واجهة الدماغ - الكمبيوتر تعيد «الصوت» لمرضى التصلّب الجانبي الضموري

تقنية «الأولى من نوعها» تُمكِّن عاجزاً عن النطق من «التحدّث» في الزمن الحقيقي

ساعدت الأقطاب المزروعة في هذه المنطقة على تسجيل نشاط الدماغ (ساينس فوتز)
ساعدت الأقطاب المزروعة في هذه المنطقة على تسجيل نشاط الدماغ (ساينس فوتز)
TT

واجهة الدماغ - الكمبيوتر تعيد «الصوت» لمرضى التصلّب الجانبي الضموري

ساعدت الأقطاب المزروعة في هذه المنطقة على تسجيل نشاط الدماغ (ساينس فوتز)
ساعدت الأقطاب المزروعة في هذه المنطقة على تسجيل نشاط الدماغ (ساينس فوتز)

يُعدّ الكلامُ من أثمن القدرات البشريّة؛ فهو الوسيلة الأولى التي نُعبِّر بها عن أفكارنا ومشاعرنا، ونبني بها علاقاتنا الاجتماعيّة، ونمارس بها أدوارنا المهنيّة والأسريّة. ومنذ لحظة ارتقاء الطفل إلى نطقِ أولى كلماته، يتشكّل لديه «صوتٌ» يلازمه باعتبار أنه جزء أصيل من هويّته؛ يميّزه ويعكس انفعالاته الدقيقة عبر النبرة، والإيقاع، والتجويد.

فقدان الكلام

وحين يفقد الإنسان هذه القدرة، لا يخبو صوته فحسب، بل يخسر بوابته الفوريّة للتواصل، فيتعرّض لعزلةٍ نفسيّةٍ قد تتفاقم إلى اكتئابٍ حادّ، واضطراباتِ قلقٍ، وتقلّ جودة حياته وحياة من حوله الذين يجدون صعوبةً في «سماع» الشخص كما اعتادوا عليه.

هذه الفئة من المرضى تتشارك في معاناة مزدوجة من المرض العضال ذاته، وضياع الصوت باعتبار أنه رمز للحضور الإنساني. لذا تُعَدّ التقنيات المساعدة، وعلى رأسها التقنية الجديدة الفريدة من نوعها «واجهة الدماغ-الكومبيوتر (Brain-Computer Interface -BCI)، شريان أملٍ لإعادة بناء مسارات التواصل، ومنح المرضى نافذةً جديدةً للعالم من حولهم.

التجربة الإكلينيكية لواجهة الدماغ - الكمبيوتر على مريض بالتصلب الجانبي الضموري (جامعة كاليفورنيا-ديفيس)

وهذا ما يستكشفه المقال التالي بالتفصيل من خلال أحدث ابتكارٍ بحثي أُجري في جامعة كاليفورنيا – ديفيس، وتم الإفصاح عنه في مؤتمر صحافي عقدته الجامعة الأسبوع الماضي في يوم 12 يونيو (حزيران) 2025.

ولفقدان الكلام أسبابٌ عديدة، تتراوح بين إصاباتٍ حادّة، وأمراضٍ تنكُّسية مزمنة. يأتي على رأسها:

التصلّب الجانبي الضموري (ALS)، الذي يصيب الخلايا العصبيّة الحركيّة تدريجيّاً، فيشلّ العضلات المسؤولة عن النطق والتنفس.

-السكتة الدماغيّة، خصوصاً التي تصيب جذع الدماغ، أو القشرة الحركيّة للنطق.

-متلازمة الانحباس (Locked-in Syndrome)، الناتجة عن أذيّات جذعية؛ يُحافظ المريض على وعيه، ولكنه يفقد السيطرة على معظم عضلاته الإراديّة، بما في ذلك آليات النطق.

-الشلل الرعّاشي المتقدّم (Advanced Parkinson’s disease)، وما يصاحبه من عسر نُطق، وحركة بُطئيّة للسان والحنجرة.

-التصلّب المتعدد (MS) في مراحله المتأخّرة، حين تتضرّر المسارات العصبيّة التنسيقيّة اللازمة لإنتاج الصوت المتناسق.

-أورام الحنجرة، وأورام قاعدة الجمجمة التي تستلزم استئصال الحنجرة، أو تُلحق أذيّةً بالجهاز العصبي القحفي.

-إصابات الدماغ الرضّية الشديدة، وتمزّقات الأعصاب القحفيّة.

أبحاث وابتكارات

• أهمية البحث. يُعدّ فقدان القدرة على الكلام من أكثر الأعراض قسوة لدى المصابين بمرض التصلّب الجانبي الضموري (Amyotrophic Lateral Sclerosis (ALS))، على وجه التخصيص، إذ يَبقى الوعي سليماً، بينما يُحبَس المريض داخل جسده بلا وسيلة تواصل فعّالة.

في 12 يونيو (حزيران) 2025، كشفت جامعة كاليفورنيا – ديفيس عن نظام واجهة دماغ-كومبيوتر (BCI) جديد يُحوِّل نشاط الدماغ مباشرة إلى صوت مسموع بزمن تأخير لا يتجاوز 40 ملّي ثانية، ما يقترب من الزمن الذي يسمع فيه الإنسان صوته الطبيعي (health.ucdavis.edu).

