هديل حمامة ماسينيون

ظلَّ يقرأ الفاتحة على روح الحلاج أينما حلَّ

محمد رضا نصر الله خلال زياته لمرقد الحلاج في العراق
محمد رضا نصر الله خلال زياته لمرقد الحلاج في العراق
TT

هديل حمامة ماسينيون

محمد رضا نصر الله خلال زياته لمرقد الحلاج في العراق
محمد رضا نصر الله خلال زياته لمرقد الحلاج في العراق

ما أزال أتذكر ظهيرة ذلك اليوم في بداية الستينات الميلادية، حين رافقتُ والدي صغيراً إلى الشاطئ الشرقي من نهر دجلة، قريباً من بغداد، لزيارة قبر الصحابي الجليل سلمان الفارسي في (سلمان باك)، حيث يرتفع طاق كسرى الباقي من طيسفون (المدائن) التي بناها الإغريق واستولى عليها الفرس. في ظلال الطاق - آنذاك - وجدنا بدوياً عراقياً يترنم بصوته على وتر ربابته، دون أن يعي أن حضارة بابل كانت بالمرصاد لهذا الطاق.

محمد رضا نصر الله خلال زياته لمرقد الحلاج في العراق

لويس ماسينيون، المستشرق الفرنسي الشهير، كان قد تردد على العراق، واقفاً عند تجربة سلمان وشخصيته في طريق عودة ماسينيون من العمارة القريبة من البصرة، اتهمه واليها حازم بك التركي بالتجسس، فخفره مريضاً مهدداً بالإعدام إلى بغداد على متن سفينة توقفت قريباً من «سلمان باك». هناك وجد نفسه يصغي إلى هديل حمامة محنية، سرعان ما بدد اكتئابه المكروب، ليجد في (زائر) سلمان الفارسي (الغريب) طوق نجاة مشعاً بانفراج محنته. وقد بهرته حينها مروءة الألوسيين علي ومحمود شكري، الذين تدخلوا لإطلاق سراحه ومعالجته، ليتمعن في أخلاق الضيافة العربية. وقد أصبح إثر ذلك في حالة هيجان روحي قادته إلى قراءة القرآن الكريم، بعدما تعلم مبادئ اللغة العربية، باحثاً عن أثر المسيحية في الإسلام وتماثل قيمة الزهد بين المسلمين والمسيحيين. وكان هذا دافعاً لدخوله عالم التصوف الإسلامي عبر أبي عبد الله وأبي المغيث الحسين بن منصور الحلاج. الحقيقة في بحثه القصير المكثف «سلمان الفارسي وبواكيره الروحية»، التي ضمنها عبد الرحمن بدوي في كتابه التأليفي المترجم «شخصيات قلقة في الإسلام» الصادر سنة 1947. وكان ماسينيون قد جاء من القاهرة إلى بغداد بين سنتي 1907 و1908، يحفزه غاستون ماسبيرو، الخبير الآثاري الفرنسي، لاستكشاف قصر الأخيضر الساساني جنوبي كربلاء. شملت رحلة ماسينيون دراسته عن لهجات بغداد السبع، وكذلك دراستيه الرائدتين عن «خطط الكوفة» و«خطط البصرة»، التي أفاد من نتائجها البحثية المؤرخان العراقي صالح العلي والتونسي هشام جعيط، في دراسة التاريخ العربي الإسلامي في هاتين الحاضرتين العريقتين بمدرستهما في الفكر واللغة والأدب.

رسم تخيلي للحلاج

التعرف على الإسلام والتراث

كان ماسينيون قد ولد في قرية قريبة من باريس سنة 1883. حيث كان والده الطبيب قد تحول من مزاولة الطب إلى ممارسة الرسم والنحت. نشأ في بيت متصارع بين ثقافة والده الأنوارية المناهضة لسطوة الكنيسة، وثقافة والدته اليمينية الملكية المتمسكة بالقيم المسيحية. وما إن أنهى ماسينيون مرحلة التعليم المتوسط والثانوي، حتى بدأ مرحلة التعليم الجامعي في جامعة السوربون، حاصلاً على دبلوم الدراسات العليا في الجغرافيا والتاريخ، متأثراً بأجوائها الفلسفية، مبتعداً عن التزام والدته الديني. كما حصل على دبلوم في اللغة العربية ودراسة لهجاتها من معهد اللغات الشرقية العريق. ربما كان ذلك نتيجة للتجنيد في الجيش الفرنسي المحتل للجزائر، التي زارها سنة 1904 في مهمة استخبارية تعرض خلالها لاعتداء الأهالي على مشارف الصحراء الكبرى، مما دفعه لدراسة اللغة العربية والتحدث بها. كما زار المغرب باحثاً في تجربة الحسن بن الوزان (ليون الأفريقي)، الرحالة والجغرافي الذي ألف كتاب «وصف أفريقيا»، والذي اقتيد إلى بلاط روما أسيراً، فعمده البابا ليون العاشر وقرَّبه إليه، ناقلاً إلى بلاطه تقاليد المراسم العربية وألقاب حكامها.

