يفقد الجزء الثاني من «الشيطان يرتدي برادا» (The Devil Wears Prada 2) اللمعان الذي جعل الفيلم الأول أكثر رسوخاً من حجمه السينمائي. لا يرتبط الأمر فقط باختلاف الزمن والعودة بعد 20 عاماً كانت محكومة مُسبقاً بعبء المقارنة. فالفيلم الجديد يرى في إرثه مادة قابلة لإعادة التشغيل، وليس ذاكرةً سينمائيةً تحتاج إلى سبب عميق كي تُستَدعى مرة أخرى.
في الجزء الأول، صنع ديفيد فرانكل، عن سيناريو ألين بروش ماكينا، فيلماً خفيفاً في بنيته ومؤثّراً في ما تركه خلفه. لم يكن فيلماً كبيراً بمعنى القيمة السينمائية، ومع ذلك امتلك حسّاً التقط بدقّة مزاج مرحلة وعلاقتها بالطموح والعمل والصورة. أعطى لعالم الأزياء والمجلّات وزنه وقدَّمه صناعةً تتحكَّم بالنفوذ الثقافي. بَعده، أصبحت الثياب لغة تنتمي إلى طبقات أعمق من الاختيار والذائقة والهوية. قبله كانت لكثيرين قطعاً مُعلَّقة في الخزانة.

الجزء الثاني في مأزق. يعود إلى «رانواي» مُحمّلاً بتحوّلات كبرى ضربت الإعلام والموضة والصحافة الورقية وثقافة الشهرة وصناعة الصورة، من صعود المنصات الرقمية إلى تمدُّد الذكاء الاصطناعي، ومن انحسار المجلات التقليدية إلى انتقال النفوذ نحو الخوارزميات والمؤثّرين. لكنَّ هذه التحوّلات تصل إلى الفيلم متأخِّرة، كأنه يكتشفها بعدما صارت جزءاً من يوميات العاملين في الإعلام. لا يذهب النصّ إلى عمق الزلزال الذي غيَّر معنى التحرير والذوق والاختيار، لذلك تبدو أفكاره امتداداً لنقاشات باتت مستقرّة داخل الوسط الإعلامي، وهو وحده يُفاجَأ بما أصبح معروفاً داخل المهنة منذ سنوات.
والعودة أضعفت أيقونيّة ميريل ستريب في الجزء الأول. كانت «ميرندا بريستلي» الشخصية التي منحت الفيلم إيقاعه وحِدّته وهيبته. فرادتها في أنها لم تُستَهلك، وبقي فيها دائماً شيء غير قابل للوصول. الجزء الثاني يقترب منها بطريقة مختلفة كلياً. يعاملها بأنها أيقونة راسخة في الوجدان أكثر من أنها شخصية لا تزال قادرة على اكتشاف طبقات أخرى فيها. الفيلم يثق بذاكرة الجمهور تجاهها أكثر من ثقته بما يُقدّمه لها الآن. لذلك تخسر جزءاً من ثقلها. تصبح أكثر مباشرةً واعتياداً.

هذا الاستهلاك يظهر في الجانب التجاري الذي يُخيّم على المشروع. صُنَّاعه وجدوا في واقع الصحافة بعد الذكاء الاصطناعي والتحوّل الرقمي أرضاً مناسبة لاستثمار اسم محبوب، ثم جمعوا الوجوه التي صنعت ذاكرة الجزء الأول ضمن وصفة مضمونة الجاذبية. عودة ميريل ستريب، آن هاثاواي، إميلي بلانت وستانلي توتشي تمنح الفيلم بريق الأسماء الذي لا يصنع دائماً ضرورة فنّية. ديفيد فرانكل يلتقط الشخصيات المعروفة مع الظنّ أنّ ظهورها وحده كافٍ لإحياء سحر الماضي. لا يكفي.

الفيلم باهت سينمائياً. الصورة أنيقة في حَدّها الوظيفي ومصقولة كما تقتضي أجواء الموضة، لكنها تفتقر إلى لمسة بصرية تمنح العالم حياة داخلية. الاستثناء يأتي في مشهد «ميرندا» الأخير بين واجهات المتاجر الفاخرة، وحيدةً داخل اتساع بدا أكبر منها للمرة الأولى. هناك يقترب الفيلم من أثر الزمن على الشخصية والعالم الذي حكمته طويلاً. المرأة التي ملأت الأمكنة بسُلطتها تقف على هامش عالم تابع حركته من دون أن يدور حولها. بهذا المشهد، يعثر الفيلم على شيء افتقده في معظم مَشاهده.

أما الأداء، فيعاني من تفاوت. آن هاثاواي مشدودة إلى وعيها بالشخصية أكثر من عيشها لها. هناك مبالغة في الإيماءة وتصنُّع في النبرة وحرص زائد على إثبات نضج «آندي» بدل ترك هذا النضج يظهر عبر التحوّل تلقائياً داخلها. وميريل ستريب على عظمتها، لا تأتي بجديد يوازي ثقل العودة. أداؤها محفوظ ومدروس وشديد الاحتراف، لكنه لا يحمل الدهشة التي صنعت «ميرندا» الأولى. المفارقة أنّ الممثلة التي رفعت الشخصية إلى مقام أسطوري تصبح شريكة في تقليص هالتها!
أثر الفيلم محدود. يُردِّد أنّ الزمن تغيَّر والإعلام لم يعد كما كان. السُلطة انتقلت من المجلة إلى المنصة، ومن رئيسة التحرير إلى منطق السوق الرقمي. هذه الخلاصة تصل بلا رجَّة فعليّة. كان يمكن أن يكون أكثر راهنيةً لو عُرِض عند بدايات مواقع التواصل أو عند الصدمة الأولى للذكاء الاصطناعي. الآن، يبدو مألوفاً مثل خبر سمعناه مراراً ثم عاد إلينا بثياب فاخرة.




