رهان «من يرمش أولاً» يختبر واشنطن وطهران في «هرمز»

الحصارات البحرية «مملة دائماً... حتى يحدث شيء ما»

صورة جوية تُظهر سفناً راسية عند مضيق «هرمز» كما شوهدت من محافظة مسندم في سلطنة عمان 25 مايو (رويترز)
صورة جوية تُظهر سفناً راسية عند مضيق «هرمز» كما شوهدت من محافظة مسندم في سلطنة عمان 25 مايو (رويترز)
TT

رهان «من يرمش أولاً» يختبر واشنطن وطهران في «هرمز»

صورة جوية تُظهر سفناً راسية عند مضيق «هرمز» كما شوهدت من محافظة مسندم في سلطنة عمان 25 مايو (رويترز)
صورة جوية تُظهر سفناً راسية عند مضيق «هرمز» كما شوهدت من محافظة مسندم في سلطنة عمان 25 مايو (رويترز)

يظهر التاريخ العسكري أنَّ الحصارات البحرية تتطلب صبراً طويلاً. وهذه ليست من الميزات التي يتمتَّع بها صناع القرار في واشنطن.

فعندما فرض الرئيس دونالد ترمب حصاراً على الموانئ الإيرانية في أبريل (نيسان) 2026، لم تكن النتيجة السريعة التي كان يسعى إليها - إعادة فتح مضيق «هرمز» أمام الملاحة التجارية - ممكنة التحقيق. ويقول خبراء عسكريون إنَّ إنهاك الخصم عبر الحصار قد يستغرق أشهراً أو حتى سنوات، وبالتأكيد ليس بضعة أسابيع.

كان لدى إيران، التي تمتلك آلاف الأميال من الحدود البرية مع 7 دول مجاورة، وشرياناً تجارياً يصلها بحليفتها روسيا عبر بحر قزوين، بدائل متعددة. ولذلك استمرَّت المواجهة.

وقال مايكل كونيل، المُتخصِّص في الشؤون العسكرية الإيرانية بمركز التحليلات البحرية في فرجينيا: «من الصعب إخضاع خصم بسرعة عبر الحصار. إنَّه نوع من الأساليب التي تنجح بمرور الوقت، لكنه ليس حلاً سريعاً».

والآن، مع ظهور مؤشرات على اقتراب الولايات المتحدة وإيران من اتفاق سلام، أصبح رفع الحصار الأميركي وإعادة فتح المضيق من بين الأولويات القصوى. وإذا تمَّ التوصُّل إلى اتفاق، فسينهي ذلك واحدةً من أكثر المواجهات البحرية غرابةً في العصر الحديث: حالة جمود متوترة، ليست سلاماً ولا حرباً شاملة، بين خصمين غير متكافئين، استخدم كل منهما أوراق ضغطه في البحر.

زورق تابع لـ«الحرس الثوري» يشارك في عملية لاعتراض السفن التي تحاول عبور مضيق «هرمز» (أ.ف.ب)

«من يرمش أولاً؟»

وقد اتسمت هذه المواجهة بنمط صراع أصبح مألوفاً في عصر الاضطرابات التكنولوجية، قدرة الزوارق السريعة والطائرات المسيّرة والألغام والصواريخ الإيرانية على ردع ترسانة الولايات المتحدة من حاملات الطائرات النووية والمقاتلات المتطورة، التي تضم أطقماً بشرية بحجم بلدات صغيرة.

كما سلط الجمود البحري الضوء على حقيقة قديمة في الحروب: من الصعب تحقيق نصر سريع دون السيطرة على أراضٍ على اليابسة. فالمواجهة البحرية تمثل محاولةً لخنق اقتصادي وتجاري عبر البحر، تبدو ظاهرياً بلا دماء، لكنها تنطوي على تكاليف ومخاطر خفية للطرفين.

وفي هذا السياق، شدَّد الأميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية المسؤولة عن العمليات العسكرية في الشرق الأوسط (سنتكوم)، على قيمة الضغط الاقتصادي، خلال شهادته أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأسبوع الماضي.