وقد تطوّرت هذه التقنية السريعة (BCI) مع الزمن، من أنظمةٍ تكتفي بتحريك مؤشّر أو طباعة نص بطيء، إلى نماذج تنطق كلمات بسرعة 15–20 كلمة/دقيقة، وصولاً اليوم إلى توليف صوت فوري يحاكي المسار الصوتي البشري، ويحافظ على النبرة والإيقاع، واجهةٌ تبشِّر بإعادة القدرة على إجراء محادثات فورية للأشخاص الذين فقدوا النطق بسبب حالات عصبية. نشرت هذه الدراسة في مجلة نيتشر (nature.com).

• تصميم التجربة الإكلينيكية للدراسة (BrainGate2). تم تصميم تجربة إكلينيكية خاصة لهذه الدراسة في مركز الصحة لجامعة كاليفورنيا، حيث شارك فيها رجل خمسيني مصاب بمرض التصلّب الجانبي الضموري، غير قادر على النطق، تم استخدام جهاز واجهة الدماغ-الكومبيوتر المكون من 4 صفائف من الأقطاب الميكروية (ميكروإلكترودية) -96 قطباً لكل منها، مزروعة في قشرة بروكا بالدماغ (Broca's area)، وهي المسؤولة عن توليد الكلام.

وقال المؤلف الرئيس للدراسة، والأستاذ في قسم الجراحة العصبية بجامعة كاليفورنيا ديفيس، المشارك في إدارة مختبر الأطراف العصبية بالجامعة، الدكتور سيرغي ستافيسكي (Sergey Stavisky): لقد أَتـاح نظامُ (BCI) لهذا المريض المصاب بـ(ALS) أن «يتحدّث» مع أسرته عبر الحاسوب في الزمن الحقيقي، ويغيّر نبرة صوته، بل ويُغنّي ألحاناً بسيطة. وأضاف: إنّ التخليق الصوتي اللحظي الجديد يُشبه إجراء مكالمة صوتية مباشرة. ومع التخليق الصوتي الفوري، سيتمكّن مستخدمو هذه الأطراف العصبية من الاندماج في المحادثة بشكل أكبر؛ فعلى سبيل المثال يستطيعون المقاطعة، كما يصبح الآخرون أقلَّ احتمالاً أن يقاطعوهم عن غير قصد.

الدكتور سيرغي ستافيسكي

فك شفرة الإشارات الدماغية

كان فك شفرة الإشارات الدماغية هو جوهر هذه التقنية، وعليه طُلب من المشارك محاولة نطق جُمل. وقامت الصفائف بتسجيل متزامن للإشارات العصبية ومخرجات النطق المتوقَّعة، وإرسالها إلى حواسيب تعيد بناء الصوت من تلك الإشارات.

وأوضحت الباحثة الرئيسة، عالمة المشاريع البحثية بمختبر تقنيات الأطراف العصبية، الدكتورة ميتري ويراغكار (Maitreyee Wairagkar) أن الخوارزمية المستخدمة كانت تربط النشاط العصبي بالأصوات المقصودة في كل لحظة، ما يتيح توليد الفروق الدقيقة، ومنح المشارك تحكّماً في إيقاع صوته الاصطناعي، وإصدار «كلام فوري وحيوي بفضل واجهة الدماغ-الكومبيوتر »، حيث كانت الواجهة تحوِّل إشارة الدماغ إلى كلام مسموع خلال جزء من أربعين جزءاً من الثانية -وهو تأخير يُعادل تقريباً الوقت الذي يستغرقه الإنسان ليسمع صوته الطبيعي.

الدكتورة ميتري ويراغكار

وقد دُرِّبت خوارزميات النظام باستخدام بيانات جُمِعت حين طُلب من المشارك محاولة نطق جُمل معروضة على الشاشة؛ ومقارنة نمط إطلاق مئات الخلايا العصبية بالأصوات المستهدفة لحظة بلحظة، ما مكَّن الخوارزمية من إعادة بناء الصوت اعتماداً على الإشارات العصبية فحسب. أتاح ذلك:

-نطق كلمات جديدة لم تُدرَّب عليها الخوارزمية.

-إدخال تعليقات سريعة أثناء الحوار.

-تغيير نبرة الصوت لطرح الأسئلة، أو التشديد على كلمات محددة.

-أداء ألحان موسيقية قصيرة بتغيير طبقة أو نغمة الصوت.

وبلغت نسبة فهم المستمعين للكلام المُولَّد آنياً قرابة 60 في المائة مقابل 4 في المائة من دون استخدام الواجهة (BCI).

آمال وتحديات

• تجربة إكلينيكية واعدة. قال الدكتور ديفيد براندمان (David Brandman)، الباحث الرئيس المسؤول عن التجربة الإكلينيكية (BrainGate2) المدير المشارك لمختبر الأطراف الصناعية العصبية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، أستاذ مساعد في قسم جراحة الأعصاب والجراح الذي أجرى عملية زرع الأقطاب للمريض المشارك إن الصوت هو جزء أساسي من هويتنا، وفقدانه مدمِّر. وعدم القدرة على التحدث يمثل ضربة مدمرة للأشخاص الذين يعيشون مع حالات عصبية. وأضاف أن نتائج هذا البحث تبعث الأمل في الأشخاص الذين يرغبون في التحدث، ولكن لا يستطيعون، لقد أظهرنا كيف تمكن رجل مُصاب بالشلل عاجز عن التحدث من استخدام نسخة مُولَّدة من صوته.

