أبو بكر شوقي يعود بفيلم يتتبَّع مصر من الهزيمة إلى التحوّلات الكبرى

5 حكايات ترصد تقاطع السياسة والحياة اليومية داخل أسرة مصرية

الأسرة مجتمعةً لمُشاهدة إحدى المباريات ضمن أحداث الفيلم (إدارة المهرجان)
الأسرة مجتمعةً لمُشاهدة إحدى المباريات ضمن أحداث الفيلم (إدارة المهرجان)
TT

أبو بكر شوقي يعود بفيلم يتتبَّع مصر من الهزيمة إلى التحوّلات الكبرى

الأسرة مجتمعةً لمُشاهدة إحدى المباريات ضمن أحداث الفيلم (إدارة المهرجان)
الأسرة مجتمعةً لمُشاهدة إحدى المباريات ضمن أحداث الفيلم (إدارة المهرجان)

يستلهم المخرج المصري النمساوي أبو بكر شوقي قصة حب والديْه في أحدث أفلامه «القصص»، الذي يضم 5 حكايات تدور في أجواء سياسية مُشتعلة، تُماثل حرارة صيف 1967 الذي تنطلق منه الأحداث في مصر. صيف بدأ بالنكسة، وضمّ مَشاهد من خطب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وقرار التنحّي، ثم عهد الرئيس السادات و«نصر أكتوبر» والانفتاح الاقتصادي واتفاقية كامب ديفيد، عبر عائلة مصرية من الطبقة المتوسطة مرتبطة بمباريات الكرة ونشرات الأخبار التلفزيونية.

يُعرض الفيلم في مسابقة «البحر الأحمر» للأفلام الطويلة، ويشارك فيه نجوم، من بينهم أمير المصري، ونيللي كريم، وفاليري باشنر، وكريم قاسم، وأحمد كمال، وصبري فواز، وشريف الدسوقي، وخالد مختار، وأحمد الأعزر، وعمرو عابد. الفيلم من تأليف أبو بكر شوقي وإخراجه؛ وهو المستلهم من قصة الحبّ التي جمعت بين والدته النمساوية ووالده المصري، لينطلق منها إلى حكايات أخرى تعكس زمناً بتقلباته وأزماته.

صُوِّر العمل بين القاهرة وفيينا، بمشاركة مدير التصوير النمساوي وولفغانغ ثالر، ومصمّمة الديكور هند عبد الرازق حيدر، والمونتير رولاند شتوتينغر، ومصمّمة الأزياء ريم العدل. والفيلم من إنتاج «سينينوفو»، و«فيلم كلينك»، و«لاجوني»، و«فيلم سكوير»، و«شوفها للإنتاج»، وحصل على دعم من «صندوق البحر الأحمر»، و«المعهد السينمائي النمساوي»، و«صندوق فيينا السينمائي».

نيللي كريم وأولادها في أحد مَشاهد فيلم (إدارة المهرجان)

تبدأ الأحداث داخل أسرة تضم 3 أبناء، بينما الأم «فيروز» (نيللي كريم) تنتظر مولوداً رابعاً. الزوج «راغب» (أحمد كمال)، موظف في وزارة الزراعة، يعتزّ بصورته مع عبد الناصر ويُعلقها في بيته. الابن «أحمد» (أمير المصري) يحبّ الموسيقى ويعزف على بيانو قديم يُزعج الجار. تمتزج أصوات عزفه مع الأغنيات الحماسية التي يبثّها التلفزيون ومباريات الكرة التي يتابعونها بشغف. يُراسل «أحمد» مجلة أجنبية تنشر اسمه للتعارف، ويتلقى خطاباً من إليزابيث النمساوية، فتتشكك الأسرة بأنها جاسوسة. يسافر لتعلّم الموسيقى في النمسا ويصطدم بعوائق، ثم يعود إلى مصر مصدوماً باستشهاد شقيقه التوأم في الجبهة.

