رئيسة المكسيك تسير على حبل سياسي مشدود: ضغوط واشنطن وتحديات الفساد

مع زيارة وزير الخارجية الأميركي

رئيسة المكسيك كلوديا شينباوم (إ.ب.أ)
رئيسة المكسيك كلوديا شينباوم (إ.ب.أ)
TT

رئيسة المكسيك تسير على حبل سياسي مشدود: ضغوط واشنطن وتحديات الفساد

رئيسة المكسيك كلوديا شينباوم (إ.ب.أ)
رئيسة المكسيك كلوديا شينباوم (إ.ب.أ)

عندما حُكم على زعيم تجارة المخدرات المكسيكي، إسماعيل زامبادا غارسيا، بالسجن المؤبد في محكمة بمدينة نيويورك الأسبوع الماضي، قرأ الرجل المعروف باسم «إل مايو» إقراره بالذنب، موجهاً أيضاً رسالةً قد تكون تسببت في إحراج كثير من المسؤولين المكسيكيين؛ وعلى رأسهم رئيسة البلاد، كلوديا شينباوم.

فقد قال إنه عمل بحرية داخل المكسيك لسنوات من خلال رشوة السياسيين والشرطة والجيش. ورغم أن ما كشف عنه غارسيا لم يكن مفاجئاً؛ إذ لطالما حفلت أفلام «هوليوود» بقصص عن سيطرة كارتلات المخدرات على الحياة السياسية والأمنية في المكسيك، وعن العلاقات المعقدة بها، بما فيها بالأميركيين أنفسهم، فإنه سلّط الضوء على مشكلة متنامية تواجه الرئيسة المكسيكية، التي تتعرض لضغوط شديدة من سيد البيت الأبيض، دونالد ترمب، لبذل مزيد من الجهود للقضاء على الفساد.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزراء الخارجية ماركو روبيو والداخلية دوغ بورغوم والصحة العامة روبرت كيندي خلال اجتماع حكومي في واشنطن (رويترز)

وعلى مدى أشهر، حاولت الرئيسة شينباوم السير على حبل مشدود، عبر إدارة علاقتين معقدتين في آنٍ معاً: علاقة المكسيك بالولايات المتحدة، وعلاقتها بحزبها اليساري النافذ «مورينا» في الداخل. وصرّحت مراراً بأنها «تريد العمل» مع الرئيس ترمب، و«ليس تلقي الأوامر منه». وهو ما ستختبره مع زيارة وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، الذي ستلتقيه لمناقشة كيفية مكافحة عصابات المخدرات؛ المطلب الرئيسي من ترمب الذي جعل التقدم فيه مقياساً لمستقبل العلاقة بالمكسيك سياسياً وتجارياً.

وأبرز وزير الخارجية روبيو علناً التحدي الذي تشكله المنظمات الإجرامية، مشيراً إلى أن التعاون غالباً ما يُعوّق بسبب ارتفاع مستويات الفساد والنفوذ القضائي. وقد ردد الرئيس ترمب هذه المخاوف، مُصرّحاً بأن السلطات المكسيكية «تشعر بالخوف من الذهاب إلى العمل؛ لأن العصابات تُحكم قبضتها الهائلة على المكسيك وعلى السياسيين والأشخاص الذين يُنتخبون». ورداً على ذلك، اتخذت شينباوم إجراءات حاسمة، بما في ذلك قمع العصابات القوية، ونقل عشرات السجناء إلى الولايات المتحدة، ودعم عمليات ضبط كبيرة للمخدرات على الحدود. ومع ذلك، لم تُخفف هذه الجهود من حدة الضغط، حيث هدد ترمب بفرض رسوم جمركية صارمة وتدخل عسكري محتمل إذا لم تتخذ المكسيك خطوات حازمة لوقف تدفق «الفنتانيل»، (مادة مخدرة يفوق تأثيرها الهيروين بأضعاف كثيرة)، عبر الحدود.

