الجفاف المفاجئ يتكرر سريعاً بسبب تغيُّر المناخ

ينتج من انخفاض هطول الأمطار بشكل غير طبيعي ويرتبط أيضاً بالتبخُّر الناتج عن ارتفاع درجات الحرارة

صورة من أبريل الماضي لقرية البوزياد في محافظة الديوانية العراقية التي تعاني الجفاف الذي أصابها مع انحسار كميات الأمطار على مدى 4 سنوات (أ.ف.ب)
صورة من أبريل الماضي لقرية البوزياد في محافظة الديوانية العراقية التي تعاني الجفاف الذي أصابها مع انحسار كميات الأمطار على مدى 4 سنوات (أ.ف.ب)
TT

الجفاف المفاجئ يتكرر سريعاً بسبب تغيُّر المناخ

صورة من أبريل الماضي لقرية البوزياد في محافظة الديوانية العراقية التي تعاني الجفاف الذي أصابها مع انحسار كميات الأمطار على مدى 4 سنوات (أ.ف.ب)
صورة من أبريل الماضي لقرية البوزياد في محافظة الديوانية العراقية التي تعاني الجفاف الذي أصابها مع انحسار كميات الأمطار على مدى 4 سنوات (أ.ف.ب)

اعتاد الناس النظر إلى حالات الجفاف على أنها ظواهر مناخية تتطوّر ببطء لتفرض نفسها في منطقة ما خلال سنوات طويلة. ولكن، كما يحدث في الهطولات المطرية الغزيرة أو موجات الحرّ الشديد، يمكن للجفاف أن يظهر في منطقة ما على نحو مفاجئ. وتخلص دراسة حديثة إلى أن حالات الجفاف المفاجئ تشهد تصاعداً حول العالم، ومن المتوقع أن يزداد تواترها تحت تأثير تغيُّر المناخ المرتبط بالنشاط البشري.

تغيُّر المناخ يعزّز حالات الجفاف المفاجئ

تُعتبر حالات الجفاف بشكل عام من المخاطر المناخية طويلة الأمد، حيث يؤدي النقص المستمر في هطول الأمطار إلى تجفيف التربة والغطاء النباتي، ويليه انخفاض منسوب المياه في الأنهار والبحيرات. وقد يتفاقم الجفاف ويستمر لسنوات في مناطق واسعة، ويترك عواقبه السلبية على الناس والطبيعة. وفي الآونة الأخيرة، تسبب انحباس الأمطار في القرن الأفريقي طيلة 6 مواسم في انعدام الأمن الغذائي والهجرة الجماعية.

ويمكن أن يتطوّر الجفاف على نحو سريع، وفي غضون أسابيع فقط. وتُسمَّى هذه الحالة «الجفاف المفاجئ» (Flash Drought) وهي تشبه الفيضانات المفاجئة (Flash Floods) من حيث إنها تظهر فجأة دون سابق إنذار، وتكون التأثيرات شديدة بسبب ضيق الوقت للاستعداد لمثل هذا الجفاف أو التعامل معه قبل فوات الأوان.

ورغم أن مُصطلح «الجفاف المفاجئ» حديث نسبياً؛ إذ نشأ في الولايات المتحدة في أوائل القرن الحادي والعشرين، فإن حالات الجفاف المفاجئ موجودة في جميع أنحاء العالم بخصائص متفاوتة ومعروفة جيداً للسكان المحليين. وكانت الولايات المتحدة قد شهدت في صيف 2012 جفافاً مفاجئاً أدّى إلى تدهور الحقول والمراعي في معظم أنحاء البلاد خلال شهر واحد، وتسبب في خسائر تزيد على 30 مليار دولار، لا سيما في قطاع الزراعة.

ووفقاً لمعظم حالات الجفاف، ينتج الجفاف المفاجئ عن انخفاض هطول الأمطار بشكل غير طبيعي، رغم أنه يرتبط أيضاً بالتبخُّر المفرط الناتج عن ارتفاع درجات الحرارة. لذلك، من المتوقع أن تصبح حالات الجفاف المفاجئ أكثر تهديداً وشيوعاً مع ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض.

وتشير دراسة، نشرتها دورية «ساينس» قبل أسابيع، إلى أن حالات الجفاف المفاجئ ازدادت خلال السبعين عاماً الماضية. ويعزو معدّو الدراسة هذا الاتجاه إلى تغيُّر المناخ الناتج عن النشاط البشري، مما يرجّح زيادة تواتر حالات الجفاف المفاجئ في المستقبل، وحصولها بشكل أسرع، حتى لو زاد الاحترار العالمي على نحو متواضع نسبياً.