طاقم الفيلم على السجادة الحمراء في «البحر الأحمر» (إدارة المهرجان)

تتطوَّر قصة حب «أحمد» و«ليز»، التي تسافر إلى القاهرة من أجله، ويتزوجان. تدفعه «ليز» لتحقيق حلمه في تقديم حفل موسيقي عام، ويعيشان معاً الانتصارات والإخفاقات التي شهدتها مصر حتى ثمانينات القرن الماضي.

يمزج الفيلم بين لقطات أرشيفية لخطابات سياسية ومباريات كرة القدم ومقاطع من الأفلام والبرامج الإذاعية، كما يُقدّم عرضاً موسيقياً متشابكاً للأغنيات المصرية، من الحماسية زمن الحروب مثل «خلِّ السلاح صاحي» و«وطني حبيبي الوطن الأكبر»، وصولاً إلى مرحلة «زحمة يا دنيا زحمة» لأحمد عدوية.

في ثالث أفلامه، يواصل أبو بكر شوقي تثبيت موهبته التي كشف عنها في «يوم الدين» و«هجان»، مقدّماً عملاً يتأمّل قوة الحب وروابط الإنسان واللحظات التي تشكّل مسار الحياة، وفق نقاد.

الفنان أمير المصري والممثلة الألمانية فاليري باشنر (إدارة المهرجان)

في هذا السياق، قال الفنان أمير المصري إنه كان يبحث عن سيناريو مصري متميّز، مُضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «أعجبني السيناريو ورأيتُ فيه التميّز الذي أبحث عنه. أحببتُ شخصية (أحمد) وسعيه إلى تحقيق هدفه، وأحببت أيضاً قصص العائلة». وأشار إلى أنه تعلّم عزف البيانو خصيصاً للفيلم، وأنه شاهده 7 مرات وكلّ مرة كان يكتشف فيه جديداً.

الأسرة مجتمعةً لمُشاهدة إحدى المباريات ضمن أحداث الفيلم (إدارة المهرجان)

بدوره، رأى الناقد طارق الشناوي أنّ جمال الفيلم يعود إلى فطريته، موضحاً أنّ ذكاء المخرج يكمن في حفاظه على تلقائية السرد، مما انعكس على أداء الممثلين الذين ظهروا في قمة عطائهم، وفي مقدّمتهم نيللي كريم وأمير المصري، إلى جانب أحمد كمال، وصبري فواز، وشريف الدسوقي، وخالد منصور.

وأشار الشناوي إلى أسلوب المخرج في تقديم القصص بإيقاع خاص، عبر لقطات سريعة لا تمنح كل الإجابات، لينتقل المُشاهد بين شخصيات عدّة في حكايات تبدو متفرّقة لكنها موثقة عن الخوف من السلطة والعلاقة بالآخر والأحلام المستحيلة، مؤكداً أنّ المخرج لا يحدد مدّة زمنية بعينها، بل يقدّم «حالة مصرية» تقول إن الهزيمة «مِن صنع أيدينا وسببها نحن».


مقالات ذات صلة

مصر: مراجعة شاملة لـ«أهداف» و«ضوابط» المهرجانات السينمائية

يوميات الشرق رفضت وزارة الثقافة التصريح بإقامة الدورة المقبلة من مهرجان الإسكندرية (إدارة المهرجان)

مصر: مراجعة شاملة لـ«أهداف» و«ضوابط» المهرجانات السينمائية

تعمل «اللجنة العليا للمهرجانات» التابعة لوزارة الثقافة المصرية على مراجعة شاملة لـ«أهداف» و«ضوابط» إقامة المهرجانات السينمائية في مصر.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق تامر حسني لإحياء الحفل الختامي بموازين (مهرجان موازين بالمغرب)

حضور مصري متنوع بمهرجان «موازين» المغربي

تشهد الدورة الـ21 من مهرجان «موازين» المغربي، التي تبدأ فعالياتها الغنائية بداية من يوم 19 وحتى 27 يونيو الجاري حضوراً مصرياً متنوعاً.

داليا ماهر (القاهرة )
سينما توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)

ستيفن سبيلبرغ يعود إلى عوالم الغزو والخيال العلمي

في الـ11 من الشهر المقبل، يُطلق المخرج والمنتج ستيفن سبيلبرغ فيلمه الجديد «يوم الكشف» (Disclosure Day)، وهو الفيلم السينمائي الـ40 له.

