اللغة كظاهرة اجتماعية وحضارية

تتجاوز إيصال الخبر أو المعلومة إلى إقامة علاقات مع الآخر

اللغة كظاهرة اجتماعية وحضارية
TT

اللغة كظاهرة اجتماعية وحضارية

اللغة كظاهرة اجتماعية وحضارية

صدرت هذه السنة ترجمة لكتاب بعنوان «السوسيولسانيات» لصاحبه بيتر تراجل التي أنجزها محمد كرم الدكالي، عن دار «أفريقيا الشرق». ويعد بيتر تراجل مرجعاً عالمياً في مجال اللسانيات الاجتماعية وعلم اللهجات، وهو بريطاني، ولد عام 1943، وحاصل على الدكتوراه من جامعة أدنبره 1971، انتقل إلى ما يناهز تسعة عشر بلداً ناشراً أفكاره اللسانية إما مدرساً أو محاضراً أو مؤطراً للأبحاث.
لقد أصبح هذا الكتاب منذ صدوره مرجعاً أكاديمياً أساسياً في أقسام اللغة والعديد من الجامعات الأنجليساكسونية بالقارات الخمس. وهو مقسم إلى ثمانية فصول وهي: اللغة والمجتمع، واللغة والطبقة الاجتماعية، واللغة والمجموعة العرقية، واللغة وجنس الناطق، واللغة والسياق، واللغة والتفاعل الاجتماعي، واللغة والأمة، واللغة والجغرافيا. وعلى الرغم من أن الكتاب يعود إلى الثمانينات من القرن الماضي، فإنه يحافظ على حيويته وسيظل صالحاً لقرون طويلة.
يدخل الكتاب ضمن تخصص بعينه هو «السوسيولسانيات»، التي يعرفها بيتر تراجل بأنها تلك الشعبة المتفرعة عن علم اللسانيات التي تُعنى باللغة باعتبارها ظاهرة اجتماعية وحضارية. فهي تدرس التبادل الجدلي القائم بين اللغة والمجتمع، وتستند إلى علوم أخرى مساعدة، كعلم الاجتماع والأنثربولوجيا والجغرافيا البشرية وعلم النفس الاجتماعي.
يبدأ مؤلف الكتاب نصه بالحديث عن وضعية تحدث دائماً بين شخصين لوحدهما في مقصورة القطار، حيث ينطلق أحدهما مبادراً بالحديث عن أحوال الطقس، فهذا السؤال عن الطقس هو في الحقيقة ليس مقصوداً لذاته، بل هو ضرورة لتكسير إحراج الصمت الذي يخلق جوا متوترا ووضعا من عدم الاطمئنان. ويعبر هذا المثال بوضوح كيف أن وظيفة اللغة تتجاوز إيصال الخبر أو المعلومة إلى دور أكثر أهمية وهو إقامة علاقات مع الآخر، ناهيك بأن استدراج الآخر للحديث يفضح جزءاً من الحالة الاجتماعية للمخاطب، فطبيعة لغتنا ولهجتنا ونبرتنا هي مؤشرات تظهر انتماءنا الجغرافي وخلفياتنا الثقافية ومستوانا المعرفي ومكانتنا الاجتماعية، لهذا فالسلوك اللغوي له أهمية كبرى من وجهة نظر اجتماعية.
ولمزيد من إبراز تأثير المجتمع على اللغة، تحدث المؤلف عن «اللغة المعيارية» ضارباً مثالاً بالإنجليزية، فهي لغة تطورت انطلاقاً من اللهجات الإنجليزية التي استُعمِلت في لندن ونواحيها، ومع مر القرون تعرضت هذه اللغة لتحولات أسهم فيها الناطقون بها في البلاط والعلماء والجامعيون والكتاب... فحدث نوع من التصفية للإنجليزية عند طبقات المجتمع العليا في العاصمة بخلاف الإنجليزية السائدة في النواحي، لتصبح النموذج والمعيار. والذي سيزيد من تكريسها هو ذيوع هذه اللغة النخبوية في الكتابة، خصوصاً مع انتشار الطباعة، لتصبح اللغة الأكثر مقبولية. إذن الإنجليزية المعيارية انتشرت وسادت على حساب بقية اللهجات الإقليمية، ليس لدواعٍ لغوية صرفة، بل لأنها فرضت من طرف طبقة نخبوية مهيمنة، وهو ما يوضح انغماس اللغة في قلب الصراع الطبقي. بل إن الأمر وصل حتى إلى مستوى النبرة الإنجليزية، فهناك ما يسمى بـ«النطق الرسمي» (ويشار إليه عادة بـ«RP») وهي النبرة التي انتشرت في المدارس الخصوصية الإنجليزية وكانت إلى وقت قريب ضرورة للانضمام إلى مذيعي هيئة الإذاعة البريطانية، لذلك يسميها البعض بـ«إنجليزية BBC» أو «إنجليزية أكسفورد». ولا تزال هذه النبرة إلى حد الآن تلقَّن للناطقين غير الفطريين بالإنجليزية.