الدكتور ديفيد براندمان

وهذه التقنية قد تكون تكنولوجيا تحولية للأشخاص الذين يعيشون مع الشلل. هناك إمكانية لتوسيع هذه التقنية لمرضى السكتة الدماغية، أو إصابات الحبل الشوكي، واستخدام لغات متعددة عبر نماذج لغوية ضخمة.

• محدودية الدراسة الحالية. رغم النتائج المبشّرة، لا تزال واجهات الدماغ-الكومبيوتر في مراحلها المبكرة؛ وقد أُجريت الدراسة على مشارك واحد فقط مصاب بالتصلب الجانبي الضموري. ومن الضروري تكرار الدراسة على مجموعات أكبر، وأكثر تنوّعاً، ومن حالات فقدان نطق أخرى مثل السكتة الدماغية، كما أن حماية الإشارات العصبية الحساسة تتطلّب تشفيراً ومصادقة متقدمة.

ختاماً، تمثّل هذه التقنية الحديثة والفريدة ابتكاراً ونقلةً نوعيّةً في ميدان التأهيل العصبي، إذ تضع الأساس لواجهات تواصل فورية تعيد لمن فقدوا أصواتهم القدرة على الحوار، والمشاركة المجتمعية بكرامة. ورغم أنّ التقنية لا تزال في طورها التجريبي، وتتطلّب دراساتٍ سريريةً أوسع، واعتماداً تنظيميّاً صارماً، فإنّ مؤشّراتها المبكرة تبعث على التفاؤل؛ فقد بات الأمل في استعادة الصوت والحضور أقرب من أيّ وقتٍ مضى لآلاف المرضى حول العالم. إنّ مواصلة الأبحاث متعددة التخصّصات، وتطوير الأجهزة بأمان وكفاءة، وتوفيرها بتكلفة ميسورة ستُحوّل هذا الأمل إلى واقع ملموس يُغيّر حياة المرضى وأُسرهم تغييراً جذرياً.

توليف صوت فوري يحاكي المسار الصوتي البشري

ما مرض التصلب الجانبي الضموري؟

التصلب الجانبي الضموري (Amyotrophic Lateral Sclerosis (ALS))، المعروف أيضاً باسم داء لو غيريغ (Lou Gehrig’s)، هو مرض عصبي تنكسي يصيب خلايا العصب الحركي في الدماغ والنخاع الشوكي، ما يؤدي إلى ضعف عضلي تدريجي، وفقدان السيطرة على الحركة، والكلام، والبلع، والتنفس.

ويؤثر هذا المرض على 2–5 أفراد لكل 100000 نسمة سنوياً، غالباً بين أعمار 40 و70 سنة. أما عن متوسط مدة البقاء بعد التشخيص، فإنه يتراوح عادة من 3 إلى 5 سنوات، مع تحسن طفيف أخيراً ليصبح نحو 4 سنوات. وغالبية المرضى (90–95 في المائة) يعتبرون حالات متفرقة، دون وجود سبب وراثي معروف. ونحو 5–10في المائة منها وراثية، ترتبط بطفرات جينية مثل SOD1 أو C9orf72.

ويتميز المرض بالخصائص التالية:

- ضعف العضلات وتقلصاتها في الأطراف، الوجه، أو اللسان.

- صعوبة في الكلام والبلع.

- زيادة درجة الانفعالات (كالبكاء أو الضحك غير الطوعي).

- فقدان تدريجي للقدرة الحركية.

أما التشخيص، فيتم تأكيده عبر الفحص العصبي، وتخطيط كهربائي للعضلات، وفحوصات أخرى لاستبعاد أمراض مشابهة. ويتم دعم المرضى المصابين من خلال تجميع الفرق الطبية المتخصصة (خلايا عصبية، جهاز تنفسي، تغذية، علاج طبيعي...)، مما يحسن نوعية الحياة.

ويشمل العلاج:

- أدوية حالية: ريلوزول (Riluzole) وإدارافون (Edaravone)، يساعدان في إبطاء تقدم المرض لبضعة أشهر.

- أدوية حديثة: كالسودي (Qalsody) هو أول دواء مستهدف لطفرات SOD1، وحصل على موافقة FDA وEMA، ويغطيه نظام Medicare الخاص في الولايات المتحدة.

- أدوية تجريبية واعدة:

+إنترلوكين (Interleukin‑2) بجرعة منخفضة يُظهر إبطاء لتدهور الحالة، وزيادة في العمر في تجارب MIROCALS.

+عقار جيني: (Gene therapy AMT‑162) يستهدف طفرة SOD1 في تجارب أولية.

+فوسيقوتيفاتور (Fosigotifator) وسوتوليتينيب (Sotuletinib)، (ABBV‑CLS‑7262): هي عقاقير في مراحل مبكرة من التجارب.

+بريدوبيدين (Pridopidine) يحسن الاتصال العصبي العضلي ويُجرب سريرياً.

+برامج بحثية أخرى مثل CTX‑1000 في أستراليا تستهدف بروتين TDP‑43.

إن التصلب الجانبي الضموري (ALS) هو مرض تقدمي متواصل، حالياً بلا علاج شافٍ، لكن هناك تقدم واضح في التخفيف من الأعراض، وإبطاء تطور المرض. العلاجات المستقبلية المذكورة أعلاه، من الجينات إلى الأدوية المناعية والجزيئية، تفتح آفاقاً جديدة لتعزيز جودة حياة المرضى وإطالة أمد بقائهم.

*استشاري طب المجتمع.


