لماذا نختار شركاء يشبهوننا؟ قد يكون للجينات دور في ذلك

ربما ينتج عن حلقة وراثية تجمع بين الصفات الجسدية والتفضيلات المرتبطة بها

لماذا نختار شركاء يشبهوننا؟ قد يكون للجينات دور في ذلك
TT

لماذا نختار شركاء يشبهوننا؟ قد يكون للجينات دور في ذلك

لماذا نختار شركاء يشبهوننا؟ قد يكون للجينات دور في ذلك

غالباً ما نسمع القول المأثور: الأضداد تتجاذب، لكن العلم يكشف عن صورة مختلفة تماماً. فالأبحاث الحديثة تشير إلى أن الكثير من الناس ينجذبون إلى شركاء يشبهونهم بدرجة لافتة. وهذه الظاهرة المعروفة علمياً باسم التزاوج الانتقائي ليست حكراً على البشر بل رُصدت أيضاً في مملكة الحيوان، فالأسماك مثلاً تميل إلى التزاوج مع أفراد تشاركها سمات معينة وهو ما يوحي بأن التشابه يلعب دوراً مهماً في اختيار الشريك.

وحتى الثقافة الشعبية التقطت هذه الفكرة. فعلى منصات التواصل الاجتماعي انتشرت لعبة «الأشقاء أم المواعدة؟»، حيث يحاول المتابعون التفرقة بين ثنائي متشابه في الملامح هل هما إخوة أم عاشقان؟ المدهش أن كثيراً من الأزواج ينتهي بهم الأمر ليَبدوا كأنهم من العائلة نفسها.

لكن ما السبب وراء هذا التشابه اللافت؟ هل هو مجرد ذوق شخصي أم أن الأمر أعمق من ذلك؟

اللغز الوراثي: تفضيلات تُورَّث عبر الأجيال

ويفترض بحث جديد أجرته كايتلين هاربر وبريندان زيتش من جامعة «كوينزلاند» الأسترالية ونُشر في مجلة «Psychological Science» في 22 أغسطس (آب) 2025 أن التفسير يكمن في الوراثة. فاختيارنا لشريك يشبهنا قد يكون نتيجة حلقة وراثية تجمع بين الصفات الجسدية والتفضيلات المرتبطة بها.

ولتبسيط الفكرة يمكن أن نتخيل صفة الطول. فإذا كان شخص ما قد ورث طوله من أحد والديه وفي الوقت نفسه ورث من الوالد الآخر ميلاً للانجذاب إلى الشركاء الطوال، فإن النتيجة أنه سيعيش طويل القامة ويرغب في الارتباط بشريك طويل القامة أيضاً. ومع مرور الأجيال يتكرر هذا النمط حتى يصبح شائعاً، وهو ما يُعرف بالتزاوج الانتقائي.

وتوضح الباحثة كايتلين هاربر: «لقد كانت كل الأجزاء موجودة منذ فترة طويلة لكن لم تُربط بهذه الصورة من قبل. وباستخدام النمذجة الحاسوبية استطعنا أن نرى أن التزاوج الانتقائي ينشأ بشكل طبيعي دون الحاجة إلى فرضيات معقدة».

من البيولوجيا إلى علم النفس

في علم الأحياء التطوري يُعرف أن السمات الجسدية والسلوكية تنتقل عبر الوراثة. لكن الجديد هو توظيف هذه الآلية لتفسير اختيارات الشريك البشري، إذ كان يُعتقد سابقاً أن التزاوج الانتقائي ناتج عن عوامل اجتماعية أو بيئية أوعن تفضيلات واعية. غير أن هذا البحث يوضح أن الوراثة وحدها كافية لخلق هذا النمط حتى في غياب المؤثرات الثقافية.

محاكاة الحب عبر 100 جيل

ولاختبار النظرية صمم الباحثون نموذجاً حاسوبياً يحاكي تزاوج مجموعات سكانية على مدى أكثر من مائة جيل. وقد امتلك الأفراد في هذا النموذج صفات وراثية (مثل الطول أو لون العينين) إلى جانب تفضيلات وراثية لهذه الصفات عند اختيار الشريك.

