تحذيرات من تمركز إرهابي بين موريتانيا والسنغال ومالي

مركز دراسات: تنظيم «القاعدة» يقترب كثيراً من المثلث الحدودي

قيادات عسكرية موريتانية ومالية وسنغالية خلال اجتماع أمني العام الماضي (الجيش الموريتاني)
قيادات عسكرية موريتانية ومالية وسنغالية خلال اجتماع أمني العام الماضي (الجيش الموريتاني)
TT

تحذيرات من تمركز إرهابي بين موريتانيا والسنغال ومالي

قيادات عسكرية موريتانية ومالية وسنغالية خلال اجتماع أمني العام الماضي (الجيش الموريتاني)
قيادات عسكرية موريتانية ومالية وسنغالية خلال اجتماع أمني العام الماضي (الجيش الموريتاني)

تزداد التحذيرات من تحول المثلث الحدودي المشترك بين موريتانيا ومالي والسنغال إلى بؤرة ساخنة لنشاط الجماعات الإرهابية المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، في ظل تصعيد غير مسبوق للهجمات المسلحة، وتفاقم التوترات الاجتماعية والاقتصادية التي تغذي قابلية المنطقة للاختراق.

وفي أحدث مؤشر على هذا التدهور الأمني، أصدرت السلطات السنغالية مرسوماً يقضي بحظر تحرك الدراجات النارية ليلاً في مقاطعة باكل الواقعة شرق البلاد، قرب الحدود مع دولة مالي، وهي المنطقة التي تدخل ضمن المثلث الحدودي بين الدول الثلاث.

ويأتي القرار السنغالي لأسباب أمنية لم تُفصَّل، لكن توقيته، الممتد من منتصف ليل 24 يوليو (تموز) الحالي حتى 24 أغسطس (آب) المقبل، يتزامن مع تصعيد واضح في تحركات الجماعات المسلحة داخل الأراضي المالية المحاذية.

وتُعدّ الدراجات النارية الوسيلة الأكثر استخداماً من طرف الجماعات الإرهابية في الهجمات الخاطفة وعمليات التسلل الحدودي؛ مما يُعزز الاعتقاد بأن الإجراء السنغالي الأخير جاء في إطار منع اختراق محتمل من قبل عناصر مسلحة تنشط على الجانب المالي من الحدود.

الجيش السنغالي يحظر تحرك الدراجات النارية ليلاً على الحدود مع مالي خشية أي هجمات إرهابية (إعلام محلي)

تسلل الحريق

يشير توقيت القرار السنغالي إلى أن له علاقة مباشرة بالهجمات المنسقة التي شهدتها مالي مطلع يوليو الحالي، التي استهدفت 7 مواقع عسكرية دفعة واحدة، بينها موقع في بلدة ديابالي الحدودية. وهو ما يمثل تحولاً خطيراً في قواعد الاشتباك، ويبعث برسائل مقلقة إلى دول الجوار، في مقدمتها السنغال وموريتانيا.

ويخشى المراقبون أن يتحول المثلث الحدودي بين موريتانيا ومالي والسنغال إلى بؤرة لتمركز «جبهة تحرير ماسينا»، المنضوية تحت لواء «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التي تتبع تنظيم «القاعدة».

ويعيد ذلك إلى الأذهان ما حدث في المثلث الحدودي بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، حين تمركز فيه تنظيم «داعش» منذ أكثر من 10 سنوات، وفشلت جيوش هذه الدول في استعادة السيطرة على هذه المنطقة الحدودية، رغم الدعم الفرنسي والأميركي والأوروبي السابق، ورغم الدعم الروسي الحالي.

«القاعدة» والحدود

في هذا السياق، أصدر «معهد الدراسات الأمنية (ISS)»، ومقره جنوب أفريقيا، تقريراً حذر فيه من «تصاعد التهديدات الإرهابية العابرة للحدود» في المثلث بين موريتانيا ومالي والسنغال، وأكد أن «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» باتت تتمتع بقدرة كبيرة على التحرك، والتجنيد، والتمدد في هذه المنطقة الحساسة.

