صعود اليمين المتطرف يهدد بنسف «مصالحة الذاكرة» بين الجزائر وباريس

مسؤول فرنسي بـ«لجنة الذاكرة» يحث على تحصين المنجزات قبل «رئاسية» 2027

أعضاء «لجنة الذاكرة» خلال اجتماع لهم بالرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)
أعضاء «لجنة الذاكرة» خلال اجتماع لهم بالرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)
TT

صعود اليمين المتطرف يهدد بنسف «مصالحة الذاكرة» بين الجزائر وباريس

أعضاء «لجنة الذاكرة» خلال اجتماع لهم بالرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)
أعضاء «لجنة الذاكرة» خلال اجتماع لهم بالرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)

مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية العام المقبل يبرز تساؤل مُلحّ: ما مصير سنوات من العمل المشترك بين الجزائر وباريس حول ملف «مصالحة الذاكرتين» في حال فوز مرشح اليمين المتطرف بالرئاسة؟

هذا الاحتمال، الذي يثير قلقاً في البلدين، تفاعل معه المؤرخ الفرنسي الشهير بنيامين ستورا بوصفه رئيس وفد المؤرخين الفرنسيين في «لجنة الذاكرة»، التي أطلقتها الحكومتان في 2022 بهدف تسوية المشكلات العالقة بينهما والمرتبطة بالاستعمار (1830 - 1962).

المؤرخ الفرنسي بنيامين ستورا (حسابه الخاص)

وينصح ستورا في تصريحات حديثة، نشرها الموقع الإخباري شديد الاهتمام بالعلاقات الثنائية «كل شيء عن الجزائر»، بـ«تحصين كل ما تم إنجازه حتى الآن وبشكل فوري»، وذلك في آفاق احتمال حكم فرنسا من قبل اليمين المتطرف، مشيراً إلى الاعترافات التي قدمها الرئيس إيمانويل ماكرون بشأن اغتيال مناضلي وقادة ثورة التحرير (1954 - 1962)، و«أحداث 17 أكتوبر (تشرين الأول) 1961» المعروفة بـ«مجزرة باريس»، وهي إحدى أبشع المحطات المأساوية في تاريخ الثورة التحريرية الجزائرية؛ إذ واجهت السلطات الاستعمارية مظاهرات سلمية في قلب العاصمة الفرنسية بقمع دموي غير مسبوق.

مخاوف من انتكاسة

يؤكد بنيامين ستورا، المولود في الشرق الجزائري لعائلة يهودية، أن «المعركة الثقافية» قد بدأت بالفعل، وأنها «ستكون صعبة مع التيار المتطرف الفرنسي، الذي لا يريد الاعتراف بأي شيء، ولا استعادة أي شيء».

أمام هذا المشهد، يبرز تحدٍّ مزدوج خلال الأشهر القليلة المقبلة، حسب ستورا، وهو المضي نحو الأمام مع العمل على استعادة الثقة، وهي مهمة ثقيلة تتطلب تحصين المكتسبات بالتوازي مع بناء جسور الثقة المشتركة. وأضاف: «المقصود بالتحصين هنا، في نطاق اهتمامي، هو حماية الخطوات والمبادرات التاريخية التي تحققت بالفعل وضمان عدم الارتداد عنها. إن هاجسي الأكبر اليوم يتمحور حول مصير وآلية حماية تلك الخطوات، وفي مقدمتها الاعترافات الرسمية الفرنسية باختطاف، وتعذيب، واغتيال الرموز والمقاومين أمثال موريس أودان، والعربي بن مهيدي، وعلي بومنجل، إلى جانب الإقرار بمجازر 17 أكتوبر 1961؛ لذا يشكل تأمين هذه المنجزات التاريخية ضد أي مراجعة أو تراجع، الأولوية القصوى بالنسبة لي».