محمد رُضا (كان)
سينما من «رماد» (ملف مهرجان «كان»)

شاشة الناقد: أفلام تتأرجح بين الغموض والتأمُّل في «كان»

القلب في المكان الصحيح، لكنّ هذا الفيلم يفتقد القدرة التي تجعله أكثر تأثيراً مما هو عليه.

محمد رُضا (كان)
يوميات الشرق المخرج كريستيان مونجيو يحمل جائزة السعفة الذهبية عن فيلم «فيورد» (إ.ب.أ)

هل انتهى مهرجان «كان» بأقل الخسائر الممكنة؟

‫عكست جوائز مهرجان كان السينمائي التي تمّ منحها يوم السبت (الثالث والعشرين من الشهر) نتائج لم تكن متوقعة.

محمد رُضا (كان (فرنسا))

مصر تحتفل بذكرى دخول «العائلة المقدسة» أراضيها

فيلم «القدس الثانية» يعرض لرحلة العائلة المقدسة بمصر (فيسبوك)
فيلم «القدس الثانية» يعرض لرحلة العائلة المقدسة بمصر (فيسبوك)
TT

مصر تحتفل بذكرى دخول «العائلة المقدسة» أراضيها

فيلم «القدس الثانية» يعرض لرحلة العائلة المقدسة بمصر (فيسبوك)
فيلم «القدس الثانية» يعرض لرحلة العائلة المقدسة بمصر (فيسبوك)

احتفلت مصر بذكرى دخول العائلة المقدسة إلى أراضيها وهو الحدث الذي يوافق الأول من يونيو (حزيران)، وبهذه المناسبة نظم دير السيدة العذراء مريم بجبل قسقام (المُحرق)، احتفالية بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية (وسط القاهرة)، الثلاثاء، بحضور قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، شهد عرض الفيلم الوثائقي «القدس الثانية»، بحضور عدد من كبار المسؤولين والشخصيات العامة.

وأكدت وزيرة الثقافة المصرية الدكتورة جيهان زكي أن هذه المناسبة «محطة استثنائية في الوجدان المصري، تتجلى فيها الهوية الوطنية بأسمى معانيها الإنسانية»، مشيرة في بيان للوزارة إلى أن مشاركتها في الاحتفالية تنطلق من إيمان راسخ بأهمية صون التراث الوطني والحفاظ على الهوية المصرية.

وزيرة الثقافة تشارك في الاحتفال بذكرى دخول العائلة المقدسة مصر (وزارة الثقافة)

وأضافت أن «أهداف هذا الحدث تتقاطع مع استراتيجية وزارة الثقافة الهادفة إلى حماية الذاكرة الوطنية، وترسيخ الهوية عبر الفنون والثقافة، وتحصين وعي الشباب ضد محاولات طمس الهوية أو تشويهها، إلى جانب إبراز عبقرية المكان المصري وتقديم تراثه الحضاري باعتباره رسالة سلام ومحبة وإرثاً إنسانياً عالمياً تفخر به مصر»، مؤكدة أن هذا الحدث يشير إلى الإرث الحضاري الممتد لمصر، وكيف فتحت أبوابها عبر العصور لتكون ملاذاً للأمان وموطناً للتعايش والسلام.

وعن فيلم «القدس الثانية»، الذي عُرض خلال الاحتفال، أكدت وزيرة الثقافة أن «العمل يوثق محطة فارقة من تاريخ الإنسانية على أرض مصر، وأن دير السيدة العذراء بجبل المُحرق ليس مجرد موقع أثري أو ديني، بل يمثل حارساً للذاكرة الحية لرحلة العائلة المقدسة»، وعدّت الفيلم «وثيقة بصرية تؤكد أن مصر لم تكن يوماً مجرد أرض تعبرها الأحداث، بل كانت دائماً حاضنة للحضارة، وحافظة للرسالات، وصاحبة دور ممتد في صون ذاكرة الإنسانية».

