هم أبناء الجيل الثاني من المهاجرين العرب. شبان وشابات وُلدوا في فرنسا، أو وصلوا إليها صغاراً مع آباء غادروا بلادهم لأسباب مختلفة، أغلبها للرزق، ولطلب معيشة آمنة. تسمية كانت مرتبطة بأبناء المهاجرين المغاربيين، وقد برزت من صفوفهم عشرات الأسماء التي لمعت في الموسيقى، والأدب، والتمثيل، والرياضة. واليوم تتّسع التسمية لتشمل أبناء الجيل الثاني من العراقيين الذين كانت هجراتهم حديثة نسبياً.
من هؤلاء فنانة ذات موهبة تلفت النظر، هي تمارا السعدي. شابة عراقية تكتب، وتُخرج، وتُمثّل نصوصاً مسرحية تعبّر فيها عن ذات منشطرة بين ثقافتين، وتعكس حمولة سياسية للظروف التي مرَّ بها بلدها الأم. وبفضل موهبتها، كانت حاضرة بين مئات الفنانين في مهرجان «أفينيون» الفرنسي، أكبر ملتقى عالمي للمسرح.
وُلدت تمارا في بيت لم تغب عنه اللوحة، والنبتة، والنغمة. أمها فنانة تشكيلية كانت من خريجات الدورة الأولى لأكاديمية الفنون الجميلة في بغداد، ووالدها مهندس، ومؤسِّس مشروعات غذائية، ومن أسرة تتوارث النَقْش على الفضة. تفتَّحت حواسها على رائحة الألوان الزيتية في مرسم والدتها في بغداد، ولم تكن قد بلغت الرابعة من عمرها بعد. أحبّت تلك الرائحة التي يبدو أنها أسهمت في تحفيز موهبتها الفنّية. بدأت ترسم على أمل إرضاء أمها إلى أن فرضت الظروف على الأسرة الإقامة في فرنسا.

في المدرسة، في باريس، كانوا يلتقطون سنوياً صورة جماعية لكلّ صف من الصفوف. تُمسك تمارا الصورة، وتتولى تعريف شقيقتها الكبرى بكلّ تلميذ من التلاميذ من خلال تقليد حركاته. بدأت التمثيل بعد الرسم. وكانت أختها جمهورها الأول. تضحك على حركاتها، وتشجعها على دراسة التمثيل. وفي سنّ التاسعة دخلت مسرحاً للمرة الأولى لتتفرج على عرض للأطفال. تململت في مقعدها، لأنها كانت تتمنّى أن تكون على الخشبة بين الممثلين.
فيما بعد، في مرحلة الدراسة الإعدادية، كثر تردّدها على المسرح. واكتشفت ميلها إلى الكتابة بفضل موضوعات الإنشاء التي كانت تُطلب من الطلاب. وكلما تقدَّمت في المطالعة زادت رغبتها في سرد القصص. وتلك كانت البداية لمسيرة فنّية واعدة.
لم يكن أصلها العراقي مؤثراً في أعمالها بقدر ما كان مصدراً لأفكارها. وعن ذلك تقول: «وُلدتُ في بغداد خلال الحرب العراقية-الإيرانية. وكان والدي في السجن. وبسبب ظروف لا أحبُّ الخوض فيها انتقلنا للعيش في فرنسا. لم يكن أحدٌ منا يتحدّث الفرنسية. لكن القلق المرتبط بوطني لازمني. وكذلك الضيق الذي كنتُ أشعر به من معاناة والديّ مع العنصرية. لم أكن أفهم في المدرسة كلمة ممّا تقوله المعلمة، والتلاميذ. لا تفارقني صورة الكبار منهم وهم يهزونني ليوقفوا بكائي. نشأت في ظلّ قيود خانقة. يا للأسف، كنت أشعر بالخجل من أصولي. لم أفهم أهمية نقل المعرفة بين الأمم».
