أميركا تدفع نحو تثبيت اتفاق «الميزانية الموحدة» في ليبيا

تزامناً مع مناقشة ممثلين عن طرابلس وبنغازي الإنفاق العام وإيرادات النفط

اجتماع ممثلين لغرب وشرق ليبيا لبحث اتفاق الموازنة الموحدة في تونس الجمعة (المصرف المركزي)
اجتماع ممثلين لغرب وشرق ليبيا لبحث اتفاق الموازنة الموحدة في تونس الجمعة (المصرف المركزي)
TT

أميركا تدفع نحو تثبيت اتفاق «الميزانية الموحدة» في ليبيا

اجتماع ممثلين لغرب وشرق ليبيا لبحث اتفاق الموازنة الموحدة في تونس الجمعة (المصرف المركزي)
اجتماع ممثلين لغرب وشرق ليبيا لبحث اتفاق الموازنة الموحدة في تونس الجمعة (المصرف المركزي)

تدفع الولايات المتحدة لتثبت الاتفاق الليبي بشأن «الميزانية الموحدة»، الذي رعت التوصل إليه في أبريل (نيسان) الماضي، حيث عادت مجدداً لرعاية مشاورات بين ممثلين عن طرابلس وبنغازي حول الإنفاق العام وإدارة الإيرادات النفطية، في إطار ترتيبات تُعد «خطوة مهمة نحو توحيد المالية العامة للمرة الأولى منذ أكثر من 13 عاماً».

وتجلى هذا الدفع الأميركي، وفق مراقبين، من خلال استضافة السفارة الأميركية في تونس اجتماعاً، الجمعة، ضمَّ ممثلين عن صندوق إعادة الإعمار في شرق ليبيا وحكومة الوحدة الوطنية (المؤقتة) في غربها، وأعضاء اللجنة الفنية المعنية بتنفيذ الاتفاق، بحضور القائم بالأعمال الأميركي، جيرمي برنت، وبرعاية وزارة الخزانة الأميركية.

لقاء رئيس حكومة الوحدة الليبية عبد الحميد الدبيبة ومسعد بولس في طرابلس يناير الماضي (حكومة الوحدة)

وحسب بيانات صادرة عن مصرف ليبيا المركزي وتقارير لوسائل إعلام محلية، الجمعة، فقد ناقش الاجتماع آليات تنفيذ الاتفاق المالي، ومستويات الإنفاق العام حتى مايو (أيار) الجاري، إلى جانب مراجعة الإيرادات النفطية وغير النفطية وتوقعات الإيرادات حتى نهاية العام، فضلاً عن بحث آليات توريد المحروقات عبر وزارة المالية والمصرف المركزي.

وخلصت مخرجات اجتماع تونس إلى تأكيد المشاركين، بمن فيهم الجانب الأميركي، أهمية الحفاظ على أجواء التوافق القائمة والبناء عليها، مع التشديد على استمرار التنسيق الفني والمؤسسي لضمان التنفيذ العملي لبنود الاتفاق، وتعزيز الشفافية والإفصاح في إدارة الموارد العامة.

ويرى اقتصاديون أن هذا الاهتمام الأميركي «يعكس رغبة في تحصين التفاهمات المالية من الانهيار، وتحديات اتفاق الميزانية الموحدة»، وهي رؤية يطرحها رئيس «منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية»، خالد بوزعكوك، الذي يشير إلى أن جوهر الخلاف في ليبيا يتمحور حول تقاسم الموارد المالية في ظل الانقسام السياسي القائم، واعتماد الاقتصاد الليبي شبه الكامل على عائدات النفط، التي تمثل نحو 90 في المائة من تمويل الميزانية.

وقال بوزعكوك لـ«الشرق الأوسط» إن «واشنطن تسعى إلى بناء تفاهمات اقتصادية ومالية كمدخل مسبق لأي تسوية سياسية شاملة، باعتبار أن توحيد الميزانية يمثل خطوة أساسية نحو استقرار المؤسسات وتقليص عوامل الانقسام».

وسبق أن حذرت الحكومة المكلفة من البرلمان (شرق)، هذا الشهر، من أي محاولات لعرقلة تنفيذ الاتفاق بشأن الميزانية الموحدة أو الالتفاف عليه، مؤكدةً «استعدادها لاتخاذ إجراءات قانونية وإدارية لضمان استمراره، بوصفه خطوة نحو توحيد المؤسسات المالية للدولة».

محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى (صفحة المصرف)

ويرى المراقبون أن الاهتمام الأميركي بملف «توحيد الميزانية» بات يشكل أولوية جوهرية في تعاطي واشنطن مع الملف الليبي، وهو ما أبرزته تصريحات مستشار الرئيس الأميركي، مسعد بولس، لوسائل إعلام عربية الأسبوع الماضي، حول دور وزارة الخزانة في الدفع نحو هذا المسار، وتشديده على استمرار دعم واشنطن لتوحيد المؤسسات السيادية، والعمل مع مختلف الأطراف الليبية.

كما أن اتفاق «الميزانية الموحدة» فرض نفسه على رأس أجندة لقاء بولس مع وزراء المجموعة الاقتصادية في حكومة غرب ليبيا، الذين زاروا واشنطن مطلع هذا الشهر، إلى جانب مناقشات شملت قطاعات الطاقة والبنية التحتية والاتصالات، في إطار رؤية أوسع لتعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي في ليبيا.

ويعتقد الخبير الاقتصادي، محمد الصافي، أن الاهتمام الدولي بتوحيد الميزانية يمثل «سابقة» في التعاطي مع الملف الليبي، مقارنةً باهتمام دولي سابق بعوائق الانتخابات في ليبيا، أو أطراف الحروب الأهلية التي خاضتها البلاد.

ولا يستبعد الصافي، حسب تدوينة عبر «فيسبوك»، «وجود قناعة لدى المؤثرين في المشهد بأن الوضع الاقتصادي الحالي يعد قنبلة قد تنفجر في أي لحظة، ويجب احتواؤها أو إخمادها، ولو مؤقتاً»، عادّاً ذلك «مؤشراً إيجابياً» على تلاقي مصلحة المؤثرين في المشهد مع المصلحة الاقتصادية.

بموازاة ذلك، يرى بعض المراقبين أن المصالح الأميركية تشكل أحد المحركات الأساسية في مقاربة واشنطن للملف الليبي، إذ انخرط مستشار الرئيس الأميركي في مفاوضات بين الأطراف الليبية منذ يوليو (تموز) الماضي، في إطار مساعي دعم الاستقرار السياسي، بالتوازي مع تعزيز الحضور والمصالح الاقتصادية الأميركية في ليبيا، الدولة النفطية التي تعتمد أوروبا بشكل كبير على صادراتها من الخام.

وتعززت هذه القراءة، وفق تقارير غربية، بعد توقيع شركة «شيفرون» الأميركية، بعد أسابيع من إعلان اتفاق الموازنة، اتفاقاً أولياً مع المؤسسة الوطنية للنفط لتقييم إمكانات النفط والغاز الصخري في البلاد، في خطوة تعكس تنامي الاهتمام الأميركي بقطاع الطاقة الليبي، وازدياد انخراط الشركات الأميركية فيه.

كما أشار مسؤولون أميركيون، بينهم مستشار الرئيس الأميركي، عقب محادثات مع وزراء ليبيين، إلى أن الاهتمام الأميركي لا يقتصر على قطاع الطاقة فحسب، بل يمتد ليشمل البنية التحتية والاتصالات والتعدين والطيران، في إطار مقاربة أوسع تربط بين المسار الاقتصادي، ومحاولات تثبيت الاستقرار السياسي في ليبيا.

والشهر الماضي اتفق ممثلون عن شرق وغرب ليبيا على اتفاق الإنفاق الموحد، الذي نص على اعتماد جداول الإنفاق العام، وتحديد سقف مالي يقارب 26 مليار دولار، ضمن أول توافق مالي شامل منذ أكثر من عقد، في محاولة لوضع إطار رقابي موحد تحت إشراف المصرف المركزي.

