطلقة كلما ارتقى تلاً، أو وَلَج في غابة مكتظة الأشجار.
وبما أن الرواية تعالج فن الرسم في جانب كبير منها فلا بد لكاتب من طراز باﭬيزِه أن يلتقط ثيمة فنية تستقر في ذاكرة القرّاء. فحينما تطلب جينيا من غويدو أن يرسم لها بورتريها في بداية تعرّفها إليه يقول: «أنا لا أعرفكِ جيداً حتى الآن؛ لأرسم لك بورتريها. يجب علينا الانتظار». وفي فلسفة البورتريه لا يمكن للفنان أن يُمسِك بتجليات ملامح الوجه البشري ما لم يعرفه جيداً، فثمة «شيفرة» سرّيّة توصل الفنان إلى المعالم الغامضة للشخص الجالس في مرسمه.
كانت فكرة العذرية التي تدافع عن نفسها سائدة آنذاك، ويبدو أن باﭬيزِه كان سابقاً لعصره لذلك منح أبطاله فرصة للذهاب في المغامرات العاطفية إلى أقصاها فلا غرابة أن تلهث شخصياته وراء المتع العابرة في مجتمع خاض ويلات حربين مدمرتين هزّتا العالم برمته.
الشخصية الثالثة التي تستحق الوقوف عندها هي أميليا، الأكبر سناً، والأكثر خبرة من جينيا، وقد حاول باﭬيزِه أن يناقش ثيمة الموت من خلالها. ونتيجة لعلاقاتها المتعددة مع الرسامين أُصيبت بمرض الزهري، وهو مرض خطير في أربعينات القرن العشرين لكنها كانت محظوظة جداً حينما أخبرها الطبيب أنها سوف تتماثل للشفاء في الربيع القادم. ورغم تذبذب العلاقة الإشكالية بين أميليا وجينيا إلاّ أن الأخيرة طلبت منها أن تقودها حيثما تشاء، فهي التي أخذت بيدها منذ سنّ المراهقة وولجت فيها إلى مرحلة النضج العاطفي التي يتلمس فيها المرء طريقه إلى الملذات الجسدية والروحية في آنٍ معا.
أصدر باﭬيزِه عدداً من الروايات، والكتب الشعرية، والمذكرات من بينها «البيت على الهضْبة»، «السجن»، «القمر والمشاعل»، «الرفيق»، «الشاطئ»، «سيأتي الموت، عيناهُ عيناكِ»، «الأرض والموت»، «مهنة الحياة» إضافة إلى كتب أخرى في الترجمة، والنقد الأدبي، والحوارات الصحافية. وبسبب «خيانة» حبيبتيه المُشار إليهما سلفاً فقد ركزّ باﭬيزِه على ثيمات قاسية مثل «الإحساس بالوحدة» واعتبار «المرأة مجرد ثمرة جسدية» أو رمز لـ«اللامبالاة وعدم الإخلاص».
لا بد من الإشارة إلى أنّ باﭬيزِه قد ساهم مع كُتاب آخرين في إدخال الواقعية الإنجليزية - الأميركية في الأدب الإيطالي بعد قراءة العشرات من الروايات البريطانية والأميركية. وفي الوقت الذي كانت فيه الواقعية الجديدة مهيمنة على المشهد الأدبي والفني في إيطاليا غامر باﭬيزِه بالعودة إلى الأساطير، واستنطاق الميثولوجيا الإيطالية القديمة فاستحق «حوار مع ليوكو» لقب أشجع كتاب يصدر في أواسط الأربعينات من القرن الماضي.


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.