وكانت النتيجة واضحة، حيث ظهرت ارتباطات قوية بين الصفات والتفضيلات بمرور الوقت، مما أدى إلى تزاوج انتقائي واضح. وحتى مع إدخال عشر سمات وتفضيلات مختلفة ظل النمط قائماً. وعندما أضاف الباحثون عوامل ضغط تطوري مثل تفاوت أعداد الأطفال بين الأجيال ضعفت الارتباطات قليلاً لكنها لم تختفِ.

أكثر من مجرد سلوك بشري

وتكمن قوة هذا التفسير في بساطته. فهو لا يتطلب فرضيات معقدة عن التعلم الاجتماعي أو الوعي بالاختيارات. بل بدلاً من ذلك يكفي أن نتصور أن السمات والتفضيلات تنتقل وراثياً معاً لتفسير ظاهرة حيّرت العلماء لعقود.

وكما تقول هاربر: «لأن الآلية عامة جداً يمكن تطبيقها أيضاً على الحيوانات حيث لا يصلح الكثير من التفسيرات المطروحة للبشر».

التأثير في المجتمع والتطور

ولا يقتصر أثر التزاوج الانتقائي على الأفراد، بل يمكن أن يُعيد تشكيل التركيب الوراثي لمجتمعات بأكملها. فعندما يختار الناس شركاء يشبهونهم تتشكل ما يشبه «مجموعات فرعية» داخل المجتمع تتميز بسمات مشتركة. وهو ما قد يؤثر ليس فقط في الصفات الجسدية، مثل الطول أو لون العينين، بل أيضاً في السمات النفسية والاجتماعية.

وعلى المدى الطويل قد يؤدي هذا إلى تقليل التنوع الجيني أو تعزيز خصائص معينة داخل مجموعات سكانية، وهو ما يحمل آثاراً بعيدة على مسار التطور البشري.

تفسيرات تطورية أوسع

كما يرى العلماء أن هذه النتائج تتكامل مع النظريات التطورية التي تفسر تفضيلات الشريك عبر الانتقاء الجنسي. ويعمل الانتقاء الجنسي بطريقتين هما التنافس داخل الجنس الواحد (intrasexual selection) حيث يتنافس الأفراد، خصوصاً الذكور على جذب الشريك. والأخرى هي الاختيار بين الجنسين (intersexual selection)، حيث ينجذب الأفراد إلى سمات معينة في الجنس الآخر، لأنها تعزز فرص البقاء والتكاثر.

وعلى سبيل المثال تشير الدراسات إلى أن الرجال غالباً ما يبحثون عن علامات الخصوبة لدى النساء، فيما تميل النساء إلى اختيار الرجال القادرين على توفير الحماية والموارد. وهذه التفضيلات ليست عشوائية بل هي استراتيجيات تطورت عبر الزمن لضمان استمرار النوع.

ماذا يعني ذلك لنا اليوم؟

في زمن تتنوع فيه طرق التعارف؛ من اللقاءات التقليدية إلى تطبيقات المواعدة، يظل تأثير الوراثة حاضراً بصمت. فالخيارات التي نعتقد أنها قائمة على الذوق أو المصادفة قد تكون انعكاساً لبرمجة وراثية خفية.

في النهاية حينما تلاحظ أنك وشريكك تتشابهان في الملامح أو السمات قد لا يكون ذلك مجرد قدر أو مصادفة. فربما تكون جيناتك هي التي دفعتك من دون وعي لاختيار شخص يعكسك بطريقة ما.