مهاجرون يستعدون لتخطي الأسلاك الشائكة بعد عبورهم نهر ريو غراندي ودخولهم الولايات المتحدة من المكسيك خلال سبتمبر 2023 (أ.ب)

وتتطلب شبكة المكسيك المعقدة من التحالفات والمصالح السياسية من الرئيسة شينباوم توخي الحذر، لا سيما عند ملاحقة السياسيين الفاسدين. ويحذر محللون أمنيون وسياسيون بأن استهداف زملائها السياسيين قد يثير ردود فعل عنيفة ويهدد سيطرتها على حزب «مورينا»، واصفين منصبها بأنه «عالق بين ضغوط ترمب وسياسة المخدرات المكسيكية الصعبة».

وأعربت شينباوم عن أملها في الإعلان عن إطار أمني جديد للتعاون بين المكسيك والولايات المتحدة، على الرغم من أنه من المتوقع أن تظل التفاصيل غامضة. ومن المرجح أن يتضمن الاتفاق صياغة تؤكد على احترام سيادة المكسيك، وهي قضية حساسة بالنظر إلى نشر ترمب آلاف الجنود على الحدود الجنوبية وتوجيهه البنتاغون بدراسة اتخاذ إجراءات عسكرية ضد «الكارتلات» المصنفة منظماتٍ إرهابيةً. وقد اندلعت توترات بشأن السيادة في مجلس الشيوخ المكسيكي، حيث كاد نقاش محتدم بشأن التدخل العسكري الأميركي المحتمل يؤدي إلى مشادة كلامية بين أعضاء المجلس.

ولا يُتوقع أن تتناول اتفاقية الأمن المرتقبة جهود مقاضاة المسؤولين المكسيكيين الفاسدين، ولم يُقدّم البيت الأبيض قائمة بالسياسيين الذين يُعتقد ارتباطهم بالكارتلات. على الرغم من ذلك، فإن إدارة ترمب دعت باستمرار إلى اتخاذ إجراءات أشد حزماً لمكافحة الفساد.

رئيسة المكسيك كلوديا شينباوم مع رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو (أ.ف.ب)

ويشير محللون أمنيون إلى أن للكارتلات نفوذاً كبيراً على الحكومة في كثير من مناطق المكسيك. ونظراً إلى هيمنة حزب «مورينا» على فروع الحكومة الفيدرالية الثلاثة؛ فمن المُرجّح وجود صلات بين الكارتلات وبعض أعضاء الحزب والسياسيين المتحالفين معه. وقد تُزعزع ملاحقة هؤلاء السياسيين استقرار تحالفات الحزب الهشة وتُعرّض شينباوم لمخاطر سياسية، لا سيما أن كثيراً من التحالفات أسسها الرئيس السابق لوبيز أوبرادور، الذي اختار شينباوم خليفة له.

ويرى البعض أن معضلة الرئيسة شينباوم هي الاختيار بين الرضوخ للضغوط الأميركية، والتحقيق مع أفراد مقربين من دائرة حزبها السياسي. وهو ما ليست مستعدة له شينباوم حتى الآن، خصوصاً أن عدداً من كبار المسؤولين؛ بمن فيهم حكام ومشرعون وأعضاء في مجلس الوزراء، يشتبه في علاقاتهم بكارتل المخدرات، عيّنهم الرئيس السابق لوبيز أوبرادور.

وتنفي شينباوم مزاعم إيواء حكومتها السياسيين الفاسدين أو التساهل معهم، قائلة إن «الاتهامات وحدها لا تُعادل الفساد». وأشارت إلى تحقيقات رشوة في شركة النفط الحكومية، وأنها دعمت عمليات مكافحة الابتزاز التي أدت إلى اعتقال نحو 60 مسؤولاً محلياً متهمين بالارتباط بعصابات المخدرات. خلال الأشهر الـ11 الأولى من توليها منصبها، اعتقلت السلطات المكسيكية نحو 31 ألف شخص يُشتبه في تورطهم بالجريمة المنظمة، أي ما يعادل نحو 16 ضعف معدل سلفها. ومع ذلك، لم يشمل أيٌ من الاعتقالات المعلنة مسؤولين اتحاديين.

