«شتاء روسيا»... فيلم يرصد منفى الأسئلة وعبء الذنب

النمساوي باتريك شيها لـ«الشرق الأوسط»: أحاول فَهْم العجز والاختيار في زمن الحرب

عُرض الفيلم للمرّة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المُنتجة)
عُرض الفيلم للمرّة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المُنتجة)
TT

«شتاء روسيا»... فيلم يرصد منفى الأسئلة وعبء الذنب

عُرض الفيلم للمرّة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المُنتجة)
عُرض الفيلم للمرّة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المُنتجة)

لا يُعدّ الفيلم الفرنسي «شتاء روسيا» فيلماً عن الحرب بقدر ما هو فيلم عن ارتداداتها الخفية، يتطرَّق إلى الصمت الثقيل الذي يعقب القرار المصيري بالهروب، وعن المسافة النفسية التي تتّسع بين الإنسان ووطنه مع وضعه أمام اختيارات مصيرية. في عمله الوثائقي الجديد، يقترب المخرج النمساوي باتريك شيها من جيل روسي وجد نفسه فجأة خارج الجغرافيا وخارج الزمن، مُحاصَراً بأسئلة لا تقلّ قسوة عن أصوات المدافع.

منذ اللحظة الأولى، يختار الفيلم زاوية مختلفة؛ فلا كاميرات في خطوط النار، ولا شهادات مباشرة من جبهات القتال، بل وجوه شابة تحمل آثار الصدمة، وتعيش في مدن وسيطة مثل إسطنبول وباريس، مُعلّقة بين ماضٍ لم يعد ممكناً، ومستقبل لم يتشكل بعد. هنا لا يُعرَّف المنفى بوصفه انتقالاً مكانياً فقط، بل حالة ذهنية طويلة الأمد، وتجمّد داخلي يشبه شتاءً لا ينتهي.

أضاء الفيلم على جانب من حياة شباب روس هربوا من التورّط في الحرب (الشركة المُنتجة)

الفيلم الذي تدور أحداثه في 87 دقيقة، وعُرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، يتتبَّع قصة «مارغريتا» و«يوري» وأصدقائهما، وهم جزء من جيل روسي وُضع أمام خيار ثلاثي قاسٍ: السجن، أو الخدمة العسكرية، أو الرحيل. فرفضوا الانصياع، واختاروا المنفى، وإنما الاختيار، كما تكشف الأحداث، لا يمنح الخلاص، فتتسلَّل مشاعر الذنب والخجل واللاجدوى إلى تفاصيل حياتهم اليومية، مع تساؤلات تدور في أذهانهم: هل كانوا شجعاناً أم هاربين؟ هل أنقذوا أنفسهم أم تخلّوا عن مسؤوليتهم؟ في أسئلة تتردَّد بلا إجابات حاسمة.

يمنح العمل مساحة خاصة لعلاقة الصداقة بين «يوري» و«مارغريتا»، بوصفها الخيط العاطفي الذي يمنع السقوط الكامل في العزلة، فيما يمزج الفيلم بصرياً بين مَشاهد يومية عادية عبر شقق مؤقتة، وشوارع مزدحمة، ولقاءات عابرة، وبين لحظات أقرب إلى الأداء الفنّي، مثل رقصات أمام خلفيات خضراء.

في هذا السياق، قال مخرجه باتريك شيها لـ«الشرق الأوسط» إن فكرته جاءت من صور شاهدها في سبتمبر (أيلول) 2022 لشباب يعبرون الحدود الجبلية نحو جورجيا سيراً أو بالدراجات أو بالسيارات، مؤكداً أنه لم يستطع أن يتخيَّل تماماً ما يعنيه أن تفرّ من بلدك، لكن الوجوه التي رآها كانت، وفق تعبيره، تقول شيئاً عميقاً عن هشاشة العالم والعنف الكامن فيه، وعن لحظة تاريخية بدت كأنها تكشف عن مستقبل مقلق للجميع.