مقالات ذات صلة

قواعد إنسانية جديدة لعصر الذكاء الاصطناعي والهندسة الجينية

علوم قانون دولي إنساني جديد للعصر التكنولوجي الحديث

قواعد إنسانية جديدة لعصر الذكاء الاصطناعي والهندسة الجينية

نظم تحلل البيانات، وتقرر النتائج في ثوانٍ... وتقنيات يمكن أن تعيد تشكيل مستقبل البشر قبل ولادتهم

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
علوم خريطة الهند الجينية تكشف عن ملايين الطفرات المفقودة

خريطة الهند الجينية تكشف عن ملايين الطفرات المفقودة

رصدت 130 مليون متغير جيني

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم «الهندسة البيولوجية»: هل يستطيع العلماء إعادة كتابة رموز الجينوم المعقَّدة؟

«الهندسة البيولوجية»: هل يستطيع العلماء إعادة كتابة رموز الجينوم المعقَّدة؟

محاولات لتوليد تسلسلات جينية جديدة وصولاً إلى بناء كائنات حية حسب الطلب

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم خطوات محورية في دراسة السرطان واضطرابات المناعة

تطورات «كريسبر»: من قصّ الجينات إلى قراءة عقل الخلية

خطوات محورية في دراسة السرطان واضطرابات المناعة... حيث تتفاعل مسارات جينية متعددة لإحداث المرض

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم أداة حاسوبية جديدة تكشف عن الروابط الخفية بين الجينات وأدوية السرطان

أداة حاسوبية جديدة تكشف عن الروابط الخفية بين الجينات وأدوية السرطان

تسرع اكتشاف علاجات مخصّصة لكل مريض بشكل أكثر دقة وكفاءة

د. وفا جاسم الرجب

اكتشاف كواكب بمجالات مغناطيسية خارج المجموعة الشمسية

كواكب المجموعة الشمسية (أرشيفية-رويترز)
كواكب المجموعة الشمسية (أرشيفية-رويترز)
TT

اكتشاف كواكب بمجالات مغناطيسية خارج المجموعة الشمسية

كواكب المجموعة الشمسية (أرشيفية-رويترز)
كواكب المجموعة الشمسية (أرشيفية-رويترز)

توصَّل علماء الفلك إلى أقوى دليل حتى الآن على أن الكواكب الواقعة خارج منظومتنا الشمسية، لها مجالات مغناطيسية، مثل الأرض وخمسة كواكب أخرى في المجموعة الشمسية، وذلك بناء على حركة وسرعة واتجاه الرياح في سبعة كواكب غازية كبيرة وساخنة خارج المجموعة الشمسية.

ويُعزز هذا الاكتشاف، المستند إلى عمليات رصد أُجريت بأجهزة التلسكوبات في تشيلي وهاواي، فهمنا لتلك الكواكب، إذ يُظهر أن بعضها على الأقل يشترك في سمة مهمة موجودة في كل كواكب المجموعة الشمسية باستثناء كوكبين.

ورغم أن جميع الكواكب الغازية الواقعة خارج المجموعة الشمسية غير قابلة للعيش عليها، لكن وجود المجال المغناطيسي قد يكون أحد العوامل التي ساعدت في جعل كوكب صخري، مثل الأرض، صالحاً للحياة، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتدور هذه الكواكب الخارجية كل منها على مقربة شديدة من نجم كبير وساخن، بحيث يكون أحد جانبيها مواجهاً للنجم بشكل دائم، والجانب الآخر بعيداً بشكل دائم، كما هي حال القمر والأرض.

ويطلق على هذا النوع من الكواكب اسم «المشتري الحار»؛ نظراً لتشابه حجمها وتكوينها مع أكبر كوكب في مجموعتنا الشمسية، وإن كانت درجة حرارتها أعلى بكثير. وتراوحت كتلة الكواكب السبعة بين ما يعادل كتلة كوكب المشتري تقريباً وبين أكثر من ثلاثة أمثالها. وتهبُّ رياح قوية من «الجانب المضيء» الحار إلى «الجانب المظلم» البارد على هذه الكواكب، وذلك بسبب قرب مداراتها من نجومها، مما يجعل غلافها الجوي شديد الحرارة على الجانب المضيء. وكلها أقرب إلى نجمها المُضيف من قرب كوكب عطارد؛ أقرب كوكب في مجموعتنا الشمسية إلى الشمس.