وفي الآونة الأخيرة، ألغت الحكومة الأميركية تأشيرات عضو بارز واحد على الأقل في حزب «مورينا»، وحاكم، وسياسيين آخرين، على الرغم من عدم الكشف عن الأسباب؛ مما أثار الشكوك بشأن هؤلاء الأفراد. كما واجه روبين روشا مويا، حاكم ولاية سينالوا التي تعاني من العنف وهي موطن «كارتل سينالوا» القوي، اتهامات مستمرة بالفساد، وهو ما ينفيه. ورغم كثير من التقارير الإعلامية التي تزعم وجود علاقات بالكارتل، فإن روشا لا يزال يحظى بدعم حزب «مورينا».


مقالات ذات صلة

واشنطن تشعر بخيبة من موقف برّي لرفضه «النصيحة»

المشرق العربي عَلما إسرائيل واللواء غولاني في الجيش الإسرائيلي فوق قلعة الشقيف (رويترز)

واشنطن تشعر بخيبة من موقف برّي لرفضه «النصيحة»

عبّرت واشنطن عن «خيبتها» من موقف رئيس البرلمان نبيه بري لوصفه الطلب من «حزب الله» أن يوقف أولاً هجماته ضد إسرائيل، بأنه مثابة «استسلام».

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا وزير الداخلية الجزائري مستقبِلاً نظيره الفرنسي بمقر الوزارة في 16 فبراير الماضي (وزارة الداخلية الجزائرية)

وزير جزائري يبحث في فرنسا «أزمة المعارضين» و«أموال الفساد»

يبحث وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود الاثنين والثلاثاء بباريس ملفات عالقة بين البلدين تخص التعاون في مجال مكافحة الإرهاب وقضية شبكة «مافيا دي زاد» الإجرامية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا أعضاء «لجنة الذاكرة» خلال اجتماع لهم بالرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)

صعود اليمين المتطرف يهدد بنسف «مصالحة الذاكرة» بين الجزائر وباريس

مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية يبرز تساؤل مُلحّ: ما مصير سنوات من العمل المشترك بين الجزائر وباريس حول ملف «مصالحة الذاكرتين» بين البلدين؟

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)

صدور قانون «تجريم الاستعمار الفرنسي» للجزائر في الجريدة الرسمية

صدر في الجريدة الرسمية للدولة الجزائرية قانون تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر منذ 14 يونيو 1830 حتى الخامس من يونيو 1962، وآثاره المباشرة وغير المباشرة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا قوات موريتانية لمنع تدهورالأوضاع الأمنية على الحدود مع مالي (الجيش الموريتاني)

موريتانيا تستدعي السفير المالي احتجاجاً على انتهاك حرمة سفارتها في باماكو

احتجَّت موريتانيا بشدة، وعبَّرت عن رفضها القاطع لما شهده محيط سفارتها في باماكو من تصرفات، وصفتها بأنها «انتهاك لحرمة بعثتها الدبلوماسية».

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)

مرشحا اليمين واليسار لدور ثانٍ في انتخابات الرئاسة بكولومبيا

صورة مركبة للمرشحين لانتخابات الرئاسة الكولومبية اليساري إيفان سيبيدا (يمين) واليميني أبيلاردو دي لا إسبرييّا (رويترز)
صورة مركبة للمرشحين لانتخابات الرئاسة الكولومبية اليساري إيفان سيبيدا (يمين) واليميني أبيلاردو دي لا إسبرييّا (رويترز)
TT

مرشحا اليمين واليسار لدور ثانٍ في انتخابات الرئاسة بكولومبيا

صورة مركبة للمرشحين لانتخابات الرئاسة الكولومبية اليساري إيفان سيبيدا (يمين) واليميني أبيلاردو دي لا إسبرييّا (رويترز)
صورة مركبة للمرشحين لانتخابات الرئاسة الكولومبية اليساري إيفان سيبيدا (يمين) واليميني أبيلاردو دي لا إسبرييّا (رويترز)

سيتنافس المرشحان اليساري إيفان سيبيدا واليميني أبيلاردو دي لا إسبرييّا في الدور الثاني من انتخابات الرئاسة بكولومبيا في 21 يونيو (حزيران) الحالي وفقاً للنتائج الجزئية للجولة الأولى.