رمزا اليمين المتطرف في فرنسا جوردان بارديلا ومارين لوبان (حساب بارديلا)

ورفع بنيامين ستورا تقريراً إلى الرئيس ماكرون في 2020 يشمل مقترحات لـ«مصالحة بين الذاكرتين»، اتفق عليها الجانبان لطي صفحة الاستعمار والانطلاق نحو بناء شراكة قائمة على المنفعة. وكشف «الإليزيه» مطلع 2021 عن بعض محتويات التقرير، الذي ركّز على «سياسة الخطوات الصغيرة» أو «إجراءات الذاكرة» لتقريب وجهات النظر. لكنه لم يشر إلى تقديم «اعتذار» رسمي فرنسي عن جرائم الاستعمار.

والمعروف أنه تم إطلاق «لجنة الذاكرة» في أعقاب زيارة ماكرون إلى الجزائر في أغسطس (آب) 2022، وتضم 5 باحثين للتاريخ من البلدين. ويرأس وفد الجزائر محمد زغيدي.

ومرّت العلاقات بين البلدين بأزمة خطيرة في العامين الماضيين، نشأت إثر اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء. وفي الأسابيع الأخيرة ظهرت بوادر قوية لعودة المياه إلى مجاريها، تمثلت في زيارات مسؤولين فرنسيين بارزين للجزائر. وتم في سياق الديناميكية الجديدة بعث عمل «لجنة الذاكرة» بعد أن جمدت بسبب التوترات. كما نقلت برلمانية فرنسية من أصل جزائري عن الرئيس الفرنسي، أنه يريد تسوية المشاكل مع الجزائر قبل مغادرته السلطة بنهاية ولايته الثانية. وضمن هذا المنظور قفز التساؤل حول مصير العلاقات الثنائية إذا صعد إلى سدة الحكم رئيس من اليمين المتشدد، الذي عارض بشدة، خلال الأزمة الدبلوماسية، أي «تنازل» من ماكرون لصالح الجزائر في مسائل «الذاكرة»، بما فيها إدانة احتلالها ولو رمزياً.

اليمين و«تزييف التاريخ»

تناول ستورا في تصريحاته الصحافية قانوناً تم التصويت عليه الشهر الماضي، بشأن استرداد الممتلكات الثقافية التي نهبتها فرنسا من مستعمراتها السابقة، حاثاً على وضعه حيز التنفيذ «بأسرع وقت ممكن في الأشهر المقبلة». وقال: «هناك قانون تم التصويت عليه، والسؤال المطروح هو: ما الذي يمكننا إعادته الآن؟ فهناك قطع موجودة وليست مرتبطة بشكل مباشر بالوجود الاستعماري الفرنسي. على سبيل المثال، المقتنيات الخاصة بالأمير عبد القادر كانت موجودة قبل عام 1830، مثل برنوسه، وكتبه، وسيف القيادة الخاص به، وراياته... وكل هذا موجود بشكل مستقل عما يمكن أن نسميه (أرشيف السيادة)، فهو ليس أرشيفاً فرنسياً، بل هو أرشيف جزائري».

متظاهرون جزائريون اعتُقلوا في باريس خلال مظاهرة 17 أكتوبر 1961 تحت مراقبة الشرطة خلال حرب الجزائر (أ.ف.ب)

وأضاف: «الأمر نفسه ينطبق على مدفع بابا مرزوق، وعلى المدافع الموضوعة أمام قصر ليزانفاليد، فهي ليست مدافع صُنعت بعد وصول الفرنسيين، بل كانت موجودة قبل ذلك؛ لذا هناك بالفعل خطوات عملية يجب القيام بها فوراً في الأشهر القليلة المقبلة بشأن مسألة استرداد الممتلكات».