وقالت عالِمة الفلك جوليا سايدل، من مختبر لاغرانج التابع لمرصد كوت دازور في نيس بفرنسا، والمُعدّ الرئيسي للدراسة التي نُشرت اليوم الثلاثاء في دورية «نيتشر أسترونومي»، إن «ما قد تتوقعه هو أن الرياح ستكون أقوى في الكواكب ذات درجات الحرارة الأعلى. فكلما زادت الطاقة التي تدخلها في المنظومة، زادت شدة الرياح. لكننا نرى العكس».

وأضافت أن «الكواكب الأشد حرارة هي الأقل عرضة لرياح قوية تؤثر على غلافها الجوي. وهذا أمر غريب حقاً مقارنة بما نعرفه عن طبيعة الأغلفة الجوية».

وتابعت قائلة: «هذا يعني أن كل تلك الطاقة التي يضخّها النجم في الغلاف الجوي للكوكب يجب أن تتبدد بطريقة مختلفة. والاحتمال الوحيد لإبطاء حركة الغلاف الجوي بهذه السرعة هو عبر المجال المغناطيسي وتفاعله مع الجسيمات المشحونة المتحركة في الغلاف الجوي».

وتصل سرعات الرياح على الكواكب السبعة خارج المجموعة الشمسية إلى 25 ألف كيلومتر في الساعة؛ أيْ أقوى من تلك الموجودة على كوكب المشتري.

وبالنظر إلى أن معظم كواكب مجموعتنا الشمسية لها مجالات مغناطيسية، يرى الباحثون أنه ليس من المستغرب أن يكون للكواكب الخارجية مجالات مغناطيسية أيضاً، لكنهم أشاروا إلى أن العلماء كانوا حتى وقتنا هذا يجدون صعوبة في التوصل إلى أدلة مقنعة.

ويُعد المجال المغناطيسي أحد العوامل التي تُحدد ما إذا كان الكوكب قادراً على الحفاظ على غلافه الجوي لفترات طويلة من الزمن. فالمريخ، على سبيل المثال، كان له مجال مغناطيسي، لكنه فقَدَه قبل مليارات السنين بعد أن برَدَ باطنه، وأصبح، الآن، بغلاف جوي ضعيف وبيئة غير صالحة للعيش.

وقالت عالِمة الفلك بيبيانا برينوث، من المرصد الأوروبي الجنوبي في ألمانيا، والمشارِكة في إعداد الدراسة: «رغم الاعتقاد الخاطئ الشائع بأن المجالات المغناطيسية تُحدد، بشكل مباشر، ما إذا كان الكوكب صالحاً للعيش، لكنها قد تلعب دوراً مهماً في (معرفة) كيفية تطور الكوكب عبر الزمن».

وأضافت: «الحياة، كما نعرفها، تعتمد على وجود الغلاف الجوي الذي يساعد في الحفاظ على الضغط على سطح (الكوكب) وتنظيم درجة الحرارة، ويسمح على الأرض بوجود ماء سائل على السطح».


قواعد إنسانية جديدة لعصر الذكاء الاصطناعي والهندسة الجينية

قانون دولي إنساني جديد للعصر التكنولوجي الحديث
قانون دولي إنساني جديد للعصر التكنولوجي الحديث
TT

قواعد إنسانية جديدة لعصر الذكاء الاصطناعي والهندسة الجينية

قانون دولي إنساني جديد للعصر التكنولوجي الحديث
قانون دولي إنساني جديد للعصر التكنولوجي الحديث

في عام 1864، اجتمع ممثلو عدد من الدول في مدينة جنيف السويسرية لوضع أول إطار قانوني حديث يحمي ضحايا الحروب. ومن تلك البذرة الأخلاقية ولدت لاحقاً اتفاقيات جنيف الأربع عام 1949، والتي أصبحت أحد أعمدة القانون الإنساني الدولي بعد أن شاهد العالم أهوال الحرب العالمية الثانية، وما خلّفته من ملايين الضحايا، والجرحى، والمشرّدين.

لقد نجحت تلك الاتفاقيات في ترسيخ مبدأ بسيط وعظيم في آنٍ واحد: حتى في الحرب، تبقى هناك حدود لا يجوز للإنسان تجاوزها.

