مراد مصطفى: «شُبهة التمويل الأجنبي» تطارد «الأفلام المستقلة» في مصر

فيلمه «عائشة لا تستطيع الطيران» حاز 12 جائزة دولية

من الملصق الترويجي لفيلم «عائشة لا تستطيع الطيران» (حساب المخرج على فيسبوك)
من الملصق الترويجي لفيلم «عائشة لا تستطيع الطيران» (حساب المخرج على فيسبوك)
TT

مراد مصطفى: «شُبهة التمويل الأجنبي» تطارد «الأفلام المستقلة» في مصر

من الملصق الترويجي لفيلم «عائشة لا تستطيع الطيران» (حساب المخرج على فيسبوك)
من الملصق الترويجي لفيلم «عائشة لا تستطيع الطيران» (حساب المخرج على فيسبوك)

قال المخرج المصري مراد مصطفى إن ظروف صناعة السينما لا تشجع على عرض فيلم «عائشة لا تستطيع الطيران» تجارياً في مصر، حتى بعد حصوله على العديد من الجوائز. وعدّ هذه النوعية من أفلام الـ«أرت هاوس» التي يقدمها لها طبيعة خاصة، مشيراً إلى أن الهجوم الذي طال الفيلم أمر معتاد منذ أفلام المخرج يوسف شاهين.

وأكد مراد في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أنه حصل على موافقة الرقابة على السيناريو قبل التصوير، ولكنه توقع ألا تتم الموافقة على عرضه تجارياً، لافتاً إلى أن فيلمه السابق «عيسى» الذي حاز جائزة «رايل الذهبية» للفيلم القصير بمسابقة «أسبوع النقاد» بمهرجان «كان» 2023 تعرض لموقف مماثل، إذ رفضته الرقابة، ثم سمحت بعرضه كاملاً بمهرجان الجونة السينمائي.

ولا يزال فيلم «عائشة لا تستطيع الطيران» يعرض بمهرجانات غربية عدة، وحاز 12 جائزة دولية، أحدثها جائزة أفضل ممثلة لبطلته من جنوب السودان بوليانا سيمون في مهرجان «فوكس ويلز ببريطانيا»، والجائزة الكبرى في مهرجان «أتلانتا للفيلم الأفريقي» بأميركا، كما يشارك حالياً بمهرجان «رافين هارت» السينمائي بالنرويج. وفاز قبل ذلك بالجائزة الكبرى في مهرجان «فالنسيا» بإسبانيا، وحاز جائزة لجنة التحكيم من مهرجان «نامور» ببلجيكا، والجائزة الكبرى في مهرجان «عنابة» بالجزائر.

مراد مصطفى وزوجته الكاتبة المنتجة سوسن يوسف والجائزة الكبرى لمهرجان عنابة (حسابه على فيسبوك)

وكان الفيلم قد شهد عرضه الافتتاحي ضمن مسابقة «نظرة ما» بمهرجان «كان» خلال دورته الـ78، وحاز دعم مؤسسة البحر الأحمر للأفلام، كما حاز دعم «الدوحة السينمائي»، وأُنتج بمشاركة المنتجة التونسية درة بوشوشة، والمنتج السوداني أمجد أبو العلا، كما حاز منحة «آفاق» من لبنان، والجائزة الكبرى لورشة «فاينال كات» بمهرجان فينسيا، وهو إنتاج مصري-فرنسي-ألماني-سعودي.

ويروي الفيلم قصة المهاجرة الصومالية عائشة التي تعمل في مجال الرعاية الصحية بمصر، وتجد نفسها عالقة وسط توترات المهاجرين الأفارقة في القاهرة، وطالت الفيلم اتهامات عبر مواقع «سوشيالية» بالإساءة لسمعة مصر، كما واجه مشكلات رقابية.

وكشف مراد مصطفى أنه حاز موافقة الرقابة على السيناريو قبل التصوير، ولكن الموافقة النهائية يحصل عليها قبل العرض التجاري، ويقول: «كنت أشك من البداية في احتمالية عرضه بمصر، فلم يكن مستحباً عرضه، لا من جهة الموزعين، ولا من جهة الرقابة، كأن هناك اتفاقاً ضمنياً أنه لن يعرض تجارياً، حدث ذلك خلال فترة شهدت تغييرات عديدة في جهاز الرقابة».