مقالات ذات صلة

باحثون: فيروس «إيبولا» يظل على قيد الحياة في الدماغ لعدة أشهر

صحتك 
أنبوبة لاختبار فيروس «إيبولا«

باحثون: فيروس «إيبولا» يظل على قيد الحياة في الدماغ لعدة أشهر

جرى رصد فيروس إيبولا المعدي في السائل المنوي لعدة أشهر أو حتى عام بعد الإصابة، كما يمكنه البقاء في الجهاز العصبي المركزي لا سيما الدماغ، حسبما أوضح باحثون.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ)
شمال افريقيا أطباء داخل مستشفى القصر العيني بالقاهرة (مستشفى القصر العيني)

«أزمة الشاطبي» تشعل الجدل حول «تجاوزات» المستشفيات العامة في مصر

يتصاعد الجدل في مصر حول «التجاوزات الأخلاقية» التي تتعرض لها النساء من بعض أفراد الطواقم الطبية خلال خضوعهن لعمليات الولادة.

رحاب عليوة (القاهرة)
صحتك قياس العمر البيولوجي قد يُنبئ باحتمالات الإصابة بالخَرَف

قياس العمر البيولوجي قد يُنبئ باحتمالات الإصابة بالخَرَف

سلطت دراسة إكلينيكية جديدة الضوء على أن الأشخاص الذين يزيد عمرهم البيولوجي عن عمرهم الزمني يكونون أكثر عرضة للإصابة بالخرف، وقد تظهر عليهم أعراض ذلك في سن مبكرة

د. حسن محمد صندقجي (الرياض)
صحتك حمية البحر المتوسط تخفف أعراض القلق لدى المراهقين

حمية البحر المتوسط تخفف أعراض القلق لدى المراهقين

كشفت دراسة حديثة لباحثين من جامعة أرسطو بتسالونيكي، عن احتمالية أن يؤدي اتباع حمية البحر المتوسط الغذائية إلى تخفيف حدة أعراض القلق لدى المراهقين.

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك وسائل متكاملة لتحسين جودة الرعاية القلبية

وسائل متكاملة لتحسين جودة الرعاية القلبية

في وقت تتزايد فيه أعباء أمراض القلب، والأوعية الدموية، بل وتتصدر أسباب الوفاة عالمياً، يواصل العلم البحث عن وسائل أكثر كفاءة وإنسانية للوقاية، والعلاج.

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)

باحثون: فيروس «إيبولا» يظل على قيد الحياة في الدماغ لعدة أشهر


أنبوبة لاختبار فيروس «إيبولا«
أنبوبة لاختبار فيروس «إيبولا«
TT

باحثون: فيروس «إيبولا» يظل على قيد الحياة في الدماغ لعدة أشهر


أنبوبة لاختبار فيروس «إيبولا«
أنبوبة لاختبار فيروس «إيبولا«

سلطت تجارب معملية ‌جديدة الضوء على كيفية بقاء فيروس إيبولا في الجسم دون أن يلاحَظ لعدة أشهر أو حتى سنوات بعد الإصابة الأولية، وهو ​أمر ينطوي على احتمال حدوث انتكاسة.

وجرى رصد فيروس إيبولا المعدي في السائل المنوي لعدة أشهر أو حتى عام بعد الإصابة، كما يمكنه البقاء في الجهاز العصبي المركزي لا سيما الدماغ، حسبما أوضح الباحثون في مناقشتهم لدراستهم المنشورة في مجلة «نيتشر ميكروبيولوجي».

ويرجع هذا إلى أن الخصيتين، مصدر السائل المنوي، والجهاز العصبي المركزي يعتبران «منطقة ‌ذات امتياز ‌مناعي»، مما يعني أن الجهاز المناعي ​يتفاعل ‌بطريقة ⁠ضعيفة ​في هذه ⁠المناطق من أجل حماية الأنسجة الحساسة. ونتيجة لذلك، لا يمكنه دائما القضاء على الفيروس تماما.

ولمعرفة المزيد، قام الباحثون ببرمجة خلايا جذعية بشرية لتنمو إلى ما يسمى الأورغانويدات الدماغية، وهي هياكل كروية تشبه الدماغ وتتكون من خلايا الجهاز العصبي المركزي.

وخلص الباحثون إلى أن فيروس إيبولا ⁠أصاب أنواعا متعددة من الخلايا في الأورغانويدات ‌الدماغية واستطاع التكاثر لمدة ‌تصل إلى 120 يوما.

وكان الفيروس قادرا على ​الانتشار في الأورغانويدات الدماغية بطريقتين: ‌مباشرة من خلية مصابة إلى خلية مجاورة، ‌وعن طريق التبرعم من الخلية المضيفة وهي الطريقة الكلاسيكية لانتشار الفيروس.

وقالت لينا فيدرشبيك رئيسة فريق الدراسة في معهد علم الأحياء الدقيقة التابع للجيش الألماني في ميونيخ في بيان «تتيح لنا ‌هذه الأورغانويدات الدماغية دراسة الآليات التي يستخدمها فيروس إيبولا والفيروسات الفيلوية الأخرى للبقاء في الجهاز ⁠العصبي ⁠المركزي البشري بالتفصيل».

وأضافت «من خلال التجارب التي تجرى على هذا النموذج، يمكننا الحصول على رؤى تساعدنا على تحسين فهمنا للآثار طويلة المدى، مثل الالتهاب الحاد والمميت أحيانا الذي يلاحَظ لدى الناجين من مرض فيروس إيبولا المصابين بالتهاب السحايا والدماغ».