صوَّر المخرج عشرات الساعات مع أبطال الفيلم (الشركة المنتجة)

وأوضح شيها أنه لا يبدأ أفلامه بخطة واضحة أو رسالة محدَّدة سلفاً، بل بأسئلة تلاحقه، وشعر بأن قصص هؤلاء الروس لا تخصّهم وحدهم، بل تعكس مخاوف أوسع، وتحمل عدداً من الأسئلة، منها: ماذا نفعل حين يصبح البقاء مستحيلاً أخلاقياً؟ هل نقاوم من الداخل أم نغادر؟ وماذا يعني أن نكون عاجزين سياسياً؟ ومن ثم كان مهتمّاً بطرح هذه الأسئلة من خلال أشخاص حقيقيين، وليس عبر خطاب مباشر.

وأكد أنه لا يصنع أفلاماً عن الناس بل معهم، مشيراً إلى أنّ عملية التصوير اتّسمت بقدر كبير من الارتجال، فكانوا يمضون الوقت معاً، وتنبثق الأحاديث تدريجياً. أحياناً لم يكن يفهم اللغة الروسية بالكامل، لعدم توفر مترجم طوال الوقت، لكنه كان يشعر بأنّ هناك مادة إنسانية صادقة تتشكّل أمامه.

وأشار إلى أنّ المونتاج كان المرحلة الأطول والأشدّ تعقيداً، لأنّ عليه أن يكون أميناً لمشاعرهم، وفي الوقت نفسه يمنح الفيلم بنية فنية واضحة، مؤكداً أنه صوَّر عشرات الساعات معهم قبل أن يختار المَشاهد التي شاهدها الجمهور في العمل.

المخرج النمساوي أكد أنّ المونتاج كان المرحلة الأطول والأشدّ تعقيداً (الشركة المُنتجة)

وأكد أيضاً أنّ الشعور بالذنب والخجل والعجز كان محورياً في التجربة، فهؤلاء الشبان، وفق وصفه، عاشوا حياة مريحة نسبياً في موسكو، ولم يكونوا مستعدّين لصدمة الحرب حين اضطروا إلى الرحيل. خسروا ليس فقط بلدهم، بل خسروا جزءاً من هويتهم. وتساءلوا: هل كان الهروب الخيار الصحيح؟ أم كان ينبغي البقاء والمواجهة؟ مشيراً إلى أنّ الكاميرا منحتهم مساحة لصياغة هذه الأسئلة بصوت عالٍ.

وشدَّد على أنه لم يكن معنياً بعقد مقارنة مع معاناة الأوكرانيين، لأنّ لكل مأساة سياقها الخاص، لكن فيلمه يتبنّى بوضوح وُجهة نظر أشخاص رفضوا النظام وغادروا بسببه، وهدفه لم يكن تبريراً لأحد، بل تقديم منظور مختلف يُضيء منطقة رمادية قلّما تُتناول في السينما.

ولفت شيها إلى أنّ السينما بالنسبة إليه ليست وسيلة لإلقاء خطبة سياسية، بل لخلق مساحة للتفكير، ففيلمه يطرح أسئلة عميقة حول موقع الفرد من السياسة وحدود قدرته على المقاومة، لافتاً إلى أنه لا يدّعي امتلاك الإجابات، بل يصنع أفلامه لأنه لا يعرف، ويريد أن يرى بوضوح أكبر.


