تصعيد جديد بين باريس وطهران بعد اتهامات لرهينتين فرنسيتين بالتجسس لصالح إسرائيل

فرنسا هددت إيران بتفعيل آلية «سناب باك» إذا لم تفرج عن كوهلر وباريس

صورتان للرهينتين الفرنسيتين سيسيل كوهلر وجاك باريس علقتا على السوار الحديدي للبرلمان الفرنسي مع دعوة لإطلاق سراحهما (أ.ف.ب)
صورتان للرهينتين الفرنسيتين سيسيل كوهلر وجاك باريس علقتا على السوار الحديدي للبرلمان الفرنسي مع دعوة لإطلاق سراحهما (أ.ف.ب)
TT

تصعيد جديد بين باريس وطهران بعد اتهامات لرهينتين فرنسيتين بالتجسس لصالح إسرائيل

صورتان للرهينتين الفرنسيتين سيسيل كوهلر وجاك باريس علقتا على السوار الحديدي للبرلمان الفرنسي مع دعوة لإطلاق سراحهما (أ.ف.ب)
صورتان للرهينتين الفرنسيتين سيسيل كوهلر وجاك باريس علقتا على السوار الحديدي للبرلمان الفرنسي مع دعوة لإطلاق سراحهما (أ.ف.ب)

دخلت العلاقات الفرنسية - الإيرانية، المتوترة أصلاً، حقبة جديدة من المطبات الهوائية بحيث تضاعف مستوى التصعيد القائم بين باريس وطهران. والسبب «الإضافي» مرده إلى التهم الثلاث الجديدة التي وجهها القضاء الإيراني لمواطنين فرنسيين هما سيسيل كوهلر ورفيق دربها جاك باريس، المحتجزين في إيران، في سجن إيفين، منذ 1153 يوماً.

وأولى التهم «التجسس لحساب جهاز الموساد» (المخابرات الخارجية الإسرائيلية). وثانيتها: «التآمر لقلب النظام الإيراني». وثالثتها: «الإفساد في الأرض». وعقوبة كل من هذه التهم، وفق القانون الإيراني، هي الإعدام. وسبق للقضاء أن وجه إلى كوهلر تهمة التجسس لصالح جهاز المخابرات الخارجية الفرنسي، كما تم انتزاع «اعترافات» منها بُثّت على إحدى القنوات التلفزيونية الإيرانية، الأمر الذي نددت به باريس بقوة، واعتبرت أنها انتزعت منها «بالإكراه».

وفي أي حال، تعتبر فرنسا مواطنيها بمثابة «رهينتي دولة» بيد السلطات الإيرانية، ودأبت، منذ اعتقالهما، إلى المطالبة بالإفراج عنهما دون تأخير. وكوهلر وباريس هما آخر رهينتين فرنسيتين، إذ عمدت طهران، تباعاً، إلى الإفراج عن أربعة رهائن بعضها تم في ظروف أقل ما يقال عنها إنها «غامضة».

وهدّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إيران بـ«إجراءات انتقامية» إذا أبقت على تهمة التجسس لصالح إسرائيل بحق المحتجزَين الفرنسيين، معتبراً ذلك «استفزازاً لفرنسا وخياراً عدوانياً غير مقبول». وأكد عزمه مناقشة القضية قريباً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، قائلاً: «الرد لن يتأخر».من جهتها، قالت السفارة الإيرانية في باريس إن القضية لا تزال قيد التحقيق القضائي ولم يُتخذ أي قرار نهائي بعد.

أولوية الأولويات الفرنسية

إزاء هذا التطور اللافت الذي يأتي في سياق عمليات القبض على العديد من الإيرانيين والأجانب التي تقوم بها الأجهزة الأمنية الإيرانية والتي تتبعها غالباً اتهامات بالتعامل مع «الموساد» نظراً للاختراقات الإسرائيلية الواسعة والخطيرة للأجهزة العسكرية والمدنية الإيرانية، كان من الضروري لباريس أن ترفع الصوت، لا، بل إن تهدد طهران. وجاء ذلك على لسان وزير الخارجية جان نويل بارو الذي بعث، الخميس، بأربع رسائل إلى السلطات الإيرانية: أولاها: «المطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط» عن سيسيل كوهلر البالغة من العمر 40 عاماً، وعن جاك باريس البالغ 72 عاماً.

