المحبوب عبد السلام: فوجئ الترابي بضلوع نائبه في محاولة اغتيال مبارك

أدار مكتب الشيخ وكتب خطب الرئيس ثم «تخرج» من المدرسة وصار مستقلاً (1)

TT

المحبوب عبد السلام: فوجئ الترابي بضلوع نائبه في محاولة اغتيال مبارك

آثار محاولة الاغتيال على سيارة في موكب مبارك بأديس أبابا عام 1995 (أ.ف.ب)
آثار محاولة الاغتيال على سيارة في موكب مبارك بأديس أبابا عام 1995 (أ.ف.ب)

هذا يحدث فقط في الروايات المثيرة. يستدعي زعيم ديني ضابطاً مغموراً ويستقبله للمرة الأولى قبل يومين من موعد الانقلاب. ينصّبه رئيساً بعبارة غير مسبوقة: «تذهب أنت إلى القصر رئيساً، وأذهب أنا إلى السجن حبيساً». وهذا ما حدث في 30 يونيو (حزيران) 1989. ذهب الضابط عمر حسن البشير إلى قصر الرئاسة واقتاد الأمن الدكتور حسن الترابي إلى سجن كوبر الشهير مع سائر الزعماء السياسيين.

كان الغرض من «خدعة» الترابي إخفاء الطابع الإسلامي للانقلاب كيلا تسارع الدول القريبة والبعيدة إلى محاصرته. وانطلت الخدعة على استخبارات الدول المجاورة، وبينها مصر، واعتقدت أن البشير استولى على السلطة على رأس مجموعة من الضباط القوميين. اعترفت القاهرة بالنظام الجديد وشجعت دولاً أخرى على الاقتداء بها.

عمر البشير وحسن الترابي عام 2004 (أ.ف.ب)

هذا يحدث فقط في الروايات. نزل في مطار الخرطوم شاب يقول جواز سفره إن اسمه عبد الله بركات. جاء من عمّان. سيقرع الشاب ذات يوم باب مكتب الترابي لكن الأخير سيمتنع عن استقباله. بعد فترة سيكتشف الأمن السوداني أن الزائر «هدية مسمومة» على حد قول الترابي. إنه الفنزويلي الشهير كارلوس وهو «مناضل أممي» في نظر البعض و«إرهابي شهير» في نظر الآخرين. إنه الرجل الذي قاد عملية خطف وزراء «أوبك» في فيينا في 1975 تنفيذاً لتعليمات مهندس خطف الطائرات القيادي الفلسطيني الدكتور وديع حداد. وذات ليلة وبعد موافقة الترابي والبشير سيحضر رجال المخابرات الفرنسية إلى الخرطوم. أفاق كارلوس من المهدئات في الطائرة التي نقلته إلى فرنسا حيث لا يزال ينفذ حكماً بالسجن المؤبد.

كان نظام البشير كمن يلعب بالقنابل. استضاف أيضاً في النصف الأول من التسعينات شاباً شائكاً اسمه أسامة بن لادن. كان يبحث بعد أفغانستان عن معقل يسمح له بالتدريب والإعداد. جاء تحت لافتة الاستثمار والإغاثة. تصاعدت الضغوط ولم يكن أمام بن لادن غير المغادرة.

هذا يحدث فقط في الروايات المثيرة. اجتماع لقيادة الجبهة الإسلامية بحضور أركانها والبشير وقادة الأمن. المناسبة تعرض الرئيس المصري حسني مبارك لمحاولة اغتيال في أديس أبابا. فاجأ علي عثمان طه نائب الترابي الحاضرين بالاعتراف بأن للأجهزة السودانية علاقة بمحاولة الاغتيال. فهم الحاضرون أنه كان من رعاة المحاولة. لا الشيخ كان على علم مسبق ولا الرئيس.

بعد المحاولة، طُرحت أيضاً فكرة الإجهاز على المتورطين الذين عادوا من العاصمة الإثيوبية في محاولة لقطع أي خيط يمكن أن يساعد في تجريم النظام السوداني. عارض الترابي عملية التصفية. ساد انطباع أن البشير أيد التصفية ولاحت نذر الانقسام بينه وبين الترابي.

المحبوب عبد السلام خلال المقابلة (الشرق الأوسط)

سيتكرس الطلاق لاحقاً فيما عرف بـ«المفاصلة» بين الإسلاميين. السلطة وليمة لا تتسع لاثنين. لن يتردد البشير في أن يدفع إلى السجن الرجل الذي دفعه إلى القصر. ولن يتردد الترابي في تأييد تسليم البشير للمحكمة الجنائية الدولية. ذاق الترابي خيانة تلامذته. ومن عادة التلامذة أن يخونوا.

