كيف يخدعنا الذكاء الاصطناعي الوهمي... وكيف نحمي أنفسنا؟

من دواءٍ ملوَّن في الأسواق إلى تطبيقٍ لامع في الهاتف... الوهم نفسه بثوبٍ رقمي جديد

بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي تقدم نفسها كمستشار طبي أو قانوني أو حسابي أو حتى كـ«لرفيق عاطفي»
بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي تقدم نفسها كمستشار طبي أو قانوني أو حسابي أو حتى كـ«لرفيق عاطفي»
TT

كيف يخدعنا الذكاء الاصطناعي الوهمي... وكيف نحمي أنفسنا؟

بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي تقدم نفسها كمستشار طبي أو قانوني أو حسابي أو حتى كـ«لرفيق عاطفي»
بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي تقدم نفسها كمستشار طبي أو قانوني أو حسابي أو حتى كـ«لرفيق عاطفي»

في سوقٍ شعبية قديمة، كنت ترى بائعاً جوَّالاً يرفع قارورة صغيرة ويصيح بثقة: «هذا الدواء يشفي كل داء!». ويتجمّع الناس حوله بدافع الأمل، يدفعون نقودهم، ويعودون إلى بيوتهم وهم يعلّقون رجاءهم على ماءٍ ملوّن ووعودٍ جوفاء.

بائع القناني الملونة في الأسواق القديمة كدواء مزيف ضد الأمراض

حيلة قديمة... ترتدي ثوباً رقمياً

تلك الحيلة القديمة لم تَمُت، بل ارتدت ثوباً رقمياً جديداً. فاليوم، لا تحتاج إلى الوقوف في السوق لتُخدع؛ يكفي أن تفتح هاتفك لتجد بائعاً رقمياً يعرض «ذكاءً اصطناعياً خارقاً» في قنينة تطبيق... أسماء براقة مثل «الطبيب الذكي» و«الرفيق العاطفي» و«المستشار القانوني الآلي» تتنافس على كسب ثقتك، مستخدمة كلماتٍ تشبه السحر، لكنها تخفي وراء لمعانها خوارزميات سطحية تكرّر ما تعلّمته دون فهم، وأحياناً بنوايا خبيثة تسعى لسرقة بياناتك أو التلاعب بك نفسياً.

لماذا ينجح هذا الخداع؟

الذكاء الاصطناعي الحقيقي أشبه بمختبر ضخم يعمل فيه علماء بيانات ومهندسون على خوارزميات تتطلب سنوات من التطوير وكمّاً هائلاً من البيانات والتجارب. إنه مجال معقّد ومكلف لا يُبنى في ليلة. لكن باعة الوهم الجدد اكتشفوا طريقاً أسهل: يكفي أن يضيفوا حرفين لامعين - «AI» - إلى اسم أي تطبيق عادي، ليغمرهم المستخدمون بالاهتمام والتحميلات والثقة. (ـ«A» و«I» هما حرفان فقط من الأبجدية اللاتينية، اختصاراً لـArtificial Intelligence الذكاء الاصطناعي).

إنهم يستغلون نقطتين إنسانيتين فينا: الفضول والرغبة في الحل السريع. فمن منا لا يريد طبيباً يجيب فوراً عن ألمه؟ أو محامياً يحسم قضيته دون انتظار؟ أو مستشاراً مالياً يضاعف أرباحه دون جهد؟ لكن النتيجة كثيراً ما تكون خسارة مزدوجة: للمال وللخصوصية، وأحياناً للعقل الذي ينخدع بوهم الذكاء فيتّخذ قرارات خاطئة قد تضر بصحته أو استقراره المالي.

والمشكلة لا تقتصر على الطب أو القانون، بل تمتد إلى كل زاوية من حياتنا الرقمية. فهناك «المستشار التسويقي الذكي» الذي يعدك بحملة مثالية، و«المحاسب الافتراضي» الذي يدّعي إدارة ميزانيتك بلا أخطاء، بل حتى «الرفيق العاطفي» الذي يتظاهر بفهمك أكثر من البشر. غير أن أغلب هذه التطبيقات لا تقدّم سوى ردودٍ آلية أو تحليلاتٍ سطحية تُخفي خلفها غاية واحدة: جمع بياناتك، وتغذية خوارزمياتهم التجارية، لا تحسين حياتك.

طفرة الذكاء... وطفرة الادعاء

في عام 2024، شهد العالم انفجاراً غير مسبوق في عدد التطبيقات التي ترفع شعار «الذكاء الاصطناعي». ووفقاً لتقارير منصة تحليل السوق الرقمية «سنسور تاور» (Sensor Tower) ومنصة البيانات «ستارت دوت آي أو» (Start.io)، بلغ عدد مرات تحميل التطبيقات التي تتضمن كلمة «الذكاء الاصطناعي» (AI) في اسمها أو وصفها أكثر من 17 مليار تحميل خلال عام واحد فقط، بينما أضاف أكثر من 3 آلاف تطبيق جديد هذا المصطلح إلى أسمائها أو حملاتها التسويقية لأول مرة.

وتشير البيانات إلى أن عائدات هذه التطبيقات تجاوزت 3.3 مليار دولار، وهو رقم يعكس ليس فقط الإقبال على الذكاء الاصطناعي الحقيقي، بل أيضاً الإغراء التجاري لاستخدام المصطلح نفسه كأداة جذب وتسويق.

كما أظهرت دراسة أكاديمية نُشرت في موقع الأبحاث العلمية «أركايف» (arXiv) أنه خلال خمسة أشهر فقط من عام 2024، تم رصد أكثر من 786 ألف تطبيق يُصنَّف ضمن فئة «تطبيقات النماذج اللغوية الكبيرة» (LLM Apps)، مما يكشف حجم الزخم العالمي حول هذا المجال. لكن المقلق أن نسبة غير قليلة من هذه التطبيقات لا تعتمد على ذكاء حقيقي بقدر ما تستغل الاسم لتحقيق الانتشار أو جمع البيانات. إنها طفرة مزدوجة: ازدهار للابتكار... وازدهار للوهم.