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

ليبيون يتساءلون حول فرص توحيد المؤسسة العسكرية قريباً

شمال افريقيا وزير الدفاع التركي يتوسط الزوبي (إلى اليمين) وصدام حفتر (وزارة الدفاع التركية)

ليبيون يتساءلون حول فرص توحيد المؤسسة العسكرية قريباً

في ظل جدل مجتمعي في ليبيا حيال التقارب بين شرق البلاد وغربها، تتجدد تساؤلات بشأن الدور الذي يمكن أن تلعبه واشنطن لتوحيد المؤسسة العسكرية، بما يلبي طموح الليبيين

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا الزادمة ملتقياً المبعوثة الأممية في طرابلس و(البعثة الأممية)

تيتيه تبدي تفاؤلاً بتلبية «الحوار المهيكل» لتطلعات الليبيين السياسية

قالت البعثة الأممية لدى ليبيا إن رئيستها هانا تيتيه ناقشت مع سالم الزادمة، نائب رئيس حكومة «الوحدة»، التطورات السياسية والأمنية والاقتصادية في ليبيا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
رياضة عربية صدامات وإضرام نار في مبنى حكومي بطرابلس (وكالة الأنباء الليبية)

صدامات وإضرام نار في مبنى حكومي عقب مباراة كرة قدم بليبيا

أصيب عدد من الأشخاص في صدامات عقب مباراة كرة قدم في غرب ليبيا، وفق ما أعلنت السلطات الجمعة، بينما أُضرمت النار في مبنى حكومي بطرابلس.

«الشرق الأوسط» (طرابلس)
شمال افريقيا  الزادمة يناقش مع المجلس الأعلى للدولة في ليبيا أزمات الجنوب ومشروعات متوقفة 13 مايو (جهاز تنمية الجنوب)

«الوحدة» الليبية لمحاصرة أزمة الوقود بطرابلس إثر تعطّل «مصفاة الزاوية»

طمأنت حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة المواطنين بأن «إمدادات الوقود متوفرة بصورة طبيعية، وأن الناقلة النفطية موجودة بميناء طرابلس البحري».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من تكريم بن عامر في احتفالية أقامتها هيئة الرقابة الإدارية بطرابلس 13 مايو (لقطة من قناة ليبية)

غضب ليبي بعد تكريم مسؤولة ارتبط اسمها بـ«القمع» في عهد القذافي

طالب ليبيون بإقالة رئيس هيئة الرقابة الإدارية عبد الله قادربوه بالعاصمة طرابلس، عقب تكريمه مسؤولة سابقة في عهد الرئيس الراحل معمر القذافي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

مصر تنشد تمويلاً دولياً لدعم أمنها المائي

بنايات على نهر النيل في مصر (رويترز)
بنايات على نهر النيل في مصر (رويترز)
TT

مصر تنشد تمويلاً دولياً لدعم أمنها المائي

بنايات على نهر النيل في مصر (رويترز)
بنايات على نهر النيل في مصر (رويترز)

وسط التوسُّع في مشروعات معالجة وتحلية المياه لتعزيز كفاءة استخدامها، تنشد مصر تمويلاً دولياً لدعم أمنها المائي.

وأكد وزير الموارد المائية والري، هاني سويلم «أهمية تعزيز الشراكات الدولية والإقليمية، والاستفادة من الخبرات والتمويلات والدعم الفني المُقدَّم من شركاء التنمية بما يُسهم في تحقيق الإدارة المستدامة للموارد المائية، وتعزيز القدرة على التكيُّف مع التغيُّرات المناخية».

كلام وزير الموارد المائية والري جاء خلال لقاء، السبت، مع شركاء التنمية الدوليين، بمشاركة واسعة من ممثلي البنوك الإنمائية، وسفارات عدد من الدول والمنظمات الأممية، برئاسة مشتركة بين الاتحاد الأوروبي والسفارة الألمانية بالقاهرة.

وتقول مصر إنَّ نصيب الفرد من المياه «يقترب حالياً من مستوى الندرة المطلقة». وأكدت وزارة الموارد المائية والري في مارس (آذار) الماضي أنَّ «مصر تُعدُّ من أكثر دول العالم جفافاً».

وبحسب سويلم فإنَّ «الوزارة انتهت من إعداد محفظة متكاملة من المشروعات ذات الأولوية، من خلال ورشة عمل رفيعة المستوى عُقدت بمشاركة قيادات الوزارة وممثلي مختلف الجهات التابعة لها؛ بهدف تحديد الاحتياجات والمشروعات المستقبلية المتوافقة مع محاور (الجيل الثاني لمنظومة المياه 2.0)، وبما يعزِّز جاهزية هذه المشروعات للتمويل من ميزانية الدولة أو من خلال شركاء التنمية والجهات التمويلية».