هذا يحدث فقط في الروايات المثيرة. بوساطة من الترابي وافق أسامة بن لادن على استقبال مسؤول في مخابرات صدام حسين اسمه فاروق حجازي. لم يسفر اللقاء عن تعاون لكنه استخدم في طليعة الذرائع التي أوردها جورج بوش الابن في 2003 لتبرير غزو العراق. التقى حجازي أيضاً كبار مسؤولي الأمن الذين زاروا بغداد لاحقاً واستقبُلوا بحفاوة وبدا واضحاً أن علي عثمان طه كان أبرز المعجبين بصدام حسين.

يتدفق الدم السوداني حالياً كما تتدفق مياه النيل. الجثث المتناثرة في شوارع مدينة الفاشر تكاد تنسي العالم الجثث النائمة تحت ركام غزة. يسكب القساة النار على زيت الكراهيات العرقية والجهوية. صناعة الجثث أسهل بكثير من صناعة التسوية والدولة والمؤسسات.

منذ استقلاله والسودان مأساة مترامية الأطراف. ولأن الحاضر ابن الماضي القريب كنت أبحث عن شاهد يعرف اللعبة واللاعبين، وشاءت المهنة أن ألتقيهم وأحاورهم. استوقفتني تجربة السياسي والباحث الدكتور المحبوب عبد السلام. على مدار عقد كان مديراً لمكتب الترابي. وعلى مدار عقد أيضاً كان يكتب بعض خطب البشير. استوقفني في الأعوام الأخيرة خروجه بخلاصات جريئة بينها أن الحركة الإسلامية في السودان استنفدت أغراضها. وأنها شريكة مع النخب الأخرى فيما وصلت إليه البلاد. وأنها أخطأت في التعامل مع الآخر كما أخطأت حين سلكت طريق الانقلاب والعنف وبيوت الأشباح وساهمت في دفع الجنوب إلى خارج الخريطة السودانية. لا يتردد المحبوب في النظر إلى أخطاء الترابي نفسه وولعه بممارسة السلطة. قلبت معه صفحات سودانية وكانت هذه الحلقات.

كان المحبوب عبد السلام طالباً في السنة الأولى في الجامعة حين استوقفته أفكار الترابي. بدا الترابي في تلك الأيام مختلفاً ويتحرك من خارج الانقسام التقليدي في المجتمع السوداني. ثم إنه رجل يعرف الغرب ودرس في جامعاته، في باريس ولندن. وفي 1990 تولى المحبوب إدارة مكتب الترابي حتى نهاية ذلك العقد.

يقول المحبوب: «كثيراً ما يطرح علي هذا السؤال: هل أنت تلميذ للترابي؟ وأنا ذكرت لهم أكثر من مرة، نعم أنا تلميذ للترابي وتلميذ نجيب. لكن تخرجت في هذه المدرسة وأصبحت شخصاً مستقلاً ولدي أفكار ولدي تجارب، وربما تكون أوسع من تجارب قادة الحركة الإسلامية من قبلي». سألته متى اكتشف أخطاء الترابي وتولد لديه حس نقدي تجاه تجربته، فأجاب: «ربما في عام 2011، مع ثورات (الربيع العربي) ومع الثورة المصرية على وجه التحديد والتحول الذي حدث في مصر».

* كيف كانت علاقة الترابي بالرئيس حسني مبارك؟

- التقى الرئيس مبارك عام 1986 عندما ذهب إلى مؤتمر الأزهر حول السيرة النبوية، وآنذاك كان النظام المصري على عداء، أو على تحفظ شديد حيال حكم (رئيس الوزراء السوداني) الصادق المهدي. كان لقاء أشبه بالمجاملة، ولكن بعد ذلك تأزمت العلاقة نتيجة الخدعة (التي رافقت الاستيلاء على السلطة في 1989) ثم تأزمت أكثر عندما حدثت محاولة الاغتيال (للرئيس مبارك) في أديس أبابا عام 1995.