ويضيف أن «الموزع لن يجازف ويعرض فيلماً مختلفاً عن السوق في سينما وحيدة، ويخوض لأجله جدلاً مع الرقابة في مقابل عرض لأيام، وهذا يحدث لأغلب صناع أفلام (الأرت هاوس) الذين يخوضون صراعاً مع الرقابة والموزعين لعرض أفلامهم».

وتعنى أفلام «الأرت هاوس» -أو الأفلام الفنية المستقلة- باستكشاف تقنيات سردية جديدة، وتجربة أساليب مختلفة في صناعة الأفلام عن السائد والمعتاد في السينما التجارية، والاعتماد على ممثلين غير محترفين.

ويؤكد مراد أنه ليس غاضباً لعدم عرضه في بلده قائلاً: «لو أن صناعة السينما في ظروف أفضل من ذلك لكنت حزيناً، لكن الظروف الآن غير مواتية، وهذا النوع من الأفلام ليس له مكان، ولن أفرضه عنوة، وليس لديَّ أي شعور بالظلم تجاه ذلك، فأنا بالكاد أتابع عروضه في مهرجانات حول العالم».

الجنوب سودانية بوليانا سيمون بطلة الفيلم (حساب المخرج على فيسبوك)

وحول الهجوم والاتهامات للفيلم بالإساءة لسمعة مصر، يقول المخرج: «الفيلم لم يعرض أساساً في مصر، ولكن تم تسريب مشاهد منه، ومن خلالها بدأ الهجوم المعتاد على الأفلام ذات اللغة السينمائية المختلفة، وهذا تعرض له مخرج كبير مثل يوسف شاهين، فالفيلم الذي يشارك في مهرجانات دولية كبرى، أو يحوز دعماً غربياً لا بد أن يهاجم في بلده بسبب حالة (التفتيش عن النوايا)، وقد طال الهجوم أفلاماً تجارية كبيرة حالياً مثل (أسد)، لأن الناس تتعامل بشكل عنيف وغير مفهوم على (السوشيال ميديا) وتُحدث تأثيراً».

وحول التمويل الغربي يقول مراد مصطفى: «99 في المائة من الأفلام ذات الصبغة الفنية العربية تعتمد تمويلاً غربياً لطبيعة الفيلم، وصعوبة التمويل المحلي، ونتحصل عليها عبر صناديق الدعم، وهي صناديق فنية بحتة لا أحد يعرف أعضاء اللجنة، ولا هم يعرفونك، وليس هناك أي نوع من التوجيه، أو التدخل في رؤية المخرج، هي في النهاية شُبهات تلقى على الأفلام المستقلة دون أساس في الواقع».

وكشف مصطفى أنه يعمل على فيلمه الجديد «Animals» الذي حاز دعماً من مهرجاني «الجونة» و«روتردام الدولي» للأفلام في مرحلة الكتابة، ويشارك حالياً بمعمل تطوير مارسيليا بفرنسا، وقد كتبه وزوجته المنتجة سوسن يوسف التي شاركته أغلب أفلامه، ويقدم من خلاله حكاية مصرية عن فئة المراهقين من خلال قصة توأم.

وحول توجهه المغاير في فيلمه القادم يقول مصطفى: «أصنع أفلامي من دون حسابات، لأن السوق تتغير كل عدة سنوات، والأفلام التي هوجمت هي أكثر أعمال عاشت، وهي التي تُدرس حالياً في معاهد السينما، مثل فيلم (ريش) للمخرج عمر الزهيري الذي تعرض لهجوم وإقصاء غريب بعد حصوله على الجائزة الكبرى لمسابقة أسبوع النقاد بمهرجان (كان)، واليوم يُعامل معاملة مختلفة، وقد تم اختياره ضمن قائمة أفضل 25 فيلماً مصرياً في ربع القرن الأخير، والتي أجراها مهرجان القاهرة السينمائي، فالبقاء يظل للسينما الجيدة».

ويتوقع مصطفى أن يبدأ تصوير فيلمه بعد عامين من الآن، وكعادته سوف يستعين بأبطال يواجهون الكاميرات لأول مرة، وهو ما ينتهجه في أفلامه. مؤكداً أنه يختار أشخاصاَ حقيقيين، وليسوا ممثلين، ولكنهم يخضعون لبرنامج تأهيلي، وهو ما عدّه «عملاً مرهقاً وممتعاً في آنٍ»، على حد تعبيره. ويلفت إلى أن كل فيلم له رهان مختلف، وأنه لا يقع في غرام أفلامه طالما انتهت، بل يتجه بحبه واهتمامه لعمل جديد.