وزير الموارد المائية والري المصري يؤكد أهمية تعزيز الشراكات الدولية والإقليمية في مجال المياه (وزارة الموارد المائية والري)

وأوضح الوزير أن «إعداد هذه المحفظة استند إلى منهجية واضحة شملت توحيد نماذج إعداد المشروعات، وتجميع وتحليل الأولويات القطاعية، واستكمال البيانات الفنية، وترتيب المشروعات وفقاً للأولويات الاستراتيجية، مع مراعاة توافقها مع محاور (منظومة المياه 2.0) وعلى رأسها التحول الرقمي، والإدارة الذكية للمياه، والبنية التحتية المرنة، وتعزيز الدورَين الإقليمي والدولي لمصر في مجال المياه».

وتضع مصر «خطة قومية لإدارة الموارد المائية 2037» وتُنفَّذ باستثمارات تتجاوز 50 مليار دولار، وتهدف إلى «ترشيد استهلاك المياه، وتحسين كفاءة الري، وإنشاء محطات معالجة إعادة استخدام المياه في استصلاح ملايين الأفدنة الزراعية، وكذا التوسُّع في محطات تحلية المياه».

يأتي هذا بينما تواجه مصر خلافاً مع إثيوبيا؛ بسبب النزاع الممتد حول «سد النهضة»، الذي أنشأته أديس أبابا على الرافد الرئيسي لنهر النيل، وتخشى القاهرة من أن يؤثر على حصتها المائية.

جانب من لقاء وزير الموارد المائية والري المصري السبت مع شركاء التنمية الدوليين (وزارة الموارد المائية والري)

ووفق إفادة لـ«مجلس الوزراء»، السبت، استعرض الوزير سويلم رؤية وزارته لتطوير آلية عمل «مجموعة شركاء التنمية لقطاع المياه»، بحيث تتحول إلى منصة تنسيقية فاعلة قائمة على النتائج، من خلال عقد اجتماعات دورية، مع استمرار التنسيق الفني بين مختلف الأطراف خلال الفترات البينية، بما يضمن المتابعة المستمرة ودفع معدلات التنفيذ.

وأشار الوزير إلى أنَّ «الآلية الجديدة تستهدف تحقيق التوافق بين أولويات الحكومة المصرية وبرامج ومساهمات شركاء التنمية، بما يربط الاحتياجات الفعلية للقطاع بأدوات التمويل والدعم الفني المتاحة، ويعزِّز التكامل بين المشروعات والبرامج الجاري تنفيذها، ويتجنب التداخل أو الازدواجية، مع الإسراع في التعامل مع أي تحديات أو معوقات تنفيذية من خلال الحوار والتنسيق المشترك».

وتشكو القاهرة من تحديات مائية، حيث يبلغ عجز المياه نحو 55 في المائة، وتعتمد على نهر النيل مصدراً رئيسياً للمياه بنسبة 98 في المائة، وبحصة سنوية مقدارها 55.5 مليار متر مكعب، وفقاً لبيانات حكومية.

ممثلو «شركاء التنمية» تحدثوا السبت عن مشروعات وزارة الموارد المائية والري المصرية ذات الأولوية (وزارة الموارد المائية والري)

وتحدَّث ممثلو «شركاء التنمية»، السبت، عن أن «قيام وزارة الموارد المائية والري بإعداد قائمة واضحة بالمشروعات ذات الأولوية يمثل خطوة مهمة»، حيث تتيح هذه المحفظة لشركاء التنمية رؤية أكثر وضوحاً لاحتياجات قطاع المياه، وتُمكِّنهم من اختيار المشروعات والبرامج التي يمكن تقديم الدعم التمويلي أو الفني لها بصورة أكثر تنظيماً وفاعلية.

وأكدوا أن «ربط هذه المشروعات بمحاور (الجيل الثاني لمنظومة المياه 2.0) وبما يخدم أهداف التنمية المستدامة والالتزامات المناخية، يعكس رؤية متكاملة لوزارة الموارد المائية والري، ويسهم في تعزيز الترابط بين أولويات الدولة المصرية وأجندات التنمية الدولية، بما يسهّل عمل الجهات المانحة في توجيه دعمها نحو المشروعات الأكثر أولوية».