الرئيس مبارك مستقبلاً الرأس المدبر لمحاولة اغتياله علي عثمان طه في القاهرة عام 2005 (أ.ف.ب)

بعد محاولة الاغتيال عُقد اجتماع مهم. لم يكن اجتماعاً أمنياً. كان اجتماعاً سياسياً على أرفع مستوى وأشمل مستوى. حضر الاجتماع الترابي والبشير وكل القادة السياسيين وكان ذلك في منزل الأستاذ علي عثمان محمد طه. في تلك اللحظة عرف الرئيس والترابي للمرة الأولى أن أجهزتهما ونائب الترابي، الذي سيصبح لاحقاً نائباً للرئيس، تورطوا في هذه المحاولة من دون علمهما، فكانت هذه صدمة كبيرة طبعاً.

* هل تقصد أن البشير لم يكن على علم بمحاولة الاغتيال؟

- نعم.

* والترابي لم يكن على علم؟

- نعم. جرت من ورائهما.

* لكن علي عثمان طه اعترف في الاجتماع بأن الأجهزة ضالعة؟

- نعم.

* ثم تبين أنه ضالع؟

- نعم. نعم.

* هل صحيح أن الترابي رفض قتل المنفذين العائدين من محاولة الاغتيال؟

- نعم، ثار ثورة عنيفة ضد هذا المقترح الذي تقدم به الشيخ علي عثمان بأنه في مثل هذه الأحوال، عندما تفشل محاولات، لا بد من أن تقضي على آثارها كلها حتى تحفظ سر النظام. فالترابي كان يعد هذا الأمر خارج السياسة وخارج الشريعة فانتفض انتفاضة هائلة، ويشير الدكتور علي الحاج (خليفة الترابي في رئاسة حزبه) إلى أنه في هذا اليوم حدثت المفاصلة. علي عثمان كسب الرئيس، إذ التقاه قبل الاجتماع وأيده فوراً، لذا انتفض الترابي عليهما معاً.

* البشير أيد علي عثمان طه المتورط في العملية؟

- في إعدام الذين دخلوا إلى السودان.

* في اقتراح إعدامهم؟

- نعم.

* قيل إن مجموعة من التصفيات حدثت لاحقاً ولها علاقة بطمس الأدلة؟

- هذه كانت قناعة عند قادة الأجهزة الأمنية وعند الشيخ علي عثمان لأنه متى ما فشلت مثل هذه العملية فلا بد من أن تطمس الأدلة كلها بتحييد هؤلاء الذين كانوا بعضاً من العملية.

* لكن علي عثمان طه قابل الرئيس مبارك لاحقاً؟

- بعد ذلك حدث تطور كبير في العلاقات. التقت الأجهزة الأمنية في السودان جهاز المخابرات المصري، وحدث تبادل وتصارح كبيران، وكان النظام في ذلك الوقت ينحو المنحى الواقعي ويريد أن يكون بعضاً من الإقليم.

* على أي مستوى كانت علاقات الأجهزة؟

- على مستوى رؤساء الأجهزة.

* مثل من؟

- مثل عمر سليمان وصلاح قوش.

* كيف كانت علاقة عمر سليمان بالسودان؟

- هو أرسل رسالة، كنت شاهداً عليها، عن طريق المخابرات الفرنسية، وقال إن محاولة اغتيال مبارك تمت من قبل الجماعات المصرية الإسلامية.

* «الجماعة الإسلامية»؟

- نعم، ولكن السودان دعمهم بما يسمى الدعم اللوجيستي، وفر لهم المال والمكان والسلاح وكذا، لكن لم يكن هو المخطط أو المنفذ، فعندئذ الحكومة المصرية تحفظت في أن تقوم بعمل كبير ضد السودان، لكن لو تأكد لهم أن السودان كان مخططاً عندئذ كان الرد سيكون قاسياً وكبيراً.

* قصف بالطائرات؟

- مثلاً. لكن عندما عرفوا أن السودان كان مساعداً تراجعوا، فكانت هذه أكبر رسالة مريحة للأمن السوداني، وكانت بمثابة باب فتح لإصلاح العلاقات إصلاحاً جوهرياً، وكذلك كانت الحكومة السودانية في ذلك الوقت، وبعد المفاصلة والتخلص من الترابي، تطرح نفسها كحكومة عادية واقعية لا تحمل برنامجاً إسلامياً.

أسلحة صادرها الأمن الإثيوبي مع متورطين في محاولة اغتيال مبارك (أ.ف.ب)

* هذه الأمور ساهمت في تدهور العلاقة بين البشير والترابي والطلاق؟

- هذه أتت بعد الطلاق. المصالحة الكاملة مع مصر والإقليم حدثت بعد 1999. بعد زيارة علي عثمان نفسها، كانت بعد 1999. بين زيارة علي عثمان وزيارة قوش، وكان وزير الخارجية مصطفى عثمان يتردد على مصر وكان صديقاً لوزير الخارجية المصري فطابت العلاقات عند ذلك المنعطف.