مقالات ذات صلة

كيف صعد فيلم «إذما» للمركز الثاني في ترتيب الإيرادات بمصر؟

يوميات الشرق أحمد داود وسلمى أبو ضيف في العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)

كيف صعد فيلم «إذما» للمركز الثاني في ترتيب الإيرادات بمصر؟

واصل فيلم «إذما»، الذي يقوم ببطولته أحمد داود وسلمى أبو ضيف، صعوده في شباك التذاكر المصري ليحافظ على المركز الثاني بالإيرادات اليومية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق دياب ورمضان خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)

محمد دياب لـ«الشرق الأوسط»: «أسد» ليس وثيقة تاريخية

قال المخرج المصري محمد دياب إن فيلم «أسد» لم يكن بالنسبة له مجرد تجربة سينمائية ضخمة أو محاولة لتقديم عمل ملحمي بصري.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق ماريلين مونرو... جدارة فنية خلف بريق الإغراء (تونتييث سنتشري فوكس)

الوجه الآخر لماريلين مونرو

كانت أكثر من جسد تلتهمه الكاميرات وتُصدّره إلى الجمهور العريض. كانت موهوبة...

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق انجذبت المخرجة للفريق بمجرد مشاهدة مقاطعهم عبر الإنترنت (الشركة المنتجة)

«التمساح» يوثق معاناة وأحلام سينمائيين نيجيريين على مدار 13 عاماً

يقدم الفيلم الوثائقي «Crocodile» (التمساح) واحدة من أكثر الحكايات الإنسانية دفئاً وصدقاً.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق ختم «شاشات الجنوب» فعالياته مع «اللي باقي منك» (متروبوليس)

مهرجان «شاشات الجنوب» يختم فعالياته بفيلم «اللي باقي منك»

يأتي تنظيم هذا المهرجان انطلاقاً من إيمان جمعية «متروبوليس سينما» بضرورة إفساح المجال أمام أفلام الجنوب.

فيفيان حداد (بيروت)

مصر: تحركات رسمية وجهود أهلية لاسترداد الآثار «المهربة»

القطع الأثرية المستردة من أميركا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
القطع الأثرية المستردة من أميركا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: تحركات رسمية وجهود أهلية لاسترداد الآثار «المهربة»

القطع الأثرية المستردة من أميركا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
القطع الأثرية المستردة من أميركا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

تواصل مصر جهودها الرسمية لاستعادة الآثار الموجودة في الخارج، وسط جهود وحملات أهلية لاستعادة تلك الآثار، التي تعرض بعضها للنهب أو التهريب للخارج بطرق غير مشروعة.

وكان أحدث القطع المستردة ما أعلنته وزارة السياحة والآثار المصرية من استرداد 4 قطع أثرية من الولايات المتحدة الأميركية، بالتعاون والتنسيق بين وزارة السياحة والآثار ووزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، وفي ضوء العلاقات المتميزة التي تجمع بين مصر والولايات المتحدة الأميركية.

وتم استرداد القطع بعد مبادرة من أسرة مواطن أميركي من ولاية تكساس كان يحتفظ بهذه القطع ضمن مقتنياته الخاصة. وعقب وفاته، أعربت أسرته عن رغبتها في إعادة القطع الأثرية إلى موطنها الأصلي مصر، تقديراً للقيمة الحضارية والتاريخية التي تمثلها.

ومن أبرز القطع الأثرية التي تم استردادها رأس تمثال من الجرانيت لأبي الهول يرتدي غطاء الرأس الملكي «النمس» المزخرف بحية الكوبرا، ويعود إلى الأسرة الثامنة عشرة من عصر الدولة الحديثة، ويُرجح أنه يمثل «بورتريه» للملكة حتشبسوت أو الملك تحتمس الثالث، ويعدّ من أبرز القطع الأثرية ضمن المجموعة المستردة لما يتمتع به من قيمة فنية كبيرة، وفق مدير عام إدارة استرداد الآثار والمشرف على الإدارة المركزية للمنافذ والمضبوطات، شعبان عبد الجواد.