وعند دراسة الأورغانويدات المصابة، اكتشف الباحثون طفرات جينية ربما تساعد الفيروس على البقاء كامنا دون أن يتم اكتشافه، بما في ذلك بعض الطفرات التي لم يسبق تناولها لدى الناجين من فيروس إيبولا.

ودعا الباحثون ​إلى إجراء مزيد ​من الدراسات، خاصة حول السلالات الأقل فهما مثل فيروس بونديبوجيو الذي يتسبب في التفشي الحالي للمرض في أفريقيا.


قياس العمر البيولوجي قد يُنبئ باحتمالات الإصابة بالخَرَف

قياس العمر البيولوجي قد يُنبئ باحتمالات الإصابة بالخَرَف
TT

قياس العمر البيولوجي قد يُنبئ باحتمالات الإصابة بالخَرَف

قياس العمر البيولوجي قد يُنبئ باحتمالات الإصابة بالخَرَف

سلطت دراسة إكلينيكية جديدة الضوء على أن الأشخاص الذين يزيد عمرهم البيولوجي عن عمرهم الزمني يكونون أكثر عرضة للإصابة بالخرف، وقد تظهر عليهم أعراض ذلك في سن مبكرة.

واستخدمت الدراسة «ساعة الشيخوخة الأيضية»، القائمة على تحليل الدم، في تحديد الأشخاص المعرضين للخطر قبل ظهور الأعراض. وهو بالتالي يُعطي أهمية لدعم استراتيجيات الوقاية المبكرة.

الشيخوخة البيولوجية والأخطار الوراثية

وأشارت النتائج إلى أن الأفراد الذين يعانون من تسارع الشيخوخة البيولوجية وعوامل الخطر الوراثية، قد يكونون أكثر عرضة للإصابة بالخرف بـ10 أضعاف. كما أشارت النتائج إلى أن الأشخاص الذين تجاوز عمرهم البيولوجي Biological Age (Physiological Age)، عمرهم الزمني Chronological Age (Calendar Age)، كانوا أكثر عرضة للإصابة بالخرف، وخصوصاً الخرف الوعائي Vascular Dementia (الناجم عن آفات الأوعية الدموية الدماغية)، وكانوا يميلون إلى الإصابة بهذه الحالة في سن أصغر.

وكانت البحوث السابقة قد أشارت بشكل متزايد إلى أن ارتفاع العمر البيولوجي، المعروف بتسارع العمر البيولوجي، قد يكون مؤشراً موثوقاً لبداية مرض الخرف لدى الشخص.

والآن، تشير الدراسة الجديدة لباحثين من جامعة «كينغز كوليدج لندن» في المملكة المتحدة، إلى أن قياس العمر البيولوجي، عن طريق تحليل الدم، قد يساعد في تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالخرف قبل ظهور الأعراض الإكلينيكية عليهم.

ونُشرت هذه الدراسة الممولة من مركز «مودسلي» للبحوث الطبية الحيوية التابع للمعهد الوطني للبحوث الصحية، في عدد مايو (أيار) الماضي من «مجلة ألزهايمر والخرف» (Alzheimer’s & Dementia) لسان حال جمعية ألزهايمر الأميركية. وكانت بعنوان «الشيخوخة الأيضية في منتصف العمر تتنبأ بحدوث الخرف الوعائي، والخرف غير المحدد، والخرف بجميع أسبابه».

وبالعموم، تصف ساعات الشيخوخة البيولوجية أدواتٍ تُحلل البيانات الجزيئية (Molecular Data) لتقدير العمر البيولوجي للشخص. وفي هذه الدراسة، استخدم الباحثون «ساعة شيخوخة أيضية» لتحليل المستقلبات (Metabolites) أو الجزيئات الصغيرة التي تُنتَج خلال عملية أيض التمثيل الغذائي للتفاعلات الكيميائية الحيوية، التي يُمكن الكشف عنها في بلازما الدم. وقد رُبطت التغيرات في هذه المستقلبات سابقاً بالأمراض المرتبطة بالتقدم في السن والوفاة المبكرة.

وقال الباحثون: «ولتقييم ساعة الشيخوخة الأيضية (MileAge) تم قياس المؤشرات الحيوية الأيضية باستخدام الرنين المغناطيسي النووي (NMR) في عينات بلازما الدم دون صوم. وقامت منصة (نايتنغيل هيلث) Nightingale Health، بقياس 168 مستقلباً بوحدات تركيز مطلقة باستخدام بروتوكول موحد. وقمنا بتطوير ساعة أيضية مدربة على العمر الزمني، وتم تجميع تنبؤات العمر على مستوى الأفراد. وتم تعريف دلتا العمر الأيضي (MileAge) على أنه الفرق بين العمر المتوقع بناءً على المستقلبات والعمر الزمني؛ حيث تشير القيم الموجبة إلى نمط شيخوخة بيولوجية أكبر».

وباستخدام عينات دم من أكثر من 220 ألف مشارك في قاعدة بيانات البنك الحيوي البريطاني، قام فريق البحث بحساب العمر البيولوجي لكل فرد ومقارنته بعمره الزمني.

وأشار الفرق الناتج الذي يُسمى «فرق العمر الزمني» (MileAge Delta) إلى ما إذا كان الشخص يشيخ بشكل أسرع أو أبطأ من المتوقع.