ماكرون محاطاً برئيس الحكومة فرنسوا بايرو (يسار) ومانويل فالس وزير شؤون ما وراء البحار خلال اجتماع في قصر الإليزيه الأربعاء (أ.ف.ب)

والثانية: اعتبار باريس أن التهم الموجهة إليهما، في حال تأكد توجيهها، «غير مبررة ولا أساس لها من الصحة». وثالثة الرسائل: إعادة التأكيد على أن فرنسا «ستواصل الوقوف إلى جانبهما وإلى جانب عائلتيهما اللتين تمران بمحنة عصيبة للغاية، طالما كان ذلك ضرورياً». وجاء في حرفية رابعة الرسائل أن «إطلاق سراح سيسيل كوهلر وجاك باريس أولوية مطلقة بالنسبة لنا، ولطالما أكدنا لمحاورينا في النظام الإيراني أن مسألة القرارات المحتملة بشأن العقوبات ستكون مشروطة بحل هذه المشكلة، وهذا الخلاف الكبير، والإفراج» عن كوهلر وباريس.

لماذا ترفض طهران إطلاق سراح الرهينتين؟

ثمة صعوبة في التعامل مع هذه المسألة وقوامها أن الجانب الإيراني الرسمي لم يؤكد أو يشر إلى هذه الاتهامات التي جاء خبرها على لسان «دبلوماسي غربي» هو على الأرجح الدبلوماسي الفرنسي الذي سمح له بالقيام بزيارة قنصلية للسجينين، وقد نقل عنهما أنهما مثلا أمام قاضٍ (من غير تحديد تاريخ)، وأن الأخير وجه «إليهما الاتهامات الخطيرة». ونقل عن ناعومي كوهلر، شقيقة سيسيل، قولها: «جل ما نعلمه أنهما التقيا قاضياً أكد لهما الاتهامات» مضيفة أن الاثنين لم يتمكنا من الاطلاع على ملفيهما، كما أنهما حُرما من التواصل مع محامين مستقلين للدفاع عنهما.

منذ مدة طويلة، يندد الفرنسيون بالمعاملة السيئة التي وصفتها باريس بأنها «ترقى إلى مستوى التعذيب». وذهبت فرنسا، في شهر أبريل (نيسان) الماضي، إلى تقديم شكوى رسمية ضد إيران أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي منددَة بـ«الاحتجاز التعسفي» المفروض على مواطنيها.

واللغز الذي يحير متابعي هذه المسألة يتناول الأسباب التي دفعت إيران إلى الإفراج سابقاً عن أربعة رهائن فرنسيين، بينما ترفض التجاوب مع الطلب المتكرر الذي تصر عليه باريس، إن على لسان إيمانويل ماكرون، رئيس الجمهورية، أو جان نويل بارو، وزير الخارجية، وهو ما أكده الأخير الخميس.

من هنا، العودة إلى الحديث عن «دبلوماسية الرهائن» التي تتبناها طهران منذ سنوات، والقائمة على الإبقاء على مواطنين غربيين في سجونها حتى الحصول على مقابل. لكن تجدر الإشارة إلى أن ماكرون هو المسؤول الغربي الوحيد الذي يتواصل مع نظيره مسعود بزشكيان. وآخر اتصال بينهما يعود ليوم الأحد الماضي. ووفق التغريدة التي كتبها ماكرون على منصة «إكس» بعد الاتصال وضمنها ستة مطالب، جاء الإفراج عن كوهلر وباريس في المرتبة الأولى، وفي الثانية المحافظة على المؤسسات الفرنسية، تليها مطالب أربعة تخص البرنامج النووي الإيراني وتشعباته.

اتهامات متبادلة بين باريس وطهران

يرى مصدر فرنسي على صلة بملف العلاقات الفرنسية - الإيرانية أن الأجواء السائدة بين الجانبين «لا تبشر بخير» بسبب الاتهامات المتبادلة بينهما. فطهران تأخذ على باريس امتناعها عن إدانة «الهجمات الاستباقية» التي قامت بها إسرائيل ضد المواقع النووية الإيرانية واكتفاءها بالدعوة إلى عدم التصعيد وهو ما اعتبرته، ضمناً، تأييداً للعمليات الإسرائيلية.