وقال إنه لم يكن هناك «أي تبادل تجاري» من وإلى الموانئ الإيرانية، مضيفاً أن ذلك «يضغط اقتصادياً على إيران، ويخلق نفوذاً قوياً للمفاوضات الجارية».

لكن إيران أيضاً قادرة على إلحاق أضرار اقتصادية. فاعتماد الاقتصاد العالمي على سلاسل التوريد العالمية يعني أنَّ تعطيل إيران لصادرات مثل الأسمدة والهيليوم، والأهم النفط والغاز، كان له أثر عالمي.

وقال مايكل كونيل: «لقد تحوَّلت المسألة إلى صراع إرادات لمعرفة مَن سيرمش أولاً».

ويُعدُّ الحصار عملاً حربياً بموجب القانون الدولي؛ لذلك يبقى خطر التصعيد، سواء كان مقصوداً أم لا، قائماً دائماً. وقد تجلى ذلك، الأربعاء الماضي، عندما أطلقت إيران 4 طائرات مسيّرة هجومية فوق مضيق «هرمز»، بينما نفَّذ الجيش الأميركي غارات جوية على محطة تحكم أرضية للطائرات المسيّرة في مدينة بندر عباس الساحلية.

وكانت تلك المرة الثانية خلال 3 أيام التي تنفِّذ فيها القوات الأميركية ضربات في جنوب إيران، بما في ذلك ضد قوارب إيرانية حاولت زرع ألغام.

ويتلقى ضباط البحرية الأميركية على متن السفن الحربية تدريبات متكررة على مثل هذه التحذيرات، مع تذكير دائم بما حدث خلال الحرب الإيرانية - العراقية عام 1988، حين أدت سلسلة من الأخطاء إلى اعتقاد طراد أميركي أن رحلة تجارية إيرانية كانت طائرة مقاتلة معادية، فأُسقطت فوق «هرمز»؛ مما أدى إلى مقتل جميع الركاب البالغ عددهم 290 شخصاً.

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق «هرمز» (غيتي)

تكاليف وإرهاق

تفرض الحرب البحرية أعباء كبيرة. فبالنسبة لإيران، يُشكِّل تقييد تدفق السلع من وإلى البلاد ضغطاً هائلاً على اقتصاد كان يعاني أصلاً حتى قبل اندلاع الحرب، رغم وجود مسارات تجارية بديلة.

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإنَّ إرسال السفن للدوريات في مياه بعيدة عن الوطن لا يكلّف كثيراً فحسب، بل يرهق السفن والأطقم أيضاً. فعلى سبيل المثال، عادت حاملة الطائرات «جيرالد فورد» هذا الشهر بصعوبة بعد 10 أشهر شاقة في شمال الأطلسي والبحر المتوسط والكاريبي والبحر الأحمر، ما أظهر كيف يمكن للاستهلاك والتآكل أن يفرضا تكاليف على قوة عظمى توسع انتشارها أكثر من اللازم.

وقال مايك فرانكن، نائب الأميرال المتقاعد الذي قاد سابقاً سرب مدمرات: «البحرية الأميركية قادرة على إنجاز أمور مذهلة لفترات مذهلة، لكن الأمور تبدأ بالتآكل على الأطراف، وقد كنا نعمل بوتيرة عملياتية مرتفعة جداً».

هناك أيضاً فرص استراتيجية ضائعة. فالسفن المستخدمة في حصار إيران، وكذلك البحّارة الذين يشغلونها، لا يمكن استخدامهم في مهام أخرى. وقد شكّلت زيارة ترمب الأخيرة إلى الصين تذكيراً بأنَّ شرق آسيا لا يزال منطقة ذات أهمية استراتيجية، حيث تعتمد دول حليفة مثل كوريا الجنوبية واليابان، وخصوصاً تايوان، بدرجات متفاوتة على الردع البحري الأميركي.

وأخيراً، فإنَّ وجود خصمين في حالة توتر ثابتة يخلق خطر التصعيد غير المقصود، نتيجة سوء تقدير نابع من القلق أو الارتباك أو فقدان التركيز.