الاعتداء على أطباء بمصر... وقائع متكررة تجدد أزمات «إجراءات التأمين»

مسؤولون في وزارة الصحة يتفقدون أحد مستشفيات صعيد مصر الأسبوع الماضي (وزارة الصحة المصرية)
مسؤولون في وزارة الصحة يتفقدون أحد مستشفيات صعيد مصر الأسبوع الماضي (وزارة الصحة المصرية)
TT

الاعتداء على أطباء بمصر... وقائع متكررة تجدد أزمات «إجراءات التأمين»

مسؤولون في وزارة الصحة يتفقدون أحد مستشفيات صعيد مصر الأسبوع الماضي (وزارة الصحة المصرية)
مسؤولون في وزارة الصحة يتفقدون أحد مستشفيات صعيد مصر الأسبوع الماضي (وزارة الصحة المصرية)

جددت وقائع اعتداءات متكررة على أطباء في مصر، الحديث عن أزمات «إجراءات التأمين» وسط مطالبات بـ«تغليظ العقوبات ضد مرتكبيها»، وذلك على خلفية حادثة جديدة داخل مستشفى حكومي.

وكانت «طبيبة امتياز» تدعى مي أحمد قد استغاثت عبر حسابها على «فيسبوك»، الخميس الماضي، قائلة إنها «محتجزة داخل غرفة الأطباء بمستشفى أبو الريش الياباني في القاهرة، وتتعرض لتهديدات ومحاولات اقتحام الغرفة من قبل عدد من الأشخاص».

وتفاعلت السلطات مع الاستغاثة، وأكدت وزارة الداخلية -عبر صفحتها على «فيسبوك»- الجمعة، أنها سعت لكشف ملابسات «منشور تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي، تضمَّن استغاثة طبيبة قامت بحجز نفسها داخل إحدى الغرف بأحد المستشفيات بمنطقة السيدة زينب بالقاهرة، عقب قيام الأمن الإداري بتهديدها بالإيذاء».

وحسب «الداخلية» تبيَّن «نشوب مشادة كلامية بين طبيبة تحت التدريب (القائمة على النشر) وإحدى الممرضات بالمستشفى ذاته، لخلافات بينهما حول إنهاء بعض الإجراءات. وحال حضور الأمن الإداري للفض بينهما، قامت الأولى بالدخول إلى إحدى الغرف وإغلاقها، ونشر المنشور المشار إليه، وأبدى الطرفان رغبتهما في التصالح».

وعلى الرغم من تأكيدات أطباء أن واقعة استغاثة الطبيبة «مجرد خلافات شخصية» مع ممرضة، وليست لها علاقة بوقائع الاعتداء على الأطباء، فإن الواقعة جددت مطالبات بحماية الأطباء، وإعادة تقييم منظومة الأمن داخل المستشفيات.

وقبل استغاثة الطبيبة بساعات، قضت محكمة مصرية برفض الاستئناف المقدم من متهم بالاعتداء على إحدى الطبيبات، وتأييد الحكم المستأنف بحبسه لمدة 6 أشهر مع النفاذ. وحسب بيان نقابة الأطباء، الخميس: «تعود تفاصيل الواقعة إلى قيام أحد الأشخاص بالاعتداء على طبيبة مقيمة بمستشفى معهد ناصر في مارس (آذار) الماضي، وسرقة هاتفها المحمول، عقب انتهاء موعد عملها».

وعقب صدور الحكم، جدد نقيب الأطباء، الدكتور أسامة عبد الحي، التأكيد على أن «تأمين المستشفيات والمرافق الملحقة بها، بما في ذلك سكن الأطباء والطواقم الطبية، يُعد التزاماً أساسياً لاستمرار تقديم الخدمة الطبية».

وشدد عبد الحي في إفادة، الخميس، على «ضرورة إعادة تقييم منظومة الأمن داخل المستشفيات الجامعية والعامة، وضمان وجود فعَّال للأمن على مدار الساعة، وتفعيل أنظمة المراقبة والاستجابة السريعة لأي طارئ، حفاظاً على سلامة الأطباء والعاملين داخل المنظومة الصحية».