وتؤكد الدراسة أن موجات الجفاف المفاجئ تحدث بشكل أكبر في المناطق الرطبة، حيث تتوفّر كمية كافية من المياه للتبخُّر. وعندما تكون الظروف مناسبة، كانخفاض هطول الأمطار والإشعاع الشمسي المرتفع وسرعة الرياح العالية ووجود خصائص مساعدة في التربة أو الغطاء النباتي، يمكن أن تتبخّر كمية كبيرة من المياه بسرعة.

ويؤدي الجفاف المفاجئ إلى تلاشي رطوبة التربة، مما يؤثر بسرعة على القطاعات التي تعتمد عليها، مثل الزراعة والنظم البيئية. وتتباين آثار الجفاف المفاجئ باختلاف خصائص كل منطقة، إذ إن بعض أنواع التربة تجف أسرع من غيرها، وبعض المناطق لديها موارد مائية وفيرة تضمن رياً تكميلياً، وبعض المحاصيل أكثر مقاومة للإجهاد المائي والحرارة. كما تتفاوت نسبة السكان الذين يعتمدون على الزراعة لكسب عيشهم بين المناطق. ويعتمد ذلك أيضاً على التعافي من الجفاف المفاجئ، فيما إذا كان سيحصل بالسرعة نفسها التي بدأ بها أو يتطوّر إلى جفاف طبيعي طويل.

ويختلف تأثير الجفاف باختلاف الفترات التي يحلّ بها وتداخلها مع مراحل نمو المحاصيل. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يؤثر الجفاف المفاجئ الذي يستمر لأيام قليلة بشكل كبير على غلّة المحاصيل، عندما يحدث خلال مراحل الإزهار أو التلقيح، بينما يمكن أن يكون خلال موسم النمو في وقت لاحق مفيداً لنمو النبات ونضج الفاكهة. كما أن الجفاف المفاجئ في نهاية موسم الأمطار يكون أقل ضرراً، حيث تكون الأرض اختزنت كميات كافية من المياه.

وتوجد أغلب المناطق المعرَّضة للجفاف المفاجئ في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، التي تضم بشكل عام أعداداً أكبر من السكان المعرّضين للخطر وتمتلك موارد مالية أقل للتكيُّف، لاسيما في المناطق القاحلة وشبه القاحلة. ورغم أن احتمالية حدوث موجات الجفاف المفاجئ في المناطق المدارية الرطبة واردة، فإن مخاطر الجفاف المفاجئ أعلى في المناطق القاحلة منها في المناطق المدارية.الجفاف المفاجئ يزداد عربياًتُظهر الدراسة المنشورة في دورية «ساينس» أن معدّل حالات الجفاف المفاجئ، مقارنةً مع حالات الجفاف المديد، ارتفعت في أكثر من 74 في المائة من المناطق التي حددتها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ كموضع اهتمام، في تقريرها بشأن الظواهر المناخية المتطرفة.

وتشير الدراسة إلى أن مناطق معيّنة، مثل جنوب أستراليا وشمال وشرق آسيا والصحراء الكبرى وأوروبا والساحل الغربي لأميركا الجنوبية، هي الأكثر تضرراً من حالات الجفاف المفاجئ. وفي المنطقة العربية، تُصنّف بلدان شمال أفريقيا وشرق المتوسط، بما فيها الأردن والعراق، ضمن المناطق التي تشهد زيادةً تاريخية في حالات الجفاف المفاجئ.

وتُعتبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ضمن أكثر مناطق العالم تعرّضاً للإجهاد المائي، حيث تضم 6.3 في المائة من سكان العالم، في حين تحظى بنحو 1.4 في المائة من المياه العذبة المتجددة في العالم. وتشير الدلائل من جميع أنحاء المنطقة إلى أن العقود الأخيرة شهدت أكثر الفترات جفافاً في الألفية الماضية، وتُعزى شدّة حالات الجفاف في هذه الفترة جزئياً إلى تغيُّر المناخ الناتج عن النشاط البشري.

كما تشير الدلائل من المنطقة إلى أن حالات الجفاف كانت ضمن أكثر المخاطر الطبيعية تكلفة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، إذ تؤثّر على الميزانيات الوطنية وعائدات التصدير وفواتير الاستيراد، وتُساهم في زيادة التفاوتات الاجتماعية، وتعميق الآثار الصحية السلبية، والهجرة من الريف، والاضطرابات السياسية الواسعة.

ولا تزال حالة الجفاف المفاجئ التي شهدها لبنان عام 2014 حاضرةً في الأذهان. وكان عديد من المزارعين في سهل البقاع الخصب قد حرثوا الأرض ونثروا البذور عندما قُطعت إمدادات مياه الري بسبب انخفاض مستويات السدود. ومع ارتفاع درجات الحرارة وغياب إمدادات المياه، أدّى الجفاف خلال 4 أشهر فقط إلى خسائر كبيرة في قطاعي الزراعة والسياحة لم تشهدها البلاد منذ 60 عاماً.