وقالت القيادة المركزية الأميركية، هذا الأسبوع، إنَّها أعادت توجيه 111 سفينة تجارية، وعطَّلت حتى الآن 4 سفن كانت متجهةً إلى الموانئ الإيرانية. كما هاجمت القوات الإيرانية مُدمِّرات أميركية مزوَّدة بصواريخ موجهة خلال عبورها مضيق «هرمز» باستخدام صواريخ وطائرات مسيّرة وقوارب صغيرة. وأكدت القيادة المركزية أنَّ السفن الأميركية صدَّت الهجوم بنجاح. كما أطلقت إيران النار على سفن من دول أخرى حاولت عبور المضيق؛ ما تسبب في بعض الأضرار.

وتشارك نحو 20 سفينة حربية أميركية في الحصار، بما في ذلك حاملتا الطائرات «جورج بوش» و«إبراهام لنكولن»، إضافة إلى مدمرات صاروخية، وسفن إنزال، وسفن قتال ساحلي، وكاسحات ألغام، وسفن تموين وإمداد؛ للحفاظ على جاهزيتها القتالية.

قائد «سنتكوم» الأدميرال براد كوبر يدلي بإفادة أمام الكونغرس (أ.ف.ب)

«الحصار أمر ممل»

من السوابق المشابهة للجمود الحالي في مضيق «هرمز» ما عُرف بـ«حرب الناقلات» في ثمانينات القرن الماضي، حين امتدت الحرب بين إيران والعراق إلى الخليج العربي. ورغم أنَّ الولايات المتحدة لم تكن طرفاً مباشراً في القتال، فإنَّها انجرت إلى النزاع عندما بدأت بمرافقة ناقلات النفط المدنية عبر المضيق؛ ما أدى في النهاية إلى مأساة إسقاط الطائرة الإيرانية المدنية.

وإذا استمرت المواجهة الحالية، فإنَّ لهذه الاستراتيجية تكاليف مباشرة تتمثل في تزويد السفن الموجودة في المنطقة بالغذاء والوقود والذخيرة، إضافة إلى الحاجة إلى إبقاء الطائرات المسيّرة والمروحيات والمقاتلات وطائرات الاستطلاع في الجو باستمرار. كما يحصل البحّارة ومشاة البحرية والطيارون على بدلات مخاطر قتالية.

أما بالنسبة للبحّارة، فإنَّ الجمع بين فترات طويلة من الملل تتخللها لحظات توتر وضغط قد يكون مرهقاً للغاية.

وقال أندرو لامبرت، أستاذ التاريخ البحري في كلية كينغز: «الحصار أمر ممل جداً. أنت فقط تبقى منتظراً حدوث شيء ما».

وقال جيمس آر. هولمز، رئيس قسم الاستراتيجية البحرية في الكلية الحربية البحرية: «هناك تأثيرات متسلسلة ناتجة عن إبقاء أعداد كبيرة من الأصول العسكرية في مواقعها لفترات طويلة».

وأشار إلى الانتشار الطويل لحاملة الطائرات «جيرالد فورد»، وافترض أن الحاملة قد تواجه مشكلات هندسية غير متوقعة في أثناء الصيانة. وخلال وجودها في البحر، تعرَّضت السفينة لأعطال ميكانيكية في معدات إطلاق واستعادة الطائرات على سطح الطيران. كما دمَّر حريق كبير منطقة نوم لمئات البحَّارة، وظهرت شكاوى بشأن نقص الغذاء وتأخر البريد؛ ما أدى إلى تراجع المعنويات.

وأضاف هولمز أن الولايات المتحدة ستجد صعوبةً في إعادة فتح التجارة عبر المضيق دون التوصُّل إلى تفاهم مع إيران، قائلاً: «كما تحتاج إليه إيران للحفاظ على قبضتها على المضيق هو عدد كافٍ من أسطولها الصغير، بما في ذلك الصواريخ والطائرات المسيّرة الساحلية، لإبقاء شركات الشحن وشركات التأمين في حالة توتر. ونادراً ما تنجح أي حملة عسكرية في نزع سلاح الخصم بالكامل ما لم يحدث تغيير للنظام».

أما لامبرت، أستاذ كلية كينغز، فقال إن التكاليف ستستمر في الارتفاع كلما طال أمد المواجهة: «لأن شيئاً عنيفاً على نطاق واسع لا يحدث حالياً، فإنَّ إغراء ترك الوضع يستمر يمثل مشكلة حقيقية».

*خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

حصاد الأسبوع قاليباف (آ ف ب)

دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

يرى المراقبون، بكثير من الثقة، أن اللقاءات والعلاقة المتجددة لواشنطن مع باكستان، وبفضل رئيس أركان جيشها عاصم منير، عامل أساسي مهَّد الطريق أمام الوساطة التي

«الشرق الأوسط» ( برلين)
شؤون إقليمية سفن وقوارب راسية في مضيق هرمز في انتظار فرصة للعبور أمس (رويترز)

ترمب يعلن رفع الحصار... وطهران تتمسك بـ«خطوط حمراء»

بينما كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب يجتمع مع مساعديه في غرفة العمليات، أمس الجمعة، لاتخاذ «قرار نهائي» بشأن إيران، سارعت الأخيرة إلى إعلان «تمسكها بالخطوط

«الشرق الأوسط» (عواصم)
رياضة عالمية لاعبو إيران يحتفلون بعد أحد أهدافهم في ودية غامبيا بمعسكر تركيا (أ.ب)

الإيرانيون ينتظرون الرد الأميركي بخصوص تأشيرات المونديال

قال نائب رئيس الاتحاد الإيراني لكرة القدم مهدي محمد نبي، الجمعة، إن السلطات الأميركية سترد على طلبات تأشيرات لاعبي المنتخب إيران لكأس العالم "خلال هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (أنطاليا (تركيا))
شؤون إقليمية المرشد الإيراني علي خامنئي الذي اغتيل بأولى ضربات الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران (التلفزيون الرسمي) p-circle

إيران تُعِدّ لإقامة جنازة كبرى لمرشدها الراحل علي خامنئي

تعِدّ السلطات الإيرانية لإقامة جنازة كبرى للمرشد الإيراني علي خامنئي الذي اغتيل بأولى ضربات الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، بعد تأجيل مطوّل بسبب الحرب.

«الشرق الأوسط» (طهران)
أوروبا أحد عناصر الشرطة في الدنمارك (الداخلية الدنماركية عبر فيسبوك)

الاستخبارات الدنماركية تحذر من تصاعد التهديد المرتبط بإيران

حذّرت الاستخبارات الدنماركية من تصاعد التهديدات الإيرانية في الدولة الإسكندنافية، مبيّنة أن تقييم مستواها يعكس التطوّرات الحاصلة على الصعيد العالمي.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)

ترمب يعلن رفع الحصار... وطهران تتمسك بـ«خطوط حمراء»

سفن وقوارب راسية في مضيق هرمز في انتظار فرصة للعبور أمس (رويترز)
سفن وقوارب راسية في مضيق هرمز في انتظار فرصة للعبور أمس (رويترز)
TT

ترمب يعلن رفع الحصار... وطهران تتمسك بـ«خطوط حمراء»

سفن وقوارب راسية في مضيق هرمز في انتظار فرصة للعبور أمس (رويترز)
سفن وقوارب راسية في مضيق هرمز في انتظار فرصة للعبور أمس (رويترز)

بينما كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب يجتمع مع مساعديه في غرفة العمليات، أمس الجمعة، لاتخاذ «قرار نهائي» بشأن إيران، سارعت الأخيرة إلى إعلان «تمسكها بالخطوط الحمراء»، وحاجتها إلى «لمسات أخيرة» قبل إعلان الاتفاق.

وقال ترمب إن «الحصار رفع عن مضيق هرمز»، لكنه ألزم إيران في المقابل بفتحه أمام الملاحة في الاتجاهين «دون رسوم».

وبشأن الملف النووي، أكد ترمب أن «غبار اليورانيوم» سيستخرج من قبل الولايات المتحدة بالتنسيق الوثيق مع إيران والوكالة الدولية، «ثم يدمر»، مضيفاً أن «أي أموال لن يتم تبادلها حتى إشعار آخر».