* في العلاقة الشخصية بين البشير والترابي، متى ظهرت أقسى درجات الكيدية من جانب البشير؟

- بعد مذكرة العشرة في أكتوبر (تشرين الأول) 1998.

* كيف تجلت هذه الكيدية؟

- كان الترابي يريد أن يرأس اجتماعاً للشورى وكان اجتماعاً كبيراً جداً فيه كل قادة الحركة، كل حكام الولايات، كامل قيادات الحزب، وأمناء الحزب في الولايات، والقيادات الأهلية، وهؤلاء 600 شخص يمثلون شورى حزب «المؤتمر الوطني»، ففي هذا المحفل الضخم تعرض الترابي لمفاجأة لم يكن يتوقعها.

* وهي؟

- وهي أن 10 من أعضاء الشورى تقدموا بمذكرة، جوهر المذكرة يطلب تنحية الترابي وتنصيب البشير رئيساً للدولة ورئيساً للحركة، والقضاء على هذه الثنائية. المذكرة فيها الكثير من البنود التي تتحدث عن الإصلاح وعن الشورى. لكن هذا كان جوهر الموضوع الذي جعل الرئيس يتآمر مع العشرة ويقبل هذه المفاجأة الضخمة في هذا المحفل الكبير للترابي.

* أنت تقول بوضوح أن البشير تآمر على الترابي؟

- نعم، في تلك اللحظة طبعاً، مؤامرة معلنة وظاهرة جداً.

* كان يريد أن يدفعه إلى المنفى؟ إلى السجن؟ إلى ماذا؟

- حتى ذلك الوقت كان يريد أن يجعله رئيساً رمزياً، والترابي يعلم ذلك لأن بعض العسكريين من زملاء البشير وأصدقائه في السلطة جاءوا إلى الترابي وطلبوا منه أن يبقى شيخاً. هم يتخذون القرارات وكل السياسة في أيديهم ثم يعودون إليه ويخُبَر ويعطي البركة، وهذا الدور طبعاً لا يقبله الترابي.

* الترابي يحب السلطة أيضاً؟

- يحب ممارستها وله شغف كبير بالسياسة، ولكن في السلطة، لا يقبل أن يعطي المباركات كما يعطي الشيوخ التقليديون.

* ماذا كان الوضع الحقيقي للترابي في السنوات العشر الأولى من عهد نظام الإنقاذ؟

- كانت كل الاستراتيجيات تصدر منه، القرارات الكبيرة. لكن هي دولة وحكومة وفيها أكثر من 30 وزيراً، ونحو ذلك من وزراء الدولة، فكانت تدير عملها اليومي بمعزل عنه وكان في السنوات الأولى متحفظاً جداً في أن يظهر في أي محفل رسمي أو حتى أن يتصل بوزير هاتفياً.

* في أي مرحلة هذه؟

- من عام 1990 إلى 1995، أو من 1989 إلى 1994. السنوات الخمس الأولى، كان متحفظاً جداً. بعد ذلك، بدأ يظهر بالتدريج، لا سيما أنه أصبح في 1996 رئيس المجلس الوطني.

* متى بدأ ظل الترابي في الانحسار؟

- هو لم ينحسر طبعاً. أصلاً الترابي بالكاريزما العالية، بالشخصية المهيمنة والمعرفة الكبيرة وبالخطاب واللغة القوية لم ينحسر، ويصعب جداً أن يكون الترابي في السلطة وتستطيع أن تحاصر دوره. وكان هذا يسبب إزعاجاً كبيراً لهم، ولم ينحسر دوره إلا عندما أخذوه إلى السجن بعد المفاصلة.

حسن الترابي (أ.ف.ب)

* متى دخل السجن؟

- بعدما وقعنا مذكرة تفاهم في فبراير (شباط) 2001 مع «الحركة الشعبية لتحرير السودان». هذه كانت نقلة كبيرة جداً.

* وقعتها شخصياً؟

- نعم.

