سيرة هجومية حادّة على الثقافة الأنغلوساكسونية

«الثمار الأرضية بأسمائها الفرنسية» لفاضل عباس هادي

لا يحب الكاتب لندن لأنها «مدينة بلا مقاهي أرصفة كتلك التي يراها في باريس وبرلين وبيروت وبغداد»
لا يحب الكاتب لندن لأنها «مدينة بلا مقاهي أرصفة كتلك التي يراها في باريس وبرلين وبيروت وبغداد»
TT

سيرة هجومية حادّة على الثقافة الأنغلوساكسونية

لا يحب الكاتب لندن لأنها «مدينة بلا مقاهي أرصفة كتلك التي يراها في باريس وبرلين وبيروت وبغداد»
لا يحب الكاتب لندن لأنها «مدينة بلا مقاهي أرصفة كتلك التي يراها في باريس وبرلين وبيروت وبغداد»

صدر عن دار «لندن للطباعة والنشر» كتاب «الثِّمار الأرضية بأسمائها الفرنسية» للشاعر فاضل عبّاس هادي، وهو الجزء الثاني من ثلاثية «الورّاق» التي نعتبرها سيرة ذاتية وثقافية ونقدية للمؤلف الذي توزعت اهتماماته بين الشِّعر، والنقد الأدبي والفني، والتصوير الفوتوغرافي، والكتابة الحُرّة التي تجمع بين دفّتيها خليطاً من الأدب، والفن، والنقد، والسياسة، والاستذكارات المصهورة في «نص مفتوح» يمكن للمتلقي أن يقرأه من أي صفحة يشاء. غير أن هذا النص المهجّن ينطوي على خطوط ظاهرة للعيان أبرزها المراجعة النقدية لكل ما قرأ أو وقعت عليه عيناه منذ صباه وشبابه حتى الوقت الحاضر، وقدرته الواضحة في التحليل النفسي سواء للشخصيات الثقافية والإبداعية أو للمجتمعات التي يرصدها في متون دراساته وكتبه النقدية التي تعتمد على انطباعاته الذاتية التي يؤازرها «مُرافقهُ الخفي» الذي يغمره بالمفاجآت السعيدة والمُدهشة.
دعونا نعترف بأن ثلاثية «الورّاق» هي سيرة هجومية بامتياز، وتحشر القارئ في مقارنة عويصة بين الثقافة الأنغلوساكسونية والثقافة الفرنسية، ويعني بالأنغلوساكسون بريطانيا وأميركا وأستراليا، ثم يستدرك ليقول بأنه لا يقصد بريطانيا برمّتها وإنما «إنغلاند» فقط بعيداً عن الآيرلنديين والاسكتلنديين والويلزيين. وحينما يأتي على ذِكر الأميركيين والأستراليين بوصفهم أنغلوساكسونيين أيضاً يخفِّف من لهجته وغلوائه بحجة «أنهم عرّضوا اللغة الإنجليزية للتهوية، وخلّصوها من الروائح العطنة التي علقت بها على مرّ العصور».
لا يقتصر هجوم فاضل عباس على اللغة الأنغلوساكسونية فقط، وإنما يمتدّ إلى أدبائها ومبدعيها وأناسها ومدنها، خصوصاً لندن. كما لم تسلم منه الحكومة البريطانية بساستها ووزرائها وبرلمانييها. وفي السياق ذاته يوجِّه انتقاداته الحادّة إلى الماكينة الإعلامية المتمثلة بالصحافة المكتوبة والمرئية والمسموعة. فكل شيء فرنسي، حسب الكاتب، هو أفضل من كل شيء أنغلوساكسوني. تُرى، هل تصحّ هذه النظرية؟ وهل يتقبّلها المتلقي الذي يقرأ هذا الكتاب؟
نقرأ في الصفحة الاستهلالية مُقتَبساً مشتركاً للروائي الفرنسي جول رونار والكاتب فاضل عباس يقولان فيه: «أحب موبسان لأنني أشعر بأنه يكتب لي وليس لنفسه. قل لي متى قرأتَ لكاتب أنغلوساكسوني، وشعرتَ بأنه يكتب لكَ؟ أنا لم أقرأ».
يركز المؤلف على مساوئ اللغة الإنجليزية فهي لغة العاهات، والحروب، والأسلاك الحديدية الشائكة، والتجارة، والصناعة، والعلوم وما إلى ذلك، بينما الفرنسية هي لغة الحُب، والتسامي، والأغصان المتعانقة، فهو يعيب على الإنجليز تسمية الجنائني بـTree Surgeon التي تعني «جراحة الأشجار»، أو استعمال «دودة كتب Bookworm» بدلاً من Booklover عاشق كتب، أو يجترحون «الدعسوقة» من كلمتين هما Lady+ Bird لتصبح Ladybird بينما هي Coccinelle بالفرنسية، كلمة جميلة واحدة لا غير، أو كلمة Pickpocket التي تتألف هي الأخرى من كلمتين أعطتا بالكاد معنى «النشّال» في إشارة واضحة إلى عدم قناعة الكاتب باللغة التلصيقية الأنغلوساكسونية مع أنّ التلصيق موجود في عدد كبير من اللغات الأخرى.