أما في طهران، فقد نقلت وكالات أنباء رسمية عن مصادر أن «تصريحات ترمب مزيج من الحقيقة والكذب»، مضيفة أن «زعم تفكيك أو تدمير المواد النووية لم يرد في مذكرة التفاهم». ونقلت «رويترز» عن مسؤول إيراني أنه «تم التوصل إلى تفاهم سياسي بين إيران وأميركا لكن لم توضع لمساته الأخيرة بعد»، مشيراً إلى أن «مذكرة التفاهم لا تتضمن أي قضايا متعلقة بالبرنامج النووي» وأن طهران لا تزال «متمسكة بخطوطها الحمراء».إلى ذلك، بحث وزير الخارجية الباكستاني ‌إسحق دار مع نظيره الأميركي ماركو روبيو «أحدث التطورات في المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب مع إيران»، دون مزيد من التفاصيل.وبينما توعد وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث باستئناف المواجهات العسكرية، اعتبر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، أن إيران حصلت على التنازلات بفضل الصواريخ وليس عبر التفاوض.


إيران تُعِدّ لإقامة جنازة كبرى لمرشدها الراحل علي خامنئي

المرشد الإيراني علي خامنئي الذي اغتيل بأولى ضربات الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران (التلفزيون الرسمي)
المرشد الإيراني علي خامنئي الذي اغتيل بأولى ضربات الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران (التلفزيون الرسمي)
TT

إيران تُعِدّ لإقامة جنازة كبرى لمرشدها الراحل علي خامنئي

المرشد الإيراني علي خامنئي الذي اغتيل بأولى ضربات الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران (التلفزيون الرسمي)
المرشد الإيراني علي خامنئي الذي اغتيل بأولى ضربات الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران (التلفزيون الرسمي)

تعِدّ السلطات الإيرانية لإقامة جنازة كبرى للمرشد الإيراني علي خامنئي الذي اغتيل بأولى ضربات الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، بعد تأجيل مطوّل بسبب الحرب.

ورغم عدم تحديد أي موعد للجنازة، أورد التلفزيون الرسمي الإيراني نقلاً عن رئيس مجلس تنسيق الدعاية الإسلامية في طهران، محسن محمودي قوله إن «مقرّاً خاصاً تم تشكيله للتحضير لمراسم الجنازة، وتعمل جهات عدة حالياً على التخطيط واتخاذ الترتيبات اللازمة»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقاد خامنئي إيران على مدى أكثر من ثلاثة عقود، واغتيل في أولى ضربات الهجوم على إيران في 28 فبراير (شباط). وخلفه ابنه مجتبى خامنئي، علماً بأنه أصيب في الضربات ولم تسجّل له أي إطلالة علنية منذ تولّيه المنصب.

في أبريل (نيسان) أحيا آلاف الإيرانيين ذكرى مرور أربعين يوماً على رحيل المرشد السابق، لكن الجنازة الرسمية التي كان أعلن عنها في بادئ الأمر لم تُجرَ بسبب الحرب.

وأورد التلفزيون نقلاً عن محمودي قوله إن «منظمات عدة تعمل على تهيئة الظروف اللازمة، لكي يتسنى، فور الإعلان الرسمي، إقامة مراسم كبرى»، مع توقّع «مشاركة حاشدة».


ترمب يعلن رفع حصار هرمز... واشنطن وطهران قريبتان من اتفاق

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (يمين) مستقبلاً نظيره الباكستاني محمد إسحاق دار (يسار) في واشنطن يوم 29 مايو 2026 (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (يمين) مستقبلاً نظيره الباكستاني محمد إسحاق دار (يسار) في واشنطن يوم 29 مايو 2026 (غيتي)
TT

ترمب يعلن رفع حصار هرمز... واشنطن وطهران قريبتان من اتفاق

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (يمين) مستقبلاً نظيره الباكستاني محمد إسحاق دار (يسار) في واشنطن يوم 29 مايو 2026 (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (يمين) مستقبلاً نظيره الباكستاني محمد إسحاق دار (يسار) في واشنطن يوم 29 مايو 2026 (غيتي)

أعلن الرئيس الأميركي، الجمعة، رفع الحصار عن مضيق هرمز، مشدداً على ضرورة رفع الألغام البحرية «إن وُجدت».