* هل تشعر أحياناً بأنك شريك في ذنب استقلال جنوب السودان؟

- لا، لأن رأيي كان واضحاً. وكان هو من رأي الشيخ راشد الغنوشي أيضاً، التحدي الكبير الذي وضعه الجنوبيون أمام الوحدة وأمام الذهاب إلى استفتاء هو أن تلغى القوانين التي جاء بها (الرئيس جعفر النميري) والتي تعرف بقوانين الحدود. وأنا نقلت لهم رأياً واضحاً من الشيخ راشد أنه إذا وضعت وحدة السودان في مقابل الحدود، القوانين الخمسة، قطع اليد وجلد الشارب والزاني، إذا وضعت هذه تحدياً لوحدة السودان فنحوا القوانين جانباً وامضوا إلى وحدة السودان. وكان رأيي أن هذه التشريعات الإسلامية هي مثل كل قوانين المجتمعات، وقوانين المجتمع محكومة بظرفها النفسي والتاريخي وليست جامدة، لأن القانون العام ليس جامداً، المجتمع ليس جامداً، المجتمع متحرك. فكان هذا رأيي الأصولي، وكذلك رأيي السياسي.

* العلاقة بين الترابي وعلي عثمان طه، نائبه، علاقة معقدة؟

- نعم.

* تشبه تبادل الطعنات لو تشرح لنا هذه العلاقة؟

- علي عثمان طه لديه أفكار وتصورات مختلفة عن أفكار الترابي. عندما كان طالباً كان هناك صراع حاد بين قادة الحركة، بين الترابي والشيخ جعفر الشيخ إدريس، وكانت الحركة منقسمة انقساماً حاداً. هذا كان عام 1968. ففي هذا الانقسام الحاد، كان علي عثمان من الجناح المناوئ للترابي الذي كان يعدّ أن الترابي تضخم جداً بعد ثورة أكتوبر (تشرين الأول) وبعد أن أصبح أمين الميثاق، وينبغي أن تؤخذ الحركة منه إلى شخص آخر. فكان هذا الصراع في أوجه، وكان علي عثمان في هذا الجانب.

لكن علي عثمان لديه نظرية تقول إنه إذا اختلف شخص مع التنظيم فهو ينحاز إلى التنظيم، لكن إذا اختلف التنظيم مع الدولة فهو ينحاز إلى الدولة، وإذا اختلفت الدولة مع الإسلام فهو ينحاز إلى الإسلام. هذا رأيه وسمعته منه شخصياً، ولكن الترابي لا ينهج هذا النهج. الترابي له رؤية وله أفكار محددة مهما خالفت الوقائع يحاول أن يمضي فيها، ولكن بعد أن جاء نظام النميري في 25 مايو (أيار) 1969 وأصبح الترابي أمين عام الحركة، أصبح علي عثمان جزءاً من الموالين للترابي.

الترابي وعلي عثمان طه

ثم عندما جاءت «الإنقاذ» كان الشخص الذي أعد إعداداً خاصاً لخلافة الترابي هو الأستاذ أحمد عثمان مكي، رحمه الله. لكنه ذهب إلى أميركا. وأحمد عثمان مكي قد لا يكون مناسباً أن يكون الشخص الثاني مع شخص مثل الترابي لأن أحمد عثمان مكي كانت له كاريزما عالية بصفته زعيماً. لكن علي عثمان يستطيع أن يخفي كثيراً من مشاعره وأن يقبل أن يؤدي دور الرجل الثاني، لذلك انسجم علي عثمان والترابي لفترة طويلة، فترة «الجبهة الاسلامية القومية»، ثم 1985 إلى 1989، ثم انسجما في أول سنوات «الإنقاذ». ليس انسجاماً كاملاً، وكان انسجاماً ظاهراً. ثم بعد ذلك ظهرت كل هذه الاختلافات العميقة في فترة لاحقة.

* علي عثمان طه كان شديد الإعجاب بصدام حسين مثلاً؟

- إلى حد كبير. كان يؤمن كما يؤمن كثير من النخب السودانية بالحكم الشمولي، أن مجتمعاتنا ليست مهيأة لليبرالية والتعددية، فكان نظام صدام بالنسبة له نظاماً شمولياً قابضاً قوياً، ولكنه نظام كذلك يتقدم في التنمية والاقتصاد وتأسيس البلاد، فكان هذا النموذج المثالي عندهم.

* هل كانت رياح «الربيع العربي» قاسية على السودان؟

- قاسية على الحركة الإسلامية طبعاً. تأخرت نحو 7 سنوات. «الربيع العربي» تقريباً اكتمل كله في عام 2012 لكن انتظرنا حتى عام 2019 حتى تتكرر تجربة «الربيع العربي» في السودان. فالثورة التي هبت كان قاسية جداً على الإسلاميين، ولكنها كانت تستجيب حقيقة لنبض كل الشارع السوداني، لا سيما شارع المدينة.