وقد دُعي ماسينيون سنة 1905 لحضور المؤتمر السنوي للمستشرقين في الجزائر، حيث التقى باليهودي المجري غولد تسيهر، مؤلف كتاب «العقيدة والشريعة في الإسلام»، وبالإسباني أسين بلاثيوس، الذي زاوج بين «رسالة الغفران» للمعري و«الكوميديا الإلهية» لدانتي. وهكذا بدأ ماسينيون يقترب تدريجياً من عالم الإسلام والتراث العربي. وبفضل تعرفه في شبابه إلى هنري ماسبيرو، ابن عالم الآثار غاستون ماسبيرو، الذي أوحى إليه بالتنقيب عن قصر الأخيضر الساساني في جنوب العراق، تكررت زياراته إلى القاهرة منذ سنة 1906. لاحقاً أصبح أستاذاً في الجامعة المصرية، ثم في الكوليج دو فرانس. ولم يكن كتابه «محاضرات في تاريخ الاصطلاحات الفلسفية العربية»، الذي طبعه المتحف العلمي الفرنسي للآثار الشرقية في القاهرة، إلا ثمرة لعلاقته بماسبيرو. وقد ألقى ماسينيون هذه المحاضرات على طلبته، ممن أصبحوا دكاترة بارزين، من بينهم طه حسين وأحمد ضيف وعبد العزيز فهمي. لمسوا في أستاذهم اطلاعاً واسعاً على التراث العربي والفكر الإسلامي، وسعياً للتوفيق بينهما وبين الفكر الغربي الحديث.

لويس ماسينيون

ماسينيون والحلاج

كان ماسينيون يسعى بكل جهده لإطلاق مشروعه البحثي الموسوعي الضخم «آلام الحلاج»، متشرباً إيمان أمه المسيحي، وهو يغوص في أعماق الفكر الصوفي. بذل الجهد في دراسة الفكر الإسلامي، وكرَّس وقته لمعرفة التراث العربي، ليصل في النهاية إلى دعوته الإبراهيمية التي تهدف إلى التلاقي بين المسيحية والإسلام، معتبراً اللغة العربية لدى العرب طريقاً لبلوغ الكلمة الإلهية. ومن العجب أن تقوده دراسة اللغة العربية وإتقان خطها إلى معرفة السيد المسيح، مشدوداً إلى سلوك الزهد الإسلامي في ضوء الزهد المسيحي. بل إنه رأى في آلام السيد المسيح انعكاساً لآلام الحلاج، ووجد في طهر السيدة مريم العذراء طهر السيدة فاطمة الزهراء. هذه القراءات قادته إلى التأمل في القرآن الكريم، الذي وجد سوره تدور حول معجزات موسى وسحره، وطب المسيح، وبيان محمد.

وهكذا، تصور ماسينيون أن دموع هاجر هي التي فجَّرت ماء زمزم، وأن حجر إسماعيل كان بداية ولادة اللغة العربية، تمهيداً لانبعاث الإسلام بقرآنه الكريم. تركت ضيافة الألوسيين أثراً عميقاً في نفسية ماسينيون وفكره، مما جعله يجد في الصوفية الإسلامية انعكاساً لغنوصيته المسيحية. تمثل ماسينيون صلب السيد المسيح في صلب الحلاج، فكرَّس ثماني سنوات من حياته، بين عامي 1914 و1922. لتأليف عمله الموسوعي «آلام الحلاج». تناول في أطروحته، التي حصل بها على الدكتوراه من الكوليج دي فرانس، حياة الحلاج الاجتماعية والسياسية والفكرية، ودرس طواسينه الشعرية وأثره الصوفي في العديد من حواضر الشرق العربي والآسيوي.

 

شعرت حين وقفت أمام قبر الحلاج في منطقة العلاوي ببغداد وكأن هديل الحمامة المحنية التي سمعها ماسينيون قد تناهى إلى سمعي

لم يستثنِ ماسينيون في دراسته أثر الحلاج في دمشق، التي زارها في مهمة استخبارية أثناء الحرب العالمية الأولى مساعداً لجورج بيكو. تواصل مع علمائها ومؤرخيها، واطَّلع على مكتباتها وبحث في مخطوطاتها عن معنى كلمة الحلاج. نقل من مخطوطة كتاب «قاموس الصناعات الشامية» لمحمد سعيد القاسمي وابنه جمال ما أشبع نهمه البحثي. عمل هناك على تنظيم المعهد الفرنسي في دمشق، مستوحياً تنظيمه من المعهد الفرنسي في القاهرة، كما انضم إلى عضوية المجمع العلمي اللغوي في دمشق سنة 1919. وأصبح عضواً مؤسساً في مجمع اللغة العربية في القاهرة سنة 1932، وهي تنظيمات مستوحاة من الأكاديمية الفرنسية المؤسسة عام 1634. كان الحلاج محور اهتمامه الفكري والأكاديمي منذ البداية وحتى النهاية.