وقال ترمب الجمعة، في منشور على منصة التواصل الاجتماعي التابعة له، إن على إيران الموافقة على عدم امتلاك سلاح نووي، أو قنبلة نووية.

وأضاف أن الولايات المتحدة «أزالت عبر التفجير كثيراً من الألغام باستخدام كاسحات ألغام بحرية متطورة»، وأن إيران ستستكمل إزالة أو تفجير أي ألغام متبقية.

وقال ترمب أيضاً إن السفن العالقة في المضيق بسبب ما وصفه بـ«الحصار البحري المذهل وغير المسبوق» الذي «سيتم رفعه الآن»، يمكنها البدء في العودة إلى أوطانها.

وفيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، قال ترمب إن المادة المخصبة المدفونة «في أعماق الأرض فوق جبال منهارة تقريباً» نتيجة هجوم نفذته قاذفات أميركية قبل 11 شهراً، ستُستخرج من قبل الولايات المتحدة «بالتنسيق الوثيق مع إيران، والوكالة الدولية للطاقة الذرية»، ثم تدمر.

وأضاف أن «أي أموال لن يتم تبادلها حتى إشعار آخر»، مشيراً إلى أنه تم الاتفاق على «بنود أخرى أقل أهمية بكثير».

​وكان مقرراً أن يجتمع الرئيس الأميركي في غرفة ‌العمليات بالبيت ‌الأبيض لاتخاذ ⁠القرار ​النهائي بشأن ⁠الاتفاق مع إيران.

وفي وقت لاحق، نقلت «وكالة أنباء فارس» الإيرانية عن مصادر أن تصريحات ترمب الأخيرة «عارية عن الصحة». وقالت إن «أي بند يتعلق بتدمير مواد إيران النووية غير موجود في مذكرة التفاهم».

وقالت مصادر إيرانية لوكالة «فارس» إن «تصريحات ترمب مزيج من الحقيقة، والكذب، ومحاولة لإظهار انتصار مصطنع»، مضيفة أنه «زعم أن إيران ستفكك أو تدمر موادها النووية، وهذا لم يرد في مذكرة التفاهم».

كما أشارت المصادر إلى أن «ترمب لم يشر لشرط الدفع الفوري لـ12 مليار دولار من أموالنا المجمدة المنصوص عليه بمذكرة التفاهم».

وقالت المصادر إن «مذكرة التفاهم تنص على إقرار وقف كامل لإطلاق النار في لبنان»، مؤكدة أن «طهران لن تدخل المرحلة التالية بشأن العقوبات والنووي قبل تسوية القضايا المذكورة في مذكرة التفاهم».

ونقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول إيراني أنه «تم التوصل إلى تفاهم سياسي بين إيران وأميركا، لكن لم توضع لمساته الأخيرة بعد».

وقال المسؤول إن «مذكرة التفاهم المحتملة بين طهران وواشنطن لا تتضمن أي قضايا متعلقة بالبرنامج النووي».

وحسب وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، فإن مسؤولين إيرانيين أكدوا عدم «التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة»، مشيرين إلى أن إصرار ترمب على عدم الإفراج عن الأصول المجمدة يزيد شكوك طهران بشأن جدية واشنطن».

وفي وقت لاحق، قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، إن «إيران تركز في هذه المرحلة على إنهاء الحرب، ولا نتفاوض بشأن البرنامج النووي».

سفن راسية في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم عُمان يوم 29 مايو 2026 (رويترز)

عرض من كازاخستان

من جهته، قال رافائيل غروسي، المدير العام للوكالة الدولية ​للطاقة الذرية، لصحيفة «فاينانشال تايمز» إن كازاخستان أبدت استعدادها لتسلم مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بمستويات قريبة من مستوى ‌التخصيب اللازم ‌لصنع ​الأسلحة ‌إذا ⁠توصلت الولايات ​المتحدة إلى اتفاق ⁠مع إيران بشأن برنامجها النووي.

وأضاف المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الجمعة، ‌أن ‌الدولة الواقعة ​في آسيا ‌الوسطى أعربت عن تقبلها ‌لفكرة الاحتفاظ بالمخزون خلال لقاء رئيسها قاسم جومارت توكاييف مع غروسي في ‌آستانة هذا الأسبوع.