إن الفرد الذي يتحدث بالإنجليزية المعيارية والنبرة الرسمية (RP) يحصل على امتيازات ومكاسب اقتصادية واجتماعية وسياسية، وهو ما يؤكد مرة أخرى العلاقة الوطيدة بين اللغة والمجتمع. والأكثر من ذلك فقد يتم الذهاب إلى اعتبار «الإنجليزية النموذج» بـ«نطقها الرسمي» هي «الصحيحة» و«الجميلة» و«المهذبة» و«الصافية»... في مقابل الإنجليزية غير المعيارية التي تُنعَت بـ«الخاطئة» و«القبيحة» و«الفاسدة» و«المنحرفة»... وهذا الحكم كما يبدو ليس مبنياً على أساس لساني صرف بل هو حكم اجتماعي؛ فمن وجهة نظر لسانية يؤكد بيتر تراجل على أنه ليس هناك صنف لغوي «أحسن» من الآخر؛ فاللهجات جيدة على حد سواء باعتبارها أنساقاً لغوية تخضع لبناء معين وتحكمها قواعد وتستجيب لحاجات الناطقين بها. وهو ما يجعل الموقف من اللهجات هو مجرد انعكاس لبنية المجتمع.
لا يفوت المؤلف التأكيد على تعقد العلاقة الجدلية بين اللغة بالمجتمع، حيث قدم تصور النظرية الشهيرة باسم كلّ من عالمي اللغة إدوارد سابير وصديقه بنجامن لي وورف، التي تسمى اختصاراً «فرضية سابير ووورف»، اللذين حاولا معاً أن يُبرِزا تأثير اللغة في المجتمع، لأن اللغة الفطرية للمتكلم تشكل تصوره للعالم، وهو ما يحدد نوع المجتمع ونمطه. لكن الاتجاه المعاكس صحيح أيضاً، فالبيئة والمجتمع يشكلان اللغة أيضاً، فيكفي النظر إلى مرادفات لفظة «الثلج» عند شعوب الإسكيمو لنجدها غنية ومتعددة. والأمر يقال عن حيوان «الرنة» في شمال إسكندنافيا وكلمة «جمل» عند العرب، ناهيك بأن نظام القرابة يؤثر على اللغة فقد تحضر مصطلحات خاصة وتغيب بحسب المجتمعات، ففي اللغة الروسية كان يشار إلى أخ الزوجة باستعمال كلمة «شورين»، بينما اليوم غابت هذه الكلمة وأصبحت «برات جيني» أي حرفياً «أخا الزوجة»، والأمر ذاته يقال عن زوجة الأخ فقد كان يشار إليها بلفظ «نيفيستكا» أما الآن فالمصطلح المستخدم فهو «جينا براتا»، أي زوجة الأخ. وتفسير التخلي عن مصطلحات بعينها يعود إلى فقدان قيمتها الاجتماعية؛ فالأسرة الروسية أصبحت نووية وفقدت امتدادها، حيث كان يعيش الجميع تحت سلطة الأب الأكبر.
إذا كانت البيئة والبنية الاجتماعية تعمل على صناعة اللغة، فإن الأمر يزداد وضوحاً حينما نتحدث عن الكلمات المحظورة «التابوهات»؛ ففي العالم الناطق بالإنجليزية ترتبط الكلمات المحظورة بالجنس والدين المسيحي، أما في النرويج فالمفردات الأكثر حظراً هي تلك التي لها علاقة بالشيطان. إن الكلمات المحرمة تلقى أحياناً تأييداً قانونياً، فتتم معاقبة المتلفظين بها علانية، والمثير أن بعض هذه الألفاظ أصبحت تفقد قوتها لتنتشر وتخرج من التصنيف ضمن القذر من الكلام، إلى درجة الإفلات من العقاب، وهذا يدل على أن المجتمع أحياناً يكسر القواعد فيتحول، وهو ما ينعكس على اللغة أيضاً.
إن الكتاب غني جدا ويحتاج إلى وقفات مطولة، وفيه مواضيع متعددة تبرز سلطة المجتمع بكل بنيته (الطبقية، الجنسية، العرقية، الجغرافية...) على اللغة، فاللغة لا يمكن فهمها من جهة المتحدث الفرد فقط، بل يجب وضع في السياق الاجتماعي ككل. وهذا هو موضوع «السوسيولسانيات».