تقدم تكنولوجي واتفاقيات قديمة

غير أن العالم الذي صاغ اتفاقيات جنيف لم يكن يعرف الحواسيب، ولم يتخيّل وجود خوارزميات قادرة على تحليل ملايين البيانات في ثوانٍ، أو طائرات مسيّرة تستطيع اختيار أهدافها ذاتياً، أو تقنيات جينية يمكن أن تعيد تشكيل مستقبل البشر قبل ولادتهم. ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق بقيمة اتفاقيات جنيف، أو مكانتها التاريخية، بل بقدرتها على مواكبة عصر أصبحت فيه التكنولوجيا نفسها طرفاً فاعلاً في الصراع.

تحول طبيعة القوة

إننا لا نعيش فقط مرحلة تطور في أدوات الحرب، بل نعيش تحوّلاً جذرياً في طبيعة القوة ذاتها. فالسلاح لم يعد مجرد دبابة، أو صاروخ، أو طائرة مقاتلة، بل أصبح خوارزمية قد تتخذ قراراً خلال أجزاء من الثانية، ومنصة رقمية قد تؤثر في مصير ملايين البشر، وتقنية جينية قد تستهدف أفراداً أو جماعات بطرق لم تكن معروفة في أي مرحلة سابقة من التاريخ.

لم تعد المشكلة في الرصاصة التي تخطئ هدفها، بل في الخوارزمية التي تختار هدفها. ولم يعد الخوف مقتصراً على القنبلة التي تدمر مدينة، بل على نظام ذكي قد يخطئ في تفسير البيانات، أو يتأثر بتحيزات خفية، أو يُستخدم بطريقة تنتهك أبسط المبادئ الإنسانية دون أن يكون هناك إطار قانوني واضح للمحاسبة.

حين يصبح الجين ساحة للحرب

ثورة بيولوجية تواكب الرقمية

الأكثر خطورة أن الثورة البيولوجية تسير جنباً إلى جنب مع الثورة الرقمية. فالهندسة الوراثية، والتعديل الجيني، والطب الدقيق، كلها تحمل وعوداً علاجية كبيرة، لكنها تطرح أيضاً أخطاراً أخلاقية وقانونية إذا استُخدمت خارج الضوابط الإنسانية.

ومن هنا يظهر سؤال لم يكن مطروحاً عندما وُقعت اتفاقيات جنيف: كيف نحمي الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى من أخطار الحروب التي تُدار بالخوارزميات، أو تستغل المعرفة الجينية؟

ومع اتساع قدرات الذكاء الاصطناعي على تتبع الأفراد، وتحليل سلوكهم، والتنبؤ بتحركاتهم، تبرز تحديات غير مسبوقة تتعلق بحماية المدنيين، وصون حقوقهم الأساسية في أوقات النزاع. كما تزداد الحاجة إلى تحديد المسؤولية القانونية والأخلاقية عندما تتسبب الأنظمة المستقلة في قرارات خاطئة تؤدي إلى خسائر بشرية، وإلى مراجعة مدى قدرة القانون الدولي الحالي على التعامل مع أسلحة تعمل بدرجات غير مسبوقة من الاستقلالية.

لقد أدرك العالم عبر تاريخه أن التكنولوجيا تتقدم دائماً أسرع من القوانين. ولهذا لم تكن اتفاقيات جنيف سوى استجابة أخلاقية وقانونية لتحولات عسكرية وصناعية فرضها عصرها. واليوم يبدو أن البشرية تقف أمام منعطف مشابه، لكن هذه المرة في عصر الذكاء الاصطناعي، والحروب الرقمية، والتقنيات الجينية.

ولا يتعلق الأمر باستبدال اتفاقيات جنيف، أو الانتقاص من قيمتها التاريخية، بل بتطوير إطار إنساني جديد يكمّلها، ويُحدّثها، ويمنحها القدرة على التعامل مع تحديات لم تكن مطروحة عندما صيغت نصوصها قبل أكثر من سبعين عاماً.