وأوضح التقرير أن هذه الجماعات تستغل الانقسامات التقليدية داخل المجتمعات المحلية، خصوصاً تلك المرتبطة بأنظمة طبقية، مثل الفوارق بين «النبلاء» وأحفاد «العبيد السابقين».

كما أكد «مركز الدراسات» أن الجماعات الإرهابية من أجل التغلغل في المنطقة تستغل سوء إدارة النزاعات بين المزارعين والرعاة، وهو ما يُضعف مناعة المنطقة ويجعلها أرضاً خصبة للتجنيد والتغلغل.

إضافة إلى ذلك، تستفيد التنظيمات من الإحساس بالغبن لدى المجتمعات المحلية، حيث إنه رغم ما تتمتع به الحدود بين مالي والسنغال من موارد زراعية ومعدنية كبيرة، أبرزها الذهب، فإن هنالك غياباً شبه تام للبنية التحتية والخدمات الأساسية مثل الكهرباء، والماء، والصحة، والتعليم، وهو ما يضاعف مشاعر التهميش، ويُغذي الإحباط الذي تستثمره الجماعات المسلحة لمصلحة أجنداتها، على حد تعبير التقرير.

مخاطر كبيرة

التقرير أوضح أن تمكن تنظيم «القاعدة» من الوصول إلى هذه المنطقة الحدودية ينطوي على مخاطر كبيرة، فهذا سيجعل «التجارة الإقليمية في مرمى الاستهداف»، إذ سيكون بمقدور التنظيم فرض حصار على مراكز حدودية رئيسية مثل كايس ونيورو في مالي.

وأوضح التقرير أن هذا الحصار يعني تهديداً مباشراً لمحوري التجارة «داكار - باماكو»، و«نواكشوط - باماكو»، اللذين يشكلان الشريانين الاقتصاديين الحيويين للمنطقة، ويمر عبرهما نحو 70 في المائة من واردات مالي.

وقال التقرير إن «أي تراجع في حركة البضائع عبرهما ستكون له عواقب اقتصادية واجتماعية فادحة على البلدان الثلاثة».

تعاون أمني غير كافٍ

ورغم وجود آلية تعاون أمني وعسكري ثلاثي منذ عام 2008 بين مناطق كيدوغو وتامباكوندا (السنغال)، وكايس (مالي)، وسيليبابي (موريتانيا)، فإن التقرير يرى أن هذه الآلية «لم تعد كافية»، في ظل التصعيد النوعي بالهجمات، وضعف التنسيق الاستخباراتي، وبطء الاستجابة المشتركة.

وقد عُدّ الهجوم المنسق على مواقع الجيش المالي في يوليو الحالي، الذي تبنته «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، تأكيداً ميدانياً على قدرة التنظيم على تنفيذ عمليات مركبة وقريبة من حدود جيرانه.

وختم التقرير بالدعوة إلى «استراتيجية إقليمية متعددة الأبعاد»، تشمل تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي، ودعم التنمية في المناطق الحدودية، ومعالجة جذور التهميش والصراعات المجتمعية، منبّهاً إلى أن التهديدات لن تتوقف عند حدود مالي؛ ما لم تتضافر جهود الدول الثلاث بشكل عاجل وجاد.