الرئيس الجزائري هاجم اليمين الفرنسي في 2024 بسبب ضغوط لإلغاء اتفاق الهجرة بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)

وفي نظر المؤرخ، يريد رموز اليمين المتطرف «مراجعة التاريخ، وهذا هو المشكل الحقيقي. فالحرب الثقافية هي المعركة الحقيقية، وليست المعركة الاقتصادية أو معركة الهجرة وغيرها. إن المعركة الثقافية ستكون رهيبة، وهي جارية بالفعل وتدور فصولها أمام أعيننا؛ فعندما تسيطر جبهة اليمين المتطرف على بلديات أو أقاليم، فإنهم يقومون بإلغاء الإعانات، ويعيدون كتابة التاريخ، ويسحبون الكتب من المكتبات... هذا يعني أن هدفهم - وهم لا يخفونه - هو مراجعة التاريخ الاستعماري، والقول إن فرنسا جلبت الحضارة والرفاهية، بل إنها هي من اخترعت الجزائر! هذا ما نسمعه، وهو موجود بالفعل».


مقالات ذات صلة

مسؤول فرنسي يكشف أسرار خريطة الطريق الجديدة للتعاون القضائي مع الجزائر

شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير العدل الفرنسي (الرئاسة الجزائرية)

مسؤول فرنسي يكشف أسرار خريطة الطريق الجديدة للتعاون القضائي مع الجزائر

تحدث وزير العدل الفرنسي، جيرالد دارمانان، عن كواليس اللقاءات والملفات الساخنة التي بحثها خلال زيارة الجزائر قبل أسبوع.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية اتحاد العاصمة توّج بلقب الكونفدرالية الأفريقية (رويترز)

بعد أيام من التتويج بـ«الكونفدرالية»... اتهامات بالخيانة تهز اتحاد العاصمة

أطلق سعيد عليق، المدير الرياضي لنادي اتحاد العاصمة، اتهامات خطيرة بحق أطراف مسؤولة ومحسوبة على الفريق الجزائري.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية منتخب الجزائر يستعد للمونديال بتشكيلة شابة (منتخب الجزائر)

الجيل الجديد يقود طموحات الجزائر في المونديال

يمرُّ المنتخب الجزائري بمرحلة انتقالية واعدة، يقودها جيل جديد من اللاعبين الشبان الذين يجمعون بين الموهبة والخبرة والسن المثالي، للتألق في البطولات الكبرى.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا اجتماع الإعلان عن التغيير في قيادة الأمن الداخلي بإشراف الوزير المنتدب للدفاع (وزارة الدفاع)

الجزائر: إقالة «الجنرال حسان» تفتتح مرحلة «إعادة التموضع» ومواجهة التحديات الإقليمية

أشرف الفريق أول السعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش، على التنصيب الرسمي للواء منير زاهي مديراً عاماً للأمن الداخلي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)

صدور قانون «تجريم الاستعمار الفرنسي» للجزائر في الجريدة الرسمية

صدر في الجريدة الرسمية للدولة الجزائرية قانون تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر منذ 14 يونيو 1830 حتى الخامس من يونيو 1962، وآثاره المباشرة وغير المباشرة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

«يوم أفريقيا»... تعهدات مصرية بمقاربة تجمع بين التنمية وتعزيز الأمن المائي

وزير الري المصري هاني سويلم في صورة تذكارية مع متدربين أفارقة بالقاهرة (وزارة الري)
وزير الري المصري هاني سويلم في صورة تذكارية مع متدربين أفارقة بالقاهرة (وزارة الري)
TT

«يوم أفريقيا»... تعهدات مصرية بمقاربة تجمع بين التنمية وتعزيز الأمن المائي

وزير الري المصري هاني سويلم في صورة تذكارية مع متدربين أفارقة بالقاهرة (وزارة الري)
وزير الري المصري هاني سويلم في صورة تذكارية مع متدربين أفارقة بالقاهرة (وزارة الري)

في «يوم أفريقيا»، أكدت مصر استمرار دعمها تنمية القارة وتعزيز الأمن المائي والاستقرار بها، مع استضافة القمة التنسيقية للاتحاد الأفريقي في الشهر المقبل، لافتة إلى أن القارة «على أعتاب مرحلة جديدة».