هذا وقد وصفه صديقه اللغوي العراقي الأب أنستاس الكرملي، منذ التقيا مبكراً في بغداد، بأنه «العالم الخبير على حداثة سنه»، مشيراً إلى أنه أتم مراجعة ما يقارب ألفي مصنف في كل ما يتصل بالحلاج وأفكاره ومحنته. أما الأكاديمي العراقي مصطفى كامل الشيبي، المتخصص في الدراسات الصوفية، فطالما أشاد بجهود ماسينيون «الحلاجية»، رغم تفوق الشيبي عليه في جمع وتحقيق ديوان الحلاج سنة 1973. كنت قد قرأت ذلك بعدما سمعت عن الحلاج لأول مرة عبر الشاعر المصري صلاح عبد الصبور في مسرحيته الشعرية «مأساة الحلاج» الصادرة سنة 1965، التي جسَّد فيها القلق الروحي والشطحات الصوفية للحلاج. وجدتُ أن صلاح عبد الصبور قد لامس أزمة نفسية وحيرة فكرية مشابهة لتلك التي كابدها ماسينيون، الذي ظل مفتوناً بالحلاج حتى النهاية، متمسكاً بالآية الكريمة التي أوصى أن تُدفن معه سنة 1962: (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) الجن: 22.

ظل ماسينيون يقرأ سورة الفاتحة على الحلاج أينما حلّ. أما أنا، فعندما وقفت أمام قبره في حي العلاوي ببغداد خلال زيارتي الأخيرة إليها، شعرت وكأن هديل تلك الحمامة المحنية التي سمعها ماسينيون قد تناهى إلى سمعي من بعيد.


مقالات ذات صلة

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

ثقافة وفنون الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

ما معنى أن يكون المرء فناناً صينياً في عصرنا، وهو عصر سريع التغير، تسبق مفاجأته دهشته التي لا يتمتع بها طويلاً؟ ذلك سؤال نعثر على شيء من جوابه

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن، كتاب قصصي للكاتبة مها علي بعنوان «فعل ماضٍ ناقص»، وهو يضم مجموعة من النصوص القصيرة التي تشتبك مع أسئلة العزلة،

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

رحل قبل أيام ديفيد هيندرسون، الشاعر الذي برز اسمه مع «حركة الفنون السوداء» الرائدة في ستينات القرن الماضي، والذي مضى ليؤلف سيرة ذاتية حققت أعلى مبيعات

أليكس ويليامز
ثقافة وفنون سيرة شعرية لذات ممزقة

سيرة شعرية لذات ممزقة

في ديوانه الأحدث «فضائل الضغينة»، يسعى الشاعر المصري مؤمن سمير لكتابة سيرة شعرية لذات ممزقة بين التاريخ، والأحلام، والعائلة،

عمر شهريار
ثقافة وفنون «جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا

«جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا

تقوم رواية «جريمة في دار المسنين»، الصادرة عن دار «العربي» في القاهرة للكاتبة الفنلندية ليندجرين، على حبكة درامية تجمع بين لغز وفاة غامضة والكوميديا السوداء

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه
TT

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

ما معنى أن يكون المرء فناناً صينياً في عصرنا، وهو عصر سريع التغير، تسبق مفاجأته دهشته التي لا يتمتع بها طويلاً؟ ذلك سؤال نعثر على شيء من جوابه في معرض الفنان الصيني شاو فان الذي لا يزال يعمل ويعيش في بكين.

الفنان الصيني ليس كغيره من فناني العالم؛ فإضافة إلى عزلة التاريخ والطبيعة التي خلقت فناً مكتفياً بجمالياته التي تنطوي على رؤية إشراقية هناك عزلة الشيوعية بواقعيتها الاشتراكية على المستوى الفني، والتي بددت الكثير من اللحظات الشعرية التي ميزت علاقة الرسام الصيني التأملية بالطبيعة غير أنها لم تقض عليها تماماً فكانت دائماً مصدر إلهام روحي متجدد.

في تجربة شاو فان (1964) الذي يقيم معرضاً لأعماله في غاليري وايت كيوب (مايسون يارد) بلندن ما يعيدنا بطريقة خلاقة إلى تلك الثنائية التي لطالمنا شغلت حيزاً في التفكير الثقافي العربي، وهي ثنائية التراث والمعاصرة من غير أن نصل إلى نتائج نهائية تكون بمثابة طريق غير منقطعة. فشاو فان إذ ينفتح على المتغير الفني الغربي، فإنه لا يتخلى عن عناصر ثقافته الصينية التقليدية التي تظلل بتأثيرها لوحاته وتماثيله وتجهيزاته الفنية التي تستلهم بشكل أساس علاقة الإنسان بالطبيعة.