الشخصيات الأدبية الأنغلوساكسونية التي انتقدها الكاتب كثيرة ولا يمكن حصرها في هذا المقال لكننا سنتوقف عند ستة أسماء أدبية لامعة وهي: كولن ولسن، وفرجينيا وولف، ود. ه. لورنس، وإي. إم. فورستر، وتشارلز ديكنز، ووليم شكسبير. صبّ المؤلف جامَ غضبه على ولسن لأنه كتب عدداً من روايات الجريمة، كما أصدر أيضاً «إنسيكلوبيديا الجريمة» بالاشتراك مع باتريشيا بيتمان. أما فرجينيا وولف فقد نظرت إلى العالم في كتاباتها من مستوى الدودة وليس من منظور الطير، كما قرّعها الكاتب بسبب شذوذها الإيروسي الذي لا يهمنا كمتلقّين. رواية «عشيق الليدي تشارلي» لـ«د. ه. لورنس» وصفها الكاتب بكلمة «مُفتعلة» ليلغي العلاقة العاطفية القائمة بين شخص من الطبقة العاملة، وامرأة من الطبقة العليا، ويطعن في مصداقية الرواية وإبداعها. لم تشفع لفورستر روايات «موريس»، و«أطول رحلة» و«الطريق إلى الهند» لأنه كان «منحرفاً» بلغة ذلك الزمان. لم يلتفت الكاتب إلى رواية «الآمال العظيمة» التي تعد الأكثر تأثيراً وشعبية وإنما التفت إلى تحيّز ديكنز ضد السامية متفادياً التدقيق في الجوانب الفنية كاللغة، والشخصيات، والبنية المعمارية للنص الروائي. أما الانتقادات الكثيرة التي وجهها إلى مسرحيات شكسبير فهي مقبولة، ومنطقية إلى حدٍّ كبير ولا نستغرب حينما يصفه «بأنه عنيف، ودموي واحترابي». وقد استعان برأي ليو تولستوي الذي وجّه انتقادات لاذعة إلى اللغة المزوّقة لشكسبير، والشخصيات التي تتحدث بلسانه، والأمثال التي لا تخدم النص المسرحي وسواها من الملحوظات التي تولّد في نفسه «الملل والنفور والحيرة».
عيوب لندن كثيرة من وجهة نظر الكاتب، فهي مدينة بلا مقاهي أرصفة كتلك التي يراها في باريس، وبرلين، وبيروت، وبرشلونة، وبغداد، المدن التي يحبها، ويسترخي بين جوانحها فلا غروَ أن يجرّدها من إنسانيتها لأنها المدينة الوحيدة التي تبيع الحدائق والمتنزهات والأماكن العامة للأثرياء القادمين من وراء الحدود. وهي المدينة الوحيدة التي تتقوقع على نفسها، وتشذب الأشجار بالمناشير الكهربائية لكي لا تعانق أغصانها الساكنين وراء النوافذ الزجاجية.
حينما كانت تيريزا ماي وزيرةً للداخلية كانت مؤيدة قوية للبقاء في الاتحاد الأوروبي، أما الآن فقد أصبحت من أقوى الداعين إلى الانسحاب، فهي كبريطانية تفضل العزلة والتوحد مثل أي مواطن أنكَلو - ساكسوني ضائع لا يدري إن كان هو أوروبياً أم أطلسياً. تيريزا ماي وجيرمي كوربن كلاهما يعاني من تكلّس في العمود الفقري، وخلل في القصبات الهوائية، فكيف تقف الجزر البريطانية بقامة منتصبة لتسمع صوتها إلى الأجزاء الثلاثة الأخرى التي يفكر بعضها في البقاء ضمن الاتحاد والأوروبي والانفصال النهائي عن المملكة العتيدة.
يُسقِط الكاتب أوراق التوت عن وزراء وبرلمانيين وأساقفة لا يجدون حرجاً في كشف المستور، وانتهاك القيم الأخلاقية المتعارف عليها بحجة الحقوق والحريات الشخصية، ولا يكتفي بالإشارة إلى تيريزا ماي وإنما يعود إلى مارغريت ثاتشر التي كانت تردد «أننا أمة تجارية عظيمة»، ويذهب أبعد من ذلك بكثير إلى بوديكا Boudica التي كانت متعطشة للدماء.
أشرنا سلفاً إلى أن هذا الكتاب هو سيرة ذاتية وثقافية ونقدية للشاعر فاضل عباس هادي المولع باقتناء الكتب وقراءتها منذ صغره، بل إن مدير المكتبة العامة في الناصرية صبري حامد كان يسمح له دون غيره بالدخول إلى مستودع الحوليات والكتب الأجنبية لأنه كان يعرف شغفه باللغة الإنجليزية آنذاك قبل أن ينجذب إلى اللغة الفرنسية خاصة، وبقية اللغات الرومانسية من باب الاطلاع عليها ومقارنتها باللغة الأنغلوساكسونية التي صار ينفر منها لاحقاً. وربما لعبت المصادفة العجيبة أن الكائن السيري قد شاهد لوحة «حانة في فولي بيرجير» لإدوارد مانيه في المستودع المذكور، وبسببها بدأ يحب النادلات في المقاهي والحانات التي يرتادها في برلين وباريس وبيروت وسواها من المدن الحميمة الأخرى.
وعلى الرغم من كثرة القصص والوقائع الصادمة في هذا الكتاب فإن أسلوبه الجريء، ولغته التهكمية الساخرة هي التي منحت هذه السيرة نكهتها الخاصة، فحينما يتحدث بالمحكية العراقية عن منطق الأنغلوساكسونيين يصفه بـ«العكرف لوي»، أي الملتوي أو المتعرِّج، وحينما يرد اسم شخص فَكِه يحب النكتة ينعته بـ«الشقدنحي»، ويتحول النشّال إلى «ضرّاب جيب» وما إلى ذلك من مفردات محببة يستعملها عامة الناس.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.