نحو مبادرة دولية جديدة

ومن هنا قد يكون من المناسب التفكير في مبادرة دولية جديدة يمكن أن يطلق عليها مجازاً «الاتفاقيات الإنسانية»، والتي يمكن أن تُنسب إلى مدينة الرياض عاصمة السعودية، ليس باعتبارها بديلاً عن جنيف، بل كونها امتداداً معاصراً لروحها الإنسانية. نريد إطاراً عالمياً يجمع الحكومات، والعلماء، وخبراء القانون، والأخلاقيات، والتقنية، لوضع مبادئ تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الجينية في النزاعات المسلحة، وتحمي الفئات الأكثر ضعفاً من المخاطر الناشئة عن هذه التحولات التكنولوجية المتسارعة.

فإذا كانت جنيف قد منحت العالم قواعد إنسانية للحروب التقليدية في القرن العشرين، فقد يحتاج القرن الحادي والعشرون إلى منصة جديدة تضع حدوداً أخلاقية للحروب التي تخوضها الخوارزميات، وتوجهها البيانات، وتغذيها المعرفة الجينية.

إن المملكة العربية السعودية تمتلك اليوم مقومات فريدة تؤهلها للإسهام في هذا النقاش العالمي. فهي لا تقود مشروعاً تنموياً طموحاً عبر رؤية 2030 فحسب، بل أصبحت أيضاً من الدول الرائدة في مجال حوكمة الذكاء الاصطناعي، وأخلاقياته، وكانت من أوائل الدول التي تبنت أطراً ومبادئ أخلاقية لتنظيم استخدام هذه التقنيات الناشئة، وسعت إلى ترسيخ مفهوم يجعل الإنسان محوراً للتقدم التقني لا ضحيته.

من المسؤول عندما تخطئ الخوارزمية

حماية الفئات الأكثر ضعفاً من التقنيات المدمرة

ولعل العالم يحتاج اليوم إلى مبادئ جديدة توازي في أهميتها المبادئ التي خرجت من جنيف قبل أكثر من قرن ونصف... مبادئ تؤكد أن القرار القاتل يجب أن يبقى تحت مسؤولية بشرية واضحة لا تحت سلطة خوارزمية مجهولة، وأن المستشفيات والمنشآت الصحية يجب أن تحظى بحماية خاصة من الهجمات السيبرانية، وأن الأطفال والفئات الأكثر ضعفاً لا يجوز أن يصبحوا أهدافاً لأنظمة المراقبة، أو الاستهدافات الذكية، وأن أي استخدام للتقنيات الجينية في النزاعات ينبغي أن يخضع لرقابة دولية صارمة، ومعايير أخلاقية متفق عليها عالمياً.

قواعد إنسانية جديدة لعصر الخوارزميات والهندسة الجينية

إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت هذه التحديات ستواجهنا في المستقبل، بل كيف سنتعامل معها وقد بدأت بالفعل. فالعالم الذي نجح في وضع قواعد أخلاقية للحروب التقليدية بعد مآسي القرن العشرين، مدعو اليوم إلى التفكير في قواعد إنسانية جديدة لعصر الخوارزميات، والبيانات، والهندسة الجينية. وليس المطلوب تقييد التقدم العلمي، أو إبطاء الابتكار، بل ضمان أن يبقى التقدم خادماً للإنسان لا متجاوزاً له.

ولهذا ربما لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم: هل ما زلنا بحاجة إلى اتفاقيات جنيف؟ بل هناك سؤال أكثر إلحاحاً: من سيحمي الإنسان عندما تصبح الخوارزمية جندياً، وتصبح البيانات سلاحاً، ويصبح الجين البشري ساحةً جديدة للصراع؟

وربما يكون الوقت قد حان لبدء حوار عالمي جديد، ربما من الرياض، يستلهم روح جنيف ولا ينافسها، ويبحث عن إجابات أخلاقية وقانونية للتحديات التي لم يعرفها القرن الماضي.