مقالات ذات صلة

أزمة تيغراي... مسار قلق إثيوبي بانتظار مقاربة دولية

أفريقيا مسلحون في تيغراي يقومون بتسليم الأسلحة الخفيفة إلى قوات الدفاع الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)

أزمة تيغراي... مسار قلق إثيوبي بانتظار مقاربة دولية

رغم أن الانتخابات الإثيوبية العامة تُظهر نتائجها الأولية حالة من الاستقرار مع فوز كبير لحزب «الازدهار» الحاكم، فإن هناك مخاوف من تجدد الصراع في اقليم تيغراي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء استقبال نظيره الإريتري عثمان صالح في القاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)

القاهرة تُطالب بتفعيل «مجلس البحر الأحمر» سريعاً لحفظ الأمن الجماعي

شدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي على ضرورة الإسراع في تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال مشاركته في القمة الكورية - الأفريقية مطلع هذا الشهر (الخارجية المصرية)

مصر تتجه لإرجاء القمة الأفريقية في العلمين بسبب «إيبولا»

قال مصدر مصري مسؤول إن هناك اتجاهاً لتأجيل «قمة منتصف العام التنسيقية» للاتحاد الأفريقي التي كانت مقررة نهاية الشهر الجاري بسبب «إيبولا».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مستقبلاً نظيره الإريتري في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)

أمن «البحر الأحمر» يتصدر محادثات السيسي وأفورقي في القاهرة

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء بالقاهرة مع نظيره الإريتري أسياسي أفورقي، الاثنين، على ضرورة مواصلة العمل من أجل الارتقاء بالعلاقات بين البلدين.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا محادثات سابقة بين الرئيس الصومالي ورئيس الوزراء الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

«أرض الصومال» يعيد فتح بوابة البحر لإثيوبيا... والتوتر مع مقديشو يتسع

قال وزير خارجية «أرض الصومال»، عبد الرحمن طاهر آدم، إن «لإثيوبيا الحق في الوصول إلى منفذ بحري»، مما قد يصعّد التوتر مع جمهورية الصومال.

محمد محمود (القاهرة )

أزمة تيغراي... مسار قلق إثيوبي بانتظار مقاربة دولية

مسلحون في تيغراي يقومون بتسليم الأسلحة الخفيفة إلى قوات الدفاع الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)
مسلحون في تيغراي يقومون بتسليم الأسلحة الخفيفة إلى قوات الدفاع الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

أزمة تيغراي... مسار قلق إثيوبي بانتظار مقاربة دولية

مسلحون في تيغراي يقومون بتسليم الأسلحة الخفيفة إلى قوات الدفاع الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)
مسلحون في تيغراي يقومون بتسليم الأسلحة الخفيفة إلى قوات الدفاع الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)

رغم أن الانتخابات الإثيوبية العامة التي تمت مطلع يونيو (حزيران) الحالي، تُظهر نتائجها الأولية حالة من الاستقرار مع فوز كبير لحزب «الازدهار» الحاكم، فإن إقليم تيغراي، الذي تتوتر علاقاته مع رئيس الوزراء آبي أحمد، لا يزال نقطة تشغل حيزاً من تفكير أديس أبابا مع عدم تنظيم اقتراعات في الإقليم ومخاوف من تجدد الصراع.

تلك المخاوف التي ترجمتها تحذيرات نشرتها «وكالة الأنباء الإثيوبية»، الجمعة، تشي بأن الإقليم الذي خاض حرباً ذات تكلفة عالية مع الحكومة الفيدرالية قبل سنوات لا يزال مسار قلق إثيوبي، وأن التدخل الدولي لوقف اندلاع حرب جديدة يحمل أولوية، وفق ما يراه برلماني إثيوبي تحدث لـ«الشرق الأوسط».

تحذيرات إثيوبية

التحذيرات الإثيوبية من اندلاع مواجهة جديدة مع تيغراي، كانت لافتة، الجمعة، في مقال رأي نشرته وكالة الأنباء الرسمية للبلاد، تحت عنوان «يجب ألا تُدفع إثيوبيا مجدداً إلى أتون الحرب»، ومدون باسم غيتاتشو ردا، مستشار الوزير لشؤون شرق أفريقيا في الحكومة الإثيوبية، والرئيس السابق للإدارة الإقليمية المؤقتة لإقليم تيغراي، ورضوان حسين، المدير العام لجهاز الاستخبارات والأمن الوطني الإثيوبي، وكبير المفاوضين عن الحكومة الفيدرالية خلال محادثات السلام في بريتوريا عام 2022.