سيسيل كوهلر تقف أمام لوحة في فيديو اعترافات قسرية بثته قناة «العالم» الإيرانية العام الماضي

كذلك، امتنعت فرنسا عن انتقاد أو توجيه اللوم لواشنطن للضربات التي أمر بها الرئيس ترمب، فضلاً عن تبنيها للمطلب الأميركي - الإسرائيلي بمنع إيران من تخصيب اليورانيوم على أراضيها، أو ما يسمى «صفر تخصيب». كذلك، تأخذ على فرنسا دورها في الاجتماع الأخير لمجلس المحافظين الذي أصدر قراراً، بطلب غربي، يدين إيران لعدم احترامها لالتزاماتها في إطار معاهدة منع انتشار السلاح النووي. وتعتبر طهران أن القرار المذكور وفر لإسرائيل الذريعة للقيام بحربها الاستباقية ضد إيران. ولا تمر الأخيرة مرور الكرام على «تشدد» فرنسا والسير في دعوتها لتحجيم البرنامج الصاروخي - الباليستي الإيراني (إضافة إلى النووي)، ومعطوفاً عليه التنديد بسياسة طهران الإقليمية التي تصفها بأنها «مزعزعة للاستقرار».

في المقابل، فإن باريس تأخذ على طهران استخدامها الرهينتين للضغط عليها، فضلاً عن وقوفها إلى جانب روسيا في حربها على أوكرانيا، وسياساتها الضارة في الإقليم، والقمعية في الداخل.

العودة إلى «سناب باك»

إزاء هذه الوضعية المعقدة، لم يتردد وزير الخارجية في اللجوء إلى «المدفعية الثقيلة»، أي التهديد بالسعي لتفعيل آلية «سناب باك» في مجلس الأمن الدولي التي تتيح إعادة فرض ست مجموعات من العقوبات الدولية على إيران، والتي جاءت في ستة قرارات دولية. وليس سراً أن إيران تتخوّف من هذا الاحتمال، وسبق لها أن هدّدت باتخاذ إجراءات جذرية للرد عليه. وبعد أن قررت الأربعاء وقف التعامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن الإجراء الجذري قد يكون الخروج من معاهدة حظر الانتشار النووي، وهو ما دأب الرئيس ماكرون على التحذير منه.

بارو متحدثاً في البرلمان الثلاثاء وهدد إيران بتفعيل آلية «سناب باك» في حال لم تفرج عن الرهينتين الفرنسيتين (أ.ف.ب)

هل سترعوي إيران، وتذعن للمطلب الفرنسي بعد أن أشهرت باريس هذا السلاح؟ السؤال مطروح، لكن الإجابة عنه راهناً بالغة الصعوبة، كمن يضرب الرمل لقراءة المستقبل. لكن ما هو ثابت أن بين الطرفين اليوم هوّة سحيقة رغم التواصل غير المنقطع بين الجانبين. وبأي حال، فإن ربط بارو وجهة السياسة الفرنسية بملف بالغ الخطورة كالملف النووي الإيراني، الذي لا يخفى تأثيره على الوضع الأمني والاستراتيجي في الشرق الأوسط، فضلاً عن تداعياته السياسية، يبدو مبالغاً فيه، خصوصاً أن موضوع «سناب باك» ليس محصوراً بفرنسا وحدها، إنما تتشارك فيه مع بريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة، ومجلس الأمن ككل.


مقالات ذات صلة

«صدفة أم تسوية» أغلقت ملف الرهائن بين باريس وطهران؟

شؤون إقليمية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون معانقاً سيسيل كوهلر في حديقة قصر الإليزيه بعد وصولها إلى باريس عقب 4 سنوات احتجاز بإيران (أ.ف.ب)

«صدفة أم تسوية» أغلقت ملف الرهائن بين باريس وطهران؟

إغلاق ملف الرهائن بين باريس وطهران ووزير خارجية فرنسا يقول: لم نربط أبداً مصير رهائننا بخياراتنا الخارجية.

ميشال أبونجم (باريس)
الولايات المتحدة​ صورة مُرسلة بتاريخ 28 فبراير 2026 تُظهر قوة من حركة «طالبان» عند نقطة تفتيش قرب معبر تورخم الحدودي بين باكستان وأفغانستان (د.ب.أ)

اتهام أميركي لـ«طالبان» بممارسة «دبلوماسية الرهائن»

أدرجت الولايات المتحدة الاثنين أفغانستان ضمن قائمة الدول الراعية للاحتجاز غير القانوني، واتهمت «طالبان» بممارسة «دبلوماسية الرهائن».