ويوثق فيلم «القدس الثانية» تاريخ دير المُحرق باعتباره من أهم صفحات التاريخ المصري، هو من إنتاج دير السيدة العذراء مريم بجبل قسقام – المحرق بالتعاون مع جمعية إحياء التراث الوطني المصري (نهرا) من إعداد وسيناريو وحوار الراهب رافائيل المحرقي وإخراج جوزيف نبيل.

الفيلم تناول مشاهد تاريخية ومعاصرة (فيسبوك)

من جانبها، أعربت الروائية الدكتورة منى زكي، أستاذة الفكر الاستراتيجي والتسويق الدولي الرئيسة التنفيذية للقوى الناعمة للإنتاج الفني، عن إعجابها بمحتوى الفيلم، مؤكدة أنه يقدم معالجة توثيقية متميزة لتاريخ الدير ومكانته الروحية، كما يبرز البعد الإنساني والتراثي لرحلة العائلة المقدسة في مصر.

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك جهوداً كبيرة بُذلت تستحق الإشادة بإنتاج فيلم (القدس الثانية)، وهناك دور بارز للأنبا بيجول، رئيس دير المحرق، في دعم هذا العمل وخروجه بصورة متميزة. وكذلك فريق العمل، حيث تولى الراهب رافائيل المحرقي كتابة الإعداد والسيناريو، بينما أخرج الفيلم جوزيف نبيل».

الاحتفالية شهدت حضوراً لشخصيات عامة وفنانين ومسؤولين (الشرق الأوسط)

وأوضحت أن «فيلم (القدس الثانية) يسلط الضوء على المكانة الروحية والتاريخية الفريدة لدير المحرق، الذي يُعرف بين الأقباط بلقب (القدس الثانية) نظراً لارتباطه بإقامة السيد المسيح والعائلة المقدسة فيه لفترة تُعد الأطول خلال رحلتهم داخل الأراضي المصرية».

ويأتي عرض «القدس الثانية»، وفق رئيسة «القوى الناعمة للإنتاج الفني» في إطار «الجهود الوطنية للحفاظ على التراث المصري وإبراز المواقع الدينية والتاريخية المرتبطة بمسار العائلة المقدسة، باعتبارها جزءاً أصيلاً من الهوية الحضارية والثقافية لمصر».


تمارا السعدي... عراقية تكبر بين منافي الهوية ومسارح فرنسا

مسرح يخرج من الذاكرة العراقية إلى فرنسا (كريستوف رينو دولاج)
مسرح يخرج من الذاكرة العراقية إلى فرنسا (كريستوف رينو دولاج)
TT

تمارا السعدي... عراقية تكبر بين منافي الهوية ومسارح فرنسا

مسرح يخرج من الذاكرة العراقية إلى فرنسا (كريستوف رينو دولاج)
مسرح يخرج من الذاكرة العراقية إلى فرنسا (كريستوف رينو دولاج)

هم أبناء الجيل الثاني من المهاجرين العرب. شبان وشابات وُلدوا في فرنسا، أو وصلوا إليها صغاراً مع آباء غادروا بلادهم لأسباب مختلفة، أغلبها للرزق، ولطلب معيشة آمنة. تسمية كانت مرتبطة بأبناء المهاجرين المغاربيين، وقد برزت من صفوفهم عشرات الأسماء التي لمعت في الموسيقى، والأدب، والتمثيل، والرياضة. واليوم تتّسع التسمية لتشمل أبناء الجيل الثاني من العراقيين الذين كانت هجراتهم حديثة نسبياً.

من هؤلاء فنانة ذات موهبة تلفت النظر، هي تمارا السعدي. شابة عراقية تكتب، وتُخرج، وتُمثّل نصوصاً مسرحية تعبّر فيها عن ذات منشطرة بين ثقافتين، وتعكس حمولة سياسية للظروف التي مرَّ بها بلدها الأم. وبفضل موهبتها، كانت حاضرة بين مئات الفنانين في مهرجان «أفينيون» الفرنسي، أكبر ملتقى عالمي للمسرح.