الخرف الوعائي

وخلال فترة الدراسة، أصيب نحو 4 آلاف مشارك بالخرف. وأشارت التحليلات إلى أن الأشخاص الذين تجاوز عمرهم البيولوجي عمرهم الزمني بأكثر من انحراف معياري واحد، والذين شكَّلوا حوالي 16 في المائة من المشاركين، كانوا أكثر عرضة بنسبة 20 في المائة للإصابة بالخرف مع مرور الوقت، مقارنة بالأشخاص الأصغر سناً بيولوجياً. وكان هذا الخطر أكثر وضوحاً في حالة الخرف الوعائي؛ حيث ارتبط تسارع الشيخوخة البيولوجية بزيادة احتمالية الإصابة بالمرض بنسبة 60 في المائة.

وأفاد الباحث الرئيس للدراسة، الدكتور جوليان موتز الباحث في الجامعة، قائلاً: «لم أتفاجأ بالارتباط الوثيق بالخرف الوعائي. ويعكس هذا جزئياً نوع البيانات المستخدمة لتطوير ساعة (MileAge) الأيضية. فالمستقلبات التي تقيسها منصة (نايتنغيل هيلث) الأيضية هي في الغالب دهون وبروتينات دهنية (Lipoproteins)، وهي جزيئات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بصحة القلب والأوعية الدموية والتمثيل الغذائي. لذلك، ليس من المستغرب أن تكون الساعة حساسة بشكل خاص لمخاطر الأوعية الدموية، وبالتالي للخرف الوعائي».

وصحيح أن الشيخوخة بالعموم هي أقوى عامل خطر معروف للإصابة بالخرف، إلا أن بعض المتغيرات الجينية قد تزيد من هذا الخطر. وتشير البحوث إلى أن الأفراد الذين يحملون نسختين من متغير «APOE4» هم الأكثر عرضة للإصابة بالخرف. وقد اكتشف الباحثون أن دمج بيانات الشيخوخة البيولوجية مع عوامل الخطر الجينية يُحسِّن بشكل كبير من دقة التنبؤات بمخاطر الإصابة بالخرف. وعلى وجه التحديد، كان الأفراد الذين يعانون من شيخوخة بيولوجية متقدمة، والذين يحملون أيضاً نسختين من جين «APOE4» أكثر عرضة للإصابة بالخرف بما يصل إلى 10 أضعاف مقارنة بالمشارك العادي في الدراسة.

وعلَّق الدكتور موتز قائلاً: «إن الرقم 10 أضعاف مذهل، ولكن من المهم فهم أسبابه؛ إذ يزيد (APOE4) بشكل كبير من خطر الإصابة بالخرف، وهو بالفعل أقوى عامل خطر جيني. وما تضيفه ساعتنا الأيضية هو عامل خطر إضافي غير جيني. ومع أن الزيادة بمقدار 10 أضعاف تُعدُّ كبيرة جداً، فإنها تعكس اجتماع عامل خطر وراثي قوي مع مؤشر للشيخوخة البيولوجية. والأهم من ذلك أن هذين المصدرين للخطر يُكمِّل أحدهما الآخر. وعلى عكس الخطر الوراثي، فإن الشيخوخة الأيضية قابلة للتعديل من خلال تغيير نمط الحياة أو التدخلات الطبية».

ولكن رغم كل ما تقدَّم، قد لا يكون خطر الإصابة بالخرف حتمياً. ومع أن التقدم في السن والتغيرات الجينية من عوامل الخطر المعروفة للخرف، أكَّد الباحثون أنه ليس مرضاً لا مفر منه.

ووفق نتائج كثير من الدراسات الإكلينيكية، أشارت التقديرات السابقة إلى إمكانية تأخير أو درء حوالي 45 في المائة من حالات الخرف عالمياً، وذلك من خلال معالجة عوامل الخطر القابلة للتعديل، مثل صحة القلب والأوعية الدموية، والتدخين، والنظام الغذائي، وممارسة الرياضة، والعزلة الاجتماعية.

وكانت لجنة «لانسيت» المعنية بالخرف قد حددت 14 عامل خطر قابلاً للتعديل، تُشكل مجتمعة ما يقرب من 45 في المائة من حالات الخرف في جميع أنحاء العالم. ومن العوامل ذات الصلة بالدراسة الحديثة، العمل على خفض مستوى الكوليسترول الضار (LDL)، نظراً لتأثير نواتج الأيض على الساعة البيولوجية. وإضافة إلى ذلك، تدعم الأدلة جدوى زيادة النشاط البدني، والإقلاع عن التدخين، والحفاظ على علاقات اجتماعية إيجابية، واستخدام سماعات الأذن الطبية لمن لديهم ضعف السمع.

ولذا قال الدكتور جوليان موتز: «الرسالة الأساسية هي أن خطر الإصابة بالخرف لا يتحدد بالعوامل الوراثية وحدها. فجزء كبير من هذا الخطر غير وراثي، وبالتالي يُمكن تعديله. وهذا يعني أن هناك أموراً يُمكن للأفراد القيام بها (مثل إدارة التعامل الصحي مع عوامل خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، والحفاظ على النشاط البدني، والاهتمام بالصحة النفسية) والتي قد تُبطئ الشيخوخة البيولوجية، وتُقلل من خطر إصابتهم بالخرف وغيره من الأمراض المرتبطة بالتقدم في السن».