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة نشرها الجيش الإسرائيلي لمن قال إنه قائد في فيلق النخبة التابع لحركة «حماس» بلال أبو عاصي استهدفه اليوم في قطاع غزة (صفحة المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي على إكس)

غارة إسرائيلية تستهدف قيادياً في «حماس» شارك بهجوم 7 أكتوبر

أعلن الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، استهداف قائد في فيلق النخبة التابع لحركة «حماس»، والذي شارك في هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، في غارة جوية إسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين في طائرة الرئاسة «إير فورس وان» بعد مغادرته المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس متوجهاً إلى واشنطن - 22 يناير 2026 (أ.ب)

ترمب: «حماس» ساعدت في تحديد مكان رفات آخر رهينة ... وعلينا نزع سلاحها

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مقابلة مع موقع «أكسيوس»، الاثنين، إن حركة «حماس» ساعدت في تحديد مكان رفات آخر رهينة إسرائيلي، وعليها الآن نزع سلاحها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال لقائه مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن... 22 أكتوبر 2025 (رويترز)

ترمب يرحّب باستعادة رفات آخر رهينة إسرائيلي... ويشيد بمجهود فريق عمله من «الأبطال»

في أوّل تعليق منه على استعادة إسرائيل جثة آخر رهينة لها في غزة، رحّب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالخطوة، مشيداً بمجهود فريق عمله في هذا الإطار.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

إسرائيل واثقة من وقوع حرب جديدة مع إيران

امرأة إيرانية تمر أمام جدارية مناهضة لإسرائيل في طهران (رويترز)
امرأة إيرانية تمر أمام جدارية مناهضة لإسرائيل في طهران (رويترز)
TT

إسرائيل واثقة من وقوع حرب جديدة مع إيران

امرأة إيرانية تمر أمام جدارية مناهضة لإسرائيل في طهران (رويترز)
امرأة إيرانية تمر أمام جدارية مناهضة لإسرائيل في طهران (رويترز)

في الوقت الذي ينشغل فيه الإسرائيليون بالاتفاق الإطاري بين الولايات المتحدة وإيران، وسط رأي سائد بأنه سيئ لإسرائيل وللمصالح الغربية عموماً، والإقليمية خصوصاً، كشف النقاب عن اتجاه يسود في قيادة الجيش الإسرائيلي وغيره من أجهزة الأمن في تل أبيب للإعداد لجولة حربية مقبلة حتماً مع إيران. لذلك، يستعد الجيش الإسرائيلي بكل قوته لمواجهة الخطر وخوض المعركة المقبلة المتوقعة.

وحسب ما يجري من مداولات في أروقة دائرة التخطيط الاستراتيجي في الجيش الإسرائيلي، فإن الإسرائيليين يرون أن: «القادة الإيرانيين لا يحترمون الاتفاقيات، كما ظهر في الحرب الأخيرة عدة مرات، ولا يؤمنون حقاً بتعاليم الإسلام الذي يوصي حتى بسابع جار، ولا يكترثون للثمن الذي يدفعه الشعب الإيراني، لذلك فإنهم سيخرقون الاتفاق في أول مناسبة».

فالأحداث الأخيرة، عندما بلغت المفاوضات ذروتها لوقف النار وبدا أن الرئيس الأميركي مصمم على إنهاء الحرب، تعززت الثقة بالنفس، الزائدة أصلاً لدى الإسرائيليين، وبدأوا يعدون للحرب المقبلة. ويُتوقع أنهم سيستغلون فترة المفاوضات لمواصلة مشاريعهم الحربية.

«تصحيح شروط الاتفاق»

بزشكيان يعرض نسخة من «مذكرة التفاهم» الموقعة مع ترمب لإنهاء الحرب (أ.ف.ب)

وبغض النظر عما يدور في الأروقة السياسية الإسرائيلية ومحاولات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التأثير على الإدارة الأميركية لتصحيح شروط مذكرة التفاهم الموقعة مع إيران، يتضح من تلك المداولات أن الجيش الإسرائيلي يتصرف كما لو أن الحرب مستمرة، ويضع إيران هدفاً استراتيجياً لمخططاته.

ومن مظاهر هذا السلوك أن الجيش الإسرائيلي ضاعف الجهود الاستخبارية لمتابعة ما يجري في طهران، خصوصاً ما تفعله طهران من ترميم قدراتها العسكرية التي تلقت ضربات قاسية خلال الحرب. وتبدو تل أبيب واثقة من أن إيران ستخرق الاتفاق عن طريق وكلائها في لبنان.