ينبغي تمييز التطبيقات الحقيقية عن الزائفة

كيف تميّز الزائف من الأصيل؟

لست بحاجة إلى أن تكون خبيراً في البرمجة لتكشف الخداع؛ فالتطبيقات الزائفة تترك دائماً آثاراً تدلّ عليها، كما يترك البائع المتجول آثار ألوانه على يديه.

وإليك أبرز العلامات التي ينبغي أن تثير شكّك قبل أن تضغط على «تحميل»:

* المطوّر المجهول: اسأل نفسك: من يقف وراء التطبيق؟ هل هو مشروع تابع لجامعة أو معهد بحثي أو شركة تقنية معروفة؟ أم حساب غامض بلا موقع رسمي أو معلومات تواصل؟ الشفافية أول اختبار للثقة.

* الوعود المطلقة والمبالغ بها: حين تقرأ عبارات مثل «تشخيص طبي دقيق 100 في المائة»، أو «نجاح مضمون»، أو «تحليل شخصيتك في دقيقة»، فاعلم أنك أمام بائع وهم لا مطوّر علم. الذكاء الاصطناعي الحقيقي متواضع بطبعه، يعترف بحدوده، ويقدّم نسب نجاح قابلة للقياس.

* غياب التفاصيل التقنية: التطبيقات الأصيلة تشرح، ولو بأسلوب مبسط، كيف تعمل خوارزمياتها أو من أين تتعلم بياناتها. أما الزائفة فتعتمد على العبارات الغامضة مثل «مدعوم بأحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي»، دون أي توضيح.

* الخصوصية المفقودة: احذر من التطبيقات التي تطلب الوصول إلى الكاميرا أو الميكروفون أو الموقع أو ملفاتك المالية دون سبب واضح. فالنية الخفية غالباً ليست تقديم خدمة، بل جمع بيانات لتسويقها أو استغلالها.

* غياب التقييمات الحقيقية: افحص المراجعات في متاجر التطبيقات. هل التعليقات حقيقية ومتنوعة؟ أم متكررة ومكتوبة بنفس الأسلوب؟ التقييمات المزيفة تُصاغ أحياناً تلقائياً لإيهام المستخدمين بالمصداقية.

* الإعلانات المبالغ بها: إن رأيت وعوداً لامعة من مؤثرين أو حملات تسويقية تروّج «لذكاء خارق»، بينما لا تجد أثراً علمياً واحداً يثبت ذلك - فأنت أمام فخ تسويقي لا أكثر.

* غياب أي إشراف أو ترخيص: التطبيقات الأصيلة، خصوصاً الطبية أو القانونية، تخضع لمراجعات أو تراخيص من هيئات مختصة. أما «باعة الذكاء» فلا يذكرون جهة إشراف واحدة.

* علامة الكلفة المنخفضة: حين يُعرض تطبيق يدّعي قدرات خارقة بسعر زهيد أو اشتراك مجاني بالكامل، فاسأل نفسك: إذا لم تكن أنت الزبون... فربما تكون أنت المنتج.

تقييمات مشبوهة: تعليقات متكررة بنفس الأسلوب، أو تقييمات خمس نجوم من دون تفاصيل حقيقية، غالباً ما تكون مزيفة أو مدفوعة الأجر.

كيف تحمي نفسك وتختار الأدوات الموثوقة؟

الحماية الرقمية ليست معقدة إذا كنت واعياً. كل ما تحتاجه هو قليل من الحذر وكثير من الأسئلة قبل أن تضغط على «تحميل». إليك دليلاً عملياً لتجنّب الوقوع في فخ «باعة الذكاء» الجدد:

* ابحث عن المطوّر: تحقق من هوية الجهة المنتجة للتطبيق. هل لديها موقع رسمي، فريق معروف، أو شراكة مع جامعة أو مؤسسة بحثية موثوقة؟ كلما زادت الشفافية، زادت الموثوقية.

* اقرأ المراجعات بعناية: لا تكتفِ بعدد النجوم، بل اقرأ التعليقات الفعلية. ابحث عن تجارب مفصّلة توضّح المزايا والعيوب. المراجعات المتشابهة أو المبالغ فيها قد تكون آلية ومزيّفة.

* التحميل من المتاجر الرسمية فقط: التزم بـGoogle Play أو App Store، وابتعد عن الروابط العشوائية أو الإعلانات المغرية على وسائل التواصل. فالبرامج الوهمية كثيراً ما تختبئ وراء واجهات براقة ومواقع مزيفة.

* راقب الأذونات: افحص ما يطلبه التطبيق من صلاحيات. إذا طلب مثلاً الوصول إلى الميكروفون لتطبيق كتابة، أو إلى الصور لتطبيق حاسبة، فهذه إشارة خطر. لا تمنح إذناً بلا داعٍ.

* استخدم بريداً إلكترونياً ثانوياً: عند تجربة تطبيق جديد وغير موثوق، استعمل بريداً تجريبياً منفصلاً عن حساباتك الرسمية أو البنكية لحماية خصوصيتك من التسريب.

* احذف التطبيقات الراكدة: كل تطبيق مهجور على هاتفك قد يكون باباً خلفياً لجمع البيانات أو للاختراق. نظّف جهازك دورياً مما لا تحتاجه.

* ابحث عن التوثيق العلمي: التطبيق الجاد يذكر مصادره أو نتائج اختباراته. قد يشير إلى دراسة منشورة أو تعاون مع جهة أكاديمية. غياب هذه الأدلة يعني غالباً غياب المصداقية.