مؤيدون للمرشح اليميني لانتخابات الرئاسة الكولومبية أبيلاردو دي لا إسبرييّا بعد إعلان نتائج الدور الأول في بوغوتا الأحد (رويترز)

وأعلنت الهيئة الانتخابية أن المرشح اليميني أبيلاردو دي لا إسبرييّا فاز بنسبة 44 في المائة من الأصوات متفوقاً على المرشح اليساري إيفان سيبيدا الذي حصل على 41 في المائة، وعلى مجموعة من المرشحين الآخرين. وكان يفترض أن يؤمّن أحد المرشحّين نسبة 50 في المائة من الأصوات لتجنب جولة الإعادة.

وتشهد البلاد أسوأ موجة عنف منذ توقيع اتفاق السلام مع القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك) عام 2016، مع اغتيال الكثير من قادة مجتمعيين ومقتل مدنيين في هجمات بسيارات مفخخة ومسيّرات، بالإضافة إلى مقتل مرشح رئاسي. وبعد مرور عقد من توقيع اتفاق السلام التاريخي، لا تزال جيوب من كولومبيا تحت سيطرة جماعات مسلحة منشقة تهيمن على إنتاج الكوكايين.

الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو يعرض أمام الصحافة ورقة اقتراعه قبل الإدلاء بصوته بالجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في بوغوتا الأحد (رويترز)

ويحظر الدستور ولاية ثانية لأول رئيس يساري في تاريخ البلاد غوستافو بيترو الذي فشلت استراتيجيته «السلام الشامل» في التوصل إلى اتفاق لإنهاء الصراع مع الجماعات المسلحة.

«كثيرون يفكرون في الهجرة»

ويقول منتقدون لسياسة بيترو إن استراتيجيته منحت الجماعات الإجرامية حرية مطلقة؛ ما أدى إلى تصاعد العنف وارتفاع صادرات الكوكايين إلى مستويات قياسية. وقالت كاتالينا ديفيا، وهي مديرة إعلانات تبلغ 42 عاماً وأم لطفلين صوتت لصالح دي لا إسبرييّا: «لقد عززت هذه الحكومة الجماعات المسلحة بكونها متساهلة للغاية» مضيفة: «يفكر الكثير من الكولومبيين في الهجرة»، حسبما نقلت عنها «وكالة الصحافة الفرنسية».

المرشح اليميني لانتخابات الرئاسة الكولومبية أبيلاردو دي لا إسبرييّا يحيي أنصاره بعد إعلان نتائج الدور الأول في بوغوتا الأحد (رويترز)

يشار إلى أن دي لا إسبرييّا (47 عاماً)، شخصية من خارج المؤسسة السياسية، ومؤيد للرئيس الأميركي دونالد ترمب، ويطلق على نفسه لقب «النمر». وخاض حملته الانتخابية من وراء زجاج مضاد للرصاص وتعهد مواجهة الجماعات المسلحة في الجو والبر والبحر. وقال دي لا إسبرييّا في خطاب النصر وهو يرتدي قميص منتخب كولومبيا لكرة القدم: «سأقتل نفسي من أجل كولومبيا إذا لزم الأمر». وسيخوض الآن جولة الإعادة في مواجهة سيبيدا، وهو ابن زعيم شيوعي تم اغتياله، مهندساً لاتفاقات السلام التاريخية لعام 2016 مع «فارك». وقد تعهد مواصلة السعي لتحقيق «السلام الشامل» وتوسيع نطاق البرامج الاجتماعية في مجتمع يعاني عدم المساواة بشكل كبير.

المرشح اليساري لانتخابات الرئاسة الكولومبية إيفان سيبيدا يلقي كلمة عقب إعلان نتائج الدور الأول في بوغوتا الأحد (د.ب.أ)

وشكك سيبيدا الذي كان يتوقع أن يتصدر التصويت، في دقة النتائج الأولية، لكنه لم يصل إلى حد الادعاء بأن الانتخابات مزورة، متعهداً هزيمة «اليمين المتطرف الفاشي» في الجولة الثانية من الانتخابات.