وحسب المسؤولين الإثيوبيين، فإن «(اتفاق بريتوريا) في 2022 شكل بارقة أمل ومنعطفاً حاسماً لمنطقة أنهكتها الحرب والدمار. واليوم، ينبغي أن يواجه أولئك الذين يسعون إلى تقويض هذا الاتفاق ضغطاً دولياً حازماً لمنع العودة إلى دوامة الصراع».

وتحدثا عن أن «جهات مرتبطة بإريتريا أسهمت في تنسيق تحالف بين القوى المعارضة للاتفاق، ضمن إطار أُطلق عليه اسم (سيمدو)؛ بهدف الحفاظ على حالة التوتر والصراع»، في حين «تشير المؤشرات اليوم إلى أن هذا التحالف، الذي تشكل عبر اجتماعات عقدت في أسمرة ومقلي الإثيوبية والسودان، يستعد للدفع نحو جولة جديدة من المواجهات المسلحة».

مخاوف من تجدد الصراع في إقليم تيغراي في إثيوبيا (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وحسب الوقائع التي يتحدث عنها المسؤولان الإثيوبيان، فهناك «جناح متشدد داخل (الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي) أقدم على تفكيك الإدارة الإقليمية المؤقتة وإنشاء إدارة بديلة بصورة أحادية، كما واصل عمليات التجنيد والتدريب والتسليح بدعم مباشر من الحكومة الإريترية، إلى جانب إقصاء الأصوات الداعية إلى السلام والالتزام باتفاق بريتوريا».

وخلص المسؤولان إلى أن «منع العودة إلى الصراع يتطلب من جميع الأطراف الدولية والإقليمية التي تمتلك نفوذاً أو تأثيراً على (الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي) وداعميها ممارسة أقصى درجات الضغط للحيلولة دون انهيار عملية السلام»، مؤكدين أن «استئناف الأعمال العدائية لن يشكل خطراً على إثيوبيا وحدها، بل ستكون له تداعيات خطيرة على استقرار المنطقة بأكملها».

وتأتي تلك التحذيرات بعد أقل من أسبوعين من إجراء الانتخابات العامة السابعة التي شهدتها البلاد، التي تنافس فيها أكثر من 10438 مرشحاً من 42 حزباً سياسياً على مقاعد مجلس نواب الشعب والمجالس الإقليمية.

تقريب وجهات النظر

ويرى البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، أن «نجاح الانتخابات من دون أي مشاكل تذكر هو الإنجاز الأول، باستثناء بعض الأماكن المحدودة رغم التوقعات السلبية التي كانت تروّج لها بعض الجهات، والتي ادّعت غياب الاستقرار واحتمالية حدوث اضطرابات تحول دون إجراء الانتخابات، ولقد تخطينا تلك العقبات وأنجزنا الانتخابات بنجاح، معرباً عن ثقته في تجاوز هذه المرحلة الصعبة في تيغراي عبر تقريب وجهات النظر والوصول إلى حلول سلمية.

ورغم إبرام اتفاق سلام عام 2022 لإنهاء الحرب الأهلية في تيغراي، التي تتحدث إحصائيات رسمية أنها تسببت في مقتل مئات الآلاف، فإن خطوة اتخذها الحزب السياسي الرئيسي هناك الشهر الماضي لإعادة فرض سيطرته على الإدارة السياسية للمنطقة دفعت إلى استثناء إقليم تيغراي في الشمال، في ضوء استمرار التوتر بين السلطات الإقليمية هناك والسلطات الفيدرالية في العاصمة.

وفي إقليم أمهرة الذي يضم نحو 20 مليون نسمة، هدَّدت ميليشيات «فانو» القومية بتعطيل العملية الانتخابية؛ ما تسبب في إلغاء هيئة الانتخابات التصويت في ثماني دوائر فقط من أصل 137.