رأس أبو الهول بغطاء الرأس الملكي النمس (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأضاف أن «القطع الأثرية الباقية تعود إلى فترات تاريخية مختلفة من الحضارة المصرية القديمة، وتشمل تمثالاً من البرونز لفرس النهر مغطى بطبقة تعتيق خضراء مميزة يعود إلى الأسرة الثانية عشرة من عصر الدولة الوسطى، وتمثالاً مزدوجاً من البرونز لملك يرتدي التاج الأبيض وإلى جواره المعبود حورس برأس الصقر يعود إلى الأسرة السادسة والعشرين من العصر المتأخر، بالإضافة إلى تمثال برونزي للمعبود سوبك في هيئة تمساح برأس مرفوع وجسد مزين بزخارف دقيقة تحاكي حراشف التمساح من العصر المتأخر أيضاً»، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار المصرية.

وأعرب وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، عن تقديره للأسرة الأميركية على هذه المبادرة النبيلة، وعدّ استعادة هذه القطع «نموذجاً إيجابياً للتعاون الثقافي والحضاري، وتعكس تنامي الوعي العالمي بأهمية الحفاظ على التراث وإعادته إلى موطنه الأصلي».

فيما أكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، أن الوزارة مستمرة في جهودها الحثيثة لاستعادة الآثار المصرية التي خرجت من مصر بطرق غير مشروعة، بالتنسيق مع مختلف الجهات الوطنية والدولية، بما يسهم في الحفاظ على الإرث الحضاري المصري للأجيال القادمة.

وترى المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان، أن «عمليات استرداد الآثار المصرية من الخارج تعكس استعادة جزء أصيل من الذاكرة التاريخية والهوية الحضارية لمصر»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»، أن «عودة تمثال لأبي الهول وآخر للملكة حتشبسوت من الولايات المتحدة تأتي ضمن مسار متواصل تبذله الدولة المصرية، بالتعاون مع الجهات الدولية المعنية لاستعادة القطع الأثرية التي خرجت من البلاد بطرق غير مشروعة وإعادتها إلى موطنها الأصلي».

و«تتجاوز أهمية هذه القطع قيمتها الفنية أو المادية؛ إذ تمثل شواهد تاريخية تسهم في استكمال فهم الحضارة المصرية القديمة وتطورها عبر العصور؛ فالقطعة الأثرية ليست مجرد أثر منفصل، بل جزء من منظومة حضارية متكاملة تكتسب معناها الكامل من ارتباطها بسياقيها التاريخي والثقافي»، على حد تعبيرها.

واستطاعت مصر في أبريل (نيسان) الماضي، استرداد 13 قطعة أثرية من الولايات المتحدة الأميركية، كانت قد خرجت من البلاد بطرق غير مشروعة، من بينها مجموعة من الأواني مختلفة الأشكال والأحجام تستخدم في كثير من الأغراض مثل حفظ الزيوت والعطور والكُحل ومستحضرات التجميل وحفظ السوائل والمراهم، بالإضافة إلى تمثال للإلهة إيزيس في هيئة أفروديت، وتمثال كتلة لشخص يُدعى «عنخ إن نفر» من العصر المتأخر.

ويشير خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامى لمجلس الآثاريين العرب، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، إلى أن مصر استردت أكثر من 29 ألف قطعة أثرية فى الفترة من 2014 حتى الآن، بمجهودات حثيثة من إدارة الآثار المستردة بالمجلس الأعلى للآثار، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»، أن «عمليات الاسترداد تتم بمتابعة مستمرة لكل المزادات العلنية، وكل ما ينشر عبر وسائل التواصل الاجتماعى وعبر وكالات الأنباء الدولية عن الآثار المصرية المنهوبة، وعن طريق مفاوضات مثمرة بالتعاون مع وزارتي الخارجية والداخلية ومجموعة جهات معنية تمت فى سرية تامة للوصول إلى الهدف المنشود. استردت مصر هذا الكم الهائل من الآثار بشكل غير مسبوق من الولايات المتحدة الأميركية، وإنجلترا، وفرنسا، وإسبانيا، وهولندا، وكندا، وألمانيا، وبلجيكا، وإيطاليا، وسويسرا، ونيوزيلندا، وقبرص، والإمارات، والكويت، والأردن».