ويشير مؤيدو خطه السياسي إلى ارتفاع الحد الأدنى للأجور وزيادة الإنفاق على التعليم ونقل أراض إلى المجتمعات الفقيرة. وأعرب مؤيدون لسيبيدا عن خيبة أملهم لحصوله على المركز الثاني. وقال أندريس ألبا، وهو موظف في مقهى يبلغ 42 عاماً بعد صدور النتائج: «يترك ذلك مرارة».

من جهتها، قالت غلوريا تيرانوفا، وهي صاحبة مقهى تبلغ 59 عاماً، إنها لا تزال تأمل في أن يفوز سيبيدا بالرئاسة رغم حصوله على المركز الثاني في الجولة الأولى. وصرّحت: «نحن الآن أمام طرفي نقيض: أحد الجانبين يريد السلام، والآخر يريد الحرب».

«سأختار المرشح الأقل سوءاً»

لكن بعض الناخبين أعربوا عن استيائهم من هذا الخيار المحتم والمستقطب. وقال جوليان، وهو مدير مشاريع يبلغ 37 عاماً: «تصويتي لا يسترشد بما أريده، بل بما أخشاه أكثر من غيره»، مضيفاً: «سأصوت للمرشح الأقل سوءاً».

وفي المناطق المتضررة من أعمال العنف، أعرب ناخبون عن قلقهم بشأن الأمن، لكنهم طالبوا أيضاً بالاستثمار الاجتماعي. وقالت يوريلس بولانكو، وهي عضو في مجتمع واييو قرب الحدود الفنزويلية: «ماذا أتوقع من الحكومة الجديدة؟ أن تضع المجتمعات الأصلية في الحسبان».

ورغم تزايد المخاوف من إراقة الدماء، مرّ يوم الانتخابات بهدوء. ونشرت الحكومة أكثر من 400 ألف عنصر أمني في أنحاء البلاد لضمان الأمن.

والآن، سيكون على خليفة بيترو التعامل مع عدد كبير من الجماعات الإجرامية التي تنشط في تهريب المخدرات والتعدين غير القانوني.


دي لا إسبرييا وسيبيدا إلى جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية الكولومبية

المرشحان اليساري إيفان سيبيدا (يسار) واليميني أبيلاردو دي لا إسبرييا (يمين) (أ.ف.ب)
المرشحان اليساري إيفان سيبيدا (يسار) واليميني أبيلاردو دي لا إسبرييا (يمين) (أ.ف.ب)
TT

دي لا إسبرييا وسيبيدا إلى جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية الكولومبية

المرشحان اليساري إيفان سيبيدا (يسار) واليميني أبيلاردو دي لا إسبرييا (يمين) (أ.ف.ب)
المرشحان اليساري إيفان سيبيدا (يسار) واليميني أبيلاردو دي لا إسبرييا (يمين) (أ.ف.ب)

سيتنافس المرشحان؛ اليساري إيفان سيبيدا، واليميني أبيلاردو دي لا إسبرييا، في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في كولومبيا، في 21 يونيو (حزيران) الحالي، وفقاً للنتائج الجزئية للجولة الأولى.

ووفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، فقد أعلنت الهيئة الانتخابية أن المرشح اليميني أبيلاردو دي لا إسبرييا فاز بنسبة 44 في المائة من الأصوات، متفوقاً على المرشح اليساري إيفان سيبيدا الذي حصل على 41 في المائة، وعلى مجموعة من المرشحين الآخرين.

وكان يُفترض أن يؤمن أحد المرشحيْن نسبة 50 في المائة من الأصوات لتجنب جولة الإعادة.

موظفو الانتخابات يحصون الأصوات بمركز اقتراع خلال الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في بوغوتا (رويترز)

وتشهد البلاد أسوأ موجة عنف منذ توقيع اتفاق السلام مع القوات المسلحة الثورية الكولومبية «فارك» عام 2016، مع اغتيال قادة مجتمعيين ومقتل مدنيين في هجمات بسيارات مفخّخة ومسيّرات، بالإضافة إلى مقتل مرشح رئاسي.