رحلة شاب سعودي من مسابقة «إثراء» للابتكار إلى معرض «آيسف» الدولي للعلوم

الطالب تميم مع فريقه (إثراء)
الطالب تميم مع فريقه (إثراء)
TT

رحلة شاب سعودي من مسابقة «إثراء» للابتكار إلى معرض «آيسف» الدولي للعلوم

الطالب تميم مع فريقه (إثراء)
الطالب تميم مع فريقه (إثراء)

تمكن تميم خان وهو شاب سعودي من الانضمام إلى المنتخب السعودي للعلوم والهندسة، والمشاركة في معرض «آيسف» الدولي للعلوم والهندسة في شهر مايو (أيار) المقبل، وهي المسابقة التي تعد كبرى المسابقات العلمية على مستوى العالم، وتقام سنوياً في الولايات المتحدة الأميركية.

بدأ تميم مشواره إلى منصات الابتكار العالمية، عبر المشاركة في «سباق STEM السعودية» الذي ينظّمه سنوياً مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء) «مبادرة أرامكو السعودية»، حيث تتحول المنافسة من مجرد سباق إلى مساحة أوسع لاختبار الأفكار وصقل المواهب، وتبرز حكايات متعددة، يجمعها مسار واحد؛ الشغف الذي يقود إلى ما هو أبعد من خط النهاية.

ويُنظر إلى تجربة تميم خان بوصفها نموذجاً آخر للتحول الذي تصنعه هذه المنافسات، فبعد مشاركته مديراً لفريق «سيف» في «سباق STEM السعودية»، استطاع تميم أن يحوِّل تجربته إلى محطة مفصلية في مسيرته، أهَّلته لتمثيل المملكة في معرض «آيسف» الدولي للعلوم والهندسة.

ولم يكتفِ تميم في تجربته داخل البرنامج بالمشاركة، بل امتد إلى العمل المباشر مع القسم الهندسي للفريق، حيث تعلّم استخدام البرامج المتخصصة والمعدات المرتبطة بتصميم وتصنيع السيارات المصغرة، هذا الاحتكاك العملي أتاح له فهماً عميقاً لمكونات المركبة وآليات بنائها، وعزز مع الوقت ذاته شغفه بمجال الهندسة.

ومع توليه إدارة الفريق، خاض تميم تجربة متكاملة جمعت بين إدارة المشاريع وتنظيم الوقت والتنسيق مع الرعاة، إلى جانب متابعة الجوانب الفنية، ومع كل مرحلة تطورت قدرته في اتخاذ القرار والعمل تحت الضغط، وتحويل التحديات إلى خطوات منظمة نحو الإنجاز، وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على مسيرته العلمية، حيث أسهمت هذه المهارات في توسيع مداركه وتهيئته لخوض تجارب علمية على مستوى دولي.

التوأمان يتوسطان جميع الفرق المشاركة في الجبيل (إثراء)

توأمان في المنافسة

وعلى بعد أمتار من مسار تميم، يبرز مشهد مختلف يحمل بعداً إنسانياً لافتاً؛ التوأمان «البراء وإبراهيم» اللذان تقاسما كل شيء تقريباً منذ الصغر، اختارا أن يكونا في السباق على طرفي خطٍّ واحد، كلُّ منهما ضمن فريق مختلف، يتنافسان على المضمار ذاته.