وتستضيف كازاخستان بنكاً لليورانيوم ⁠منخفض ⁠التخصيب يخضع لرقابة دولية، وذلك لضمان إمدادات الوقود لمحطات الطاقة في الدول الأعضاء بالوكالة، ولمنع انتشار الأسلحة النووية.

وكان مسؤول أميركي مطلع ذكر أن مفاوضين أميركيين وإيرانيين توصّلوا إلى اتفاق مبدئي يقضي بتمديد وقف إطلاق النار في النزاع المستمر منذ 3 أشهر لمدة 60 يوماً، وبدء جولة جديدة من المحادثات بشأن البرنامج النووي الإيراني.

وفي واشنطن، وصل وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار، الجمعة، لإجراء محادثات مع نظيره الأميركي ماركو روبيو، ويُتوقع أن تتناول أحدث التطورات في المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب مع إيران.

وكانت جولة أولى من محادثات السلام قد عُقدت في باكستان من دون التوصل إلى اتفاق، غير أن تقارير إعلامية أميركية تحدثت عن تفاهم مبدئي يتضمن استمرار وقف إطلاق النار الذي أُعلن في أبريل (نيسان)، ورفع القيود المفروضة على الملاحة عبر مضيق هرمز.

ويشغل دار أيضاً منصب نائب رئيس الوزراء الباكستاني، غير أن قائد الجيش عاصم منير يقود جهود إسلام آباد للتوسط في النزاع مع إيران الذي تسبب في مقتل آلاف الأشخاص، وأزمة اقتصادية عالمية نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة.

وكان ترمب قد أشاد بمنير، وقال مراراً منذ منتصف مارس (آذار) إن نهاية الحرب باتت قريبة، رغم عدم ظهور مؤشرات علنية حتى الآن على اقتراب واشنطن وطهران من تسوية نهائية.

رئيس مجلس النواب الإيراني محمد باقر قاليباف ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس

شكوك فانس

في وقت سابق الخميس، قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، إن الاتفاق لا يزال في مرحلة الصياغة، مضيفاً أنه «من الصعب القول متى؟ أو ما إذا كان الرئيس دونالد ترمب سيوقع» عليه.

وأوضح فانس للصحافيين أن المفاوضين «يتبادلون الصياغات بشأن بعض النقاط اللغوية»، مشيراً إلى أن نقاط الخلاف تتعلق بمخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، وكذلك مسألة التخصيب نفسها. وأضاف أن المفاوضين يسعون إلى وضع شروط عامة بشأن اليورانيوم عالي التخصيب ضمن الاتفاق المؤقت، على أن تُبحث التفاصيل لاحقاً.

وقال فانس إن واشنطن تسعى إلى «تأخير البرنامج النووي الإيراني؛ ليس فقط خلال ولاية الرئيس الحالي، ولكن على المدى البعيد»، معتبراً أن ذلك «أمر جيد للشعب الأميركي».

وفي السياق نفسه، قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي يقود فريق التفاوض الإيراني، في منشور على منصة «إكس»: «نحن لا نحصل على الامتيازات عبر الحوار؛ بل بالصواريخ، وفي المفاوضات فقط نُفهم الطرف الآخر بها».

وأضاف أن إيران «لا تثق بأي ضمانات، أو تصريحات»، وأنها تعتمد «على الأفعال فقط»، مؤكداً أنه «لن يتم اتخاذ أي إجراء قبل أن يقوم الطرف الآخر بخطوة مقابلة». كما اعتبر أن «المنتصر في أي اتفاق هو من يكون مستعداً للحرب بشكل أفضل في اليوم التالي له».

بدوره، قال إمام جمعة مدينة كرج الإيرانية محمد مهدي حسيني همداني إن «الصواريخ ليست وسيلة دفاع فقط؛ بل مقدمة للإعمار وإيجاد الأمن، والبناء»، مضيفاً أن «توفير أرضية التنمية مرتبط بها».