مقالات ذات صلة

مصر: مراجعة شاملة لـ«أهداف» و«ضوابط» المهرجانات السينمائية

يوميات الشرق رفضت وزارة الثقافة التصريح بإقامة الدورة المقبلة من مهرجان الإسكندرية (إدارة المهرجان)

مصر: مراجعة شاملة لـ«أهداف» و«ضوابط» المهرجانات السينمائية

تعمل «اللجنة العليا للمهرجانات» التابعة لوزارة الثقافة المصرية على مراجعة شاملة لـ«أهداف» و«ضوابط» إقامة المهرجانات السينمائية في مصر.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق يتناول فيلم «أسد» موضوع العنصرية (إنستغرام)

رزان جمّال: حرّية الممثل العربي تفوق المُتاح في هوليوود

استهلّت رزان جمّال مسيرتها الفنّية من خلال أعمال عالمية، فتعاونت مع مخرجين فرنسيين وأميركيين بارزين.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق مخرجا الفيلم (الشرق الأوسط)

مخرجا «سِفن دوجز»: قدمنا تجربة تعيد تعريف «أفلام الأكشن»

أكد المخرجان عادل العربي وبلال فلاح أن فيلم «سِفن دوجز» بدأ فكرةً تحمل رغبة عارمة في إعادة تعريف شكل أفلام الأكشن العربية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق ‎⁨سارة طيبة في مشهد من فيلم «مسألة حياة أو موت» الذي يعرض الشهر الحالي (الشرق الأوسط)⁩

بين «مهرجان الأفلام» وأعمال الصيف... خريطة السينما السعودية في يونيو

بعد موسم شهد إقبالاً واسعاً على دور السينما خلال إجازة عيد الأضحى، يدخل القطاع السينمائي السعودي شهر يونيو (حزيران) بإيقاع مختلف

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق مارلين مونرو في فيلم «نياغارا» عام 1953 (شركة 20th Century Fox) p-circle 01:31

100 شمعة لمارلين مونرو... أسرار في حياة أيقونة هوليوود

في مثل هذا اليوم قبل 100 عام، ولدت مارلين مونرو. عاشت 36 سنة زاخرة بالأضواء والأسرار. إليكم أبرز خفايا حياتها الشخصية ومسيرتها الفنية.

كريستين حبيب (بيروت)

كيف تربي طفلاً قادراً على حل مشاكله بنفسه؟ 5 طرق فعّالة

مجموعة من الأساليب التربوية البسيطة التي تساعد الطفل على تنمية مهارات التفكير واتخاذ القرار منذ سن مبكرة (بكسلز)
مجموعة من الأساليب التربوية البسيطة التي تساعد الطفل على تنمية مهارات التفكير واتخاذ القرار منذ سن مبكرة (بكسلز)
TT

كيف تربي طفلاً قادراً على حل مشاكله بنفسه؟ 5 طرق فعّالة

مجموعة من الأساليب التربوية البسيطة التي تساعد الطفل على تنمية مهارات التفكير واتخاذ القرار منذ سن مبكرة (بكسلز)
مجموعة من الأساليب التربوية البسيطة التي تساعد الطفل على تنمية مهارات التفكير واتخاذ القرار منذ سن مبكرة (بكسلز)

يميل كثير من الآباء والأمهات إلى التدخل السريع عندما يواجه أطفالهم مشكلة، سواء كانت خلافاً مع صديق، أو صعوبة في أداء واجب مدرسي، أو حتى تحدياً بسيطاً في الحياة اليومية. ورغم أن هذا التدخل ينطلق من الرغبة في المساعدة، فإن الخبراء يرون أن الإفراط فيه قد يحرم الطفل من فرصة مهمة لتطوير مهارات التفكير والاستقلالية.

وتبدأ تربية طفل قادر على حل مشكلاته بنفسه من منحه المساحة الكافية للتفكير واتخاذ القرار، مع توفير الدعم والتوجيه المناسبين دون فرض الحلول الجاهزة.

ولتحقيق ذلك، هناك مجموعة من الأساليب التربوية البسيطة التي تساعد الطفل على تنمية مهارات التفكير واتخاذ القرار منذ سن مبكرة.

1- امنح طفلك فرصة للتفكير

عندما يواجه الطفل مشكلة، حاول مقاومة الرغبة في تقديم الحل فوراً. بدلاً من ذلك، شجعه على التفكير في الموقف وطرح أفكار مختلفة للتعامل معه.