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن تلك التعهدات التي تجمع بين التنمية وتعزيز الأمن على كل المستويات، والعزم على استمرار تنفيذ مشروعات تعاون ثنائية مع دول القارة، تؤكد حرص القاهرة على علاقات بناء متوازنة ومتميزة.

وتحتفل القارة الأفريقية سنوياً بـ«يوم أفريقيا» في 25 مايو (أيار)، إحياءً لذكرى تأسيس «منظمة الوحدة الأفريقية» عام 1963، التي تحولت لاحقاً إلى «الاتحاد الأفريقي».

وكانت العلاقات المصرية - الأفريقية قد شهدت تراجعاً ملحوظاً في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك عقب محاولة اغتيال تعرض لها في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا عام 1995؛ غير أنه في مرحلة ما بعد 30 يونيو (حزيران) 2013، بدأت مرحلة علاقات جديدة وتعاون واسع، تولت مصر خلالها رئاسة الاتحاد الأفريقي عام 2019، ورأست تجمع «الكوميسا»، وصولاً إلى استضافة القمة التنسيقية للاتحاد الأفريقي في يونيو (حزيران) المقبل.

مشروعات واتفاقيات تعاون

بمناسبة الاحتفال بـ«يوم أفريقيا»، أكد وزير الري المصري هاني سويلم، الاثنين، حرص الوزارة على التعاون مع الدول الأفريقية، حيث نفذت كثيراً من مشروعات التعاون الثنائي في مجالات حصاد مياه الأمطار، وحفر الآبار الجوفية، والتدريب وبناء القدرات، بخلاف إطلاق الدولة آلية تمويلية بمخصصات قدرها 100 مليون دولار لتمويل دراسات ومشروعات تنموية بدول حوض النيل.

وقال سويلم إن مصر «ستواصل التزامها الراسخ بدعم الأشقاء الأفارقة في مجالات المياه والبيئة والمناخ، وتعزيز تبادل الخبرات وبناء القدرات، والعمل مع الدول والمؤسسات الأفريقية لمواجهة التحديات المشتركة، بما يدعم الأمن المائي والتنمية المستدامة والرخاء لشعوب القارة الأفريقية».

ويقول خبير الشؤون الأفريقية بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، حسين البحيري: «احتفال مصر بـ(يوم أفريقيا) يتزامن مع النجاحات الدبلوماسية المتواصلة التي حققتها القيادة السياسية المصرية بأفريقيا على كل المستويات، والذي انعكس في اتفاقيات تعاون مع عدد كبير من الدول الأفريقية، لا سيما في منطقة حوض النيل، ومنطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر».

وزير الخارجية بدر عبد العاطي يتفقد موقع سد «جوليوس نيريري» الذي تقيمه مصر بتنزانيا في مارس 2025 (وزارة الخارجية)

وضرب مثلاً بالاتفاقات الموقعة مؤخراً بين مصر وإريتريا لتعزيز التعاون في قطاعات اقتصادية حيوية مثل النقل والطاقة المتجددة، وإنشاء مصر محطة لتوليد الطاقة الشمسية في ريف جيبوتي، ومشروع سد جوليوس نيريري في تنزانيا.

«أعتاب مرحلة جديدة»

في كلمة للرئيس المصري، الأحد، بمناسبة احتفال مصر بـ«يوم أفريقيا»، أكد أن القارة تقف «على أعتاب مرحلة جديدة من البناء والتنمية».

ويكتسب اختيار الاتحاد الأفريقي «قضية المياه» موضوع هذا العام أهمية بالغة، بحسب السيسي الذي دعا إلى ضرورة احترام القانون الدولي المنظم للأنهار الدولية العابرة للحدود، وضمان الإدارة الرشيدة لتلك الأنهار، واتباع نهج يقوم على تحقيق المصالح المشتركة، والمنفعة المتبادلة، والحفاظ على السلم والأمن وتحقيق التكامل، بدلاً من التوترات.