وُلدت تمارا في بيت لم تغب عنه اللوحة، والنبتة، والنغمة. أمها فنانة تشكيلية كانت من خريجات الدورة الأولى لأكاديمية الفنون الجميلة في بغداد، ووالدها مهندس، ومؤسِّس مشروعات غذائية، ومن أسرة تتوارث النَقْش على الفضة. تفتَّحت حواسها على رائحة الألوان الزيتية في مرسم والدتها في بغداد، ولم تكن قد بلغت الرابعة من عمرها بعد. أحبّت تلك الرائحة التي يبدو أنها أسهمت في تحفيز موهبتها الفنّية. بدأت ترسم على أمل إرضاء أمها إلى أن فرضت الظروف على الأسرة الإقامة في فرنسا.

ابنة المنفى العراقي التي صعدت إلى مسارح فرنسا (ما تيو بونشيل)

في المدرسة، في باريس، كانوا يلتقطون سنوياً صورة جماعية لكلّ صف من الصفوف. تُمسك تمارا الصورة، وتتولى تعريف شقيقتها الكبرى بكلّ تلميذ من التلاميذ من خلال تقليد حركاته. بدأت التمثيل بعد الرسم. وكانت أختها جمهورها الأول. تضحك على حركاتها، وتشجعها على دراسة التمثيل. وفي سنّ التاسعة دخلت مسرحاً للمرة الأولى لتتفرج على عرض للأطفال. تململت في مقعدها، لأنها كانت تتمنّى أن تكون على الخشبة بين الممثلين.

فيما بعد، في مرحلة الدراسة الإعدادية، كثر تردّدها على المسرح. واكتشفت ميلها إلى الكتابة بفضل موضوعات الإنشاء التي كانت تُطلب من الطلاب. وكلما تقدَّمت في المطالعة زادت رغبتها في سرد القصص. وتلك كانت البداية لمسيرة فنّية واعدة.

لم يكن أصلها العراقي مؤثراً في أعمالها بقدر ما كان مصدراً لأفكارها. وعن ذلك تقول: «وُلدتُ في بغداد خلال الحرب العراقية-الإيرانية. وكان والدي في السجن. وبسبب ظروف لا أحبُّ الخوض فيها انتقلنا للعيش في فرنسا. لم يكن أحدٌ منا يتحدّث الفرنسية. لكن القلق المرتبط بوطني لازمني. وكذلك الضيق الذي كنتُ أشعر به من معاناة والديّ مع العنصرية. لم أكن أفهم في المدرسة كلمة ممّا تقوله المعلمة، والتلاميذ. لا تفارقني صورة الكبار منهم وهم يهزونني ليوقفوا بكائي. نشأت في ظلّ قيود خانقة. يا للأسف، كنت أشعر بالخجل من أصولي. لم أفهم أهمية نقل المعرفة بين الأمم».

لم ينسَ الوالدان والإخوة الكبار العراق. كان محفوظاً في الذاكرة، وفي الأطعمة، والأغنيات. لكن البنت ذات الحساسية العالية شعرت بأنّ هناك صمتاً، وربما كسلاً، يقف حاجزاً أمام معرفتها بتراث وطنها. تقول: «لم يتحدّث والداي إلا بعد وفاتهما. نمت كلماتي الفرنسية معي، بينما بقيت كلماتي العربية حبيسة الطفولة. اتّسعت الهوة بيني وبينهما، وازداد معها شعوري بالخزي. لم أكن فرنسية بدرجة كافية، ولا عراقية سوى في الأوراق الرسمية، وفي نظرة بعض العنصريين. كبرتُ على مقعد انتظار بطاقة الإقامة، وهو مثل مقاعد الطيارين عند الحوادث، قابل للانفصال عن جسم الطائرة المحترقة».