ويُعدّ انحباس الأمطار في شتاء 2014 الأسوأ في شرق المتوسط منذ سبعينات القرن الماضي، وتسبب في جفاف أصاب نحو ثلثي الأراضي الصالحة للزراعة في سوريا ولبنان والأردن وفلسطين والعراق. وفي الأردن، حيث انخفضت مناسيب المياه في السدود بمقدار النصف، مقارنةً بالعام السابق، تغيّر تصنيف الجفاف خلال أشهر، من الوضع المعتدل إلى الوضعين الشديد والاستثنائي، في أغلب الأراضي المزروعة غربي البلاد.

وتوجد عوامل كثيرة تعزز فرص تطوّر حالات الجفاف المفاجئ في العالم العربي، أهمها مصاعب إدارة الموارد المائية، ومحدودية انتشار أساليب الري الحديث في منطقة تعاني بالفعل قلّة المياه. وكانت وزارة الموارد المائية والري المصرية قد أصدرت بياناً، بعد الجفاف المفاجئ الذي أصاب محيط ترعة السويس في شهر مارس (آذار) الماضي، نسبت فيه هذا الجفاف إلى «التغيُّرات المناخية المتطرفة، وما نتج عنها من قلّة كميات الأمطار خلال فصل الشتاء، ونمو الحشائش الغاطسة في الترعة بمعدلات سريعة، نتيجة ارتفاع الحرارة غير المعتاد، وإقبال المزارعين على سحب المياه بكثافة لري المحاصيل، ووجود أعمال تطوير في منطقة الترعة».

ويتطلّب تخطيط استراتيجيات التكيُّف والتنبؤ والتخفيف، تقدير الحد الأدنى لمدة الجفاف التي تولّد التأثيرات والتوقيتات الحرجة المرتبطة بها، بالإضافة إلى تقدير العواقب الأخرى التي تنشأ عن الجفاف المفاجئ. وحتى الآن، تركزت الأبحاث بشكل كبير ومنطقي على التأثيرات الزراعية، وستكون نقطة البداية مراقبة كيفية تأثر المجتمع بشكل عام بالجفاف.

وتتمثّل الخطوة الأولى، التي تحظى بشعبية متزايدة في إدارة الجفاف في جميع أنحاء العالم، في إنشاء منظومة رصد توضّح حالة الجفاف الحالية في كل منطقة. ويتم إصدار خرائط الجفاف بشكل شهري غالباً، إلا أن موجات الجفاف المفاجئ قد تتراكم وتؤدي إلى نتائج وخيمة في غضون أسابيع فقط.

ولا تعدّ مراقبة هطول الأمطار وحدها كافيةً لتوقُّع الجفاف المفاجئ؛ إذ قد يظهر تدهور صحة الغطاء النباتي في صور الأقمار الصناعية بعد فوات أوان اتخاذ إجراءات مؤثرة لمواجهة الجفاف. وفي الولايات المتحدة، أثبت الرصد اليومي لرطوبة التربة والنتح عن قرب فعاليته في توقع حالات الجفاف المفاجئ قبل أسابيع من ظهور آثارها الصريحة.

إن التكيُّف الاستباقي مع الجفاف، سواء أكان مديداً أو مفاجئاً، أكثر فعاليةً وجدوى في إدارة أزمات نقص المياه من الحلول القائمة على ردود الفعل. والتحذيرات التي يطلقها الباحثون حول الأحداث المناخية المتطرفة نتيجة تغيُّر المناخ يجب أن تؤخذ على محمل الجد، وقد تكون تهديداتها أخطر بكثير مما هو متوقع.


مقالات ذات صلة

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

يوميات الشرق تسجيل ولادة أول مُهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام (واس)

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام، في مؤشر لعودة كائن غاب عن صحاري الجزيرة العربية.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
بيئة الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا من تحرك احتجاجي في العاصمة التونسية قبل أيام (رويترز)

تونس: مسيرة على الأقدام ضد التلوث البيئي

خرج محتجون من منطقة «الرويسات» بولاية القيروان الاثنين، في مسيرة على الأقدام نحو «قصر قرطاج» الرئاسي بالعاصمة، احتجاجاً على التلوث البيئي الصادر عن مصنع للأسمنت

«الشرق الأوسط» (تونس)
الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيما تواصل فرق الدفاع المدني السوري الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان.

«الشرق الأوسط» (لندن)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».