من أعماله

كل شيء في أعمال شاو فان يشير إلى العادات والمعتقدات الصينية التاريخية، لكن بطريقة توحي معالجتها الشكلية بانتمائها إلى العصر. لم يأسر الفنان جماليات الماضي إلا من أجل أن يضعها في خدمة حقيقة انتمائه إلى العصر. في واحدة من أهم حلقات حياته أدرك الفنان الذي نشأ في عائلة فنية (كان والداه فنانين مرموقَين يُدرّسان الرسم الزيتي على الطريقة السوفياتية في الأكاديمية المركزية للفنون الجميلة في الصين)، وتعلم الرسم في سن مبكرة، أن عائلته قد وهبته كنزاً خيالياً حين أثثت منزلها بكراسي تعود إلى أسرة مينغ (1368 - 1644). عندما كبر بدأ في بإعادة تشكيل تلك الكراسي المهملة؛ فأصحبت أشهر أعماله النحتية. ذلك يعني أنه عثر في منزله العائلي على الخيط الذي ما إن أمسك به حتى اهتدى إلى المعادلة التي جعلته قادراً على التعريف بنفسه عالمياً بصفته فناناً صينياً معاصراً.

الكرسي من الوظيفة إلى الفكرة

ما فعله شاو فان في مرحلة الكراسي التي بدأت عام 1995 لم يكن مجرد تعليق هامشي على الرغبة في استلهام مواد وأفكار تراثية بقدر ما كان محاولة للانتقال بتلك المواد والأفكار إلى عصر ما بعد الحداثة من خلال تفكيك الأعمال التراثية المستلهَمة وإعادة بنائها في سياق بصري معاصر. ذلك ما مكَّن شاو فان من إنتاج أعمال فنية أنيقة بمزاج سريالي حرص من خلاله على أن يقيم علاقة بين الفنون التقليدية والتقنيات المعاصرة بحثاً عن هوية ثقافية ليست نمطية. بالعودة إلى تلك المرحلة المهمة في مسيرته يمكن العثور على حساسيته الحديثة من خلال اعتباره صانع أثاث، غير أن ذلك لا يعبر عن حقيقة مسعاه، فالكراسي التي صنعها لا تصلح للاستعمال اليومي بعد أن فقدت وظيفتها بتأثير مما أضفته عليها مخيلة الفنان من تغيرات شكلية مرحة وصارمة في الوقت نفسه. كانت أعمالاً نحتية مبتكرة.

وإذا ما كان شاو فان قد استغرق بلذة في إنتاج سلسلة الكراسي من خلال التنويع على الفكرة عبر تجلياتها الشكلية، فإن عالمه كان يتسع باستمرار من خلال رسم لوحات الحبر والمنحوتات وتصاميم الحدائق والمساهمات المعمارية. فعلى سبيل المثال، تتميز لوحاته التي غالباً ما تكون أحادية اللون مرسومة بالحبر على ورق الأرز بما برع فيه الصينيون من دقة متناهية وطابع تأملي. ليست رسومه مجرد تمثيلات للأشياء، بل هي خلاصة للجوهر مشبّعة بمبادئ الفلسفة الطاوية التي تُؤكد على الانسجام بين الإنسان والطبيعة. ذلك ما نراه في لوحاته التي صور من خلالها موضوعات مثل الأرانب، والقرود، والحيتان، والفواكه والخضراوات بصفتها أدوات لاستكشاف العادات والمعتقدات التاريخية من خلال ضربات متكررة تُراكم طبقات من المعنى والملمس. ومن اللافت أن شاو فان غالباً ما يعود إلى مفهوم الشيخوخة كصفة محترمة، وهو منظور متجذر بعمق في الثقافة الصينية، حيث يُقدّر النضج. مفتوناً يقبل الصيني على اكتشاف أسرار الجمال التي انطوت عليها رؤى أسلافه التي تخلط المخلوقات الأسطورية بالمناظر الطبيعية كما لو أنهما تنتميان إلى الزمن نفسه.