وأكد أن مصر ستظل «شريكاً فاعلاً في دعم مسيرة التنمية والبناء بالدول الأفريقية الشقيقة من خلال تبادل الخبرات، وتنفيذ المشروعات، والانفتاح على التعاون مع مختلف الشركاء الدوليين، وذلك في إطار من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، تحقيقاً لأولويات شعوب ودول القارة».

ويرى البحيري، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، أن استضافة مصر للقمة التنسيقية للاتحاد الأفريقي «ترجمة حقيقية لتوظيفها أدوات الدبلوماسية السياسية والاقتصادية، ودبلوماسية الزيارات الرئاسية المكثفة»، منوهاً بزيارات السيسي إلى عدد من الدول الأفريقية خلال الفترة الأخيرة، واستقبال القاهرة عدداً لافتاً من رؤساء الدول والحكومات الأفريقية.

وتأتي هذه الخطوات، بحسب البحيري، تأكيداً لإدراك الدول الأفريقية لعمق وثقل مكانة مصر السياسية والاقتصادية والأمنية، ما جعلها وجهة للمسؤولين الأفارقة الساعين لتعزيز وتطوير مسارات العلاقات المشتركة.

وأضاف: «تقدم مصر نفسها اليوم شريكاً تنموياً واستراتيجياً موثوقاً به يُعتمد عليه في تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة».


«الأعلى للدولة» الليبي يتحرك لعزل رئيس «الرقابة الإدارية»

صورة نشرها المجلس الأعلى للدولة لجلسته في طرابلس يوم 24 مايو
صورة نشرها المجلس الأعلى للدولة لجلسته في طرابلس يوم 24 مايو
TT

«الأعلى للدولة» الليبي يتحرك لعزل رئيس «الرقابة الإدارية»

صورة نشرها المجلس الأعلى للدولة لجلسته في طرابلس يوم 24 مايو
صورة نشرها المجلس الأعلى للدولة لجلسته في طرابلس يوم 24 مايو

أعلن المجلس الأعلى للدولة في ليبيا أنه كلف مكتب رئاسته باتخاذ إجراءات ومتابعات عاجلة، وفقاً للاختصاصات القانونية والتنظيمية، للرد على قيام رئيس هيئة الرقابة الإدارية عبد الله قادربوه بتكريم مسؤولين سابقين من نظام الرئيس الراحل معمر القذافي.

اجتماع سابق لقادربوه وأعضاء من المجلس الأعلى للدولة (الرقابة الإدارية)

وفي مؤشر جديد على عمق الانقسامات حول ملف العدالة الانتقالية في البلاد، شدد المجلس، عقب جلسة تشاورية مساء الأحد، برئاسة محمد تكالة، في العاصمة طرابلس، على أن «الاحتفاء بأسماء ترتبط بوقائع وتجاوزات لا تزال حاضرة في الذاكرة الوطنية يمس مشاعر الضحايا وذويهم».

ويعني هذا التكليف، بحسب مراقبين، أن المجلس قرر نقل الأزمة من مجرد الإدانة السياسية إلى المسار القانوني والرقابي الفعلي سعياً لعزل قادربوه، مستنداً إلى صلاحياته السيادية والتشريعية في مراجعة ومراقبة أعمال وتعيينات الأجهزة الرقابية الكبرى في البلاد.

وجاء هذا التحرك بعد تحذيرات المجلس من أن الاحتفاء بأسماء مرتبطة بوقائع وتجاوزات في الذاكرة الوطنية «يهدد السلم الاجتماعي والتوافق الهش بين الأطراف الليبية».

وكان قادربوه قد كرّم هدى بن عامر، إحدى أبرز الشخصيات النسائية في عهد الرئيس الراحل معمر القذافي، والتي ارتبط اسمها في الذاكرة الليبية بـ«وقائع وإعدامات ميدانية شهيرة في ثمانينيات القرن الماضي». لكن المجلس الأعلى للدولة اعتبر في المقابل أن «الاحتفاء بشخصية تحمل هذا الإرث الجدلي يعد استفزازاً صارخاً لمشاعر الضحايا وعائلاتهم، وتحدياً لجهود المصالحة الوطنية التي تحاول البلاد إرساءها».