* احذر من «الذكاء المجاني»: إذا كان التطبيق يعدك بخدمات خارقة دون مقابل، فتذكّر القاعدة الذهبية: حين لا تدفع بالمال، فربما تدفع ببياناتك.

* استعن بالعقل لا بالعاطفة: لا تنخدع بالإبهار البصري أو اللغة التسويقية. اسأل دائماً: هل هذا التطبيق يحل مشكلة حقيقية... أم يخلقها ليبيعني الحل؟

الخسارة تلاحق الواقعين في الفخاخ الرقمية

الذكاء الاصطناعي: أداة أم خدعة؟

الذكاء الاصطناعي ليس خيراً أو شراً بذاته؛ إنه مرآة تعكس نوايا من يستخدمه. فإذا صُمم بمسؤولية، يمكن أن يكون أداة ثورية تُسهم في تحسين حياة الإنسان: من مساعدة الأطباء في تشخيص الأمراض بدقة أكبر، إلى تطوير التعليم، وإدارة الموارد بكفاءة، وتقليل الفاقد في قطاعات الطاقة والزراعة. لكن حين يُستخدم بلا ضمير أو يُسوّق بوهم، يتحول إلى قنينة رقمية جديدة تُباع على الشاشات، تعد بالكمال ولا تقدم سوى الخداع.

في منطقتنا العربية، حيث تنتشر التكنولوجيا بسرعة تفوق أحياناً قدرتنا على استيعابها، يتضاعف خطر الوقوع في هذه الفخاخ الرقمية، خصوصاً مع محدودية الوعي التقني لدى بعض المستخدمين.

هنا يبرز دورنا الجماعي: الإعلام العربي، والمدارس، والجامعات، ومراكز البحث، كلّها تتحمل مسؤولية بناء «المناعة الرقمية» للمجتمع. لقد أصبحت المعرفة التكنولوجية شكلاً جديداً من الحصانة ضد التضليل. علينا أن نُعلّم أبناءنا كيف يسألون قبل أن يصدقوا، وكيف يتحققون قبل أن يشاركوا، وكيف يميزون بين الأداة الحقيقية والخدعة المغلفة بشعار «الذكاء الاصطناعي». ويمكن أن تبدأ هذه الجهود بورش عمل في المدارس أو حملات توعية إعلامية تشرح للناس بلغة مبسطة كيفية قراءة سياسات الخصوصية، أو التحقق من موثوقية التطبيقات قبل استخدامها.

الذكاء الحقيقي في السؤال

الذكاء الاصطناعي يشبه نهراً جارفاً: لا يمكن إيقافه، لكن يمكن توجيهه. إما أن يروي عطشنا للمعرفة... أو أن يُغرقنا في طوفان من التضليل. الفرق لا يصنعه النهر، بل الوعي الذي يختار مجراه. وكما قال الفيلسوف ابن رشد: «من اتخذ التقليد عادة في فكره، أغلق على نفسه باب النظر». فلا تدع الـ«AI» يصبح تقليداً جديداً نمارسه دون تفكير.

إن الذكاء الحقيقي ليس في قدرة الخوارزميات على الإجابة، بل في قدرتنا نحن على طرح الأسئلة الصحيحة - الأسئلة التي تفتح باب الفهم لا باب التكرار، والتي تجعل التقنية خادمة للعقل لا بديلة عنه. فالخطر ليس في أن تُخدع بخوارزمية، بل في أن تتوقف عن السؤال أمامها.

شاركنا رأيك وتجربتك: هل واجهت تطبيقاً ادّعى أنه يعمل بالذكاء الاصطناعي وتبيّن أنه وهم؟ كيف اكتشفت الخداع؟ دعونا نبني معاً مجتمعاً رقمياً أكثر وعياً، يرى في التكنولوجيا وسيلة للارتقاء لا مرآة للوهم، ويجعل من السؤال أول أشكال الذكاء... لا آخرها.

حقائق

3.3

مليار دولار عائدات التطبيقات الذكية عام 2024

حقائق

786

ألف تطبيق يُصنَّف ضمن فئة “تطبيقات النماذج اللغوية الكبيرة” رصد خلال خمسة أشهر فقط من عام 2024


مقالات ذات صلة

خبير دولي لـ«الشرق الأوسط»: الحروب تنتقل تدريجياً من ساحات القتال إلى مراكز البيانات

تكنولوجيا نحاس أكد أن الحروب بدأت تنتقل تدريجياً من ساحات القتال الميدانية إلى مراكز البيانات (شترستوك)

خبير دولي لـ«الشرق الأوسط»: الحروب تنتقل تدريجياً من ساحات القتال إلى مراكز البيانات

أكد خبير في الذكاء الاصطناعي أن البشرية تقف اليوم أمام تحول تاريخي يتجاوز تطوير أسلحة تقليدية؛ إذ نشهد انتقالاً عميقاً للحروب من عصر القوة الميكانيكية العنيفة…

غازي الحارثي (الرياض)
يوميات الشرق انتشرت في الصين مؤخراً ظاهرة تعرف بـ«البشر الرقميين» (أ.ف.ب)

الصين تتحرك لضبط ظاهرة «البشر الرقميين» المولدين بالذكاء الاصطناعي

انتشرت في الصين مؤخراً ظاهرة تعرف بـ«البشر الرقميين» تسعى السلطات إلى وضع ضوابط تنظيمية لها.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الرياضة روبوت ومهندسوه خلال نصف ماراثون بكين (أ.ف.ب)

شاهد... روبوتات تتفوّق على البشر في نصف ماراثون ببكين

تمكَّن روبوت بشري من الفوز بسباق نصف ماراثون للروبوتات في بكين، اليوم (الأحد)، قاطعاً المسافة بسرعة أكبر من الرقم القياسي العالمي البشري.