* هل تخطت حاجات الشارع السوداني أفكاراً كتلك التي تحملها الحركة الإسلامية أو النخب الأخرى التي نافستها؟

- الحركة الإسلامية في أثناء وجودها في السلطة كانت تحمل عداء خفياً معلناً للمجتمع المدني، للشباب للنساء للفن ولكل هذه المسائل. لكن الحركة الفكرية والأدبية وحركة المجتمع المدني كله كانت تحتوي في جوهرها على معارضة لنظام «الإنقاذ» وللممارسات الشمولية الطويلة. فلذلك، كان هذا التعارض واضحاً. عندما جاءت هذه الثورة بشعارات سلام حرية عدالة، هذه لم تكن مطروحة، هذه ليست ضمن شعارات «الإنقاذ». فكانت فعلاً، الحركة الإسلامية وهي في السلطة، تطورت باتجاه أفكار لم تكن في البداية أصل الحركة، لكنها تطورت إلى حالة مضادة للمجتمع السوداني.

* تطورت إلى حالة مضادة؟

- نعم.

حسن الترابي والصادق المهدي وبينهما سلفاكير ميارديت رئيس جنوب السودان لاحقاً (أ.ف.ب)

* هل ساهمت جذور الحزب الشيوعي السوداني في المجتمع في تعزيز هذه المعارضة لتجربة «الإنقاذ»؟

- نعم، طبعاً. الحزب الشيوعي حدث فيه تحول كبير بعد إعدام قادته في 1971، ثم هو الأكثر استيعاباً لما يدور في العالم، ثم عندما انهار الاتحاد السوفياتي تبنى الليبرالية بالكامل. ولذلك، كان كثير من الشباب الذين يتطلعون إلى الحرية والعدالة وأن تؤدي المرأة دوراً كبيراً في المجتمع، كانوا يجدون الحزب الشيوعي في ممارسته في مواقفه وفي قناعته مجتمعاً أقرب إليهم وجدانياً من مجتمع الحركة الإسلامية الملتزمة دينياً والمحافظة. لذلك كان هذا التباين، فالحزب الشيوعي كأنما يكسب في هذا الجو والحركة الإسلامية كأنما تخسر بالتصاقها وتبنيها لكل مشاريع السلطة وحمايتها للسلطة. فكان الوضع من هذه الناحية معقداً جداً.

* هل نستطيع القول إن النميري أضاع عقوداً من عمر السودان، وإن نظام «الإنقاذ» أضاع عقوداً أيضاً؟

- كثير من السياسيين يتحدثون عن 60 عاماً من عمر الاستقلال فيها أكثر من 52 عاماً حكمها العسكريون، فكأنما يحمّلون المؤسسة العسكرية المسؤولية. لكن أنا ذكرت لك أن هذه مسؤولية النخبة. الضباط هم بعض من النخبة، الذين آزروهم واستوزروا لهم الوزارات وكتبوا لهم الخطب ووقعوا لهم الاتفاقيات كانوا من النخبة المدنية. فلذلك هذا فيه تبسيط للأمر، وكأنما المؤسسة العسكرية مسؤولة. العلة قائمة في أصل أحزابنا المدنية. أحزابنا المدنية ليست لها برامج واضحة لإزالة تشوهات الدولة السودانية التي بدأت منذ الاستعمار.

* ما أكثر المحطات حساسية كنت فيها إلى جانب الترابي؟

- لقاؤه مع البشير وعلي عثمان عشية المفاصلة.

* كيف كان هذا اللقاء، نريد أن نعرف شيئاً جديداً عنه؟

- ذلك اللقاء كان محاولة لإنقاذ الوضع من الانفصال التام، وأنا نجحت، وهذه مسألة شخصية، بأن أجمع الترابي والبشير. فكان هذا أول لقاء لهما بعد فراق وجفاء امتد لأشهر، وكان عشية المؤتمر. فطرح البشير في ذلك اللقاء أن نحتفظ بالخلافات وأن نجعل من المؤتمر تظاهرة سياسية فقط، وأحنى الترابي رأسه لهذا القرار الذي أنقذ الجلسة الأولى، ولكن سرعان ما تفجرت الخلافات في نهاية اليوم.

* كيف كانت علاقتك بالبشير؟

- جيدة جداً.