وبعد مرور عقد من توقيع اتفاق السلام التاريخي، لا تزال جيوب من كولومبيا تحت سيطرة جماعات مسلحة منشقّة تُهيمن على إنتاج الكوكايين.

ويحظر الدستور ولاية ثانية لأول رئيس يساري في تاريخ البلاد غوستافو بيترو الذي فشلت استراتيجيته «السلام الشامل» في التوصل إلى اتفاق لإنهاء الصراع مع الجماعات المسلحة.

ويقول المنتقدون إن استراتيجية بيترو منحت الجماعات الإجرامية حرية مطلقة، ما أدى إلى تصاعد العنف وارتفاع صادرات الكوكايين إلى مستويات قياسية.

وقالت كاتالينا ديفيا، وهي مديرة إعلانات تبلغ 42 عاماً وأم لطفلين صوّتت لصالح دي لا إسبرييا: «لقد عززت هذه الحكومة الجماعات المسلحة بكونها متساهلة للغاية»، مضيفة: «يفكر كثير من الكولومبيين في الهجرة».

ودي لا إسبرييا، البالغ 47 عاماً، هو شخصية مؤيدة لترمب من خارج المؤسسة السياسية ويطلق على نفسه لقب «النمر».

وخاض حملته الانتخابية من وراء زجاج مضاد للرصاص وتعهّد بمواجهة الجماعات المسلحة في الجو والبر والبحر.

وقال دي لا إسبرييا في خطاب النصر، وهو يرتدي قميص منتخب كولومبيا لكرة القدم: «سأقتل نفسي من أجل كولومبيا، إذا لزم الأمر».

دي لا إسبرييا وهو يرتدي قميص منتخب كولومبيا لكرة القدم (أ.ف.ب)

وسيخوض، الآن، جولة الإعادة في مواجهة سيبيدا وهو ابن زعيم شيوعي اغتيل، مهندس اتفاقات السلام التاريخية لعام 2016 مع «فارك».

وقد تعهّد بمواصلة السعي لتحقيق «السلام الشامل» وتوسيع نطاق البرامج الاجتماعية في مجتمع يعاني عدم المساواة بشكل كبير.

وشكّك سيبيدا، الذي كان يتوقع أن يتصدر التصويت، في دقة النتائج الأولية، لكنه لم يصل إلى حد ادعاء أن الانتخابات مزوّرة، متعهداً بهزيمة «اليمين المتطرف الفاشي» في الجولة الثانية من الانتخابات.

ويشير مؤيدو خطه السياسي إلى ارتفاع الحد الأدنى للأجور وزيادة الإنفاق على التعليم ونقل أراض إلى المجتمعات الفقيرة.

وأعرب مؤيدون لسيبيدا عن خيبة أملهم بعد حصوله على المركز الثاني.

المرشح اليساري إيفان سيبيدا (رويترز)

وقال أندريس ألبا، وهو موظف في مقهى يبلغ 42 عاماً، بعد صدور النتائج: «يترك ذلك مرارة».

من جهتها، قالت غلوريا تيرانوفا، وهي صاحبة مقهى تبلغ 59 عاماً، إنها لا تزال تأمل أن يفوز سيبيدا بالرئاسة، رغم حصوله على المركز الثاني في الجولة الأولى.

وصرّحت: «نحن الآن أمام طرفيْ نقيض: أحد الجانبين يريد السلام، والآخر يريد الحرب».

«ليس ما أريده... بل ما أخشاه»

لكن بعض الناخبين أعربوا عن استيائهم من هذا الخيار المحتّم والمستقطب.

وقال جوليان، وهو مدير مشاريع يبلغ 37 عاماً: «تصويتي لا يسترشد بما أريده، بل بما أخشاه أكثر من غيره»، مضيفاً: «سأصوت للمرشح الأقل سوءاً».

وفي المناطق المتضررة من أعمال العنف، أعرب ناخبون عن قلقهم بشأن الأمن، لكنهم طالبوا أيضاً بالاستثمار الاجتماعي.

وقالت يوريلس بولانكو، وهي عضو في مجتمع واييو قرب الحدود الفنزويلية: «ماذا أتوقع من الحكومة الجديدة؟ أن تأخذ المجتمعات الأصلية في الحسبان».