وتكشف مداولات الجيش الإسرائيلي عن أنه بمجرد أن تخرق إيران الاتفاق في لبنان سيتم استئناف الحرب بشكل أفضل؛ لأن الجيشين الشريكين، الأميركي والإسرائيلي، سيكونان قد استفادا من التجربة السابقة لتوجيه ضربات أقسى لإيران.

المعروف أن قسم التخطيط الاستراتيجي في الجيش الإسرائيلي هو الجهة المكلفة برصد التطورات المؤثرة على إسرائيل ووضع الخطط لمواجهتها في السنوات المقبلة، على المديين القريب والبعيد. وهو يعمل بغض النظر عن التحركات السياسية والالتزامات التي يفرضها التعاون الوثيق مع الولايات المتحدة، مع أنه يهتم بإشراك الأميركيين في تقديراته وخططه.

إيران هدف مركزي

صورة نشرها الجيش الإسرائيلي لرئيس الأركان إيال زامير خلال متابعة الضربات على إيران في غرفة العمليات خلال مارس الماضي

وعندما يضع الجيش الإسرائيلي إيران هدفاً مركزياً، تعمل ماكينته الضخمة على متابعة كل حراك داخل إيران. ويتضح من المداولات أن الجيش الإسرائيلي يرى أن طهران لم تتخل عن أهدافها ضد إسرائيل، بما في ذلك «تدميرها».

كما يرى أن إيران لا تخفي هذا الهدف، حتى وهي في عز المفاوضات مع الأميركيين للتوصل إلى اتفاق سلام شامل. فالدولة العبرية خارج حسابات السلام الإيرانية.

والمعروف كذلك أن الحكومة الإسرائيلية، ولأسباب سياسية داخلية، تتعامل مع التفاهمات الأميركية - الإيرانية بنظرة سلبية. وتعارض أي مفاوضات مع طهران، وتقول إن أي اتفاق نجم وينجم عنها سيكون سيئاً لأن مجرد الحوار مع «الحرس الثوري» الإيراني يقويه.

وتجد تل أبيب في مذكرة التفاهم «تنازلات أميركية غير مفهومة»، لكن في خطابها الرسمي لا تنتقد الاتفاق وتحاول الامتناع عن إغضاب الرئيس ترمب. وكما قال نتنياهو لوزرائه، بعد الكشف عن الاتفاق: «أستطيع مط الحبل وشده ولكنني لا أريد أن أقطعه».

في المقابل، يعمل الجيش الإسرائيلي بهدوء كما لو أنه لا يوجد اتفاق. ومع أنه يفضل أن تكون الحرب المقبلة أيضاً بشراكة كاملة مع الجيش الأميركي، فإنه يستعد أيضاً لخوض الحرب المقبلة وحده، وربما بدعم أميركي ولو من بعيد، مثل المساهمة في اعتراض الصواريخ الإيرانية قبل وصولها إلى إسرائيل، وتزويد المقاتلات الإسرائيلية بالوقود في الجو، وتزويد تل أبيب بالمعلومات الاستخبارية وبيعها أسلحة حديثة، مثل القنابل الذكية وغيرها.

وفي ضوء التقديرات في دائرة التخطيط الاستراتيجي، يتم إشراك الصناعات الحربية الإسرائيلية بالمعطيات حتى تهتم بتطوير الأسلحة الحديثة وسد النقص الذي يمكن أن ينجم عن تجنب واشنطن المشاركة في الحرب.


نتنياهو يدعو إلى الحفاظ على «العلاقة الحيوية» مع واشنطن

 رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو يدعو إلى الحفاظ على «العلاقة الحيوية» مع واشنطن

 رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليوم (الخميس)، أهمية الحفاظ على «العلاقة الحيوية» بين الدولة العبرية والولايات المتحدة، عقب توقيع الأخيرة تفاهماً مع إيران وظهور تباينات علنية بينه وبين الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وقال نتنياهو الذي أطلق وترمب الحرب على إيران في فبراير (شباط): «لم ينتهِ الصراع بعد، وتنتظرنا تحديات إضافية، تتطلب تقديراً هادئاً ودفاعاً راسخاً عن المصالح الأمنية لإسرائيل، وفي الوقت عينه الحفاظ على العلاقة الحيوية مع أصدقائنا الأميركيين الذين وقفوا معنا كتفاً لكتف في هذا القتال».

وأضاف، في بيان صادر عن مكتبه، أنه «يقدّر بشكل عميق الشراكة» مع واشنطن.