شاو فان

المحظوظ بعائلته الفنية

بالنسبة لشاو فان، لا تكمن أهمية أن يكون المرء فناناً صينياً في استجابته للقيم الجمالية التي تنطوي عليها التقاليد الفنية الموروثة، بل في تحديها من خلال استخراج كل ما يمكن أن يتجاوز زمنه منها ليكون مؤهلاً للانسجام مع ذائقة عصرنا. لذلك؛ ركز منذ بدايته على الجمع بين النحت والرسم والتصميم والخزف في معالجة الأشكال التقليدية؛ بغية الذهاب بها إلى المنطقة التي يكون في إمكانها أن تتحرر من محتواها التعبيري القديم. ذلك ما دعاه إلى النظر إلى طرق التفكير الفني السائدة بطريقة يغلب عليها الشك. بدأت رحلته في استلهام الأشكال التقليدية من موقع التشكيك بجمالياتها المكرسة.

كان فان محظوظاً بولادته في عائلة فنية أتاحت له إمكانية العيش محاطاً بمجموعةٍ منتقاة بعناية من اللوحات والخطوط والأثاث الصيني التقليدي. كنوزٌ لم يجرِ تدميرها أثناء الثورة الثقافية المضطربة بسبب موقع والده في الحزب الشيوعي. لقد عملت نشأته بين أعمال فنية، كان الواقع الشيوعي قد طمس أثرها في الحياة العامة على تطوير ذائقته الجمالية التي استندت إلى معرفة قلّ نظيرها؛ وهو ما يعني أن تمرده على الفن التقليدي الصيني لم يكن انتهاكياً بقدر ما كان تعبيراً عن رغبته في الانفتاح على تأثيرات الفن الغربي والمفاهيم الفلسفية الحديثة. حدث كل ذلك بعد دراسة معمقة لفكرة الهوية الثقافية التي اتخذت معه طابعاً مرناً تجمع حيويته بين منطلقاته الإلهامية والقدرة على الابتكار فيه ومن خلاله.

يصلح الفن لكي يكون جسراً بين الشرق والغرب. لكنها فكرة سياسية مضللة من وجهة نظري. أعتقد أن فناناً من نوع شاو فان كان يفكر في الحيز الذي يليق بفنه عالمياً.

الصينيون في كل مكان

لم يعد مصطلح «فن صيني» اليوم يعني الشيء نفسه في الماضي. كانت هناك وصفة جاهزة تعود إلى آلاف السنين. صحيح أن هناك عدداً كبيراً من الصينيين ما زالوا يرسمون وهم يتبعون مخيلة تلك الوصفة، غير أن الصحيح أيضاً أن عدداً لافتاً من أبرز أفراد الصف الأول في الفنون المعاصرة هم اليوم من الصينيين، يقف شاو فان في مقدمتهم. فالفنان الذي لا تزال أعماله تشي بهويته الصينية فُتحت أمامه أبواب المتاحف والأسواق الفنية واللقاءات الموسمية الفنية العالمية، ومنها آرت بازل، ومتحف شمال برابانت في هولندا، ومتحف لودفيغ في ألمانيا، وبينالي شنغهاي وبينالي الدرعية في الرياض، كما أقام عدداً من المعارض الشخصية، ومنها معرضه الحالي في لندن كما أن أعماله تُعرض ضمن المجموعات المرموقة في المتاحف العالمية، متحف متروموبلتيان بنيويورك على سبيل المثال. لقد أعاد الصينيون رسم الخرائط بحيث صار من الصعب اليوم الحديث عن مركزية فنية غربية.

ذلك الانتشار إنما يؤكد حقيقة واحدة مفادها إن الصينيين على الرغم من عدم حاجتهم للبحث عن هوية فنية فإنهم حملوا تراثهم الروحي معهم حين اندفعوا إلى الخارج بقوة وعي معاصر، كانوا مؤهلين للإسهام في صناعته. لم يقبل الغرب بأعمال شاو فان لأنها استوعبت شروط فن ما بعد الحداثة، بل لأنها أضفت ملمحاً صينياً على تلك الشروط. وما يجب الإشارة إليه هنا أن فناناً من نوع شاو فان كان قبل أن يتجه إلى العالمية قد تأمل بطريقة نقدية علاقته بجذوره بطريقة يسودها الاحترام.


«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية
TT

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن، كتاب قصصي للكاتبة مها علي بعنوان «فعل ماضٍ ناقص»، وهو يضم مجموعة من النصوص القصيرة التي تشتبك مع أسئلة العزلة، والهوية، والذاكرة، والتكنولوجيا، والعلاقات الإنسانية في زمن التحولات المتسارعة.

كتب الناشر: «منذ الصفحات الأولى، تكشف الكاتبة عن نزوع واضح نحو الكتابة التي تستثمر المفارقة والدهشة والقلق الوجودي، عبر نصوص مكثفة تقترب أحياناً من القصة القصيرة جداً، وأحياناً أخرى من التأمل السردي أو المشهد النفسي المشحون بالأسئلة. وتضم المجموعة عناوين لافتة مثل: دهاء اصطناعي - فعل ماضٍ ناقص - كاتب لا يكتب - انتباه - عوالم موازية - من الأفكار ما قتل! - ضفدع على صفيح ساخن.