جانب من القطع المستردة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وبينما تستمر الجهود الرسمية القانونية والدبلوماسية لاسترداد الآثار المصرية من الخارج، تنشط في المقابل حملات شعبية تسعى لاستعادة الآثار المصرية الشهيرة الموجودة في متاحف عالمية؛ وأشهرها «رأس نفرتيتي» في متحف برلين، و«حجر رشيد» في المتحف البريطاني، ولوحة «الزودياك» أو الأبراج السماوية في متحف اللوفر.

و«قد نجحت الجهود الحثيثة والدبلوماسية الثقافية في تحقيق خطوة جديدة ومهمة نحو استعادة الهوية المصرية المهاجرة، وذلك عقب الإعلان عن استرداد قطعتين أثريتين فريدتين مقبلتين من الولايات المتحدة الأميركية»، وفق الخبير الأثري الدكتور علي أبو دشيش، مدير مؤسسة «زاهي حواس للآثار والتراث»، عادّاً هذه العودة برهاناً واضحاً على أن حقوق مصر التاريخية في آثارها لا تسقط بالتقادم.

وقال أبو دشيش لـ«الشرق الأوسط» إن «تضافر التحركات الرسمية للدولة مع الجهود الأهلية والمجتمعية، يشكل الآن جبهة وطنية قوية وموحدة قادرة على مجابهة تهريب الآثار حول العالم»، مشيراً إلى أن «هذه التطورات الإيجابية تعطي دفعة قوية وزخماً كبيراً للمطالب المستمرة لاستعادة القطع الكبرى والفريدة المنهوبة والمقصوصة من جسد المعابد المصرية، وعلى رأسها (زودياك معبد دندرة) المحفوظ في متحف اللوفر بباريس، و(رأس نفرتيتي) في برلين، و(حجر رشيد) في لندن».


14 مليون زائر للمواقع التراثية السعودية وبنية تحتية تتوسع بـ 94 منشأة جديدة

تجاوز عدد زوار مواقع التراث الوطني والعالمي 14.1 مليون زائر ووصل عدد المواقع القابلة للزيارة إلى 232 موقعاً (وزارة الثقافة)
تجاوز عدد زوار مواقع التراث الوطني والعالمي 14.1 مليون زائر ووصل عدد المواقع القابلة للزيارة إلى 232 موقعاً (وزارة الثقافة)
TT

14 مليون زائر للمواقع التراثية السعودية وبنية تحتية تتوسع بـ 94 منشأة جديدة

تجاوز عدد زوار مواقع التراث الوطني والعالمي 14.1 مليون زائر ووصل عدد المواقع القابلة للزيارة إلى 232 موقعاً (وزارة الثقافة)
تجاوز عدد زوار مواقع التراث الوطني والعالمي 14.1 مليون زائر ووصل عدد المواقع القابلة للزيارة إلى 232 موقعاً (وزارة الثقافة)

شهد عام 2025م استمراراً لنمو القطاع الثقافي السعودي بوصفه أحد المحركات الداعمة لمستهدفات رؤية السعودية 2030، وتُرجمت جهود التحول في المنظومة الثقافية إلى أرقام لافتة رصدها التقرير السنوي لوزارة الثقافة في السعودية الذي صدر حديثاً، وكشف عن تجاوز عدد زوار مواقع التراث الوطني والعالمي لأكثر من 14 مليون زائر، فيما أثمر مؤتمر الاستثمار الثقافي عن توقيع اتفاقيات بقيمة تجاوزت 4 مليارات ريال.

وكشف التقرير عن تحقيق تقدم ملموس في مؤشرات الأداء، حيث بلغ عدد أيام الفعاليات الثقافية ما يقرب من 6 آلاف يوم، ووصل عدد العاملين في القطاع إلى أكثر من 282 ألف موظف، وبلغ عدد خريجي التخصصات الثقافية أكثر من 29 ألف خريج، مع توسع البنية التحتية لتشمل 94 منشأة جديدة.