ورغم ازدياد المخاوف من إراقة الدماء، مرّ يوم الانتخابات بهدوء.

ونشرت الحكومة أكثر من 400 ألف عنصر أمني في أنحاء البلاد؛ لضمان الأمن.

والآن، سيكون على خلف بيترو التعامل مع عدد كبير من الجماعات الإجرامية التي تنشط في تهريب المخدرات والتعدين غير القانوني.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


كولومبيا تختار خليفة بيترو وسط حصيلة اقتصادية وأمنية متباينة

أحد مكاتب الاقتراع في كالي بكولومبيا يوم 30 مايو 2026 (أ.ب)
أحد مكاتب الاقتراع في كالي بكولومبيا يوم 30 مايو 2026 (أ.ب)
TT

كولومبيا تختار خليفة بيترو وسط حصيلة اقتصادية وأمنية متباينة

أحد مكاتب الاقتراع في كالي بكولومبيا يوم 30 مايو 2026 (أ.ب)
أحد مكاتب الاقتراع في كالي بكولومبيا يوم 30 مايو 2026 (أ.ب)

بعد 4 سنوات من بداية تجربة أول رئاسة يسارية منذ الاستقلال، يتجه الكولومبيون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب خلف لغوستافو بيترو الذي ينهي ولايته بحصيلة وافرة من المنجزات الاقتصادية والاجتماعية التي لم تشهدها كولومبيا منذ عقود، لكن تحت ضغط مالي متفاقم؛ بسبب تراجع الاستثمارات وزيادة الإنفاق العام الذي تجاوز بنسبة عالية منسوب الجباية الضريبية وعائدات السياحة والصادرات.

مؤشرات اقتصادية متباينة

تبيّن الأرقام الواردة في التقرير الشهري الأخير الصادر عن «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأميركا اللاتينية» أن معدل البطالة في كولومبيا انخفض إلى أدنى مستوياته منذ أواخر القرن الماضي، وأن قطاع السياحة سجّل نمواً زاد على 30 في المائة خلال السنوات الأربع الماضية بإيرادات تجاوزت 12 مليار دولار العام الماضي، فيما شهد القطاع الزراعي طفرة إنتاجية وتصديرية جعلته في مرتبة قطاع الطاقة من حيث العائدات الضريبية. كما سجل مؤشر الفقر تراجعاً ملحوظاً انعكس في تحسين ظروف التعليم والخدمات الصحية والمسكن لملايين الكولومبيين.

الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو داخل السفارة الكولومبية في واشنطن يوم 3 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

في المقابل، شهدت الاستثمارات العامة والخاصة تراجعاً مطرداً منذ بداية ولاية الرئيس الحالي؛ ويعزو الخبراء ذلك إلى عوامل عدة، منها كثرة العراقيل في التشريعات الناظمة للاستثمار، وتعاقب التعديلات التي طرأت عليها في قطاعات حساسة تمتد فيها الاستثمارات فترات طويلة، خصوصاً في قطاع الطاقة الذي تعتمد عليه القطاعات الإنتاجية الأخرى.

تدهور أمني

لكن التركة التي تثير أكبر قدر من القلق في حصيلة ولاية أول رئيس يساري في كولومبيا، هي تدهور الأوضاع الأمنية التي كان غوستافو بيترو وضع ضبطها في طليعة أولوياته، لا سيما أنه جاء من صفوف الحركة الثورية التي أقامت «دولتها» الخاصة طيلة عقود في مواجهة مسلحة مع الأجهزة الأمنية والعسكرية جعلت من كولومبيا أعنف دول العالم على الإطلاق.

انتشار أمني في بوغوتا عشية الانتخابات الرئاسية يوم 29 مايو 2026 (رويترز)

آخر ظواهر هذا التدهور الأمني كان العنف الذي شهدته حملة الانتخابات الرئاسية منذ بدايتها، عندما اغتيل المرشح الليبرالي الشاب ميغيل أوريبي طربيه، حفيد الرئيس الأسبق خوليو طربيه المولود في لبنان، عندما كان يخاطب أنصاره في المهرجان الافتتاحي لحملته. كما أن المرشحين الثلاثة الرئيسيين الذين يتنافسون على منصب الرئاسة يتعرضون باستمرار لتهديدات بالقتل أجبرتهم على التنقل تحت حماية مشددة ومخاطبة أنصارهم في المهرجانات من وراء سواتر زجاجية واقية من الرصاص.