ترمب وبزشكيان يوقعان على إنهاء الحرب... ومحادثات التنفيذ تبدأ في سويسرا

TT

ترمب وبزشكيان يوقعان على إنهاء الحرب... ومحادثات التنفيذ تبدأ في سويسرا

 الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مراسم توقيع الاتفاق الأميركي الإيراني في قصر فرساي (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مراسم توقيع الاتفاق الأميركي الإيراني في قصر فرساي (أ.ف.ب)

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان مذكرة تفاهم أولية لإنهاء الحرب وفتح مسار تفاوضي مدته 60 يوماً، في خطوة أعادت فتح مضيق هرمز أمام الملاحة وخففت الضغوط على أسواق النفط، لكنها أبقت الملفات الأكثر تعقيداً، من النووي والعقوبات إلى الصواريخ ولبنان، أمام مفاوضات تبدأ الجمعة في سويسرا برعاية باكستان وقطر.

وجاء الاتفاق بعد أكثر من ثلاثة أشهر على حرب اندلعت في 28 فبراير (شباط)، بضربات أميركية - إسرائيلية على إيران، قبل أن تمتد تداعياتها إلى الخليج العربي ولبنان وأسواق الطاقة العالمية.

وتعرض وقف إطلاق النار، المعلن في أبريل (نيسان)، لانتهاكات متكررة، إلى أن قادت باكستان، بمشاركة قطرية متزايدة، مساراً انتهى إلى «مذكرة تفاهم إسلام آباد».

وقّع ترمب نسخة ورقية من المذكرة خلال عشاء أقامه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مساء الأربعاء في قصر فرساي. وقال ترمب للصحافيين: «وقّعته للتو».

ونشر مسؤول في البيت الأبيض مقطعاً مصوراً يظهر الرئيس الأميركي وهو يوقع الوثيقة إلى جانب ماكرون وزوجته بريجيت، قبل أن يسلمها إلى وزير الخارجية ماركو روبيو.

وفي طهران، نشرت وسائل إعلام رسمية صوراً للرئيس بزشكيان وهو يحمل نسخة من المذكرة تحمل توقيعه وتوقيع ترمب. كما وُضِع على الوثيقة توقيع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، بصفته وسيطاً بين الطرفين.

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف يعرض نسخة من «مذكرة تفاهم إسلام آباد» بعد توقيعها من الرئيسين الأميركي والإيراني في إسلام آباد (رويترز)

وأكدت وزارة الخارجية الإيرانية، الخميس، أن صياغة نص مذكرة تفاهم إسلام آباد انتهت بتوقيع الرئيسين إلكترونياً. وقال المتحدث باسمها إسماعيل بقائي إن «الوقت الآن لاختبار تنفيذ هذا الاتفاق»، مضيفاً أن النسختين الفارسية والإنجليزية متطابقتان، وأن الجانب الأميركي وقع النص الفارسي أيضاً.

وأشاد بزشكيان بالاتفاق، واصفاً إياه بأنه «وثيقة تاريخية». ونشر عبر منصات التواصل الاجتماعي نسخة من المذكرة مذيلة بالتوقيعات، وكتب: «هذه وثيقة تاريخية ورسالة من إيران قوية: سيتحقق السلام في ظل الاحترام المتبادل».

سويسرا تبدأ المحادثات

قالت وزارة الخارجية السويسرية إن الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب الوسطاء باكستان وقطر ودول أخرى معنية، ستجتمع الجمعة في منتجع بورغنشتوك قرب لوسيرن لبدء المفاوضات الأولى بشأن تنفيذ الاتفاق. وأضافت أن الخطة لا تزال قائمة لعقد الاجتماع، من دون تقديم تفاصيل إضافية بشأن جدول الأعمال.

وكان من المرجح أن يحضر نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، بعدما قاد كل منهما وفد بلاده في جولة التفاوض المباشرة الوحيدة التي عُقدت في إسلام آباد.

وقدّم قاليباف رواية مفصلة لمحطة إسلام آباد، قائلاً إن الوفدين عقدا خلال 24 ساعة ثلاث جولات تفاوضية حول النص، وثلاث جولات ثلاثية بحضور الوسيط. وأضاف أن إيران أبلغت الوسطاء قبل بدء المحادثات بأن وقف إطلاق النار في لبنان وتحرير الأموال الإيرانية المجمدة سيكونان من محاور التفاوض.