ووسط تلك التوترات، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي في بيان صادر في السادس من يونيو (حزيران) الحالي بشأن الانتخابات، أن «معالجة الخلافات السياسية يجب أن تتم عبر الأطر الدستورية ومؤسسات الدولة والحوار الوطني».

مسلحون سابقون في تيغراي خلال إعادة تأهيلهم ودمجهم (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وجاء هذا الحديث مع ترجيحات بأن «حزب (الازدهار) سيهيمن على الانتخابات في مواجهة معارضة متشرذمة أضعفتها الخصومات الداخلية»، وفق ما ذكرت «رويترز» في تقرير سابق.

ويتوقع البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد أن «تتدخل الجهات الإقليمية والدولية وتسهِم في حل هذه المشكلة كما فعلت سابقاً في (اتفاق بريتوريا)، فنحن شعب واحد وبلد واحد، ولا يوجد عائق لا يمكن تجاوزه إذا توفرت الإرادة القوية، وهذه الأزمة ستحل قريباً».

ودعا المنظمات الدولية والإقليمية للمشاركة الفعالة في دعم التقارب وحل المشكلات العالقة، مشدداً على أن هذا المسار هو ما تتطلع إليه الدولة في المرحلة المقبلة.

وشدد البرلماني الإثيوبي على رفض العودة إلى مربع الصراع المسلح، مضيفاً: «أملنا ألا تتكرر الحرب مرة ثانية، فقد تعلمنا درساً قاسياً من الحروب السابقة التي ألحقت أضراراً جسيمة بالجميع، والحرب ليست في مصلحة أحد».

وأكد أن «الحل بات قريباً، سواء عبر التدخل الدبلوماسي الدولي أو الإقليمي، لضمان استقرار البلاد وتجنب أي مواجهات عسكرية مستقبلية».


نيجيريا وإرث العنف المسلح... هل تنجح الدولة في استعادة السيطرة؟

جنود نيجيريون يمرّون أمام دبابات عسكرية جاهزة للانتشار خلال جولة قام بها رئيس أركان الجيش بمدينة مايدوغوري بولاية بورنو شمال شرقي البلاد نوفمبر 2025 (رويترز)
جنود نيجيريون يمرّون أمام دبابات عسكرية جاهزة للانتشار خلال جولة قام بها رئيس أركان الجيش بمدينة مايدوغوري بولاية بورنو شمال شرقي البلاد نوفمبر 2025 (رويترز)
TT

نيجيريا وإرث العنف المسلح... هل تنجح الدولة في استعادة السيطرة؟

جنود نيجيريون يمرّون أمام دبابات عسكرية جاهزة للانتشار خلال جولة قام بها رئيس أركان الجيش بمدينة مايدوغوري بولاية بورنو شمال شرقي البلاد نوفمبر 2025 (رويترز)
جنود نيجيريون يمرّون أمام دبابات عسكرية جاهزة للانتشار خلال جولة قام بها رئيس أركان الجيش بمدينة مايدوغوري بولاية بورنو شمال شرقي البلاد نوفمبر 2025 (رويترز)

تشكّل ظاهرة العنف المسلح أحد أبرز التحديات التي تواجه الكثير من الدول الأفريقية، حيث تتداخل العوامل الأمنية والسياسية والاقتصادية في إنتاج أزمات معقدة يصعب احتواؤها في المدى القصير. وفي هذا السياق، تبرز نيجيريا بوصفها إحدى الساحات الرئيسية لهذه المواجهة؛ إذ تواجه منذ سنوات تهديدات متزايدة من جماعات مسلحة تنفذ هجمات دامية تستهدف المدنيين والمؤسسات الحكومية على حد سواء.

جندي يقف حارساً في قرية وورو بولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي (أ.ب)

ومع استمرار هذه التحديات، تتجدد التساؤلات حول قدرة الدولة على استعادة الأمن والاستقرار ووضع حد لدائرة العنف التي ألقت بظلالها على مستقبل البلاد. هذا ما أكده إبينيزر أوبإداري، وهو أكاديمي وكاتب نيجيري متخصص في الشؤون السياسية والدينية والاجتماعية في أفريقيا، في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية.