* على أي أساس؟

- أنا كنت أكتب خطاباته.

* تكتب خطاباته، يعني أنت مرتكب؟

- لا، الخطابات كانت تعبّر عن سياسة الحركة كلها وعن موقف.

* في أي سنوات كنت تكتب خطاباته؟

- تقريباً منذ أول عام 1990. أول خطاب كتبته كان عن مؤتمر المرأة.

* وآخر خطاب؟

- أظن أن آخر خطاب كان في أواخر التسعينات، ولا أذكر بالضبط موضوعه.

* غاب الود بين الترابي والبشير وأخذت جانب الترابي؟

- هو لم يكن غياب ود فقط، بل كان خلاف مواقف. الترابي كان مع الديمقراطية والحريات العامة، وكان مع الحكم الاتحادي وكان مع الالتزام باتفاقيات الجنوب. وأنا انحزت لهذا الموقف.

* هل تشبه تجربة الترابي مع البشير، تجربة الشيخ عبد الله حسين الأحمر مع علي عبد الله صالح، ولو في سياق مختلف؟

- يمكن طبعاً في حالة أن هناك شيخاً ورئيساً، ولكن بالنسبة للبشير، البشير أصلاً عضو في حركة إسلامية يرأسها الترابي، وكان يزعن لكل قراراته حتى بعدما أصبح رئيساً إلى أن بدأت المفاصلة الطبيعية، المباينة الطبيعية، بين سلطة حقيقية في الظاهر وسلطة باطنية.

* وسلطة الباطن تحرك السلطة الظاهرة؟

- بحكم أن هناك حركة تحكم.

حقائق

من هو المحبوب عبد السلام؟

  • ولد في 1958 في مدينة أم درمان.
  • تخرج عام 1981 في قسم الفلسفة بكلية الآداب في جامعة القاهرة.
  • درس علم الاجتماع في جامعة «باريس 3».
  • تخصص في الدراسات الإسلامية في جامعة لندن.
  • تولى إدارة مكتب الدكتور حسن الترابي لنحو عشرة أعوام.
  • كان أحد كتّاب خطابات الرئيس السوداني السابق عمر البشير.
  • آخر لقاء له مع الترابي كان في الأسبوع الأخير من فبراير (شباط) 2017 أي قبل وفاة الترابي بنحو أسبوعين.
  • آخر لقاء له مع البشير كان في منزل وزير الإعلام الأسبق علي شمو في يناير (كانون الثاني) 2017.


مقالات ذات صلة

قوى سودانية تجتمع في أديس أبابا للتوافق على حوار سياسي شامل

شمال افريقيا لاجئات سودانيات في مخيم تولوم للاجئين في ولاية وادي فيرا شرق تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

قوى سودانية تجتمع في أديس أبابا للتوافق على حوار سياسي شامل

ينطلق في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، الأربعاء، الاجتماع الاستكشافي الأول للقوى السياسية والمدنية في السودان، برعاية الآلية «الخماسية» الدولية

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا نازحون من دارفور يسيرون وسط عاصفة رملية بمخيم للاجئين السودانيين شرق تشاد في 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

16 قتيلاً في اشتباكات قبلية بإقليم دارفور السوداني

قُتل 16 شخصاً وأصيب آخرون في مواجهات قبلية مسلحة بولاية جنوب دارفور بالسودان في حين أُحرقت قرى ومنازل بحسب ما أفادت مصادر محلية «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا أطفال سودانيون من الفاشر في مخيم للنازحين شرق تشاد يوم 21 نوفمبر 2025 (رويترز)

«الدعم السريع»: لجنة تحقيق في أحداث كردفان

جددت «قوات الدعم السريع» استعدادها لقبول «أي مبادرة سلام أو هدنة إنسانية»، وكشفت عن تشكيل «لجنة تقصي حقائق» بشأن هجمات دامية شمال كردفان.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا صور بثتها منصات موالية للجيش لأجزاء من المسيّرة التي أُسقطت في ولاية النيل الأبيض (فيسبوك)

تصاعد التوترات في كردفان... والجيش يسقط مسيّرة لـ«الدعم السريع»

شهدت الساحة السودانية تطورات ميدانية جديدة، وردود فعل رسمية وسياسية، السبت، عقب هجوم دامٍ استهدف منطقة «المرة» غرب مدينة بارا في ولاية شمال كردفان.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

البرهان: نمضي بخطوات ثابتة لسحق «التمرد»... واستعادة دارفور

صعّد رئيس مجلس السيادة السوداني قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، لهجته مجدداً تجاه «قوات الدعم السريع»، وقال: «نمضي بخطى حثيثة لسحق المتمردين، والقضاء عليهم».