وقائع اعتداء متكررة على أطباء تجدد الحديث عن أزمات إجراءات التأمين (وزارة الصحة المصرية)

المقرِّر المساعد لـ«لجنة الصحة» في «الحوار الوطني»، الدكتور محمد حسن خليل، يرى أن تكرار وقائع الاعتداء على الأطباء يرجع إلى أسباب عدة، ويعكس «عدم الرضا عن الخدمة الصحية المقدمة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «عدم وعي المريض بأسباب عدم جودة الخدمة الطبيبة، يدفعه إلى توجيه غضبه إلى الطبيب؛ حيث تعاني المنظومة الصحية من مشكلات، بينها ضعف إمكانات المستشفيات الحكومية، وهجرة الأطباء بسبب تدني الرواتب».

وأقر مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان) قانون «المسؤولية الطبية» الذي ينظم العلاقة بين الطبيب والمريض في مارس 2025، وسط جدل مجتمعي واسع، ورفض من نقابة الأطباء لبعض مواده.

ودخل القانون حيز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بعدما قرر الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال تصديقه على القانون في أبريل (نيسان) 2025 وضع مدة انتقالية لتنفيذه خلال 6 أشهر.

وينظم القانون الجديد العلاقة بين الطبيب والمريض، سواء فيما يتعلق بمسؤولية الطبيب عن المضاعفات التي قد يتعرض لها المريض، أو بالتعدي على الأطباء والمنشآت الطبية.

وألقت الأجهزة الأمنية بالجيزة، السبت، القبض على شخص، لـ«قيامه بالاعتداء على طبيب داخل أحد المستشفيات بمنطقة البدرشين» على خلفية خلاف نشب بينهما في أثناء توقيع الكشف الطبي على شقيق المتهم.

وفي مارس 2025، تعرَّض مدير عيادة النصر للتأمين الصحي بحلوان (جنوب القاهرة) لـ«اعتداء» من أحد المرضى المترددين على العيادة، بعد تدخله لفض مشادة كلامية بين المريض وموظفة الأرشيف، ما أدَّى إلى إصابته.

الأمينة العامة السابقة لنقابة الأطباء، الدكتورة منى مينا، تشير إلى أنه مع تعدد تكرار وقائع الاعتداء على الأطباء تظل هناك حاجة إلى «تغليظ العقوبات بتعديلات تشريعية». وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «المواد التي تضمنها قانون (المسؤولية الطبية) لا تشدد العقوبات، وليست رادعة بشكل كافٍ، وسبق أن طالبنا باعتبار الاعتداء على الطواقم الطبية اعتداء على المجتمع، لا يجوز التصالح فيه».

مطالبات بتغليظ العقوبات بعد استغاثة طبيبة بمستشفى حكومي (وزارة الصحة المصرية)

ووفق الدكتورة منى مينا، فإنه «على الرغم من أن واقعة استغاثة الطبيبة التي أثارت جدلاً لا تقع في إطار الاعتداء على الأطباء، فإنها تثير قضية الحاجة إلى إعادة النظر في منظومة تأمين المنشآت الطبية».

وينص قانون «المسؤولية الطبية» في إحدى مواده على أنه «يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على 6 أشهر أو بغرامة لا تجاوز 10 آلاف جنيه، كل من أهان بالإشارة أو القول أو التهديد أحد مقدمي الخدمة في أثناء تأدية مهنته أو بسبب تأديتها، وتزيد العقوبة للحبس مدة لا تزيد على سنة أو بغرامة لا تجاوز 50 ألف جنيه، لكل من أتلف عمداً شيئاً من المنشآت أو محتوياتها، أو تعدى على أحد مقدمي الخدمة»، (الدولار يساوي 52.80 جنيه في البنوك المصرية).

كما ينص على أنه «إذا حصل الإتلاف أو التعدي باستعمال أي أسلحة أو عصي أو آلات أو أدوات أخرى، تكون العقوبة الحبس الذي لا تقل مدته عن سنة».

الأمين العام لنقابة الأطباء، الدكتور أبو بكر القاضي، حذَّر من أن «الاعتداءات على الطواقم الطبية تؤدي إلى فقدان الثقة في مقدم الخدمة»، وقال في تصريحات صحافية، الجمعة، إن «الاعتداءات تتجاوز كونها اعتداء على أشخاص لتصل إلى تهديد حياة المرضى؛ حيث تتسبب هذه الوقائع في فقدان الثقة، وضياع فرص علاج المرضى؛ خصوصاً في أقسام الطوارئ»، مؤكداً أن «النقابة تطالب بضرورة تغليظ العقوبات، لتكون رادعاً لكل من يتجاوز في حق المنشآت الطبية».