ويقول أوبإداري إنه بعد أيام من الهجمات المنسقة التي شنها مسلحون على مدارس في ثلاث بلدات بولاية أويو الواقعة في جنوب غرب نيجيريا، والتي اختطفوا خلالها 39 تلميذاً وسبعة معلمين، مضى منفذو الحادث المروع الذي وقع الشهر الماضي خطوة أبعد عندما أقدموا على قطع رأس مايكل أوييدوكون (57 عاماً)، وهو معلم رياضيات. وكان الأب لطفلين ثاني معلم يلقى حتفه على أيدي هؤلاء المهاجمين الذين لم يتم القبض عليهم بعد، ليلقى المصير نفسه الذي لقيه جويل أديجبوي أديسيان (48 عاماً)، والذي تردد أنه أُعدم أثناء محاولته حماية تلاميذه.

الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو لدى حضوره مهرجاناً للصيد تزامناً مع تدهور الوضع الأمني (إ.ب.أ)

ويرى أوبإداري أن هذه الهجمات الأخيرة، عند قياسها بمقياس ما حدث في السابق، فإنها لم تكن الأسوأ على الإطلاق. فقد تضمنت الحملة التي تشنها جماعة «بوكو حرام» والفصائل المرتبطة بها منذ عقود لفرض نظام حكم ثيوقراطي قائم على الشريعة في البلاد عمليات اختطاف أكثر بكثير وعمليات قتل أشد دموية ووحشية.

ويعزى رد الفعل الواسع تجاه هذه الهجمات الأخيرة، على الأرجح، إلى مجموعة من العوامل. أحدها موقع الهجمات نفسها. ففي حين بدا أن الحادث الأخير يعزز بصورة عامة حجج المنتقدين الذين يؤكدون أن إدارة بولا تينوبو فقدت السيطرة على المنظومة الأمنية في البلاد، فإنه أثار في قلب المناطق اليوروبية (إحدى أكبر الجماعات العرقية في نيجيريا) مخاوف متزايدة بشأن التغلغل المستمر لمختلف الجماعات المسلحة داخل الإقليم.

ونظراً للتركيبة الاجتماعية للمجتمع المدني في جنوب غرب نيجيريا، حيث أدى الجمع بين تقاليد النشاط الاجتماعي والتشبع الإعلامي تاريخياً إلى حالة من اليقظة المفرطة، فإن التغطية الإعلامية المكثفة والمتواصلة للهجمات وتداعياتها لم تكن مفاجئة. علاوة على ذلك، فإن أي أمل لدى المسؤولين الحكوميين في إمكانية التعامل مع الحادث بصفته مجرد هجوم جديد نفذته «عصابات مسلحة» مجهولة الهوية تبدّد سريعاً مع تداول مقاطع مصورة تظهر عملية قطع رأس مايكل أوييدوكون بصورة وحشية. ولم يكن المشهد المروع لعملية الإعدام وحده هو الصادم، بل إن رمزيته كأداة للحرب النفسية لطالما استخدمتها الجماعات المتطرفة لبث الرعب وانتزاع تنازلات سياسية كانت واضحة بشكل لا لبس فيه.

وكانت رسالة المسلحين واضحة، وهي: إذا كنا قادرين على قطع رأس معلم واحد، فتخيلوا ما الذي يمكننا فعله ببقية المعلمين والطلاب الموجودين في قبضتنا؟ وفي أعقاب ذلك، أفادت مصادر إخبارية عدة في أنحاء البلاد بأن المهاجمين، بالإضافة إلى مطالبهم بالحصول على أموال والإفراج عن رفاق لهم محتجزين، يطالبون أيضاً بـ«تنازلات تتعلق بالقوانين المستقبلية لهذه البلاد».