«الشرق الأوسط» (بكين)
تكنولوجيا يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

«بيربليكسيتي» توسع طموحها من البحث إلى الحوسبة الشخصية، ساعية إلى دور أكبر للذكاء الاصطناعي في الاستخدام اليومي للحاسوب.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تقرير «سيسكو» يظهر أن الشبكات اللاسلكية في السعودية لم تعد مجرد بنية اتصال بل أصبحت عنصراً مؤثراً في نمو الأعمال 2030 (شاترستوك)

خاص «سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يعزز قيمة الشبكات اللاسلكية في السعودية رغم التعقيد

التقرير يرصد تحول الشبكات اللاسلكية في السعودية إلى أداة للنمو وسط تصاعد التعقيد والمخاطر الأمنية وفجوة المهارات.

نسيم رمضان (لندن)

الذكاء الاصطناعي يطبع آثاراً نفسية خفيّة على الإنسان

الذكاء الاصطناعي يطبع آثاراً نفسية خفيّة على الإنسان
TT

الذكاء الاصطناعي يطبع آثاراً نفسية خفيّة على الإنسان

الذكاء الاصطناعي يطبع آثاراً نفسية خفيّة على الإنسان

كثيراً ما يؤكد معظم مستخدمي أدوات الذكاء الاصطناعي أنها تُسهّل حياتهم. وتحمل هذه التكنولوجيا الذكية وعوداً بتبسيط المهام وتولي مسؤولية تنفيذها على الصعيدين المهني والشخصي، سواءً أكان ذلك تلخيص الوثائق، أو صياغة التقارير، أو إنشاء رموز برمجية، أو حتى تقديم الدعم النفسي. ومع ذلك، يساور الباحثين القلق من أن الذكاء الاصطناعي يُسهّل بعض المهام أكثر من اللازم، وأن هذا سيحمل بطياته عواقب غير متوقعة.

انحسار المشاركة الفاعلة

في مقال بعنوان «ضد الذكاء الاصطناعي السلس»، نشرته دورية «علم نفس الاتصالات» (Communications Psychology) بتاريخ 24 فبراير (شباط)، ناقش علماء نفس من جامعة تورنتو ما قد يفقده الإنسان عندما يقضي الذكاء الاصطناعي على كثير من الجهد المطلوب فيما يخص إنجاز الأنشطة البشرية. وتمحورت حجتهم حول فكرة: يلعب الاحتكاك - الصعوبة، والجهد، وحتى الشعور بعدم الراحة - دوراً مهماً في التعلم، والتحفيز، والشعور بالمعنى. لطالما أظهرت الأبحاث النفسية أن المشاركة الفعالة تُعمّق الفهم وتُقوّي الذاكرة، ما يُوصف بعض الأحيان بـ«الصعوبات المرغوبة».

ويخشى باحثون من أن أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على إنتاج إجابات مُنمّقة أو محادثات سريعة الاستجابة، ربما تتجاوز عمليات التعلم والتحفيز هذه. ومن خلال توجيه الأولوية للنتائج على حساب الجهد، قد يُضعف الذكاء الاصطناعي التجارب، التي تُساعد الأفراد على تطوير مهاراتهم، وبناء علاقاتهم، وإيجاد معنى في عملهم.

في هذا الصدد، تحدثت فانيسا بيتس راميريز من مجلة «جمعية المهندسين الكهربائيين الأميركيين» (سبيكتروم) ، مع إميلي زوهار، طالبة الدكتوراه في علم النفس التجريبي، الباحثة الرئيسية في الدراسة، حول سبب تأكيدها مع زميليها عالمي النفس بول بلوم ومايكل إنزليخت على أهمية الاحتكاك، وما الذي يمكن أن يبدو عليه في نهج أكثر تركيزاً على الإنسان لدى تصميم الذكاء الاصطناعي.

حوار علمي

> عندما تتحدثين عن «الاحتكاك» ماذا تقصدين من الناحيتين المعرفية والشخصية؟

- تقول إميلي زوهار: نُعرّف الاحتكاك بأنه أي صعوبة يواجهها الإنسان في أثناء السعي إلى تحقيق هدف ما. في سياق العمل، يشتمل الاحتكاك على جهد ذهني - مثل التأمل والمثابرة، والتركيز على مشكلة ما لفترة من الوقت، الأمر الذي يُساعد على ترسيخ الأفكار والعملية الإبداعية.

أما في العلاقات، فيشتمل الاحتكاك على الاختلاف، ومحاولة التوصل إلى التسوية، وإدارة سوء الفهم، والحوار المتبادل - وهي أمور تعد طبيعية عندما لا تتفق وجهات النظر دائماً، ويُساعد على توسيع الآفاق. حتى الشعور بالوحدة له أهمية، فهو يحفز على البحث عن تفاعلات اجتماعية، لذا فإن الشعور بهذه المشاعر السلبية والصعوبات، أمرٌ مهم في السياق الاجتماعي.

> بناءً على هذا التعريف... ما المقصود بمصطلح «الذكاء الاصطناعي السلس»؟

- يشير مصطلح «الذكاء الاصطناعي السلس frictionless AI» إلى المحو المفرط للجهد المطلوب لإنجاز المهام المعرفية والاجتماعية. إذ إنه ومع الذكاء الاصطناعي، كما نستخدمه عادةً، يصبح من السهل للغاية الانتقال من مرحلة توليد الأفكار إلى المنتج النهائي. في الواقع، فإنك تطلب من الذكاء الاصطناعي حل مشكلة ما بمجرد توجيهك له، ليُنجز المهمة بأكملها. ويعد هذا الأمر مشكلة، لأنه يزيل الخطوات الوسيطة التي تُحفز التعلم وتُنمي الدافع، ويولي الأولوية للنتيجة، على حساب العملية. وبدلاً من العمل عبر هذه الخطوات، يتولى الذكاء الاصطناعي هذا العمل المهم نيابةً عنك.