قد تبدو حالة تمارا غريبة لكنها ليست فريدة. فقدت والديها مبكراً، وأصبحت يتيمة في بلد غريب. تشعر بالوحدة حتى مع المقربين منها، وتجد في الكتابة سلواها. ومن تلك الغيابات مجتمعة، أي الفقد، والغضب، قرَّرت أن تستعيد هويتها امرأةً عراقيةً قادرةً على الإبداع. وكان شوقها إلى المعرفة هو الدرب الأمثل. حصلت على الثانوية العامة، ودرست التاريخ، والعلوم السياسية، والتمثيل. هواية تحوّلت إلى مهنة بسبب وضع مؤلم. فهي كانت طالبة متفوّقة في العلوم السياسية حين فقدت والدها فجأة. امتزج لديها الحزن بالصدمة، وبالانعتاق. أصبحت شابة من دون غطاء، ومسؤولة عن نفسها. ومع حاجتها إلى التواصل، وجدت في المسرح وسيلة استثنائية للتفاعل مع المجتمع. تقول في حوار مع «الشرق الأوسط»، وبلغتها ذات الإضاءات الشعرية: «المسرح هو الفنّ الوحيد القادر على تلوين الصمت، وكشف أسراره».

تمارا السعدي تروي انشطار الهوية بين بغداد وباريس (كريستوف رينو دولاج)

هل اختارت الطريق الصحيح؟ يبدو أنها استدلت على دربها. ففي عام 2017، عند نهاية العرض الأول لمسرحيتها «مكان» وانطفاء الضوء، وقف 350 متفرجاً وقفة واحدة وهم يصفقون، ويهتفون بكلمات التشجيع. وبعد ذلك اختيرت المسرحية للعرض الافتتاحي لمهرجان المسرح الأوروبي في بيروت، وشكّلت مفاجأة للجمهور، لأنها مسرحية فرنسية من تأليف كاتبة ومخرجة عراقية شابة، تدور حول قضايا الهوية، والاغتراب، والمنافي، وغيرها من هموم وطنها.

في «أفينيون»، أكبر تجمع مسرحي سنوي في العالم، تلقّت تمارا السعدي، في الموسم الماضي، دعوة لتقديم مسرحية «مكان». ولبَّت الدعوة مستندة إلى ثقة فريق عملها المرافق لها، وعدَّتها تتويجاً لجهودها. فهي كانت قد فازت بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان «أمباسيانس» عن تلك المسرحية، وانطلقت لتقديم مسرحيات أخرى. والعام الماضي، قدَّمت «سكوت» في صالة «فابريكا» الشهيرة. وهو عمل يتقاطع مع مسرحية «أنتيغونا» للفرنسي جان آنوي، ويعيد كتابتها، ملقياً الضوء على انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي، ومعاناة الطفولة المحطَّمة في فلسطين.

في أول نشأتها، كانت تمارا السعدي تعشق الأفلام المصرية التي يعرضها التلفزيون. لكن شغفها تراجع، وبدأت تهتمّ بالسينما الفلسطينية، والأفلام العراقية. وهي تشتغل حالياً على مشروع يتناول تأثير اليمين المتطرف في أوروبا على الشباب من الطبقة العاملة. هكذا تنحَّت أعمالها في طريق غير ممهَّد لأمثالها، لكنها تجتهد، وتواصل، وتجد في المخرج البريطاني كِن لوتش مثالاً مُلهماً.


كيف تربي طفلاً قادراً على حل مشاكله بنفسه؟ 5 طرق فعّالة

مجموعة من الأساليب التربوية البسيطة التي تساعد الطفل على تنمية مهارات التفكير واتخاذ القرار منذ سن مبكرة (بكسلز)
مجموعة من الأساليب التربوية البسيطة التي تساعد الطفل على تنمية مهارات التفكير واتخاذ القرار منذ سن مبكرة (بكسلز)
TT

كيف تربي طفلاً قادراً على حل مشاكله بنفسه؟ 5 طرق فعّالة

مجموعة من الأساليب التربوية البسيطة التي تساعد الطفل على تنمية مهارات التفكير واتخاذ القرار منذ سن مبكرة (بكسلز)
مجموعة من الأساليب التربوية البسيطة التي تساعد الطفل على تنمية مهارات التفكير واتخاذ القرار منذ سن مبكرة (بكسلز)

يميل كثير من الآباء والأمهات إلى التدخل السريع عندما يواجه أطفالهم مشكلة، سواء كانت خلافاً مع صديق، أو صعوبة في أداء واجب مدرسي، أو حتى تحدياً بسيطاً في الحياة اليومية. ورغم أن هذا التدخل ينطلق من الرغبة في المساعدة، فإن الخبراء يرون أن الإفراط فيه قد يحرم الطفل من فرصة مهمة لتطوير مهارات التفكير والاستقلالية.