يمكنك أن تسأله:

-ما المشكلة التي تواجهها؟

-ما الحلول التي فكرت فيها؟

-ماذا قد يحدث إذا جرّبت هذا الحل؟

هذه الأسئلة تساعد الطفل على تحليل المواقف وتنمية مهارات التفكير النقدي.

شجعه على اقتراح أكثر من حل

من المفيد تدريب الطفل على التفكير في أكثر من خيار بدلاً من التمسك بحل واحد فقط. فالحياة لا تقدم دائماً إجابة واحدة صحيحة، والقدرة على مقارنة البدائل مهارة مهمة في المستقبل.

عندما يعتاد الطفل على البحث عن حلول متعددة، يصبح أكثر مرونة وقدرة على التعامل مع المواقف غير المتوقعة.

2- لا تخف من فشله أحياناً

الفشل جزء طبيعي من عملية التعلم. فإذا كان الخطأ بسيطاً ولا يشكل خطراً على الطفل، فقد يكون من الأفضل السماح له بخوض التجربة والتعلم من نتائجها.

فعندما ينسى واجبه المدرسي أو يواجه صعوبة في إنجاز مهمة ما، يمكن أن تساعده التجربة على فهم أهمية التخطيط وتحمل المسؤولية أكثر من أي نصيحة مباشرة.

3-استخدم التوجيه بدلاً من إعطاء الأوامر

بدلاً من قول: «افعل كذا»، حاول استخدام أسئلة تحفز التفكير، مثل:

-ما الذي يمكنك فعله الآن؟

-ما أفضل خيار برأيك؟

-ماذا تعلمت من هذه التجربة؟

هذا الأسلوب يجعل الطفل شريكاً في إيجاد الحل، ويعزز ثقته بقدرته على اتخاذ القرارات.

4- عزز ثقته بنفسه

كلما نجح الطفل في حل مشكلة بمفرده، حتى لو كانت بسيطة، احرص على الإشادة بجهده وطريقة تفكيره.

فالتركيز على المحاولة والاجتهاد، وليس فقط على النتيجة النهائية، يساعد على بناء الثقة بالنفس ويشجع الطفل على مواجهة التحديات الجديدة.

5- كن قدوة في التعامل مع المشكلات

الأطفال يتعلمون من خلال الملاحظة بقدر ما يتعلمون من خلال التوجيه المباشر. لذلك، عندما تواجه مشكلة يومية، تحدث بصوت مسموع عن طريقة تفكيرك في الحل، ليلاحظ الطفل كيف يتم تحليل المواقف واتخاذ القرارات.

لماذا تعد هذه المهارة مهمة؟

تساعد مهارة حل المشكلات الطفل على تطوير التفكير المستقل، وتحمل المسؤولية، والتعامل مع الضغوط بثقة أكبر. كما تمنحه القدرة على اتخاذ قرارات أفضل في المدرسة والعلاقات الاجتماعية والحياة اليومية.

ومع مرور الوقت، فإن الطفل الذي يتعلم التفكير في الحلول بدلاً من انتظارها من الآخرين يصبح أكثر استقلالية وثقة بنفسه، وهي صفات يحتاج إليها في مختلف مراحل حياته.


بطل بارالمبي قد يصبح أول رائد فضاء ذي إعاقة يعيش في المدار

أحياناً تبدأ الرحلات الكبرى من خسارة شخصية (وكالة الفضاء الأوروبية)
أحياناً تبدأ الرحلات الكبرى من خسارة شخصية (وكالة الفضاء الأوروبية)
TT

بطل بارالمبي قد يصبح أول رائد فضاء ذي إعاقة يعيش في المدار

أحياناً تبدأ الرحلات الكبرى من خسارة شخصية (وكالة الفضاء الأوروبية)
أحياناً تبدأ الرحلات الكبرى من خسارة شخصية (وكالة الفضاء الأوروبية)

قد يصبح جراح وبطل بارالمبي بريطاني أول شخص ذي إعاقة جسدية يعيش في المدار، وذلك بعدما وقَّعت الحكومة البريطانية اتفاقية مع شركة أميركية تعمل على بناء محطة فضاء تجارية صغيرة.

