فقدت الساحة الثقافية في البحرين والخليج عموماً، الشاعر والكاتب البحريني علي عبد الله خليفة (1944 - 2026) أحد أبرز الأصوات في حركة الشعر البحريني الحديث، الذي رحل صباح الاثنين بعد مسيرة طويلة قضاها بين الشعر والتراث الشعبي.
وتولى الراحل إدارة البحوث الثقافية بالديوان الملكي في البحرين، ورئيساً للمنظمة الدولية للفن الشعبي، كما أشرف على تأسيس مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية، وتولى إدارته خمس سنوات، وهو عضو مؤسس في أسرة الأدباء والكتاب في البحرين.
ونعته «هيئة البحرين للثقافة والآثار» الشاعر علي عبد الله خليفة باعتباره من رواد الحركة الأدبية والثقافية، وأسهم بشكل فعال في تعزيز الهوية الوطنية وترسيخ الإرث الثقافي للبلاد.
وقالت الهيئة إن علي عبد الله خليفة يُعدُّ شخصية ثقافية بحرينية بارزة، وُلد في مدينة المحرق عام 1944، وهو شاعر وباحث في الثقافة الشعبية، وله إسهامات واسعة في الأدب والفنون.
بدأ نشر شعره في الستينات، وصدرت له العديد من المجموعات الشعرية، بالإضافة إلى أوبريتات غنائية وأبحاث ميدانية حول التراث الشعبي في الخليج.
كما أسس عدداً من المؤسسات الثقافية، وشغل مناصب رفيعة من أبرزها؛ رئيس المنظمة الدولية للفن الشعبي ومدير عام إدارة البحوث الثقافية بالديوان الملكي البحريني.
وحصل خليفة على وسام الكفاءة من الدرجة الأولى الذي منحه إياه عاهل البلاد، إلى جانب العديد من الجوائز والتكريمات، من بينها الجائزة العالمية الكبرى في الفنون من رومانيا، ودرع الإبداع عن دوره في حركة الشعر البحريني الحديث، كما نال شهادات فخرية من جامعات دولية، إضافة إلى أوسمة رفيعة من الرؤساء العرب.
ويُعتبر الشاعر علي عبد الله خليفة علامة بارزة في الشعر العربي الحديث، حيث أثرى المكتبة العربية بإنتاجه الشعري والبحثي، وترجم العديد من أعماله إلى لغات عالمية، وأسهم في تأسيس مؤسسات ثقافية وفنية على المستويين المحلي والدولي، مما جعله أحد رموز الثقافة والفنون في البحرين والعالم العربي.

رائد الشعر الحديث
علي خليفة كان شاعراً بطبعه، وهو الذي قال في حديث سابق مع «الشرق الأوسط» إن الشعر سيظل ملاذه من التصحر الروحي والجفاف العاطفي.
وفي عام 1969 صدرت للشاعر علي عبد الله خليفة أول مجموعة شعرية بعنوان «أنين الصواري» عن «دار العلم للملايين» بلبنان، ومثّل هذا الديوان نقطة تحول في الشعر البحريني الحديث، بعد أجيال من الشعر الكلاسيكي، التي كان أبرز روادها الراحل إبراهيم العريض، وأحمد بن محمد الخليفة، حيث اتسمت أشعارهم بالغنائية الرومانسية.
ومثلت مرحلة «أنين الصواري» انعطافة نحو مرحلة الشعر الحديث، بدأها خليفة، وشارك فيها فيما بعد قاسم حداد، وعلي الشرقاوي، وأمين صالح، وعلوي الهاشمي.
وتنقل علي عبد الله خليفة بين الشعر والتراث الشعبي، وشكّل العالمان معاً صورته الجمالية، حتى إن الناقدين يوسف شحادة وباربارا ميخالاك لاحظا في كتابيهما «في عالم علي عبد الله خليفة الشعري» الصلة الوثيقة بين المكان الذي نشأ فيه، وهو البحرين، بحياة نصوصه الشعرية.
ومنذ أن كان طالباً يتهجى لغة أجنبية، وضعته الصدفة في طريق البروفسور الدنماركي بول أولسن، خبير علم موسيقى الأجناس، والبروفسور السويسري الفرنسي سايمون جارجي، رئيس قسم الدراسات الإسلامية والشرقية بجامعة جنيف سابقاً، في زياراتهما إلى البحرين للتنقيب عن تراثها، حيث كان دليلهما للقاء النهامين وفناني أهازيج الغوص على اللؤلؤ.