وتبدأ تربية طفل قادر على حل مشكلاته بنفسه من منحه المساحة الكافية للتفكير واتخاذ القرار، مع توفير الدعم والتوجيه المناسبين دون فرض الحلول الجاهزة.

ولتحقيق ذلك، هناك مجموعة من الأساليب التربوية البسيطة التي تساعد الطفل على تنمية مهارات التفكير واتخاذ القرار منذ سن مبكرة.

1- امنح طفلك فرصة للتفكير

عندما يواجه الطفل مشكلة، حاول مقاومة الرغبة في تقديم الحل فوراً. بدلاً من ذلك، شجعه على التفكير في الموقف وطرح أفكار مختلفة للتعامل معه.

يمكنك أن تسأله:

-ما المشكلة التي تواجهها؟

-ما الحلول التي فكرت فيها؟

-ماذا قد يحدث إذا جرّبت هذا الحل؟

هذه الأسئلة تساعد الطفل على تحليل المواقف وتنمية مهارات التفكير النقدي.

شجعه على اقتراح أكثر من حل

من المفيد تدريب الطفل على التفكير في أكثر من خيار بدلاً من التمسك بحل واحد فقط. فالحياة لا تقدم دائماً إجابة واحدة صحيحة، والقدرة على مقارنة البدائل مهارة مهمة في المستقبل.

عندما يعتاد الطفل على البحث عن حلول متعددة، يصبح أكثر مرونة وقدرة على التعامل مع المواقف غير المتوقعة.

2- لا تخف من فشله أحياناً

الفشل جزء طبيعي من عملية التعلم. فإذا كان الخطأ بسيطاً ولا يشكل خطراً على الطفل، فقد يكون من الأفضل السماح له بخوض التجربة والتعلم من نتائجها.

فعندما ينسى واجبه المدرسي أو يواجه صعوبة في إنجاز مهمة ما، يمكن أن تساعده التجربة على فهم أهمية التخطيط وتحمل المسؤولية أكثر من أي نصيحة مباشرة.

3-استخدم التوجيه بدلاً من إعطاء الأوامر

بدلاً من قول: «افعل كذا»، حاول استخدام أسئلة تحفز التفكير، مثل:

-ما الذي يمكنك فعله الآن؟

-ما أفضل خيار برأيك؟

-ماذا تعلمت من هذه التجربة؟

هذا الأسلوب يجعل الطفل شريكاً في إيجاد الحل، ويعزز ثقته بقدرته على اتخاذ القرارات.

4- عزز ثقته بنفسه

كلما نجح الطفل في حل مشكلة بمفرده، حتى لو كانت بسيطة، احرص على الإشادة بجهده وطريقة تفكيره.

فالتركيز على المحاولة والاجتهاد، وليس فقط على النتيجة النهائية، يساعد على بناء الثقة بالنفس ويشجع الطفل على مواجهة التحديات الجديدة.

5- كن قدوة في التعامل مع المشكلات

الأطفال يتعلمون من خلال الملاحظة بقدر ما يتعلمون من خلال التوجيه المباشر. لذلك، عندما تواجه مشكلة يومية، تحدث بصوت مسموع عن طريقة تفكيرك في الحل، ليلاحظ الطفل كيف يتم تحليل المواقف واتخاذ القرارات.

لماذا تعد هذه المهارة مهمة؟

تساعد مهارة حل المشكلات الطفل على تطوير التفكير المستقل، وتحمل المسؤولية، والتعامل مع الضغوط بثقة أكبر. كما تمنحه القدرة على اتخاذ قرارات أفضل في المدرسة والعلاقات الاجتماعية والحياة اليومية.

ومع مرور الوقت، فإن الطفل الذي يتعلم التفكير في الحلول بدلاً من انتظارها من الآخرين يصبح أكثر استقلالية وثقة بنفسه، وهي صفات يحتاج إليها في مختلف مراحل حياته.