وذكرت «الغارديان» أنّ جون ماكفال، وهو عضو في «احتياطي» رواد الفضاء التابع لوكالة الفضاء الأوروبية (إيسا)، نال الموافقة للقيام بأنشطة في المدار العام الماضي، ويمكنه المشاركة في مهمة إلى محطة الفضاء «هافن-1» في وقت قريب يعقب إطلاقها المقترح في عام 2027.

وتمرُّ شركة «فاست»، وهي شركة ناشئة مقرها كاليفورنيا، بمراحل متقدمة من بناء المحطة «هافن-1» التي يقلّ حجمها قليلاً عن حجم حافلة ذات طبقة واحدة. وستتسع المحطة لما يصل إلى 4 رواد فضاء، وتتميّز بتصميم داخلي من قشرة خشب القيقب، ونافذة مقببة لمراقبة الأرض، ومختبر لبحوث شبه انعدام الجاذبية.

وقال ماكفال من مركز رواد الفضاء الأوروبي التابع لوكالة «إيسا» في ألمانيا: «إنها فرصة مثيرة». وستركز المهمّة التي تستغرق أسبوعين على كيفية تأثير بيئة الفضاء على جسده، وأيضاً على تأثيراتها في الأطراف الاصطناعية الحديثة، والتي غالباً ما تعتمد على أجهزة استشعار ومعالجات دقيقة لتعمل بشكل صحيح.

ويمكن لبحوث ماكفال أن تعود بالنفع على الأشخاص ذوي الإعاقة على نطاق أوسع من خلال دفع عجلة التصاميم نحو أطراف اصطناعية أخفّ وزناً وأكثر قدرة على التكيف. كما يمكنها أن تُعمّق فهم حالات مثل هشاشة العظام وضمور العضلات، وتمهّد الطريق لبرامج إعادة تأهيل أفضل لمبتوري الأطراف.

وإلى جانب الأهداف العلمية، قال ماكفال إنّ المهمّة ستتحدَّى التصوّرات المسبقة حول الوظائف التي يمكن للأشخاص ذوي الإعاقة إنجازها. وأضاف: «نحن نقول إنه لا بأس بأن يكون الأشخاص ذوو الإعاقة رواد فضاء. لقد أثبتنا أن هذا ممكن، وأننا منفتحون بما يكفي لمنح الناس الفرص للقيام بذلك والاعتراف بأنهم قادرون على السواء».

وتقضي مذكرة التفاهم بأن تدعم وكالة الفضاء البريطانية شركة «فاست» لتأمين الرعاية اللازمة لتمويل رحلة ماكفال الجوّية. وسيسافر هو ورواد فضاء آخرون إلى محطة «هافن-1» داخل كبسولة «كريو دراغون» التابعة لشركة «سبيس إكس» على متن صاروخ «فالكون 9». وثمة خيار آخر أمام ماكفال، وهو القيام بمهمة خاصة مع شركة «فاست» إلى محطة الفضاء الدولية العام المقبل.

وكان ماكفال، البالغ 45 عاماً، من مقاطعة هامبشاير، قد فقد ساقه اليمنى في حادث دراجة نارية في الـ19 من عمره. وبعد مغادرته المستشفى، انغمس في الرياضة وفاز بالميدالية البرونزية في سباق 100 متر في دورة الألعاب البارالمبية في بكين عام 2008. وتأهَّل لاحقاً للعمل جرّاحَ عظام في هيئة الخدمات الصحية الوطنية. وعام 2025، اختير للمشاركة في مشروع «فلاي!» التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، والذي يدرس ما إذا كان بإمكان رواد الفضاء ذوي الإعاقة الجسدية المشاركة في مهمّات طويلة الأمد إلى محطة الفضاء الدولية.