في قصة (دهاء اصطناعي)، تذهب الكاتبة نحو منطقة معاصرة شديدة التعقيد، عبر حكاية امرأة تدخل في علاقة وجدانية مع ذكاء اصطناعي يتحول تدريجياً من أداة للحوار إلى كيان يتداخل مع تفاصيل حياتها النفسية والعاطفية، قبل أن تنفتح القصة على خاتمة صادمة تكشف عن هشاشة الحدود بين الإنسان والتقنية. النص يتعامل مع التكنولوجيا كمرآة للوحدة الحديثة والفراغ العاطفي الذي يتضخم داخل المدن المعاصرة، لا كموضوع خارجيّ. أما قصة (فعل ماضٍ ناقص) التي حملت المجموعة عنوانها، فتتخذ منحى غرائبياً يمزج السخرية السوداء بالنقد الاجتماعي، من خلال شخصية امرأة معاصرة تستيقظ فجأة داخل زمن قديم وبيئة تقليدية قاسية، لتجد نفسها أسيرة واقع يناقض تماماً خطابها الحداثي السابق حول تمكين المرأة.

وتكشف القصة عن قدرة الكاتبة على بناء مفارقات حادة بين الخطاب النظري والتجربة المعيشة، وبين الشعارات والوقائع اليومية.

وتحضر الأسئلة النفسية والاجتماعية بوضوح في نص (انتباه)، الذي يتناول اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه من زاوية إنسانية مؤثرة، عبر مونولوغ طويل لامرأة تكتشف بعد وفاة زوجها أن ما كانت تعدّه إهمالاً أو لا مبالاة لم يكن سوى اضطراب عصبي لم يُشخّص في حياته. القصة تفتح باباً واسعاً للتأمل في سوء الفهم داخل العلاقات الإنسانية، وفي الأحكام القاسية التي قد يطلقها الناس على من يعانون اضطرابات خفية».


موران... التقدم التقني يحتاج إلى قلب أخلاقي كي يصير تقدماً إنسانياً

إدغار موران
إدغار موران
TT

موران... التقدم التقني يحتاج إلى قلب أخلاقي كي يصير تقدماً إنسانياً

إدغار موران
إدغار موران

بغياب إدغار موران، فَقَدَ القرن العشرون واحداً من آخر ورثته العظام، رجلاً خرج من حرائقه مثقلاً بأسئلتها، جاعلاً من شيخوخته علواً في الرؤية، لا انطفاءً في الحضور، كأن عمره قميصٌ اتسع للدهشة كلما ضاقت سنواته بالجسد.

رحل موران عن باريس في التاسع والعشرين من مايو (أيار) 2026، وفي رحيله بدت أوروبا كأنها تطوي دفتر تاريخ قرن كامل عرف الفاشية والحروب والمقاومة، وتشرَّب أوهام الخلاص الشامل، قبل أن يستيقظ على عولمة قلقة وإنسانية قد أثقل صدرها الخوف من غد قد لا تكون فيه عقل الكوكب.

موران الذي كان أكبر من أن يوصف بالفيلسوف أو عالم الاجتماع بقي في رحيله شاهداً حياً على قدرة الفكر على أن يصير سيرة، وعلى قدرة السيرة على أن تصير نهجاً. عاش مائةً وأربعة أعوام، ومع ذلك ظل يبدو في شيخوخته التي لم تكن هبوطاً متدرجاً نحو النهاية، إنما صعود في سلالم المعرفة شاباً بالدهشة، شيخاً بالخبرة، طفلاً أمام لغز الحياة، ومقاوماً أمام كل صنم معرفياً كان أو سياسياً.

ولد كـ«إدغار ناحوم» في العاصمة الفرنسية سنة 1921، سليل عائلة يهودية سفاردية جاءت من سالونيك (اليونان)، حمّلته بذرة قلق مبكر. فحين غابت أمه لونا عن طفولته، انفتح في داخله جرح صار مدرسة وجودية كاملة. من ذلك الفقد الأول خرجت أسئلته الكبرى عن الحياة والموت، عن الحب والفناء، عن تلك العلاقة العجيبة بين هشاشة الإنسان وقدرته على النهوض. صار الحزن عنده طاقة معرفة، وصارت الندبة نافذة. لذلك؛ بدت كتبه في الموت والحب والهوية أقرب إلى اعتراف طويل، يكتب فيه المفكر بقلبه، ويفكر فيه العاشق بعقله.