يكشف كثير من الدراسات أن جودة العمل تتحسن مع استخدام الذكاء الاصطناعي. وهذا منطقي، فهو يمتلك كل هذه المعرفة.

ومع ذلك، فإنه يُثير قلقنا لأنه قد يُضعف شيئاً أساسياً يحمل عواقب طويلة الأمد. فإذا واجهت المشكلة نفسها في المستقبل، ولم تكن بحوزتك أداة للذكاء الاصطناعي، فلن تمتلك المعرفة اللازمة لمواجهة المشكلة في المرة المقبلة.

الجهد والمثابرة والتنمية البشرية

> ترين أن إزالة الاحتكاك قد تُضر بالتعلم والعلاقات... باعتقادك ما دور الجهد والمثابرة في التنمية البشرية؟

- في مجال التعلّم، يُطلق على هذا المصطلح «الصعوبات المرغوبة»، في إشارة إلى الجهد والعمل، ليس أي جهد، بل الجهد الذي يمكن إدارته. والمقصود هنا مواجهة مشكلات يُمكن التغلب عليها، لكن يتطلب الأمر بذل بعض الجهد ـ وهنا تكمن الفكرة الأساسية للاحتكاك. لا نريدك أن تواجه مشاكل مستعصية، وإنما نريدك أن تعمل بجد، مع تمتعك بالقدرة على التغلب عليها. ويُساعدك ذلك على استيعاب المعلومات والتعلم منها. في العلاقات الشخصية، عليك مواجهة بعض الصعوبات لمعاينة وجهات نظر أخرى والتعلم منها، وتعلّم تقبّل الآخرين. أما إذا كنت معتاداً على أن يُعزز الذكاء الاصطناعي جميع أفكارك ويتملقك، فستدخل العالم الحقيقي، وتجد نفسك غير معتاد على مطالعة أفكار أخرى. حينها، لن تعرف كيف تتفاعل اجتماعياً، لأنك ستتوقع أن يكون الناس دوماً في صفك ويوافقونك الرأي. ولن تتعلم أن الحياة لا تسير دوماً بالطريقة التي تتوقعها، وأن المحادثات لا تسير دائماً على النحو الذي تنشده.

الذكاء الاصطناعي والعمليات الإبداعية

> لطالما سعت تقنيات كثيرة إلى تقليل الجهد المبذول: الآلات الحاسبة، والغسالات، وبرامج التدقيق الإملائي... ما الذي يميز الذكاء الاصطناعي؟

- ركزت التقنيات السابقة، في أغلبها، على تقليل الجهد البدني. لم نعد مضطرين للذهاب إلى النهر لغسل ملابسنا. لقد أزالت التقنيات السابقة الحاجة إلى إنجاز المهام الروتينية، التي لم تكن تُسهم في تعلمنا ونمونا، بل كانت تُضيف عقبات غير ضرورية وتُهدر الوقت المُخصص لمهام أكثر أهمية.

إلا أن الذكاء الاصطناعي يُقلل الجهد المبذول في العمليات الإبداعية والمعرفية التي تُحفز المعنى والدافع والتعلم. هنا، يكمن الفرق الجوهري، لأنه لا يُزيل العقبات من المهام التي لا تُفيدنا، بل يُزيل العقبات من التجارب المهمة والأساسية لتطورنا.

> هل هناك سياقات يُزيل فيها الذكاء الاصطناعي العقبات المفيدة بالفعل؟ وكيف تظهر آثار تقليل العقبات بمرور الوقت؟

- أحد الأمثلة الواضحة هنا الكتابة. يعتمد الناس بشكل كبير على الذكاء الاصطناعي في صياغة كل شيء، من رسائل البريد الإلكتروني إلى المقالات، ما يُزيل من الطريق كثيراً من العقبات المفيدة. وتُظهر أبحاث أن ثقة الناس بالردود تتراجع، عندما يعلمون أنها كُتبت بواسطة الذكاء الاصطناعي، وأنهم يُقيّمون المنتجات المُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي بأنها أقل إبداعاً وقيمة، ويواجهون صعوبة أكبر في تذكّر أعمالهم التي أُنتجت بمساعدة الذكاء الاصطناعي. كما أن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في الكتابة تقضي على الاحتكاك الاجتماعي والمعرفي.

ونجد مثالاً جيداً آخر البرمجة التفاعلية. إذا كنت مبرمجاً، فإنّ هذا يعني أن البرمجة جزء لا يتجزأ مما يُضفي معنى على عملك. يستمدّ الناس المعنى من عملهم، وإذا استبدلت ذلك بواسطة الذكاء الاصطناعي، فقد يضر ذلك بهم. ويتركز الأثر السلبي للذكاء الاصطناعي السلس حول أنه يُزيل الاحتكاك من أمور بالغة الأهمية لتنمية شخصيتك ومهاراتك.

أحد المجالات التي تثير قلقي بشدة، استخدام المراهقين للذكاء الاصطناعي بشكل عام. إنها فترة نمو بالغة الأهمية للتعلّم والنموّ واكتشاف المسار الذي ستسلكه. لذا، إذا لم تكن لديك هذه التفاعلات المُثمرة مع العمل والعلاقات، التي تُعلّمك كيف تُفكّر، فستكون لذلك آثار سلبية على المدى الطويل. قد لا يتمكنون من التفكير النقدي بالطريقة نفسها، لأنهم لم يضطروا لذلك من قبل. وإذا لجأوا إلى الذكاء الاصطناعي في بناء علاقاتهم الاجتماعية في هذه السن المبكرة، فقد يؤدي ذلك إلى تراجع مهارات مهمة كان ينبغي عليهم تعلمها في تلك المرحلة العمرية.