ودعا همداني إلى اعتماد «الشروط العشرة» التي طرحها مجتبى خامنئي بوصفها مرجعية للمفاوضات، قائلاً إنها «لا تتضمن أي إشارة إلى الملف النووي»، ولذلك «لا ينبغي الحديث عن الموضوع النووي». كما رأى أن قرارات البرلمان الإيراني «يجب أن تُصاغ بطريقة تزيد تكلفة الحرب على العدو»، مضيفاً أن مضيق هرمز يمثل «أداة قوة» لإيران «ولاً ينبغي التخلي عنه بسهولة».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً خلال اجتماع إدارته في البيت الأبيض (إ.ب.أ)

اتفاق أو مواجهة

في تصريحات من سنغافورة، قال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، خلال زيارة إلى القوات الأميركية المتمركزة على متن حاملة الطائرات «يو إس إس بوكسر»، إن على إيران «القبول بالاتفاق، أو مواجهة هذه القوات».

وأضاف، في إشارة إلى اجتماع لمجلس الوزراء الأميركي، أن ترمب قال إن على إيران «إما قبول العرض المطروح بالطريقة الصحيحة، أو مواجهة الرجل الموجود على يساري»، موضحاً أن المقصود كان وزير الدفاع، «لكن في الحقيقة المقصود هو القوات الأميركية».

وفي إطار التحركات الدبلوماسية، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الجمعة، إنه بحث مع نظيره العُماني بدر البوسعيدي، مستقبل إدارة مضيق هرمز «في إطار المسؤوليات السيادية، والقانون الدولي»، مضيفاً أنه عبّر أيضاً عن تضامن إيران مع سلطنة عُمان «في مواجهة أي تهديد».

وجاءت تصريحات عراقجي بعد تحذير أطلقه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت الخميس، قال فيه إن واشنطن ستستهدف «بقوة» أي جهة تسهّل فرض رسوم عبور في مضيق هرمز.

من جهته، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، بحسب وسائل إعلام إيرانية، إن بلاده تطالب بإنشاء «آلية مالية مستقلة» لمواجهة العقوبات، وذلك خلال مشاركته في اجتماع المجلس الأعلى للاتحاد الاقتصادي الأوراسي.

كما قال نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي باقري كني، على هامش مؤتمر موسكو الأمني، إن الهجمات الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل تستوجب «إطاراً جديداً للسلام والاستقرار في المنطقة».

وأضاف أن هذا الطرح «لاقى ترحيباً من الدول المشاركة»، معتبراً أن «اتفاقيات أبراهام» ليست ضامنة للاستقرار، وأن المنطقة لن تشهد سلاماً ما دامت مشاريع مثل «الشرق الأوسط الكبير» أو «إسرائيل الكبرى» مطروحة.

وأكد باقري كني أن أي آلية أمنية جديدة «يجب أن تتشكل بمشاركة دول المنطقة، ومن دون تدخل الولايات المتحدة، أو نفوذ إسرائيل».

مؤشرات هرمز

تطالب إيران برفع العقوبات، والإفراج عن أصولها الخارجية المجمدة، وانسحاب القوات الأميركية من المنطقة، فيما تطالب الولايات المتحدة بتفكيك البرنامج النووي الإيراني الذي تؤكد طهران أن أغراضه سلمية.

وتبقى قضية الملاحة في مضيق هرمز من أبرز الملفات العالقة، نظراً إلى أهمية المضيق الذي كان يمر عبره نحو خُمس شحنات النفط والغاز العالمية قبل اندلاع النزاع.

وأظهرت بيانات «مارين ترافيك»، الجمعة، عبور ناقلة سيارات ترفع العلم الصيني عبر المضيق، بعد ساعات من توقف حركة ناقلات النفط خلال 24 ساعة، علماً بأن المنصة لا تسجل سوى السفن التي تسمح بتتبع مواقعها.

كما عبرت خلال الأسبوع الحالي عدة ناقلات نفط عملاقة وناقلات غاز طبيعي مسال. وقال التلفزيون الإيراني إن 24 سفينة عبرت المضيق خلال الساعات الـ24 الماضية، مجدداً التأكيد على عدم السماح بمرور أي سفينة من دون موافقة الحرس الثوري الإيراني.