ولم تكن المنافسة بينهما مجرد تحدٍّ علمي هندسي، بل كانت اختباراً لشيء أعمق. ففي نهائيات السباق تأهَّل فريق البراء للتقدم، فيما خرج فريق توأمه إبراهيم من المنافسة، لكن الأخير لم يتراجع إلى المقاعد، بل كان داخل إطار الصورة يشجع أخاه نحو خط النهاية.

التوأم الفائز براء أفغاني يتوسط فريقه (إثراء)

يُذكر أن «سباق STEM السعودية» الذي ينظّمه مركز «إثراء» منذ عام 2021، يحاكي تصميمه بيئة فرق «فورمولا 1»، حيث يصنع المشاركون سيارات سباق مصغرة، ويديرون ملفاتها التسويقية والمالية والإعلامية، مما يخلق تجربة تعليمية متكاملة تجمع بين الهندسة والقيادة والعمل المؤسسي، كما يعزز البرنامج مهارات التواصل والعمل الجماعي والقدرة على المنافسة في المسابقات المحلية والدولية والتفاعل مع فرق من مختلف العالم.

Your Premium trial has ended


شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
TT

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)

عادت المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب للأضواء مرة أخرى، بعد إعلان الملحن والموزع عزيز الشافعي عن قرب إصدار أغنية جديدة لها بعنوان «عايزة أشتكي»، ما حظي باهتمام لافت على صفحات «سوشيالية»، وتصدر «الترند» على «غوغل» في مصر، الأحد، وعَدّه بعض المتابعين والنقاد خطوة من شيرين لتجاوز أزمات تعرضت لها في الفترة الأخيرة، تسببت في غيابها عن الساحة الغنائية.

ونشر الملحن عزيز الشافعي مقطع فيديو تظهر فيه شيرين خلال تصوير أغنية جديدة تقول كلماتها «عايزة أشتكي... أشكي»، وقال في الفيديو إنه يعرف أنها أوحشت جمهورها كثيراً، وهي أيضاً تشتاق إليهم، معلناً عن عودتها قريباً بعد فترة غياب شغلت كل محبيها.

وتعرضت شيرين عبد الوهاب للعديد من الأزمات والقضايا والمحاضر المتبادلة بينها والملحن والمطرب حسام حبيب بعد ارتباطهما وانفصالهما أكثر من مرة، كما شهدت أزمات أخرى حول حقوق استغلال صفحاتها «السوشيالية» وفي علاقتها بأخيها وأسرتها، وتعرضت لأزمة صحية بعد جدل أثير حول حفل قدمته في المغرب، واتهمها الجمهور باستخدام «البلاي باك» على خلاف المتوقع منها.

شيرين عبد الوهاب (إنستغرام)

وغابت شيرين عن الساحة الفنية والغنائية لفترة طويلة، إلى أن ظهرت في مارس (آذار) الماضي عبر فيديو متداول على «السوشيال ميديا» بصحبة ابنتها هنا وهما يغنيان في حالة من البهجة والمرح، إلى أن ظهرت أخيراً في مقطع الفيديو الذي نشره عزيز الشافعي من كواليس التسجيل، معلناً عن عودتها للساحة الغنائية.

ويرى الناقد الموسيقي المصري، محمود فوزي السيد، أن محبي وجمهور شيرين يتمنى عودتها بشكل نهائي للساحة الغنائية وتجاوز كل أزماتها، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف رفاهية الفرص الجديدة لم تعد متاحة بشكل كبير بالنسبة لشيرين، خصوصاً أنها حظيت بفرص للعودة من قبل ولم تستثمرها بالشكل المنشود».

وتابع: «نتمنى رجوعها طبعاً لأنها صوت مهم جداً على ساحتي الغناء المصرية والعربية، ونتمنى أن يكون هذا قرار العودة النهائية بألبوم كامل، وأن يكون فريق العمل معها من ملحنين وشعراء وموزعين ومهندسي صوت على قدر المسؤولية؛ لأنها مسؤولية كبيرة عودة شيرين، ويجب أن تكون أعمالها القادمة مناسبة لقيمتها الفنية وموهبتها واشتياق الجمهور لها، وليست مجرد أعمال لملء الألبوم».