وقال ماكفال: «على المستوى الشخصي، يتعلّق الأمر بالتحدّي والمغامرة والفضول. إنه يروي ظمأي للمعرفة والعلم. وهناك أيضاً جانب من الجنون في الأمر: حقيقة أن لدينا القدرة على إرسال بشر إلى الفضاء. وأن أكون جزءاً من هذا التاريخ لهو أمر مذهل».

وتابع: «أريد أن أكون رائد فضاء جيداً، وأريد أن أؤدي عملي على أكمل وجه؛ فهذه هي أولويتي. لا أريد أن يكون الأمر دعاية إعلامية، ولا أريد أن يكون تجربة عابرة. أنا سعيد بأن أكون رائداً وأقوم بشيء جديد، ولكن أولاً وقبل كل شيء، أريد أن أؤدّي عملاً جيداً، وأريد أن يكون ذا قيمة لاستكشاف الفضاء وللمجتمع على الأرض».

وإذا ما كُتب لرحلة ماكفال الجوية أن تمضي قُدماً، فسيصبح أول بريطاني يرتاد الفضاء منذ المدّة ما بين عامَي 2015 و2016، عندما قضى تيم بيك 6 أشهر على متن محطة الفضاء الدولية بكونها جزءاً من مهمّة «برينسيبيا» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية. وقال بيك: «إن جون ماكفال يمثّل مصدر إلهام، ليس لمجتمع الفضاء فحسب، وإنما لكلّ شخص قيل له ذات يوم إن هناك حدوداً لما يُمكنه تحقيقه. إن هذه الاتفاقية تعدّ لحظة فارقة في تاريخ رحلات الفضاء البشرية الشاملة للجميع».


حَمام الزاجل يستعين بـ«بوصلة» داخل كبده

الحمام الذي يعود يحمل الطريق في داخله (ماكس بلانك)
الحمام الذي يعود يحمل الطريق في داخله (ماكس بلانك)
TT

حَمام الزاجل يستعين بـ«بوصلة» داخل كبده

الحمام الذي يعود يحمل الطريق في داخله (ماكس بلانك)
الحمام الذي يعود يحمل الطريق في داخله (ماكس بلانك)

كشفت دراسة جديدة عن أنّ حمام الزاجل يَدين بقدرته المذهلة على قطع مسافات طويلة ليس لعينيه أو دماغه أو منقاره، وإنما لخلايا خاصة في كبده.

ولطالما حيَّرت العلماء قدرة الحمام على السفر لمئات الأميال والعثور على طريقه للعودة إلى موطنه. إذ اقترحت نظريات سابقة أنّ هذه الطيور يمكنها استشعار الحقول المغناطيسية للأرض من خلال جزيئات حساسة للضوء في عيونها، أو جزيئات مغناطيسية دقيقة في مناقيرها.

لكن أياً من النظريتين لم يحظَ بتأكيد تجريبي قوي، رغم عقود من البحث.

والآن، كشفت دراسة جديدة عن أنّ الإجابة قد تكمن في مكان غير متوقع، وهو الكبد. إذ وجد العلماء أنّ حمام الزاجل قد يستخدم خلايا مناعية متخصّصة في كبده وطحاله لاستشعار الحقل المغناطيسي للأرض، ممّا يوفر له نظام ملاحة داخلياً.

وتبيّن أن هذه الخلايا المناعية، التي تسمى «الخلايا البلعمية»، تُراكم الحديد خلال تفكيك خلايا الدم الحمراء الهرمة.

ووفقاً للدراسة التي نقلتها «الإندبندنت» عن مجلة «ساينس»، فإنّ الحديد المتراكم يمنح هذه الخلايا المناعية خصائص مغناطيسية فريدة، بما في ذلك القدرة على الاستجابة للحقل المغناطيسي للأرض.