شهد القطاع الأدبي حضوراً لافتاً وتجاوز زوار معرض الرياض الدولي للكتاب في آخر نسخه 1.3 مليون زائر (وزارة الثقافة)

وقدم التقرير رصداً شاملاً لما أنجزته وزارة الثقافة وكياناتها، ولمسارات عملها ومشاريعها المتعددة، وقال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة إن السعودية تحرص على رفع مستوى الإبداع وسرعة الإنجاز في المنظومة الثقافية، وأضاف في كلمته ضمن التقرير: «نفخر في وزارة الثقافة بما تحقق من المنجزات خلال العام المنصرم، نتيجةً لأنظمةٍ وتشريعاتٍ مُحكَمة، وشغف صُنّاع الثقافة ومُمارسيها، وتلقُّفِ المجتمع للثقافة والفنون، والتي أسهمت مُجتمِعَةً في خلق بيئةٍ يزدهر فيها الإبداعُ».

وقال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان إن وزارة الثقافة واصلت جهودها الدؤوبة في عام 2025 للنهوض بالقطاع الثقافي وتطويره، إلى جانب تعزيز قدرته على المساهمة في الناتج المحلي، والاستثمار في التعليم الثقافي والاقتصاد الإبداعي، مشيراً إلى أن مؤتمر الاستثمار الثقافي الذي حظي برعاية الأمير محمد بن سلمان من أهم ثمار هذه الجهود، وأن لبناء الشراكات مع القطاعات الرائدة إقليمياً ودولياً، وتدشين جامعة الرياض للفنون، وإطلاق أكاديمية آفاق للفنون والثقافة، دوراً بارزاً في تسريع وتيرة الإنجاز وتجويد المنتجات الثقافية وضمان استدامتها.

نجحت المنظومة الثقافية السعودية في تسجيل 2260 موقعاً أثرياً جديداً (وزارة الثقافة)

14 مليون زائر للمواقع التراثية السعودية

كشف التقرير عن تجاوز عدد زوار مواقع التراث الوطني والعالمي 14.1 مليون زائر، فيما وصل عدد المواقع القابلة للزيارة إلى 232 موقعاً، منها «جدة التاريخية» التي استقطبت 12 مليون زيارة.

وشهد القطاع الأدبي حضوراً لافتاً بتجاوز عدد زوار معرض الرياض الدولي للكتاب في آخر نسخه 1.3 مليون زائر، إلى جانب مبادرات نوعية مثل إطلاق دليل «ميشلان» في المملكة وتوثيق 60 عنصراً غذائياً ضمن مبادرة «سفينة التذوق السعودية»، إضافة إلى تسجيل 2260 موقعاً أثرياً جديداً.

وعلى صعيد الثقافة من أجل النمو الاقتصادي، فقد شهد القطاع توسعاً في الشراكات والاستثمارات، حيث أثمر مؤتمر الاستثمار الثقافي عن توقيع اتفاقيات بقيمة تجاوزت 4 مليارات ريال، مدعومة بـ 58 شراكة استراتيجية وأكثر من 128 شراكة تخصصية، إضافة إلى إكمال 194 مشروعاً وإطلاق 12 مسرعة أعمال ثقافية، إلى جانب مبادرات مثل «100 براند سعودي» التي عززت من حضور الصناعات الإبداعية الوطنية على مستوى عالمي.

شهد عام 2025م صدور الموافقة على نظام الحرف والصناعات اليدوية في السعودية بقرار من مجلس الوزراء (وزارة الثقافة)

اعتماد نظام نوعي للحرف والصناعات اليدوية

شهد عام 2025 صدور الموافقة على نظام الحرف والصناعات اليدوية في السعودية بقرار من مجلس الوزراء، وعدّ النظام من أبرز الإنجازات التشريعية والتنظيمية الرامية إلى تنظيم وتطوير القطاع الحرفي.

ويهدف النظام إلى تنظيم العمل الحرفي في السعودية وتعزيز التراث الثقافي لها، من خلال سن القوانين والأنظمة التي تساهم في دعم الحرفيين وتنمية مهاراتهم، وحماية الحرف والصناعات اليدوية، إضافة إلى إبراز وتنظيم البيئة الاقتصادية والثقافية لهذا المجال.

ويتميز نظام الحرف بكونه الإطار التنظيمي والتشريعي الذي يعزز من تنافسية الخدمات الحرفية محلياً، ويضع الأسس والقوانين لتطويرها بما يتماشى مع رؤية السعودية 2030، وتشمل أهداف النظام توثيق الحرف اليدوية، وتنظيم حصول الحرفيين على التراخيص اللازمة، ووضع ضوابط المشاركات الحرفية للحرفيين، وضوابط الالتزام بمعايير جودة المنتجات الحرفية، وآلية منح المكافآت التشجيعية للحرفيين، وأعمال الرقابة والتفتيش وضبط العقوبات والمخالفات وغيرها من الأحكام التي تضمن تنظيم القطاع الحرفي واستدامته.