ووصف السيد صوت شيرين بأنه «يتميز بالأصالة الشديدة، ومن ثم حين تعود يجب أن تعود بكامل لياقتها الصوتية، لأنها صوت مميز جداً، وهذا التميز يجب أن يظل العلامة المميزة لصوتها وأدائها».

من كواليس الأغنية الجديدة (صفحة عزيز الشافعي على فيسبوك)

وقدمت شيرين العديد من الألبومات الغنائية والأغاني الفردية على مدى مشورها كما أحيت عشرات الحفلات في مصر والخارج، وكان أول ألبوماتها المفردة «جرح تاني» الذي صدر عام 2003، ثم توالت أعمالها مثل «آه يا ليل» و«بتوحشني» و«أنا كثير» و«حبيت»، وكانت أحدث أغنياتها بعنوان «باتمنى أنساك».

ويصف الناقد الموسيقي المصري، أحمد السماحي، الاهتمام بعودة شيرين بأنها «قد يكون مفتعلاً من صفحات مؤثرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «شيرين بقدر محبة جمهورها لها فهو غاضب منها، وربما كان الاهتمام بإعلان عزيز الشافعي قرب عودة شيرين؛ لأن الشافعي واحد من فرسان الساحة الغنائية حالياً، والجميع يهتم بما يعلن عنه».

وتابع السماحي: «أرجو أن تبعد شيرين أزماتها الأسرية والشخصية عن الإعلام والمجال العام، كما تفعل الكثير من المطربات، فهناك العديد من الأسرار في حياة النجوم ونجمات الغناء لا نعرف عنها شيئاً، لأنهم تمكنوا من بناء حائط صد وخط أحمر يفصل بين حياتهم الفنية وحياتهم الشخصية وأتمنى أن تتمكن شيرين من رسم هذا الخط الأحمر لحياتها الشخصية والأسرية، وتبتعد عن الصخب والجدل الذي يحيط بوجودها وتترك المساحة لصوتها فقط وأغنياتها؛ أقول ذلك بحكم محبتي لصوتها ومتابعتي لها منذ بداياتها، وأعرف مدى طيبتها وعفويتها».

وأشار السماحي إلى أن حضور شيرين حالياً في وجدان محبيها وجمهورها يعود إلى «عذوبة وجمال صوتها، واختياراتها الغنائية الموفقة، فهي من المطربات القليلات في مصر والوطن العربي اللائي يجيدن اختيار أغانيهن، لذلك حظيت بمكانة ما في قلب الجمهور العربي، لكن هذا المكان أصبح عرضة للتراجع بسبب الخلط بين الحياة الشخصية وبين المشوار الفني»؛ على حد تعبيره.


العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
TT

العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)

في سباق عالمي محتدم على استقطاب كبرى الإنتاجات السينمائية، تدخل العلا المشهد بثقل مختلف، لا يعتمد فقط على سحر الموقع، بل على «مشروع متكامل» يعيد تشكيل مفهوم صناعة الفيلم في المنطقة. فمن صحرائها التي احتضنت عبر التاريخ حضارات متعاقبة، تنطلق اليوم رؤية حديثة يقودها «فيلم العلا»، ليضع المملكة في موقع تنافسي جديد، ليس بوصفها محطة تصوير عابرة، بل وجهة إنتاج سينمائي متكاملة تسعى إلى ترسيخ حضورها في قلب الصناعة العالمية.

وفي مؤشر واضح على تصاعد حضورها الدولي، جاءت العلا مؤخراً ضمن القائمة النهائية لـ«جوائز الإنتاج العالمية 2026»، في فئة «مدينة الأفلام»، وهي من أبرز الجوائز المهنية التي تُنظم سنوياً بالتزامن مع «مهرجان كان السينمائي». ومن المقرر أن تُعلن النتائج في 18 مايو (أيار) 2026 خلال حفل رسمي بمدينة كان الفرنسية، حيث تتنافس العلا مع وجهات إنتاج عالمية، في سباق يعكس مكانتها المتنامية في صناعة السينما الدولية.