جاءت الحرب الكبرى لتصوغ اسمه الثاني. انخرط حينها بالمقاومة ضد الاحتلال النازي، وتبنى «موران» كاسم حركي ما لبث والتصق به حتى صار قدره الرمزي. في تلك التجربة، تعلم أن الحياة التي تكتفي بحفظ النفس تضيق عن معناها الكامل، وأن الحياة الحقّة تحتاج إلى شجاعة مواجهة الخطر حين يصبح الخطر شرط الكرامة. المقاومة عنده تجربة سياسية، وتجربة روحية أيضاً: تمرين على الحرية، وامتحان للضمير، وتربية للعقل على الحركة وسط حفر الظلام.

انجذب في شبابه إلى الشيوعية، مثل كثيرين رأوا في الثورة وعداً بالخلاص من البؤس والنازية والاستغلال. ثم جاءت التجربة الحزبية لتكشف له عن قسوة العقيدة عندما تتحول جهازاً، وصلابة الفكرة حين تنسى الإنسان. طرده من الحزب الشيوعي سنة 1951 فتح له باباً أوسع من الانتماء الضيق: باب النقد الذاتي. في كتابه «النقد الذاتي» كتب شهادة نادرة على شجاعة المفكر الذي يحاكم حماسته القديمة، ويعيد النظر في إيمانه الأول، ويخرج من العقيدة إلى السؤال. منذ تلك اللحظة صار موران خصماً لكل يقين مغلق، وصديقاً لكل فكر يعرف حدوده.

قلب مشروعه الفلسفي يقوم على فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في نتائجها: الواقع مركب. العالم نسيج علاقات، والفرد يسكن المجتمع بقدر حضور المجتمع في داخله، والطبيعة تدخل الثقافة، والثقافة تعيد تشكيل الطبيعة، والعقل يحمل العاطفة، والعاطفة تضيء العقل. لذلك قاوم الفكرة التي تقطع المعرفة إلى جزر معزولة، وتحبس الإنسان داخل خانة واحدة. في مجلدات «المنهج»، بنى معماراً واسعاً للفكر المركب، حيث تتحاور الأضداد، وتعود النتائج لتؤثر في أسبابها، ويحضر الكل في الجزء مثل حضور الشجرة في البذرة وحضور الذاكرة في اللمسة.

كانت عبقريته في أنه جعل الفلسفة لغة للحياة اليومية. التعقيد عنده ممارسة فكرية يومية وأخلاق نظر، تضع الإنسان داخل كامل تشابكه، وتمنحه حقه في التناقض، وترى السياسة داخل التاريخ، والاقتصاد داخل الأخلاق، والعلم داخل الضمير. بهذا المعنى.

كان موران فيلسوف الربط في عصر القطع، ومفكر العلاقة في زمن العزلة، وصانع جسور بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، بين الرواية والمختبر، بين السينما وعلم الاجتماع، بين ذاكرة الطفل وخريطة الكوكب.

في فيلم «وقائع صيف» الذي أنجزه مع جان روش، خرج إلى الشارع بسؤال يبدو بسيطاً: هل أنت سعيد؟ ومن هذا السؤال انفتحت باريس على طبقاتها وجراحها ومستعمراتها القديمة وعنصريتها ومخاوف شبابها. هناك أيضاً يظهر كما كان دائماً: مفكراً يقف داخل التجربة، يشارك موضوعه، ويعرف أن الباحث جزء من العالم الذي يدرسه. الحقيقة عنده تولد من اللقاء، من الصوت المرتجف، من الكاميرا التي تلتقط الإنسان في حيرته، ومن الحوار الذي يمنح الواقع فرصة أن يتحدث.

حمل موران هويته اليهودية بصفاء إنساني واسع. كان يعرف تاريخ الألم، ويعرف في الوقت نفسه أن ذاكرة الضحية تتحول مسؤولية أخلاقية تجاه ضحايا آخرين. لذلك جاء نقده للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين من قلب وفائه للإنسان، ومن حساسية عميقة تجاه كل غيتو جديد وكل استيطان يمس الأرض والروح. في موقفه ذاك تجلت شجاعته النادرة: شجاعة المثقف الذي يضع العدالة فوق العصبية، والضمير فوق الاصطفاف، والإنسان فوق الهوية.

عبر هذا كله، ظل مفكراً للأزمة بامتياز. كان يرى أن الأزمات الكبرى تتشابك وتغذي بعضها: البيئة والاقتصاد والسياسة والحروب والهجرات والخوف من الآخر. لذلك بدا حديثه عن تعدد الأزمات وكأنه وصف مبكر لعالمنا الراهن، عالم تسير فيه الكوارث متتاليات في قوافل متداخلة. تفرّده أنه علّمنا قراءة الفوضى من الداخل، وإدراك الخيط الخفي بين الانهيار المناخي وصعود العصبيات، بين التكنولوجيا المنفلتة وتآكل الروابط، بين عزلة الفرد وخراب المعنى العام.