الطاقم الأميركي في مجموعة العمل المشتركة بين نيجيريا والولايات المتحدة (رويترز)

وسواء كان المقصود بذلك تطبيق الشريعة الإسلامية كما استنتج كثيرون في وسائل الإعلام (مع الإشارة إلى أن المتحدثين باسم المجتمع المسلم في ولاية أويو أدانوا أفعال الإرهابيين وعدّوها «إجرامية ومخالفة لتعاليم الإسلام»)، فإن فكرة أن الجناة مجرد «خاطفين عشوائيين» وليسوا جماعة إرهابية ذات أهداف دينية صريحة، حسب وصف أحد المعلقين النيجيريين، أصبحت أكثر صعوبة في الدفاع عنها.

وبالتالي، فإن عمليات الاختطاف والإعدام الأخيرة تمثل، بقدر ما تسهم في تسليط الضوء على الجذور العقائدية والدينية للتمرد في شمال نيجيريا، تطوراً مهماً في النقاش المحتدم غالباً حول أسباب انهيار القانون والنظام في البلاد.

مسيحيون اختطفتهم مجموعات مسلحة في كورمين والي بعد عودتهم إلى ولاية كادونا (أ.ب)

وعلى مدى العقدين الماضيين، تمسك قطاع من وسائل الإعلام الغربية وعدد غير قليل من الباحثين بنظرية مفادها أن انعدام الأمن في شمال نيجيريا ناجم عن «صراعات بين المزارعين والرعاة»، وأن صلته بالدين، إن وجدت أصلاً، ضعيفة للغاية. إلا أن هذه النظرية أصبحت أقل إقناعاً عاماً بعد عام مع تزايد الهجمات الدموية التي تنفذها جماعات متطرفة مختلفة ضد أهداف حكومية ومدنية في نيجيريا ودول الساحل الأفريقي.

ويقول أوبإداري: «في نيجيريا، كشف وقوع معظم هذه الهجمات في مناطق لا تاريخ فيها لصراعات المزارعين والرعاة، واستهدافها أشخاصاً لا علاقة لهم إطلاقاً بالزراعة أو الرعي (مثل أديسيان وأوييدوكون)، عن العبثية الفريدة لنظرية (المزارعين والرعاة). وليس هذا فحسب، بل إن التداخل بين البعد الديني الأساسي، وهو موضوع سعيت باستمرار إلى لفت الانتباه إليه، والانتماء العرقي للفولاني، يعدّ من أبرز الملاحظات الواردة في أحدث تقرير للجنة الأميركية للحرية الدينية الدولية».

ومن باب الإنصاف، فقد فعل الرئيس الحالي أكثر مما فعله معظم أسلافه لمعالجة هذه المشكلة. فمن جهة، زاد الرئيس النيجيري الإنفاق الدفاعي بشكل ملحوظ؛ إذ تضاعفت تقريباً مخصصات القطاع بين عامي 2024 و2025 كما أظهر شجاعة بإعلانه أن «قطاع الطرق والميليشيات والعصابات المسلحة ولصوص السلاح والطوائف العنيفة والجماعات المسلحة المتمركزة في الغابات والمرتزقة المرتبطين بجهات أجنبية» هي جماعات تصنف إرهابية، وأبدى استعداداً أكبر من أسلافه لإجراء تغييرات داخل المؤسستين الأمنية والعسكرية. ومن جهة أخرى، يستحق إشادة كبيرة لقبوله عروض المساعدة المقدمة من الجيش الأميركي رغم معارضة قطاع من النخبة لهذا التعاون، ورغم أن ذلك وضعه فوراً في مسار تصادمي مع شخصيات دينية نافذة في الشمال.