على صعيد تعزيز مكانة السعودية الدولية سجلت المنظومة 113 مشاركة ثقافية عالمية (وزارة الثقافة)

ترسيخ الحضور الدولي للثقافة السعودية

على صعيد تعزيز مكانة السعودية الدولية، سجلت المنظومة 113 مشاركة ثقافية عالمية، من أبرزها المشاركة في معرض «إكسبو أوساكا» بجناح وطني استقطب أكثر من 3 ملايين زائر، وحصل على كثير من الجوائز العالمية، والمشاركة في «بينالي البندقية للعمارة»، إضافة إلى نجاح «بينالي الفنون الإسلامية 2025» الذي أقيم في مدينة جدة واستقطب 650 ألف زائر.

تعزز حضور الصناعات الإبداعية السعودية على مستويات عالمية (وزارة الثقافة)

وحصل القطاع الثقافي في السعودية على مجموعة جوائز دولية، منها جائزة Prix Versailles لأجمل متاحف العالم لمشروع Diriyah Art Futuers وشهادة التميز الأوروبي للجودة EFQM.

وشهد عام 2025 نمواً في دور القطاع غير الربحي والمشاركة المجتمعية، حيث نفذت المنظمات غير الربحية 359 برنامجاً بمشاركة 5536 متطوعاً قدموا أكثر من 409 آلاف ساعة تطوعية، مما يعكس تحول الثقافة في السعودية إلى مشروع وطني متكامل يسهم في بناء مجتمع حيوي واقتصاد متنوع.


«أعمدة المجتمع» عندما يصبح النفاق والزيف تقليداً لدى أهل السلطة

تدور أحداث «أعمدة المجتمع» في باحات الجامعة الأميركية (لوسيان بو رجيلي)
تدور أحداث «أعمدة المجتمع» في باحات الجامعة الأميركية (لوسيان بو رجيلي)
TT

«أعمدة المجتمع» عندما يصبح النفاق والزيف تقليداً لدى أهل السلطة

تدور أحداث «أعمدة المجتمع» في باحات الجامعة الأميركية (لوسيان بو رجيلي)
تدور أحداث «أعمدة المجتمع» في باحات الجامعة الأميركية (لوسيان بو رجيلي)

في كل مرة يدعو فيها المخرج لوسيان بو رجيلي إلى عرض مسرحي في حرم الجامعة الأميركية ببيروت، لا بدّ أن تتوقّع خوض تجربة فنية لا تشبه غيرها. هنا الخشبة متحركة، بلا ميكروفونات ولا ديكورات مركّبة، مما يمنح العمل طابعاً استثنائياً، سواء من حيث الفكرة والتنفيذ. ويحلّق المتلقي في فضاء ثقافي وفني يثير لديه شهية المتابعة حتى اللحظة الأخيرة من مجرياته. ويتمنى على مدى 90 دقيقة أن يبقى منغمساً في هذا العالم حتى النهاية. ففي مسرحية «أعمدة المجتمع» التي أطلق عروضها مؤخراً، يحمّلنا بو رجيلي رسائل مباشرة في قصة محبوكة بسلاسة.

لا ضرورة إلى التحليل والتمحيص في النص؛ فبمجرد دخولك إلى القرية، حيث تجري أحداث القصة المقتبسة عن مسرحية للنرويجي هنريك إبسن، يشدّك بو رجيلي إلى التماهي معها.

وما أن تطأ قدمك حرم الجامعة الأميركية من مدخله الرئيسي حتى يطالعك تنظيم لافت. تقترب منك شابة متطوّعة من طلاب هذا الصرح، لتخبرك بأنك أصبحت ضمن فريقها. وبالتالي عليك خلال العرض أن تتبع خطواتها. بعدها تبدأ الضيافات التي يقدّمها أهل القرية، وهم يستعدون لافتتاح مستوصف فيها. وعند الثامنة تماماً، موعد العرض، يُقرع الجرس إيذاناً ببدئه.