«الاحتكاك البنّاء»

> ما المقصود بالاحتكاك البنّاء؟

- الاحتكاك بطبيعته متدرج، فمع قلة الاحتكاك، لا يتحقق التعلم ولا الحافز. ومع كثرته، تصبح المهمة شاقة للغاية. أما الاحتكاك البنّاء، فيقع في المنتصف، وفي إطاره يؤدي الكفاح إلى الإنجاز. إنه يتطلب جهداً، لكنه جهد ممكن، ويتطلب التفكير النقدي والعمل على حل مشكلة ما لفترة من الوقت أو مواجهة بعض الصعوبات خلال العملية.

وكان المثال الذي استخدمناه في البحث، الفرق بين ركوب «التلفريك» وتسلق الجبل سيراً على الأقدام. كلاهما يصل إلى القمة، لكن مع «التلفريك»، لا يجني المرء أي فوائد تنموية، بينما ينطوي تسلق الجبل على صعوبات وشعور بالإنجاز. يصبح الأمر أكثر ثراءً ويحمل فرصة أكبر للتعلم، مقارنةً بالشخص الذي صعد بسهولة تامة، مستعيناً بـ«التلفريك».

> هل تتصورين ذكاءً اصطناعياً يُبطئ الناس عن عمد أحياناً أو يطلب منهم الاضطلاع بجزء من العمل بأنفسهم؟

- من المهم في علم السلوك التفكير في الخيار الافتراضي، لأن الناس لا يغيرون عادةً ما هو افتراضي لديهم. لذا، فإن الوضع الافتراضي في الذكاء الاصطناعي حالياً هو تقديم الإجابة التي تلائمك، ثم دفع المستخدم لمواصلة الس-

ير في الاتجاه ذاته. إلا أنني أعتقد أنه بإمكاننا التفكير في الذكاء الاصطناعي بطريقة مختلفة. ربما يمكننا جعل الوضع الافتراضي بناءً، على نحو أكبر؛ فبدلاً من مجرد الوصول إلى الإجابة مباشرةً، يُساعد الذكاء الاصطناعي المستخدم على التفكير في المشكلة ويُعلمه في أثناء ذلك، ما يجعله أكثر تعاوناً، وليس مصدراً لحل جاهز.

• باعتقادك كيف سيشعر مستخدمو هذه الأنظمة والشركات المطورة لها حيال هذا التحول في التصميم؟

- فيما يتعلق بمطوري هذه الأنظمة، يتركز القلق الأكبر حول ردود الفعل السلبية، فالناس اليوم أصبحوا معتادين على الحصول على الإجابة مباشرةً، وقد يُبدون مقاومة شديدة لتصميم يُجبرهم على بذل جهد أكبر. إلا أن هذا قد يُحفز مزيداً من التفاعل، لأنه يتطلب التفاعل والتواصل معاً للوصول إلى الإجابة. في نهاية المطاف، أعتقد أن الأمر يجب أن ينبع من الشركات المصنعة لهذه النماذج، إذا كان المصممون يعتقدون أن تصميماً يقوم على قدر أكبر من الاحتكاك سيفيد المستخدمين. في الواقع، فإن هذا النمط من الذكاء الاصطناعي المعقد منتج طويل الأمد. ومن الصعب الجزم ما إذا كان ذلك سيحفز الشركات على تغيير نماذجها لتتضمن قدراً معقولاً من التعقيد، لكن على المدى البعيد، أعتقد أن هذا سيكون مفيداً. لمواجهة المصاعب وبذل الجهود دور مهم في التعلم والتحفيز والشعور بمعنى الإنجازات


اكتشاف جين جديد يمنح أملاً في مواجهة عيوب القلب الخلقية

اكتشاف جين جديد يمنح أملاً في مواجهة عيوب القلب الخلقية
TT

اكتشاف جين جديد يمنح أملاً في مواجهة عيوب القلب الخلقية

اكتشاف جين جديد يمنح أملاً في مواجهة عيوب القلب الخلقية

في خطوة علمية قد تعيد رسم ملامح فهم أمراض القلب الخِلْقية، توصل باحثون من جامعة تارتو بإستونيا إلى اكتشاف جين جديد لم يكن مرتبطاً سابقاً بأي مرض بشري، لكنه يبدو أنه يلعب دوراً حاسماً في تكوّن قلب الجنين.

وتربط النتائج التي نُشرت في دورية «Journal of Medical Genetics» في 4 مارس (آذار) 2026، جينMGRN1 بحدوث تشوهات قلبية خلقية، وذلك في اختراق علمي قد يغير طريقة تشخيص هذه الحالات، والتعامل معها مستقبلاً.

وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة؛ إذ تُعد عيوب القلب الخِلقية من أكثر التشوهات شيوعاً عالمياً؛ حيث تصيب نحو مولود واحد من كل مائة. وعلى مدى عقود، سعى العلماء لفك لغز العوامل الجينية التي تتحكم في تطور القلب؛ أملاً في الوصول إلى تشخيص مبكر وعلاج أكثر دقة. واليوم، يفتح هذا الاكتشاف باباً جديداً نحو فهم أعمق، وربما إنقاذ مزيد من الأرواح

جين مفاجئ

وما يجعل هذا الاكتشاف لافتاً بشكل خاص هو أن جين MGRN1 لم يكن مرتبطاً من قبل بتطور الجنين البشري المبكر أو بأي مرض على الإطلاق، وظهوره لاعباً رئيسياً في تشكل القلب فاجأ المجتمع العلمي.