الملفات الخلافية بين الجزائر وباريس تفتح فصلاً جديداً من الاختبار القضائي

الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل توتر العلاقات (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل توتر العلاقات (الرئاسة الجزائرية)
TT

الملفات الخلافية بين الجزائر وباريس تفتح فصلاً جديداً من الاختبار القضائي

الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل توتر العلاقات (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل توتر العلاقات (الرئاسة الجزائرية)

يبحث وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان بالجزائر، الاثنين المقبل، عدة قضايا خلافية، بعضها شكل «أزمة داخل الأزمة الكبرى» بين البلدين، منها «قضية الصحافي الفرنسي المسجون بتهمة الإرهاب»، و«ملف الأصول غير المشروعة المهرَبة إلى فرنسا»، وتسليم معارضين جزائريين مقيمين في فرنسا متابعين بتهم جنائية.

وزير العدل الفرنسي (الوزارة)

أعلنت وزارة العدل الفرنسية، اليوم السبت، أن الوزير دارمانان سيزور الجزائر في 18 مايو (أيار) الجاري، «لبحث التعاون القضائي بين البلدين، ومناقشة قضية الصحافي الفرنسي المسجون كريستوف غليز»، مبرزة أن «الهدف من هذه الزيارة هو العمل على فتح فصل جديد من التعاون القضائي بين بلدينا»، ومشيرة إلى أن المحادثات التي سيجريها جيرالد دارمانان، والذي سيكون في استقباله نظيره الجزائري لطفي بوجمعة، ستشمل أيضاً «مواضيع تتعلق بالجريمة المنظمة، وتهريب المخدرات، بالإضافة إلى مكافحة الإرهاب».

ووفق مصادر دبلوماسية غربية بالجزائر، يبدي الجانب الفرنسي، من خلال زيارة دارمانان، اهتماماً مركزاً بالإفراج عن الصحافي غليز (36 سنة)، وهو ملف يتعامل معه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بوصفه «مسألة شخصية»، وفق تعبير ذات المصادر التي أشارت إلى أن ماكرون «يحدوه أمل في تسوية المشكلات العالقة مع الجزائر قبل رحيله عن السلطة»، حيث تنتهي ولايته الثانية العام المقبل.

وكانت عائلة غليز أعلنت، مؤخراً، تخليه عن طعنه بالنقض، مما يمهد الطريق لإمكانية الاستفادة من عفو رئاسي من قبل الرئيس الجزائري.

الأمن والمخدرات

كان الصحافي، الذي يعمل كمتعاون مع مجلتي «سو فوت» و«سوسايتي» الفرنسيتين، قد أُوقف في أواخر مايو 2024 في الجزائر، التي زارها في إطار إعداد تحقيق حول نادي كرة القدم الأكثر تتويجاً في البلاد، «شبيبة القبائل». وبعد وضعه في البداية تحت الرقابة القضائية، أُودع السجن في يونيو (حزيران) 2025 عقب صدور حكم بحقه يقضي بسجنه سبع سنوات بتهمة «الإشادة بالإرهاب»، وذلك بناء على وقائع تفيد بأنه كان على تواصل مع عضو في النادي مصنف على لائحة «الإرهاب».

الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير الداخلية الفرنسي ورئيسة الوزراء الفرنسية السابقين بالجزائر نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)

وقد أصبح «ملف غليز»، مع الوقت، من نقاط التوتر بين باريس والجزائر. وكانت عقوبته قد تأكدت في مرحلة الاستئناف في ديسمبر (كانون الأول) 2025. وحظي منذ بداية العام بمتابعة خاصة من طرف الاشتراكية الفرنسية مرشحة انتخابات الرئاسة لعام 2027 سيغولين رويال، التي التمست من الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عفواً رئاسياً لفائدته. ونزولاً عند طلباتها بشأن الصحافي، تم نقله من سجن مدينة تيزي وزو، التي تبعد 120 كلم عن العاصمة، إلى سجن القليعة بالضاحية الغربية للعاصمة.