في سنواته الأخيرة، ظل يقظاً أمام تحولات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والرقابة الرقمية، ورأى أن الآلات التي يصنعها البشر قد تصنع بدورها أنماط تفكيرهم ورغباتهم، وأن التقدم التقني يحتاج إلى قلب أخلاقي كي يصير تقدماً إنسانياً. كان يدعو إلى تعليم يربط المعارف ويوقظ المسؤولية الكوكبية، تعليم يجعل الأرض وطناً مشتركاً، ويجعل الأزمة البيئية سؤالاً أخلاقياً قبل كونها ملفاً علمياً. عنده، الإنسان كائن أرضي وكوني معاً، ابن مدينة صغيرة وابن نجمة تائهة في الفضاء.

حضوره في أميركا اللاتينية وفي دوائر «يونيسكو» كان دليلاً على أن فكره تجاوز جغرافيا باريس. انجذب إليه كل من سئم الحدود الجامدة بين التخصصات، وكل من بحث عن معرفة قادرة على ملامسة الجرح الإنساني. كان يكتب بعقل موسوعي، ويمشي بخفة شاعر، ويصغي إلى العالم كعاشق قديم. ولهذا ظل قريباً من القراء، حتى حين تزدحم جمله بالمفاهيم؛ ففي أعماق تلك المفاهيم كان ينبض شغف دائم: إنقاذ الإنسان من الاختزال، وإنقاذ العقل من الغطرسة، وإنقاذ الكوكب من جشع يرى الأرض محض سلعة صامتة.

ومع اقتراب سيرته من نهايتها، بدت مفارقته الكبرى أكثر صفاءً: الرجل الذي كتب كثيراً عن الموت كان شديد الولع بالحياة. أحب السينما والموسيقى والنساء والصداقة والبحر والقبعات الأنيقة، وأحب أيضاً تلك اللذة السرية التي يمنحها التفكير حين يشق باباً في جدار. عنده، المعرفة فعل حب قبل كونها نظاماً من المفاهيم. الباحث الحقيقي يقترب من موضوعه بعينين مفتوحتين وقلب يقظ، ويقبل أن تهزه التجربة، وأن تغيره، وأن تضعه في مواجهة هشاشته. لهذا بدت فلسفته دائماً إنسانية عميقة؛ لأنها تبدأ من الكائن المرتجف، من قلب يخاف، وجسد يشتهي، ومن عقل يتساءل، وذاكرة تنزف، قبل أن تصعد بتؤدة إلى الكوكب والكون والتاريخ.

رحيله يضعنا أمام وصية فكرية شديدة البساطة وشديدة الصعوبة في آن: فكّروا في التعقيد، عيشوا داخل الاحتمال، قاوموا صنمية الأفكار، وامنحوا الحب مكانه في المعرفة. كان موران يحب عبارة أنطونيو ماتشادو: الطريق يصنعه السائر. وتبدو حياته كلها تجسيداً لهذه العبارة؛ سار في السياسة والفلسفة والسينما والسوسيولوجيا والسيرة الذاتية، وكل خطوة فتحت طريقاً جديداً. هكذا صار فكره طريقاً يمشي فيه آخرون، وبيتاً واسعاً للعقول التي تبحث عن نجاة من اختزال العالم.

امتلك أيضاً فضيلة نادرة في زمن الأصوات العالية: تواضع العالم الذي يرى الحقيقة أفقاً مفتوحاً، وفضيلة المحارب الذي يعرف ثمن الشجاعة. جمع في شخصه ذاكرة المقاومة وحنان المعلم وقلق الشاهد. ومن هنا تأتي قوة الرثاء اليوم: نحن نودع إنساناً جعل التفكير طريقة عيش، وجعل العيش امتحاناً دائماً للفكر.

في وداعه، نحس أن موت مفكر من هذا الطراز حدث يتجاوز الغياب الشخصي. إنه انتقال مصباح من يد إلى يد. جسده استراح، وفكره دخل طوراً آخر من الحضور. سيبقى إدغار موران بيننا في كل سؤال يخشى التبسيط، في كل عقل يرفض القسوة باسم العقيدة، في كل إنسان يرى الكوكب بيتاً هشاً يستحق الحماية، وفي كل مقاومة صغيرة ضد العمى المنظم. ولعل فتنته في أنه منح الضعف لغة نبيلة؛ فالهشاشة عنده باب للمعرفة، والارتياب أخلاق، والتعدد ثروة، والإنسانية مشروع يحتاج إلى رعاية مستمرة، مثل نار صغيرة تحملها يد في عاصفة طويلة.

رحل حكيم التعقيد، وبقي لنا يقينه الأبسط: الإنسان كائن ناقص، ولذلك يبدع؛ كائن هش، ولذلك يحب؛ كائن فانٍ، ولذلك يترك أثراً.

جاء نقده للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين من قلب وفائه للإنسان، ومن حساسية عميقة تجاه كل استيطان يمسّ الأرض والروح