حاكم ولاية أدماوا في شمال شرق نيجيريا خلال زيارة لمنطقة غوياكو التي تعرضت لهجوم مسلح من تنظيم «داعش» الإرهابي (أ.ب)

وحسب أوبإداري، كان أوضح دليل على تنامي نجاح هذا التعاون هو مقتل أبو بلال المينوكي، الرجل الثاني في تنظيم «داعش»، الشهر الماضي، بعد أن شنت قوات من البلدين هجوماً على مقرّه في حوض بحيرة تشاد. كما أسفر التعاون عن تكثيف الضربات ضد أهداف إرهابية مختلفة في شمال البلاد، وتنفيذ عمليات ناجحة لتحرير رهائن. وفي الواقع، قد يكون التوسع الملحوظ للجماعات المتطرفة نحو جنوب نيجيريا ناتجاً من بدء تبادل المعلومات الاستخباراتية والعمليات المشتركة بين الولايات المتحدة ونيجيريا في تحقيق النتائج المرجوة في النصف الشمالي من البلاد.

عربة للشرطة بمكان الهجوم المسلح في جوس الشمالية عاصمة ولاية بلاتو النيجيرية (رويترز)

ويقول أوبإداري إنه على الأرجح، ستزداد الأزمة سوءا قبل أن تبدأ التحسن. فعلى رغم زيادة الإنفاق الدفاعي، فإن احتواء خصم يسعى إلى تحقيق مهمة أخروية ويعدّ أن النصر يتمثل في إلغاء الدولة العلمانية لا الاندماج فيها، كان دائماً مهمة بالغة الصعوبة. كما أن الوضع يزداد تعقيداً؛ لأن هذا العدو، من الناحية العملية، عدو دولي مندمج في شبكات عابرة للحدود، وتساعده في تنفيذ أنشطته الخبيثة حدود رخوة وبنية تحتية حكومية متهالكة.

ويختم أوبإداري بأن الخطوة الأولى الحاسمة تتمثل في إدراك حقيقة هذا التهديد كما هو. أما القضاء عليه، فسيتطلب تسخير قدرات وموارد الدولة النيجيرية بالتعاون مع جيرانها في منطقة الساحل وشركاء دوليين آخرين. وإلى جانب ذلك، سيتطلب الأمر الكثير من الوقت والصبر.


مقتل 12 وإصابة 9 في إطلاق رصاص بجوهانسبرغ

عناصر الأمن والإسعاف في حادثة سابقة وقعت في فاندربيلبارك جنوب جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا 19 يناير 2026 (أ.ب)
عناصر الأمن والإسعاف في حادثة سابقة وقعت في فاندربيلبارك جنوب جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا 19 يناير 2026 (أ.ب)
TT

مقتل 12 وإصابة 9 في إطلاق رصاص بجوهانسبرغ

عناصر الأمن والإسعاف في حادثة سابقة وقعت في فاندربيلبارك جنوب جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا 19 يناير 2026 (أ.ب)
عناصر الأمن والإسعاف في حادثة سابقة وقعت في فاندربيلبارك جنوب جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا 19 يناير 2026 (أ.ب)

قالت الشرطة في جنوب أفريقيا، اليوم الأربعاء، إن ما لا يقل عن 12 شخصاً لقوا حتفهم، وأُصيب تسعة، مساء أمس الثلاثاء، عندما فتح مسلَّحون النار في منطقة سكنية عشوائية بكليفلاند، إلى الشرق من جوهانسبرغ.

وأفادت الشرطة، في بيان لها، بأنها أطلقت عملية بحث واسعة النطاق عن أكثر من 10 مشتبَه بهم، عقب الهجوم الذي استهدف مستوطنة «جامبرز» العشوائية، ولا يزال الدافع وراء الهجوم مجهولاً، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأكدت الشرطة أن المشتبَه بهم وصلوا بسيارة تويوتا كوانتوم بيضاء، ودخلوا المستوطنة من مدخلين، وأطلقوا النار على عدة مواقع، قبل أن يلوذوا بالفرار في السيارة نفسها.

وتُعدّ جنوب أفريقيا من الدول التي تشهد أعلى معدلات جرائم القتل في العالم، حيث يبلغ متوسطها نحو 60 جريمة قتل يومياً.