ولاحت في الأيام الماضية مؤشرات على قرب إخلاء سبيله، على خلفية أول زيارة قنصلية يحظى بها في السجن، وذلك إثر عودة السفير ستيفان روماتيه إلى منصبه، في مؤشر آخر على طي الخلافات التي بدأت في صيف 2024 بسبب إعلان قصر الإليزيه اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء.

الرئيس الجزائري مستقبلاً الاشتراكية الفرنسية سيغولين رويال في يناير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

ويملك دارمانان أصولاً جزائرية، فجده لوالدته كان قناصاً في الجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية. وقد زار الجزائر مرتين كوزير للداخلية: في 2020 و2022.

وفيما لم تعلن أي جهة رسمية في الجزائر عن زيارة المسؤول الفرنسي، تؤكد مصادر إعلامية أن ملفات أساسية ستكون محور المباحثات، التي سيجريها مع مسؤولين سياسيين، وأمنيين جزائريين، يأتي على رأسها الجريمة المنظمة، وتهريب المخدرات، بالإضافة إلى تعزيز العلاقات الثنائية في مجال مكافحة الإرهاب، ومحاربة الجريمة الاقتصادية والمالية العابرة للحدود، بما في ذلك الملفات المتعلقة بالأموال المنهوبة، أي الممتلكات المكتسبة بطرق غير مشروعة.

اختبار أمام تطبيع العلاقات

يشكل الملف الأخير بالنسبة للجزائر اختباراً لمدى استعداد فرنسا لفتح صفحة جديدة في العلاقات، حيث تطالب بمصادرة أموال وممتلكات مسؤولين جزائريين سابقين، وتسليمهم إلى القضاء الجزائري إن كانوا مقيمين في فرنسا. ومن أبرز هؤلاء المسؤولين وزير الصناعة السابق عبد السلام بوشوارب، الذي رفضت محكمة فرنسية تسليمه العام الماضي، بدعوى «عدم توفر ضمانات محاكمة عادلة بالجزائر».

المعارض فرحات مهني مستهدف بمذكرة توقيف دولية (ناشطون)

ومن بين المطالب الجزائرية الملحّة في ملف التعاون القضائي، تسليم معارضين مقيمين في فرنسا، تتهمهم الجزائر بـ«الإرهاب» و«المساس بالوحدة الوطنية»، وصدرت بحقهم غيابياً أحكام بالسجن لمدد طويلة، من أبرزهم فرحات مهني، وأمير بوخرص. ويُعدّ ملف بوخرص من أكثر القضايا حساسية بين البلدين، بعدما أدى إلى سجن موظف قنصلي جزائري في أبريل (نيسان) 2025، على خلفية اتهامه بالتورط في عملية اختطاف واحتجاز، تعرض لها، تعود إلى عام 2024. ولا تزال القضية تكتنفها ملابسات كثيرة، وقد تسببت في أزمة حادة بين الجزائر وفرنسا، في وقت تتهم فيه الجزائر الأجهزة الأمنية الفرنسية بـ«تلفيق» التهم للدبلوماسي الجزائري الذي لم يُكشف عن هويته حتى الآن.

حوار الثقة والمستقبل

تمثل زيارة جيرالد دارمانان، وفق مراقبين، خطوة جديدة في مسار إنهاء الفتور، وعودة الدفء إلى العلاقات بين الجزائر وباريس، بعد عدة أشهر من الأزمة الدبلوماسية.

أمير بوخرص من أشهر المعارضين الجزائريين المقيمين في فرنسا (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وفي هذا السياق كانت الوزيرة المنتدبة لدى وزارة القوات المسلحة الفرنسية، أليس روفو، قد تنقلت في 8 مايو الجاري إلى سطيف بشرق الجزائر، لإحياء ذكرى الأحداث المأساوية التي شهدتها المدينة في 8 مايو 1945. وتزامناً مع تلك الزيارة، ذكر قصر الإليزيه في بيان بأن «قراءة فرنسا للتاريخ بكل موضوعية ووضوح يجب أن تسمح اليوم ببناء علاقات مبنية على الثقة، وواعدة للمستقبل، وذلك لما فيه المصلحة العليا للشعبين الفرنسي، والجزائري»، معرباً عن الأمل في «استعادة حوار فعال يحترم المصلحة الوطنية لكل طرف».