لم ينسَ الوالدان والإخوة الكبار العراق. كان محفوظاً في الذاكرة، وفي الأطعمة، والأغنيات. لكن البنت ذات الحساسية العالية شعرت بأنّ هناك صمتاً، وربما كسلاً، يقف حاجزاً أمام معرفتها بتراث وطنها. تقول: «لم يتحدّث والداي إلا بعد وفاتهما. نمت كلماتي الفرنسية معي، بينما بقيت كلماتي العربية حبيسة الطفولة. اتّسعت الهوة بيني وبينهما، وازداد معها شعوري بالخزي. لم أكن فرنسية بدرجة كافية، ولا عراقية سوى في الأوراق الرسمية، وفي نظرة بعض العنصريين. كبرتُ على مقعد انتظار بطاقة الإقامة، وهو مثل مقاعد الطيارين عند الحوادث، قابل للانفصال عن جسم الطائرة المحترقة».
قد تبدو حالة تمارا غريبة لكنها ليست فريدة. فقدت والديها مبكراً، وأصبحت يتيمة في بلد غريب. تشعر بالوحدة حتى مع المقربين منها، وتجد في الكتابة سلواها. ومن تلك الغيابات مجتمعة، أي الفقد، والغضب، قرَّرت أن تستعيد هويتها امرأةً عراقيةً قادرةً على الإبداع. وكان شوقها إلى المعرفة هو الدرب الأمثل. حصلت على الثانوية العامة، ودرست التاريخ، والعلوم السياسية، والتمثيل. هواية تحوّلت إلى مهنة بسبب وضع مؤلم. فهي كانت طالبة متفوّقة في العلوم السياسية حين فقدت والدها فجأة. امتزج لديها الحزن بالصدمة، وبالانعتاق. أصبحت شابة من دون غطاء، ومسؤولة عن نفسها. ومع حاجتها إلى التواصل، وجدت في المسرح وسيلة استثنائية للتفاعل مع المجتمع. تقول في حوار مع «الشرق الأوسط»، وبلغتها ذات الإضاءات الشعرية: «المسرح هو الفنّ الوحيد القادر على تلوين الصمت، وكشف أسراره».

هل اختارت الطريق الصحيح؟ يبدو أنها استدلت على دربها. ففي عام 2017، عند نهاية العرض الأول لمسرحيتها «مكان» وانطفاء الضوء، وقف 350 متفرجاً وقفة واحدة وهم يصفقون، ويهتفون بكلمات التشجيع. وبعد ذلك اختيرت المسرحية للعرض الافتتاحي لمهرجان المسرح الأوروبي في بيروت، وشكّلت مفاجأة للجمهور، لأنها مسرحية فرنسية من تأليف كاتبة ومخرجة عراقية شابة، تدور حول قضايا الهوية، والاغتراب، والمنافي، وغيرها من هموم وطنها.
في «أفينيون»، أكبر تجمع مسرحي سنوي في العالم، تلقّت تمارا السعدي، في الموسم الماضي، دعوة لتقديم مسرحية «مكان». ولبَّت الدعوة مستندة إلى ثقة فريق عملها المرافق لها، وعدَّتها تتويجاً لجهودها. فهي كانت قد فازت بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان «أمباسيانس» عن تلك المسرحية، وانطلقت لتقديم مسرحيات أخرى. والعام الماضي، قدَّمت «سكوت» في صالة «فابريكا» الشهيرة. وهو عمل يتقاطع مع مسرحية «أنتيغونا» للفرنسي جان آنوي، ويعيد كتابتها، ملقياً الضوء على انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي، ومعاناة الطفولة المحطَّمة في فلسطين.
في أول نشأتها، كانت تمارا السعدي تعشق الأفلام المصرية التي يعرضها التلفزيون. لكن شغفها تراجع، وبدأت تهتمّ بالسينما الفلسطينية، والأفلام العراقية. وهي تشتغل حالياً على مشروع يتناول تأثير اليمين المتطرف في أوروبا على الشباب من الطبقة العاملة. هكذا تنحَّت أعمالها في طريق غير ممهَّد لأمثالها، لكنها تجتهد، وتواصل، وتجد في المخرج البريطاني كِن لوتش مثالاً مُلهماً.