وتنطلق الرحلة بمحطات مختلفة تتوزع بين حدائق الجامعة ومبانيها. وفي مسيرات جماعية يتقدّمها رئيس الجامعة الدكتور فضلو خوري ومخرج العمل، يلحق المدعوون بنغمات عازف العود جهاد شمالي، الذي يتحوّل إلى دليل متنقّل تقود موسيقاه الحضور من محطة إلى أخرى.

وتدور القصة حول أحد وجهاء القرية المعروف بالقنصل. وهو، كغيره من المسؤولين، يلهث وراء سلطة طويلة الأمد. فجميع مشاريعه الإنمائية تنبع من هدف واحد: تثبيت مكانته الاجتماعية، لا سيما مع اقتراب الانتخابات البلدية. ويتابع الحضور حوارات جانبية وأخرى رئيسية خلال انتقالهم بين المحطات، فيما تتلوّن المشاهد بألعاب بهلوانية توحي وكأنك أمام سيرك متنقّل.

وتسمع جملاً تتناول أزمات يعيشها اللبنانيون يومياً، فتحضر مشكلة المودعين وفضائح الفساد المستمرة بلا محاسبة. كما يتناول الكلام هجرة الشباب اللبناني وتوقه إلى بدايات جديدة. كذلك نتابع قصصاً متفرقة لأفراد عائلة واحدة مفككة، يكتنفها الغموض بفعل الشائعات التي يطلقها القنصل.

ويجسّد الممثل عبد الرحيم العوجي دور القنصل كارستن بيرنيك، بعدما سبق وتعاون مع لوسيان بو رجيلي في أكثر من عمل مسرحي. أما فرح شاعر فتؤدي دور لونا هنسل، شقيقة زوجة القنصل. ويشارك في العمل أيضاً مجد المصري ورالف خوري وبهاء حسان وهيلين شعبان، إضافة إلى عدد من طلاب بورجيلي في قسم التمثيل في الجامعة الأميركية.

ويشير بو رجيلي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن اختياره حرم الجامعة الأميركية مسرحاً للأحداث يعود إلى كونه أستاذاً فيها، لافتاً إلى أنه اضطر إلى تعديل بعض أحداث النص الأصلي كي تتلاءم مع الإيقاع اللبناني.

وكما في أعماله السابقة، يحمل بو رجيلي راية المواطن المظلوم، فيضيء على كيفية إحاطة الحاكم نفسه بفريق مستشارين مهمته تلميع صورته مهما ارتكب من تجاوزات بحق الناس. ومن خلال بحث دائم عن الحقيقة الموجعة، يختتم العمل رسالته بشكل مباشر: فالمسؤولون يستمرون في ممارسة الزيف والفساد إلى أن يصل الخطر إلى عقر دارهم. وعندما يدرك القنصل كارستن أن ابنه أولاف (مجد مخلد) في خطر، يقرر الاعتراف بالحقيقة، لكنه لا يبوح منها سوى بجزء يسير، قبل أن يعود إلى سابق عهده بعدما يطمئن إلى نجاة ابنه.

ويشعر الحضور طوال العرض وكأنهم يشاركون شخصياً في فيلم سينمائي حيّ، فيتفاعلون مع الممثلين بالضحكة والهمسة والتصفيق خلال تجمعات القرية. ومن محطة إلى أخرى، يكتشفون معالم الجامعة الأميركية وأقسامها، فتدور المشاهد تارة بين بيوت سكن الأساتذة، وطوراً قرب مركز مراقبة الكواكب والنجوم. حتى الهررة التي تعيش في حدائق الجامعة تبدو وكأنها جزء من المشهد المسرحي، تضفي على الصورة البصرية مزيداً من الألفة والمتعة.

وبعد رحلة في الطبيعة تزودك بالطاقة والحيوية بقدر ما تغمرك بأبعادها الفنية والثقافية، تتمنى لو أن العرض لا ينتهي. فلوسيان بورجيلي يدرك تماماً أصول اللعبة المسرحية، ويعززها بخبرته وحسّه الإخراجي، فلا يترك مجالاً لتسرّب الملل إلى الحضور.

وتخلص المسرحية إلى رسالة واضحة مفادها أن الأشخاص البارزين والمشهورين ليسوا الركائز الحقيقية للمجتمع، بل إن الحرية والصدق هما أساسه الفعلي. كما تؤكد أن جهل العامة يسهم في إطالة عمر الحاكم الفاسد.