فكما أنجبت الحروب الصناعية اتفاقيات جنيف، قد تفرض حروب الخوارزميات والتقنيات الجينية على العالم البحث عن اتفاقيات إنسانية جديدة. وربما لن تسألنا الأجيال القادمة كيف تطور الذكاء الاصطناعي، بل ستسألنا سؤالاً أبسط وأكثر قسوة: هل تحركنا في الوقت المناسب قبل أن تسبقنا التكنولوجيا إلى ساحات لم يصل إليها القانون، ولم تبلغها الأخلاق بعد؟


خريطة الهند الجينية تكشف عن ملايين الطفرات المفقودة

خريطة الهند الجينية تكشف عن ملايين الطفرات المفقودة
TT

خريطة الهند الجينية تكشف عن ملايين الطفرات المفقودة

خريطة الهند الجينية تكشف عن ملايين الطفرات المفقودة

في إنجاز علمي ضخم قد يغيّر مستقبل الطب الوراثي في آسيا والعالم، كشفت أكبر دراسة جينية في تاريخ الهند عن ملايين المتغيرات الوراثية التي لم تكن معروفة سابقاً؛ ما يسلط الضوء على التنوع الجيني الهائل في البلاد ويكشف عن حدود النماذج الطبية المعتمدة بشكل أساسي على البيانات الأوروبية.

مشروع «جينوم الهند»

الدراسة التي جاءت ضمن مشروع «جينوم إنديا» GenomeIndia ونُشرت على موقع MedRxiV في نسخة أولية ولم تخضع لمراجعة الأقران في 24 مارس (آذار) 2026 بقيادة أنالابها باسو من المعهد الوطني لعلم الجينوم الطبي الحيوي (BRIC-NIBMG) والمركز الإقليمي للتكنولوجيا الحيوية (RCB) في الهند، اعتمدت على تحليل الجينوم الكامل لـ9768 شخصاً أصحاء ينتمون إلى 83 مجموعة سكانية مختلفة في الهند.

* 4 ملايين متغير لم تُسجل من قبل في قواعد البيانات العالمية الشهيرة *

وأسفرت النتائج عن اكتشاف ما يقارب 130 مليون متغير جيني، بينها 44 مليون متغير لم تُسجل من قبل في قواعد البيانات العالمية الشهيرة مثل «1000 Genomes» و«gnomAD».

ويقول الباحثون إن النتائج كانت مفاجئة حتى بالنسبة لهم. فقد أوضحت عالمة الأحياء الحاسوبية براتاتي كاهالي من مركز أبحاث الدماغ (CBR) بنغالورو الهند المشاركة بالدراسة، أن الفريق كان يتوقع العثور على طفرات جديدة «لكن حجم الاكتشافات غير المسبوق كان صادماً»، مشيرة إلى أن نسبة كبيرة من المتغيرات المكتشفة لم تكن معروفة للعلم من قبل.

لماذا تُعد هذه الدراسة مهمة؟

لطالما اعتمد الطب الجيني الحديث على قواعد بيانات جُمعت أساساً من أشخاص ذوي أصول أوروبية؛ ما جعل كثيراً من التوقعات الطبية والفحوص الجينية أقل دقة بالنسبة للشعوب الأخرى، خصوصاً في جنوب آسيا وأفريقيا.

وتحاول الهند الآن سد هذه الفجوة من خلال بناء واحدة من أكبر الخرائط الوراثية في العالم مع خطط مستقبلية لتوسيع المشروع ليشمل مليون جينوم بشري، ودراسات خاصة بالأمراض المزمنة والنادرة.

ويرى العلماء أن هذه البيانات قد تفتح الباب أمام تطوير علاجات أكثر دقة وتحسين فهم الأمراض الوراثية وحتى تصميم أدوية تتناسب مع الخصائص الجينية للسكان المحليين.

«التجانس الجيني» نتاج العزلة الوراثية

وكان أحد أكثر الجوانب إثارة في الدراسة هو اكتشاف مستويات مرتفعة من «التجانس الجيني» لدى بعض القبائل الهندية؛ نتيجة قرون من الزواج داخل المجموعة نفسها والعزلة الجغرافية.

هذا النمط يزيد احتمالية انتقال الأمراض الوراثية المتنحية، وهي أمراض تظهر عندما يرث الشخص نسختين معطوبتين من الجين نفسه.