وقد انغمس خليفة في عشق التراث الشعبي البحريني، وحوّل موروثه إلى مادة شعرية وإلى أغنيات وأوبريتات، كما في ديوانه «قال المعنى» حيث يوثق فن المواويل الشعبية ويستحضر موروث منطقة الخليج وتاريخها في قالب أدبي فريد، واستخدم في هذا الديوان مهارته الإبداعية في التعامل مع فن الموال الذي يعتبر من أقرب فنون الشعر الشعبي إلى الوجدان العربي.
وتدور أغلب التجارب الشعورية في هذا الديوان حول حبّ البحرين وأهلها. «هذا الحب المنفتح على عوالم كل الأجناس والأقوام محتضناً الطبيعة متأملاً في الوجود من خلال روح شفافة وقلب عاشق شغوف بالحياة، وبلهجة شعبية حديثة هي أقرب ما تكون إلى اللغة العربية الأم».
بالإضافة إلى «أنين الصواري» أصدر عام 1970 «عطش النخيل»، تلاه «إضاءة لذاكرة الوطن» عام 1973، ثم «عصافير المساء» عام 1983، تلاه «حورية العاشق» عام 2000، و«يعشب الورق» و«لا يتشابه الشجر» و«على قلب واحد» عام 2005، ثم «قمر وحيد» عام 2006.
كما صدر كتابه «وشائج»، الذي يضم مختارات من أشعاره، ويعد من أبرز مشروعاته الشعرية، إذ يقدم مسيرته الإبداعية بالفصحى والمحكية إلى القارئ الفرنسي. وهو عبارة عن منتخبات من أشعار علي خليفة، تغطي كامل مسيرته الشعرية، بشقيها الفصحى والمحكي، بالإضافة إلى دراسات نقدية.
وصدر الكتاب بدعم من مؤسسة «ربيع الشعراء» بفرنسا، في الوقت الذي عملت الفنانة الفرنسية شانتال لوجندر على توظيف اللوحات المصاحبة له من خلال شفافيات خاصة سحبت أساساً على الزجاج المعشق، وهو الخامة الأساسية التي وضعت بها اللوحات.

سادن الحكايات
في عام 2007 تنبّه الشاعر البحريني علي عبد الله خليفة، العاشق للتراث المحلي، إلى عدم وجود تدوين متسع للحكايات الشعبية البحرينية رغم ثرائها وتنوعها الخلاق، وإلى ضرورة تدوين الحكاية الشعبية البحرينية باللهجات الشعبية المحكية دون تحويلها إلى الفصحى؛ سعياً إلى الحفاظ على صورة المروية الشفاهية الشعبية كما قِيلت.
ومن هنا ولد مشروع موسوعة «الحكايات الشعبية البحرينية: ألف حكاية وحكاية»، وهو أكبر مجموع حكائي شعبي يتم إنجازه في العالم العربي، وأول مسح ميداني للحكايات الشعبية البحرينية، وقد تمّ فعلياً تدشين هذه الموسوعة في جامعة البحرين، الصرح الأكاديمي الذي نهضت بمهمة إجراء عملية المسح والتدوين، حيث عمل 100 طالب وطالبة تحت إشراف الدكتورة ضياء الكعبي، لإجراء عمليات مسح وتدوين وتحقيق الحكايات الشعبية من 1200 راوٍ وراوية يتوزعون بين قرى ومدن البحرين، تتراوح أعمارهم بين 50 و82 سنة.

وصدرت الموسوعة في خمسة مجلدات تضم 1650 صفحة، ونُفذّ المشروع بتعاون مشترك بين كلية الآداب بجامعة البحرين، والمنظمة الدولية للفن الشعبي، والثقافة الشعبية للدراسات والبحوث والنشر.
بالنسبة لعلي عبد الله خليفة، فإن «الحزاوي» - كما تسمى في البحرين – «تعتبر منافساً قوياً لمختلف فنون القول الشفاهي لاتصالها بالقص والتأثير الشخصي الحميمي لطريقة سرد الرواة».
ورغم كل ظروف الحياة المعاصرة وتغيرات أنماط العيش، «فإن ذاكرة أجيال حية لا تزال بها بقايا من أحداث تلك الحزاوي التي ألهبت الخيال وشكلت بذور الوعي بعالم متخيل جميل».