هذا الترشيح لا يُقرأ على أنه إنجاز رمزي فحسب، بل أيضاً بوصفه دليلاً على انتقال «فيلم العلا» من مشروع محلي ناشئ إلى لاعب حاضر في مشهد الإنتاج العالمي، مدعوماً ببنية تحتية متطورة ومواقع تصوير استثنائية.

من موقع تصوير إلى مركز إنتاج عالمي

لم يعد الرهان على جمال الطبيعة وحده كافياً، فالعلا، كما يؤكد لـ«الشرق الأوسط» المدير التنفيذي المكلف بالإنابة «فيلم العلا»، زيد شاكر، «تتحرك بخطى مدروسة نحو بناء منظومة إنتاج متكاملة، قادرة على استقطاب المشروعات العالمية وتوطينها في الوقت ذاته». ويشير إلى أن البنية التحتية التي يجري تطويرها ليست مجرد إضافة تقنية، «بل هي أيضاً عنصر حاسم في هذا التحول»، موضحاً أن الهدف هو الانتقال بالعلا «من موقع تصوير مميز إلى مركز إنتاج سينمائي متكامل يستقطب كبرى المشروعات العالمية».

خلال تصوير عدد من الأعمال العالمية، لم تكن الطبيعة وحدها هي العامل الجاذب، بل تكاملها مع بنية إنتاجية متقدمة. ويؤكد شاكر أن العلا تمتلك مزيجاً فريداً من «الصحارى والجبال والتكوينات الصخرية والمواقع الأثرية»؛ مما يمنحها قدرة استثنائية على تمثيل بيئات متعددة على الشاشة، دون الحاجة إلى التنقل بين مواقع مختلفة. لكن الأهم، وفقه، هو «ما وراء الكاميرا: استوديوهات مجهزة، ومرافق إنتاج، ودعم لوجيستي، وخدمات متكاملة... تتيح تنفيذ المشروعات السينمائية الكبرى بكفاءة عالية».

بين العالمية والمحلية

أحد أبرز رهانات «فيلم العلا» تمثل في تحقيق توازن مستدام بين استقطاب الإنتاجات العالمية، وبناء كوادر وطنية قادرة على قيادة الصناعة مستقبلاً. وفي هذا السياق، يوضح شاكر أن «الجهود تتركز على برامج تدريبية وشراكات تعليمية دولية، إلى جانب حوافز إنتاجية تنافسية لدعم المشروعات المحلية والعالمية، بما يسهم في نقل المعرفة وتوطينها».

قبل وصولهم إلى العلا، يحمل كثير من صناع الأفلام تصورات مسبقة عن تحديات التصوير في المنطقة، لكن هذه الصورة تتغير سريعاً بمجرد بدء العمل. ويشير شاكر إلى أن «الشركاء الدوليين يفاجأون بمستوى الجاهزية، وسلاسة الإجراءات، والدعم اللوجيستي المتكامل؛ مما يعزز ثقتهم ويشجعهم على العودة بمشروعات جديدة».

الجغرافيا بوصفها عاملاً إبداعياً... لا مجرد خلفية

ليست العلا مجرد موقع بصري جذاب، بل بيئة سردية تؤثر في طبيعة الأعمال التي تنتَج فيها. ويؤكد شاكر أن «الخصائص الجغرافية والتاريخية للمنطقة تلعب دوراً مباشراً في اختيار المشروعات؛ لما توفره من تنوع بصري وسردي يفتح آفاقاً واسعة أمام صناع الأفلام». ورغم البعد الاقتصادي الواضح، فإن «فيلم العلا» يحمل بعداً ثقافياً استراتيجياً، فالمشروع، وفق شاكر، «يسهم في إعادة تشكيل الصورة السينمائية للمملكة عالمياً، ويعزز حضورها مصدراً للقصص، وليس فقط موقعَ تصوير».

وعند تلخيص التجربة، تبدو الرسالة واضحة: العلا ليست مجرد موقع تصوير، بل بيئة متكاملة لصناعة القصص، ففي وقت تتنافس فيه الوجهات العالمية على جذب الإنتاجات، تقدم العلا نموذجاً مختلفاً، يجمع بين المكان، والبنية، والرؤية، ليؤسس لصناعة سينمائية واعدة، تتجاوز حدود الجغرافيا نحو فضاء أوسع من التأثير والحضور.