ولم يصدر حتى الآن أي تعليق رسمي من قادربوه أو هيئة الرقابة الإدارية للرد على انتقادات «المجلس الأعلى»، أو لتوضيح التكريم المثير للجدل.

ودخل مفتي غرب ليبيا، الصادق الغرياني، على خط هذه الأزمة، بمطالبته علناً المجلس الأعلى للدولة باتخاذ قرار حاسم بإعفاء قادربوه من منصبه، و«شكك في مصداقية التقارير الأخيرة الصادرة عن الهيئة بشأن إنفاق ما قيمته تريليون دينار ليبي» (الدولار يساوي 6.35 دينار في السوق الرسمية، و8.33 دينار في السوق الموازية)، مؤكداً أن هذا المبلغ الضخم لا يشمل حتى مصاريف صندوق إعمار ليبيا.

ولفتت وسائل إعلام محلية إلى أن تصاعد الجدل بشأن احتمال إعفاء قادربوه من منصبه يتزامن مع اقتراب انتهاء ولايته الثانية والأخيرة لرئاسته للهيئة، وسط تساؤلات ومؤشرات متزايدة حول قرب رحيله.

وتسلم قادربوه مهامه رسمياً رئيساً لهيئة الرقابة الإدارية في يوليو (تموز) 2023، خلفاً لسليمان الشنطي، بموجب قرار تكليف سابق صادر عن مجلس النواب وحكم قضائي من محكمة استئناف طرابلس، مما يضع التحركات الحالية لإنهاء ولايته في سياق صراع ممتد حول إدارة هذا المنصب السيادي النافذ.

وكان 75 عضواً من المجلس الأعلى للدولة قد طالبوا بعقد جلسة طارئة الأحد لمناقشة ما اعتبروه «تجاوزات» من قبل قادربوه، و«استغلاله منصبه»، إلا أن خلافات داخلية حالت دون اكتمال النصاب المطلوب لعقد الجلسة بشكل رسمي.


دعوات حقوقية ليبية للكف عن «الاحتجاز التعسفي» و«تصفير السجون»

جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)
جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)
TT

دعوات حقوقية ليبية للكف عن «الاحتجاز التعسفي» و«تصفير السجون»

جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)
جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)

دعا حقوقيون ليبيون الأجهزة الأمنية في البلاد إلى وقف «الاحتجاز التعسفي» و«سياسات إذلال البشر»، و«تصفير السجون»، وذلك على خلفية عفو أطلقته سلطات شرق البلاد عن عدد من السجناء بداعي «ترسيخ الاستقرار».

جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)

واعتبر الحقوقي الليبي، طارق لملوم، عملية الإفراج عن 250 شخصاً من سجن قرنادة في بنغازي بادرة «تستحق الترحيب»، وقال إن «أي خطوة تؤدي إلى إنهاء معاناة المحتجزين، وتخفيف الظلم عنهم تُعد تحركاً إيجابياً، ومهماً؛ بغض النظر حالياً عن تفاصيل الترتيبات التي قادت إليها، أو ما إذا كانت جزءاً من مسار قانوني مكتمل وواضح».

ورأى لملوم في تصريح صحافي ضرورة أن «تتم تسوية أوضاع المفرج عنهم بصورة قانونية وإنسانية تحفظ كرامتهم وحقوقهم، وأن يحصل كل من تعرض للاحتجاز التعسفي أو الظلم على حقه في الإنصاف، والتعويض، والاعتذار، وجبر الضرر، وفق القانون ومبادئ العدالة».