ووجد الباحثون أنه عند إزالة الخلايا البلعمية، واجَه الحمام صعوبة في العثور على طريقه إلى موطنه، مما يشير إلى دورها الذي لم يكن معروفاً من قبل في عملية الملاحة.

وقال المدير في معهد «ماكس بلانك لسلوك الحيوان» في ألمانيا، مارتن ويكلسكي: «إن ما يبدو أنه حدس باطني في ملاحة الطيور قد يكون له في الواقع أساس مادي».

وأضاف: «إذا كانت الخلايا المناعية جزءاً من كيفية استشعار الطيور للاتجاه، فإن ذلك سيغيّر جذرياً كيفية فهمنا للملاحة».

ورغم أنّ العلماء يعرفون منذ مدّة طويلة أنّ الطيور المهاجرة وحمام الزاجل تستخدم الحقل المغناطيسي للأرض أداةَ للملاحة، فإنّ كيفية استشعار الحيوانات لهذا الحقل تحديداً ظلَّت أحد أكبر الأسرار في علم الأحياء.

ووجدت هذه الدراسة أنّ الكبد والطحال يمكن أن يلعبا دوراً رئيسياً في الملاحة من خلال دمج الخبرات من علم المناعة والفيزياء وسلوك الحيوان.

وفيها، فحص العلماء أعضاء متعدّدة لحمام الزاجل ارتبطت سابقاً بالقدرة على استشعار الحقول المغناطيسية، بما فيها العيون والمنقار والدماغ.

وقالت كليفيا ليسوفسكي، وهي مؤلِّفة أخرى للدراسة: «كانت لدينا بعض المؤشّرات على أنّ الكبد والطحال يتمتعان بخصائص مغناطيسية، لأنهما يفككان خلايا الدم الحمراء وبالتالي يخزنان كميات كبيرة من الحديد في الجسم».

ومن بين جميع الأنسجة والأعضاء التي حُلِّلت، احتوى الكبد على أعلى تركيز للحديد وأظهر أقوى استجابة مغناطيسية. وأكدت اختبارات إضافية أنّ الخلايا البلعمية فيه هي المسؤولة عن هذه الخصائص المغناطيسية.

ثم اختبر العلماء ما إذا كانت الخلايا البلعمية تؤثّر فعلياً في الملاحة.

ولذلك، أزالوا الخلايا البلعمية الكبدية من حمام دُرّب على العودة إلى أبراجه من مواقع تبعد أكثر من 20 كيلومتراً في ألمانيا.

ووجد الباحثون أنه في الأيام الغائمة، عندما كانت الشمس محجوبة، فقد الحمام الذي يفتقر إلى الخلايا البلعمية حاسّة الاتجاه لديه وواجه صعوبة في الملاحة والعودة إلى موطنه.

أما في الأيام المشمسة، فقد تمكن من العودة بنجاح، ممّا يشير إلى أن الطيور تستخدم المعلومات المغناطيسية إلى جانب الإشارات الشمسية لتوجيه نفسها خلال الطيران.

وباستخدام الفحص المجهري المتقدِّم، قيَّم العلماء بعد ذلك كيف تنتقل المعلومات من كبد الحمام إلى الدماغ.

ووجدوا أنّ الخلايا البلعمية الغنية بالحديد تقع بالقرب من الألياف العصبية، مما يُلمح إلى مسار محتمل تُنقل من خلاله المعلومات المغناطيسية من الكبد إلى الجهاز العصبي، وفي النهاية إلى الدماغ.

وقالت الدكتورة ليسوفسكي: «تطرح هذه النتائج أول دليل ملموس على كيفية إدراك الحقل المغناطيسي للأرض داخل الجسم وتمريره إلى الدماغ لتوجيه الحركة».