بزشكيان يحمل نسخة من مذكرة التفاهم الموقعة لإنهاء الحرب وبدء مسار التفاوض مع واشنطن (أ.ف.ب)

وقال قاليباف إنه أبلغ فانس في إسلام آباد أن طهران لا تثق بواشنطن، لكنها حضرت «بحسن نية» ومن موقع قوة. وربط بين نتائج الحرب ومسار المفاوضات، معتبراً أن «راية انتصار الميدان» شكلت سنداً للوفد الإيراني.

حضر لبنان بقوة في رواية قاليباف للمفاوضات. وقال إن استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت خلال المفاوضات غيّر أجواء المحادثات، بعدما أبلغ الوفد الإيراني الوسطاء بأن طهران سترد. وأضاف أن هذه الرسالة نُقلت خلال دقائق إلى الطرف الآخر.

وبحسب قاليباف، فإن بعض النصوص التي لم تُحسم خلال 50 أو 60 يوماً من التفاوض أُنجزت خلال ساعات، وخصوصاً ما يتعلق بلبنان. وقال إن وقف النار في الضاحية توسع لاحقاً إلى لبنان كله، معتبراً ذلك نتيجة الجمع بين التفاوض والضغط العسكري.

ورأى قاليباف أن رفع الحصار البحري، الذي كان مقرراً خلال 30 يوماً في نص المذكرة، بدأ فعلياً في وقت أسرع. وقال إن «مذكرة التفاهم هي سجل هزيمة الولايات المتحدة»، مضيفاً أن الناس سيطّلعون عليها ويحكمون بأنفسهم.

ترمب يدافع عن التفاهم

دافع ترمب عن الاتفاق في مواجهة انتقادات داخلية قالت إنه منح إيران أفضلية. وكتب على منصة «تروث سوشال» أن «هؤلاء الأغبياء الذين يعتقدون أنني لم أكن قاسياً بما فيه الكفاية حيال إيران، في حين تحقق أسواق الأسهم مستويات قياسية، وتنهار أسعار النفط، هم غيارى، أو أشخاص سيئون، أو حمقى».

وفي منشور آخر، قال ترمب إن «النفط يتدفق»، وإن إيران «لن تمتلك سلاحاً نووياً أبداً»، معتبراً أن «العالم سيكون آمناً». وأضاف أن أسواق الأسهم تشهد صعوداً قوياً، وأن الوظائف عند مستويات قياسية، فيما تتراجع الأسعار، مؤكداً أن الولايات المتحدة «قوية وآمنة وتحظى بالاحترام أكثر من أي وقت مضى». وختم قائلاً: «على الرحب والسعة».

ومع ذلك، أبقى ترمب التهديد العسكري قائماً، إذ قال في تصريحات سابقة إن مذكرة التفاهم ليست اتفاقاً نهائياً، وإن واشنطن قد تعود إلى القصف إذا لم تكن راضية عن التنفيذ.

تنص مذكرة التفاهم على وقف الحرب على كل الجبهات، بما في ذلك لبنان، وفتح مضيق هرمز، ورفع الحصار الأميركي عن الموانئ الإيرانية، وبدء فترة تفاوض مدتها 60 يوماً، قابلة للتمديد بموافقة الطرفين، للتوصل إلى اتفاق نهائي بشأن البرنامج النووي الإيراني والعقوبات.

نسخ من صحيفة «همشهري» في أحد أكشاك طهران تحت عنوان مقتبس من رواية «ذهب مع الريح» (أ.ف.ب)

وتلتزم واشنطن خلال فترة التفاوض بإصدار إعفاءات لتصدير النفط الخام الإيراني والمنتجات البترولية والمشتقات وجميع الخدمات المرتبطة بها، بما في ذلك التعاملات المصرفية والتأمين والنقل. كما تلتزم الولايات المتحدة برفع عقوباتها عن إيران في حال التوصل إلى اتفاق نهائي.

وفي الملف النووي، سيناقش الطرفان آلية للتعامل مع مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. وتنص الوثيقة على أن «الحد الأدنى» من الآلية هو خفض نسبة التخصيب داخل إيران تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ورحبت الوكالة بالاتفاق. وقال مديرها العام رافائيل غروسي إن «العمل الفني يبدأ الآن»، وإن دور الوكالة سيكون تحديد «الخطوات الملموسة» لتنفيذ أي اتفاق نهائي. وأكد أن الإشارة إلى إشراف الوكالة في المذكرة «بالغة الأهمية».