وأكدت قائدة فريق البحث لورا كاساك رئيس قسم علم الوراثة البشرية بمعهد الطب الحيوي والطب الانتقالي بجامعة تارتو بإستونيا في النتائج المنشورة، أن هذا الجين كان عملياً خارج نطاق الرادار، ولم تشِر أي دراسات سابقة إلى مشاركته في تطور القلب أو أي حالة خِلقية.

جاء هذا الاكتشاف بعد سنوات من التحليل الجيني الدقيق، قام خلالها الباحثون بفحص عينات الحمض النووي «دي إن إيه» من عائلات تأثرت بعيوب قلب خِلقية. وباستخدام تقنيات متقدمة في التسلسل الجيني، حدد الفريق تغيرات في جين MGRN1 ظهرت بتردد غير عادي لدى الأطفال الذين وُلدوا بتشوهات قلبية.

وبالنسبة للعائلات التي تواجه تشخيص مرض قلبي خِلقي فإن آثار هذا الاكتشاف عميقة. حالياً يتلقى العديد من الآباء مثل هذه التشخيصات بمعلومات محدودة عن الأسباب الكامنة؛ ما يصعّب فهم مخاطر التكرار، أو اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن تنظيم الأسرة.

إلا أن تحديد جين MGRN1 يغير هذه المعادلة تماماً؛ حيث يمكن لمقدمي الرعاية الصحية الآن فحص التغيرات في هذا الجين في أثناء الحمل؛ ما يتيح اكتشافاً أبكر للتشوهات القلبية المحتملة. ويتيح الاكتشاف الأبكر، بدوره، تحضيراً أفضل بدءاً من ترتيب رعاية متخصصة في غرفة الولادة، وصولاً إلى التخطيط للتدخلات الجراحية التي قد تكون ضرورية بعد الولادة بمدة قصيرة.

وأكدت الدكتورة ماريس لان المشاركة بالدراسة، والتي تقود مجموعة أبحاث الوراثة البشرية، أن هذا الاكتشاف يفتح أيضاً آفاقاً جديدة للإرشاد الوراثي؛ فالعائلات التي عانت من ألم معاناة أطفالها من عيوب القلب الخِلقية يمكنها الآن الحصول على معلومات أكثر دقة حول احتمالية تكرار الحالة في حالات الحمل المستقبلية.

فحوصات وعلاجات جينية

تمتد التطبيقات العملية لهذا البحث إلى ما هو أبعد من المختبر، مع بدء المراكز الطبية في دمج فحوصات جين MGRN1 في بروتوكولات الفحص قبل الولادة، حيث يتوقع الأطباء تحقيق تحسينات ملموسة في كيفية التعامل مع عيوب القلب الخِلقية.

وعندما يعرف الأطباء أي المسارات الجينية تعطلت يمكنهم توقُّع الأنواع المحددة من التشوهات التي قد تتطور وتوقع المضاعفات المحتملة بشكل أفضل. وهذه المعرفة تسمح بوضع خطط رعاية أكثر تخصيصاً تتناسب مع الملف الجيني الفريد لكل مريض.

علاوة على ذلك، فإن فهم الآليات الجزيئية التي يؤثر بها جين MGRN1 في تطور القلب يخلق فرصاً لطرق علاجية جديدة تماماً. ورغم أن التدخلات العلاجية في أثناء الحمل تبقى معقدة فإن الباحثين يستكشفون بالفعل ما إذا كانت بعض الأدوية أو العلاجات الجينية قد تخفف في يوم ما آثار الطفرات الضارة لجين MGRN1 قبل الولادة.

ولا يمثل اكتشاف دور جينMGRN1 نهاية الرحلة العلمية بل بداية فصل جديد في فهم عيوب القلب الخِلقية؛ ففي جامعة تارتو يعمل الباحثون حالياً على توسيع نطاق دراساتهم لاستكشاف كيفية تفاعل هذا الجين مع شبكة واسعة من الجينات الأخرى المعروفة بتأثيرها في نمو القلب.

وقد بدأت بالفعل شراكات بحثية مع مؤسسات علمية في أوروبا وأميركا الشمالية في خطوة تعكس إدراك المجتمع العلمي لأهمية التحقق من هذه النتائج على نطاق أوسع، وفي مجموعات سكانية أكثر تنوعاً.

ويؤكد فريق البحث أن القلب من أكثر أعضاء الجسم تعقيداً؛ إذ يتطلب تكوّنه تناغماً دقيقاً بين مئات بل آلاف الجينات. وفي هذا السياق يقدّم جين MGRN1 نافذة جديدة لفهم هذه العملية المعقدة، نافذة لم تكن معروفة من قبل.

وبالنسبة لآلاف العائلات التي تتلقى سنوياً تشخيصاً بوجود عيب خِلقي في القلب، وللأطفال الذين قد يواجهون سلسلة من العمليات الجراحية في سنواتهم الأولى يحمل هذا الاكتشاف بارقة أمل حقيقية، واستعداداً أفضل وفرصاً أعلى لتحسين النتائج الصحية.

وكما يلخص أحد الباحثين في الفريق: «كل جين نكتشفه هو قطعة جديدة من هذا اللغز الكبير. قد لا نرى الصورة الكاملة بعد، لكننا اليوم أقرب إليها من أي وقت مضى».

وتخطط الجامعة لنشر التفاصيل المنهجية الكاملة لهذا الاكتشاف في عدد قادم من «Journal of Medical Genetics»، بما يتيح للباحثين حول العالم البناء على هذه الخطوة المهمة، ودفع حدود المعرفة الطبية إلى الأمام.


نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات
TT

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

لطالما رغب المبرمج المصري عاصم صبري في نموذج ذكاء اصطناعي يُمثل ثقافته. لكن المشكلة تكمن في عدم عثوره على نموذج مثل هذا. ويقول صبري: «صناعة الذكاء الاصطناعي في مصر... غير موجودة». لذا قام ببناء نموذجه الخاص: «حورس»، نسبةً إلى إله السماء المصري القديم.