وقال: «آمل أن تكون هذه الخطوة رسالة إلى جميع الجهات والمقرات والسجون وأماكن الاحتجاز في ليبيا بضرورة التوقف عن سياسات التوسع في الاحتجاز التعسفي»، داعياً إلى أن «يكون إنفاذ القانون قائماً على العدالة واحترام الكرامة الإنسانية، لا على الانتقام، أو التعسف، أو استغلال النفوذ».

لقطة من الداخل لسجن مدينة زليتن شرق طرابلس (غيتي)

وكان مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قد رصد مخالفات قانونية وإنسانية عدة، في تقرير سابق جاء تحت عنوان: «تجاوزات خلف القضبان»، وقال إنه «لا تتوافر أرقام دقيقة عن عدد المحتجزين، ومراكز الاحتجاز الموجودة في ليبيا. كما أنه لا توجد إحصاءات بشأن مراكز الاحتجاز التابعة شكلياً لوزارتي الداخلية والدفاع، ولا تلك التي تديرها المجموعات المسلحة مباشرة».

ولفت لملوم إلى أن «الترحيب بالإفراج عن هؤلاء المحتجزين لا يعني إغلاق هذا الملف، أو طي صفحة الانتهاكات»، مشدداً على ضرورة أن «من تعرض للضرر أو الظلم، حتى وإن أُفرج عنه لاحقاً، يبقى من حقه المطالبة بالإنصاف، والمحاسبة القانونية لكل من تسبب في احتجازه، أو إساءة معاملته خارج إطار القانون».

واتفق حقوقيون ليبيون مع دعوة لملوم، كما شددوا على ضرورة أن تشمل هذه الإجراءات «تصفير السجون» في جميع أنحاء ليبيا.

في السياق ذاته، استغل أحمد عبد الحكيم حمزة، رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا، عملية إطلاق سراح 250 موقوفاً في بنغازي، ودعا إلى «تصفير السجون» في عموم البلاد.

وأكد حمزة لـ«الشرق الأوسط» على «ضرورة إطلاق سراح من انقضت مدة محكوميتهم، أو من صدر بحقه حكم بالبراءة، وأن يتم الإفراج عنهم»، كما شدد على أهمية إخلاء سبيل المعتقلين على خلفية آرائهم السياسية.

ورحب حمزة بعملية الإفراج عن دفعة من السجناء بسجن قرنادة، وتسوية أوضاعهم ومراكزهم القانونية ممن انطبقت عليهم شروط قرار العفو العام عن باقي العقوبة الصادر عن المجلس الأعلى للقضاء.

ودعا إلى «الاستمرار في مراجعة ملفات السجناء بصورة دورية، وتفعيل آليات الرقابة، والإشراف، والمتابعة داخل السجون، ومرافق الاحتجاز، بما يضمن احترام حقوق السجناء، والكرامة الإنسانية، وترسيخ مبادئ العدالة، وسيادة القانون».

جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)

وكان صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، قد بحث مع رئيس «اللجنة الوطنية لمتابعة أوضاع السجناء والسجون»، المستشار إبراهيم بوشناف، التحضيرات النهائية لتنفيذ قرارات العفو عن باقي مدة العقوبة للمحكوم عليهم ممن تنطبق عليهم الشروط والضوابط.

وقالت القيادة العامة مساء الأحد إن الفريق صدام حفتر اطّلع خلال الاجتماع على آخر التحضيرات التي تتخذها اللجنة الوطنية بشأن تنفيذ قرارات العفو عن باقي مدة العقوبة للمحكوم عليهم ممن تنطبق عليهم الشروط، والتي شملت أكثر من 250 سجيناً، مشيرة إلى أن ذلك يأتي «ضمن تدابير قانونية وإنسانية استثنائية لمعالجة تداعيات المراحل السابقة، وفي إطار مشروع الاستقرار الوطني».

وتأتي هذه الجهود، وفقاً للقيادة العامة، «دعماً لمساعي العفو، ولمّ الشمل، وترسيخ الاستقرار، والمصالحة الوطنية».