الصواريخ خارج التفاوض

أعلنت طهران بوضوح أن برنامجها للصواريخ الباليستية خارج مسار المفاوضات المقبلة. وقال بقائي للتلفزيون الإيراني إن «الصواريخ الإيرانية مخصصة للإطلاق فقط، لا للتفاوض»، مضيفاً أن القدرات الدفاعية الإيرانية لن تكون محل نقاش «بأي شكل، ولا في أي مسار، ولا مع أي طرف».

وجاء الموقف الإيراني بعدما بدا ترمب أكثر ليونة في هذا الملف، إذ قال على هامش قمة مجموعة السبع في فرنسا إنه من «غير المنصف» ألا تمتلك إيران بعض الصواريخ إذا كانت دول أخرى تمتلكها، معتبراً أن الموقف من الصواريخ يختلف عن الموقف من السلاح النووي.

وكانت واشنطن وإسرائيل قد انتقدتا مراراً برنامج الصواريخ الإيراني، ورأت فيه الولايات المتحدة تهديداً لإسرائيل والقواعد الأميركية في المنطقة. غير أن مذكرة التفاهم لم تتطرق إلى الملف الصاروخي، وهو ما تسعى طهران إلى تثبيته باعتباره خطاً أحمر خارج التفاوض.

إيراني يمر أمام صورة للمرشد مجتبى خامنئي في طهران غداة توقيع اتفاق إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة (إ.ب.أ)

يمثل مضيق هرمز أحد أكثر بنود الاتفاق حساسية. فالمذكرة تنص على أن تضمن إيران المرور الآمن للسفن التجارية من دون رسوم لمدة 60 يوماً فقط، على أن تستأنف الحركة البحرية بالكامل خلال 30 يوماً.

وبعد ساعات من توقيع الاتفاق، أبحرت ثلاث ناقلات عملاقة ترفع العلم السعودي وتحمل ستة ملايين برميل من النفط عبر المضيق. كما بدأت سفن أخرى كانت تخفي مواقعها بإعادة تشغيل أجهزة الإرسال استعداداً للعبور.

وقال قاليباف إن مضيق هرمز «لن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب»، مضيفاً أن لإيران «حقاً سيادياً» فيه، وأنها ستجبي رسوماً مقابل الخدمات بعد انتهاء فترة الإعفاء. وقال بقائي إن إدارة المضيق ستكون مسؤولية مشتركة بين إيران وسلطنة عمان.

ورحب مدير وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول بالاتفاق، لكنه دعا إلى إعادة فتح المضيق «دون شروط»، بما يضمن ثقة كل الأطراف بأمن الملاحة. وقال إن الأزمة أظهرت أن المضيق أُغلق مرة، ويمكن أن يُغلق مجدداً، مشيراً إلى أنها أعادت رسم خريطة الطاقة العالمية.

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة بندر عباس بعد توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران (رويترز)

وصف شهباز شريف مذكرة تفاهم إسلام آباد بأنها «تاريخية»، وقال إنها دخلت حيز التنفيذ فوراً. وأكد أن إيران ستعيد فتح مضيق هرمز على الفور، وأن الولايات المتحدة سترفع الحصار البحري فوراً. وأشاد بترمب وفريقه، وببزشكيان وفريق التفاوض الإيراني، وخصّ بالذكر دور قطر والسعودية وتركيا ومصر والمشير عاصم منير.

وقالت الخارجية القطرية إن المذكرة «تمثل أساساً صلباً للانطلاق نحو المرحلة المقبلة من المفاوضات بين الجانبين»، عشية المحادثات المرتقبة في سويسرا.

في لبنان، ورغم نص المذكرة على وقف الحرب وضمان وحدة الأراضي اللبنانية وسيادتها، استمرت الضربات الإسرائيلية الخميس. وأفادت وسائل إعلام لبنانية بمقتل أشخاص في ضربات جنوبية، فيما قالت إسرائيل إنها تجري محادثات صعبة مع واشنطن لإبقاء قواتها في جنوب لبنان.

وفي الأسواق، تراجعت أسعار النفط مع ارتياح المتعاملين لإعادة فتح مضيق هرمز واحتمال زيادة الإمدادات، بعدما كان إغلاقه أحد أكبر اضطرابات إمدادات النفط في التاريخ. وتبقى حركة الأسعار مرتبطة بتفاصيل التنفيذ وإزالة الألغام وعودة الملاحة إلى مستويات ما قبل الحرب.