مرشح اليسار

المرشح الأوفر حظاً للوصول إلى الدورة الثانية، وفق الاستطلاعات الأخيرة، هو اليساري إيفان سيبيدا المدعوم من الرئيس الحالي، الذي يطمح للحصول على أكثر من نصف الأصوات في الدورة الأولى ومواصلة سياسة بيترو القائمة على الحوار مع الجماعات المسلحة.

مرشح اليسار إيفان سيبيدا خلال مؤتمر صحافي في بوغوتا يوم 28 مايو 2026 (رويترز)

وفي حال فوزه، سيكون ثاني رئيس يساري في تاريخ كولومبيا التي كان يتناوب على رئاستها دائماً الحزبان «الليبرالي» و«المحافظ»، اللذان قال عنهما الروائي الشهير غارسيا ماركيز: «الفارق الوحيد بين الحزبين (الليبرالي) و(المحافظ)، هو أن أتباع الأول يذهبون يوم الأحد إلى قداس الساعة العاشرة، بينما يذهب أتباع الثاني إلى قداس الساعة الثانية عشرة».

وقد اختار سيبيدا ممثلة السكان الأصليين في مجلس الشيوخ، عايدة كيلكوي، مرشحةً ترافقه لمنصب نائب الرئيس. وكان قبل إنهاء حملته الانتخابية توجه إلى البرازيل حيث التقى الرئيس لويس إيغناسيو لولا دا سيلفا، ثم إلى المكسيك حيث اجتمع بالرئيسة كلاوديا شينباوم، وإلى مدريد حيث اجتمع برئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، في جولة على القيادات اليسارية البارزة في أميركا اللاتينية وأوروبا. ويعتقد المراقبون أن ما يزيد في حظوظ المرشح اليساري أنه لا منافس له على الأصوات التقدمية، وأصوات الذين يرغبون في إخراج كولومبيا نهائياً من دوامة التناوب بين القوى اليمينية والمحافظة.

مرشحا اليمين

على الجبهة الأخرى تياران يمينيان؛ محافظ ومتطرف، للوصل إلى الدورة الثانية من الانتخابات في 21 يونيو (حزيران) المقبل.

لافتة انتخابية لمرشحة اليمين بالوما فالينسيا بمدينة بارنكيا يوم 30 مايو 2026 (إ.ب.أ)

الأول تقوده عضو مجلس الشيوخ بالوما فالنسيا التي يدعمها زعيم اليمين المحافظ الرئيس الأسبق ألفارو أوريبي الذي يخوض معركة قضائية منذ 10 سنوات ضد المرشح اليساري. والثاني يقوده اليميني المتطرف آبيلاردو أسبيريلّا الذي يخوض معركته الانتخابية على «الطريقة التِّرَمْبِيَّة»؛ يعتمر قبعة شبيهة بقبعة الرئيس الأميركي، مطلقاً العنان للتعليقات الذكورية والشتائم المباشرة للصحافيين الذين يغطون لقاءاته مع وسائل الإعلام.

لافتة انتخابية لمرشح اليمين المتطرف آبيلاردو أسبيريلّا بمدينة بارنكيا يوم 30 مايو 2026 (إ.ب.أ)

وفيما يزداد الترقب لمعرفة النتيجة التي سيحصدها المرشح اليميني المتطرف في الدورة الأولى، يرجح بعض الأوساط أن يتقدم على مرشحة اليمين المحافظ التي تدعمها شخصيات بارزة في المعسكر اليميني التقليدي، أبرزها الرئيس الأسبق ألفارو أوريبي الذي ما زال يتمتع بشعبية واسعة رغم مرور 15 عاماً على رئاسته والملاحقات القضائية الكثيرة التي تعرض لها.