تسارع الشيخوخة البيولوجية وعوامل الخطر الوراثية تعرِّض لخطر الإصابة بالخرف بـ10 أضعاف

بين العمر الزمني والعمر البيولوجي 

 العمر الزمني هو ببساطة عدد السنوات التي عاشها الشخص بالضبط وفقًا للتقويم (العدد الدقيق للسنوات والأشهر والأيام التي انقضت منذ تاريخ ميلادك). ومعدل التقدم في العمر الزمني ثابت وغير قابل للتغيير. فهو يتقدم بنفس المعدل تمامًا للجميع. 

وفي المقابل يشير العمر البيولوجي إلى مدى كفاءة وظائف جسمك وشيخوخته على مستوى خلايا الجسم، وهو ما قد يختلف تمامًا عن مقدار العمر وفق أرقام التقويم. ومعدل التقدم في العمر البيولوجي شيء متغير، إذْ قد يتسارع أو يتباطأ بناءً على جيناتك، ونمط حياتك، وبيئتك. ولذا يُستخدم في علم وطب للتنبؤ بمخاطر الأمراض، وقياس تلف الخلايا، وتوجيه استراتيجيات الصحة الوقائية. 

وللتوضيح، فان العمر البيولوجي هو مقياس لمدى سرعة شيخوخة خلايا الشخص، بغض النظر عن عمره الفعلي أو عمره الزمني. وهو  يُقدّر عمر الشخص من خلال قياس المؤشرات الحيوية، ويمكن أن يُمثل الحالة الصحية العامة للفرد. ولذا فإن العمر البيولوجي هو مقياس لمدى سرعة شيخوخة خلايا الشخص، بغض النظر عن عمره الزمني. وفي حين يتقدم العمر الزمني لنا جميعاً باستمرار، إلاّ أننا نختلف في مقدار العمر البيولوجي، حيث قد يكون بعضنا أصغر أو أكبر من العمر الزمني، وذلك تبعًا لعوامل مستوى الصحة لدى كل شخص ومدى تبني ممارسة سلوكيات نمط الحياة الصحية. 

ويُفسّر التباين بين الزمن الزمني والشيخوخة البيولوجية سبب اختلاف شيخوخة بعض الأشخاص عن غيرهم. 

ولمزيد من التوضيح، تخيل العمر الزمني كتاريخ صنع السيارة، والعمر البيولوجي كحالة محركها الحالية. وكثيراً ما نرى سيارتين صُنعتا في نفس العام قبل 10 سنوات مثلاً، وحالة إحداهما "كأنها جديدة" والأخرى بالكاد قادرة على تلبية الاحتياجات البسيطة في التنقل داخل المدينة.  

ولذا، في حين لا يمكننا تغيير تاريخ ميلادنا، إلاّ أنه يمكننا في كثير من الأحيان إبطاء العمر البيولوجي أو عكسه جزئيًا من خلال عوامل يمكننا التحكم بها، مثل: 

 -النظام الغذائي ومكونات التغذية. 

 -ممارسة الرياضة بانتظام. 

-إدارة التوتر.  

-جودة النوم. 

 


حمية البحر المتوسط تخفف أعراض القلق لدى المراهقين

حمية البحر المتوسط تخفف أعراض القلق لدى المراهقين
TT

حمية البحر المتوسط تخفف أعراض القلق لدى المراهقين

حمية البحر المتوسط تخفف أعراض القلق لدى المراهقين

كشفت دراسة حديثة لباحثين من جامعة أرسطو بتسالونيكي (Aristotle University Thessaloniki) في اليونان، نُشرت في نهاية شهر مايو (أيار) من العام الحالي في مجلة التغذية (Nutrients)، عن احتمالية أن يؤدي اتباع حمية البحر المتوسط الغذائية إلى تخفيف حدة أعراض القلق لدى المراهقين.

من المعروف أن حمية البحر المتوسط هي نظام غذائي يعتمد على المطبخ التقليدي للدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط. وعلى الرغم من عدم وجود تعريف موحد لهذه الحمية، فإنها تتميز بالغذاء الصحي، الذي يحتوي بشكل أساسي على الخضراوات والفاكهة والحبوب الكاملة والمكسرات والبقوليات وزيت الزيتون والأسماك.

أوضح الباحثون أن اتباع الحمية خلال فترة المراهقة ارتبط بشكل واضح بانخفاض القلق المتعلق بالرهاب الاجتماعي وقلق الخوف من الانفصال، كما أن الأمهات اللواتي اتبعن نفس النظام الغذائي خلال فترة الحمل أنجبن أيضاً أطفالاً أقل احتمالية للإصابة بالقلق بشكل عام حينما أصبحوا مراهقين.

ضغوط المراهقة النفسية

من المعروف أن فترة المراهقة تُعد من أهم الفترات في حياة الإنسان، التي تحدث فيها مجموعة من التغيرات البيولوجية والنفسية والاجتماعية، في الأغلب تسبب ضغوطاً نفسية كبيرة على المراهقين، وبشكل خاص اضطراب القلق، ويمكن أن تستمر هذه الضغوط النفسية لفترات طويلة، مسببة مشكلات طويلة الأمد، تؤثر بالسلب على الإنسان طوال حياته إذا لم يتم علاجها.

وأثبتت الدراسات النفسية السابقة أن تغيير العديد من عوامل الحياة القابلة للتعديل، بما في ذلك اتباع نظام غذائي صحي، يمكن أن يؤثر بشكل كبير على الصحة النفسية للمراهقين. ويرتبط الالتزام بحمية البحر الأبيض المتوسط باستمرار، بانخفاض خطر الإصابة بالاكتئاب وتحسين الصحة النفسية.