«حورس» على منصة «Hugging Face»

«حورس» للذكاء الاصطناعي

يقول صبري إن الهدف كان التوقف عن «الاعتماد على نماذج أخرى، مثل النماذج الأميركية أو الصينية»، والتوجه بدلاً من ذلك عن شكل النموذج الذي يُركز بشكل أكبر على الثقافة المصرية. ولجعل «حورس» يعمل، قام بتدريبه باستخدام وحدات معالجة الرسومات من «غوغل كولاب» Google Colab ومزودي خدمات سحابية آخرين، إلى جانب مجموعات بيانات مفتوحة المصدر. وقد حقق النموذج، الذي تم إصداره في أوائل أبريل (نيسان) الحالي، أكثر من 800 عملية تنزيل في أسبوعه الأول على منصة «Hugging Face».

انحصار لغوي

ويُعدّ صبري واحداً من بين عدد متزايد من المطورين الذين يسعون لتصحيح خللٍ مزمن في مجال الذكاء الاصطناعي. فالنماذج تتقن الإنجليزية، وإلى حدٍّ أقل، الصينية، لكنها أقل كفاءةً بكثير في معظم اللغات الأخرى. واللغات التي تُصنّف على أنها لغات أقلية، هي في الواقع لغات الأغلبية العالمية. ومع ذلك، وبفضل طريقة تدريب النماذج (على كميات هائلة من البيانات المُستخرجة من الإنترنت)، بالإضافة إلى اقتصاديات صناعة التكنولوجيا، تبقى الإنجليزية هي اللغة المهيمنة.

فجوة اللغات

في عام 2023، نشرت الباحثة علياء بهاتيا، بالتعاون مع زميل لها في مركز الديمقراطية والتكنولوجيا، دراسةً تُشير إلى أن اللغات غير القياسية «ضاعت في الترجمة» بسبب تأثيرات التنعيم والحوافز التجارية التي تُشكّل شركات التكنولوجيا الكبرى. ففي خضمّ التهافت على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، أعطت الشركات الأولوية لدعم اللغة الإنجليزية، ويعود ذلك جزئياً إلى محدودية بيانات التدريب، ولم تبذل جهداً يُذكر لسدّ هذه الفجوة.

لسنوات، عزّزت الاعتبارات الاقتصادية هذه المشكلة. فتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي مُكلف، ولا تملك الشركات حافزاً يُذكر لتطوير نماذج تدعم مجموعات لغوية أصغر حجماً دون عائد واضح.

نماذج محلية

وقد بدأ هذا الوضع بالتغيّر أخيراً، أدى صعود نماذج الذكاء الاصطناعي المحلية، بالتزامن مع تشديد شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى لحدود الرموز الرقمية، إلى فتح المجال أمام الشركات الصغيرة. يقول صبري: «قبل عامين، لم يكن الذكاء الاصطناعي بمثل هذه الكفاءة، ولم تكن نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر. أما الآن، فيمكننا بناء نماذجنا الخاصة من الصفر».

ومع ذلك، لا تزال هناك عقبات. وتشير بهاتيا إلى أن «بعض العوائق لا تزال قائمة فيما يتعلق بالحوسبة، والبنية التحتية، والتمويل»، وهو ما يمثل مجتمعاً «عائقاً كبيراً». ومع ذلك، فإن التقدم واضح.

من اميركا اللاتينية إلى آسيا

وما يتبلور ليس نظاماً بيئياً رسمياً بقدر ما هو شبكة عالمية غير رسمية من النماذج ذات التركيز المحلي: Apertus السويسرية، و Latam-GPT في أميركا اللاتينية، وN-ATLaS النيجيرية، و Sahabat-AI الإندونيسية، وSEA-LION السنغافورية، وGreenMind الفيتنامية، وOpenThaiGPT التايلاندية، وTeuken 7B الأوروبية. يقدم كل منها بديلاً للنماذج السائدة من «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«علي بابا».

جهود شعبية

لا تزال بعض الجهود شعبية، مثل جهود صبري. بينما تحظى جهود أخرى بدعم مؤسسي. وعلى سبيل المثال، يُعدّ مشروع «أبيرتوس» ثمرة تعاون بين جامعتين سويسريتين والمركز الوطني السويسري للحوسبة الفائقة، الذي ساهم بأكثر من 10 ملايين ساعة معالجة رسومية، أي ما يعادل عشرات الملايين من الدولارات في الحوسبة التجارية.

إلا أن معظم المشاريع تعمل على نطاق أصغر بكثير من ذلك. ومع ذلك، فإن القدرة على تدريب ونشر نماذج محلية بتكلفة منخفضة نسبياً تُغيّر قواعد اللعبة. فقد سجّلت نسخة مُحسّنة من برنامج «لاما 3.2» التابع لشركة «ميتا»، الذي تم تدريبه على 14,500 زوج من الأمثلة القانونية الهندية، ما يزيد قليلاً على 1000 عملية تنزيل منذ أوائل أبريل (نيسان). وهذا جانب مُتخصص، لكنه ذو أهمية. وكان من الصعب تبرير الاستثمار فيه اقتصادياً حتى وقت قريب.

توسيع السوق

يشير هذا الإقبال المبكر إلى وجود سوق أوسع من السوق السائد. كما أنه يطرح تساؤلاً أمام كبرى شركات الذكاء الاصطناعي. تقول بهاتيا: «ما تقدمه هذه البدائل هو دليل على إمكانية بناء أنظمة تمثل بشكل أفضل أغلبية المستخدمين واللغات في العالم، طالما أن شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى ترغب فعلاً في الاستفادة من هذه التجارب والتعلم منها».

* مجلة «فاست كومباني».