طفرات لأمراض وراثية في المجموعات القبلية

وأظهرت النتائج أن 27 من أصل 29 مجموعة قبلية حملت طفرات مسببة للأمراض بمعدلات ذات أهمية سريرية. ففي إحدى القبائل بجنوب الهند وُجدت طفرة مرتبطة بمرض نادر يُعرف بداء الألكابتونوريا alkaptonuria (مرض وراثي نادر ينتج من طفرة في جين HGD يمكن أن يسبب أضراراً جسيمة للمفاصل والأعضاء) لدى 12.5 في المائة من السكان، رغم أنها غير موجودة تقريباً في قواعد البيانات العالمية المستخدمة حالياً.

ويحذّر الباحثون من أن الفحوص الجينية التقليدية قد تفشل في اكتشاف مثل هذه الطفرات؛ لأنها ببساطة لم تكن معروفة من قبل.

اختلافات جينية في الاستجابة للأدوية

ولم تتوقف الدراسة عند الأمراض الوراثية فقط، بل كشفت أيضاً عن اختلافات جينية تؤثر على استجابة الجسم للأدوية. فعلى سبيل المثال، اكتشف الباحثون انتشار طفرة مرتبطة بمضاعفات التخدير لدى 29 مجموعة سكانية هندية؛ وهو ما قد يدفع الأطباء مستقبلاً إلى تعديل جرعات التخدير وفق الخلفية الجينية للمريض.

كما رصدت الدراسة متغيرات تؤثر على طريقة استقلاب بعض الأدوية النفسية ومسكنات الألم وأدوية السرطان؛ ما يعزز التوجه نحو «الطب الدقيق»، حيث تُصمم العلاجات حسب التركيبة الجينية لكل فرد.

لكن الخبراء يدعون إلى الحذر؛ إذ تؤكد ميرا بوروشوتام، الباحثة في المعهد الوطني للصحة العقلية وعلوم الأعصاب في الهند والتي لم تشارك في الدراسة، أن هذه النتائج واعدة، لكنها لا تزال في حاجة إلى المزيد من الدراسات السريرية قبل اعتمادها بشكل واسع في الممارسة الطبية اليومية.

ما لا نعرفه بعد

ورغم ضخامة المشروع، يشير بعض العلماء إلى أن ما تم تحليله لا يمثل سوى جزء صغير من الصورة الكاملة. فمعظم الأبحاث الحالية تركز على الجينات المسؤولة عن إنتاج البروتينات والتي تشكل نحو 2 في المائة فقط من الجينوم البشري.

أما الـ98 في المائة المتبقية التي كانت تُعدّ سابقاً «حمضاً نووياً غير مهم»، فتضم مناطق تنظيمية معقدة قد تكون مسؤولة عن جزء كبير من الأمراض البشرية.

ويقول الباحثون إن المستقبل الحقيقي لعلم الجينات لن يقتصر على قراءة الجينات نفسها، بل على فهم الطريقة التي تتفاعل بها مع البيئة والغذاء ونمط الحياة وحتى الضغوط النفسية.

ما الذي يعنيه هذا للعالم؟

لا تقتصر أهمية هذه الدراسة على الهند وحدها. فهي تمثل رسالة واضحة إلى المجتمع العلمي العالمي بأن الاعتماد على نموذج جيني أوروبي لفهم صحة البشر لم يعد كافياً. فكل مجتمع يحمل تاريخه الوراثي الخاص ومعه مخاطر صحية واستجابات دوائية مختلفة. ومن دون تمثيل أوسع للشعوب في قواعد البيانات الجينية قد يبقى ملايين الأشخاص خارج دائرة الطب الدقيق الحديث.

ومع استمرار التقدم في تقنيات تحليل الجينوم يبدو أن العالم يتجه نحو عصر تصبح فيه الخريطة الوراثية جزءاً أساسياً من الرعاية الصحية لا لتشخيص الأمراض فقط، بل للتنبؤ بها ومنعها قبل ظهورها.