هدف الباحثون في الدراسة الحالية إلى فهم تأثير اتباع الحمية على مجموعة من أعراض القلق، والصعوبات السلوكية، والحالة المزاجية لدى المراهقين، كما استكشفت الدراسة العلاقة بين التزام الأمهات بالحمية خلال فترة الحمل وبين الصحة النفسية للمراهقين، لأن التغذية قبل الولادة تؤثر على برمجة النمو العصبي للجنين. وتُعد هذه الدراسة جزءاً من دراسة كلوثو (KLOTHO)، وهي دراسة رصدية مستقبلية للأطفال، تهتم بدراسة الحالة الصحية طويلة الأمد، بداية من المراحل المبكرة جداً من حياة الأطفال، حتى وصولهم إلى عمر البلوغ، لمعرفة المشاكل الصحية الأساسية، التي يمكن تلافيها في المستقبل، سواء على المستوى العضوي أو المستوى النفسي.

قام الباحثون بإجراء الدراسة على 86 مراهقاً، وبلغ متوسط العمر 12 عاماً تقريباً، وتم تقييم نظامهم الغذائي باستخدام مؤشر معتمد، حيث تشير الدرجات العليا إلى التزام أكبر بحمية البحر المتوسط، وتشير الدرجات الأقل إلى اتباع نظم غذائية غير صحية تعتمد على الطعام الغني بالدهون والسكريات.

كما تم أيضاً تقييم النظام الغذائي للأمهات، خلال فترة الحمل باستخدام استبيان كمي لتكرار تناول الطعام، وتم تقييم الصحة النفسية للمراهقين، من خلال استبيانات شملت مشاعرهم المختلفة، ومدى رضاهم عن النواحي المختلفة من حياتهم، سواء في الدراسة أو المنزل أو علاقتهم مع الأصدقاء، وهل تعرض أحدهم لمرض نفسي من قبل.

وقام العلماء بتثبيت جميع العوامل، التي يمكن أن تؤثر في النتيجة، مثل الجنس، والعمر، ومؤشر كتلة الجسم، ومدة النوم، والنشاط البدني، والتاريخ المرضي العضوي والنفسي، والحالة الاقتصادية والاجتماعية للأسرة.

تحسّن الصحة

أظهرت النتائج أن الالتزام الغذائي بنظام البحر المتوسط ارتبط بشكل واضح بوجود مستويات منخفضة إلى متوسطة من الصعوبات السلوكية، وأيضاً وجود انخفاض في أعراض القلق والاكتئاب، والرهاب الاجتماعي، وذلك على الرغم من أن تحليل الالتزام الغذائي لدى كل من المراهقين والأمهات أظهر التزاماً متوسطاً من الحمية، ما يعني أن الالتزام بجدية أكبر بهذه الحمية يمكن أن ينعكس بالإيجاب على الصحة النفسية.

أوضح الباحثون أن التزام الأمهات خلال فترة الحمل بالنظام الغذائي نفسه انعكس بالإيجاب على أطفالهن أيضاً أثناء فترة المراهقة، ما يعكس التأثير المحتمل للنظام الغذائي قبل الولادة على النتائج المتعلقة بالقلق لاحقاً عند وصول الأطفال إلى مرحلة المراهقة.

كشفت النتائج أن الالتزام بنظام البحر المتوسط الغذائي، خلال فترة المراهقة، يرتبط بشكل مستقل بانخفاض أعراض قلق محددة، أكثر من غيرها من المشاكل النفسية، حيث كان التأثير الأكبر بالإيجاب على انخفاض مستويات الرهاب الاجتماعي، وقلق الانفصال. وظل التزام الأم بالنظام أثناء الحمل مرتبطاً بشكل مستقل بانخفاض مستويات القلق والاكتئاب بشكل عام لدى الأبناء.

أكد الباحثون أن السبب في ارتباط حمية البحر المتوسط بالحالة النفسية الجيدة راجع بشكل أساسي إلى غناه بالعناصر الغذائية، التي تقلل من التهاب المخ، لأن هذا النظام الغذائي الغني بالأحماض الدهنية المفيدة (الموجودة في الأسماك والمكسرات وزيت الزيتون)، ومضادات الأكسدة يحافظ على سلامة الخلايا العصبية، وبالتالي يُحسن الحالة النفسية. يدعم نظام البحر المتوسط ما يسمى بمحور الأمعاء والمخ (gut-brain axis) حيث يوضح محور الأمعاء والمخ الرابط بين نوعية الغذاء والحالة المزاجية، فضلاً عن أن الدهون المفيدة تساهم بشكل أساسي في تكوين النواقل العصبية المختلفة التي ترفع من المزاج، مثل السيروتونين، ما يخفف من أعراض القلق.

في النهاية، نصحت الدراسة بضرورة اتباع أنظمة غذائية صحية، ليس للحفاظ على الصحة البدنية فقط، ولكن لأهميتها الكبيرة في الحفاظ على الصحة النفسية للمراهقين، كما نصحت الدراسة الأمهات أيضاً بمحاولة اتباع حمية غذائية صحية أثناء الحمل، لأن الآثار الصحية المترتبة على فترة الحمل تمتد إلى فترات طويلة جداً.

* استشاري طب الأطفال