محمد أمين ياسين (نيروبي)

قوى سودانية تجتمع في أديس أبابا للتوافق على حوار سياسي شامل

لاجئات سودانيات في مخيم تولوم للاجئين في ولاية وادي فيرا شرق تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)
لاجئات سودانيات في مخيم تولوم للاجئين في ولاية وادي فيرا شرق تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)
TT

قوى سودانية تجتمع في أديس أبابا للتوافق على حوار سياسي شامل

لاجئات سودانيات في مخيم تولوم للاجئين في ولاية وادي فيرا شرق تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)
لاجئات سودانيات في مخيم تولوم للاجئين في ولاية وادي فيرا شرق تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

تنطلق، الأربعاء، في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، أعمال الاجتماع الاستكشافي الأول للقوى السياسية والمدنية السودانية، برعاية الآلية الخماسية الدولية، التي تضم كلاً من الاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، والهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا (إيغاد). ويأتي هذا الاجتماع امتداداً للجهود التي أطلقتها الآلية خلال مؤتمر برلين الدولي الذي انعقد في أبريل (نيسان) الماضي، ويهدف إلى التوصل إلى موقف سياسي مشترك بين الأطراف السودانية ووضع أسس لعملية انتقال سياسي سلمي تسهم في إنهاء الحرب المستمرة في البلاد.

ومن المنتظر أن يشارك في الاجتماع، الذي يستمر لمدة يومين، ممثلون عن التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، والكتلة الديمقراطية المساندة للجيش السوداني، إلى جانب تحالف السودان التأسيسي «تأسيس» المرتبط بـ«قوات الدعم السريع»، فضلاً عن عدد من الفاعلين ومنظمات المجتمع المدني السوداني.

المشاركون في مؤتمر برلين لمناقشة الأزمة الإنسانية في السودان منتصف أبريل الماضي (إكس)

وكادت التحضيرات للاجتماع تتعثر في اللحظات الأخيرة بسبب اعتراض بعض القوى السياسية على توجيه الدعوة إلى كتلة سياسية جديدة بزعامة محمد أحمد الجاكومي، المحسوب على معسكر الجيش للمشاركة في اللقاء. غير أن الآلية الخماسية تراجعت عن هذه الخطوة بعد مشاورات مكثفة مع الأطراف المعنية، ما أسهم في تهيئة الأجواء لانعقاد الاجتماع وفق الترتيبات المقررة.

وفي هذا السياق، أعلن المتحدث الرسمي باسم تحالف «صمود»، جعفر حسن، اكتمال المشاورات مع الآلية الخماسية والتوصل إلى تفاهمات بشأن جميع النقاط التي كانت محل خلاف بين الأطراف. وأوضح، في تدوينة نشرها عبر صفحته على موقع «فيسبوك»، أن وفد التحالف توجه إلى أديس أبابا للمشاركة في الاجتماع التشاوري بعد الاتفاق على القضايا الخلافية كافة.

من جهته، أعلن حاكم إقليم دارفور ورئيس «حركة جيش تحرير السودان»، مني أركو مناوي، موافقة «الكتلة الديمقراطية» على المشاركة في الاجتماع استجابة لدعوة الآلية الخماسية، مؤكداً في الوقت نفسه أن أي حوار سياسي لحل الأزمة السودانية يجب أن يكون سودانياً خالصاً، وأن يُعقد داخل الأراضي السودانية.

وشدد مناوي، في منشور عبر حسابه الرسمي على «فيسبوك»، على أن دور الآلية الخماسية والمجتمع الدولي ينبغي أن يقتصر على تقديم الدعم والتيسير للحوار بين السودانيين، دون أن يحل محل الإرادة الوطنية أو يتجاوزها. كما أكد رفضه منح «قوات الدعم السريع» أو تحالف «تأسيس» أي امتيازات سياسية تتجاوز متطلبات العدالة والمحاسبة، معتبراً أن مثل هذه الخطوات تمثل خطأً سياسياً وأخلاقياً قد تترتب عليه تداعيات خطيرة على مستقبل العملية السياسية في السودان. ودعا المجتمع الدولي، ولا سيما الآلية الخماسية، إلى تجنب اتخاذ أي إجراءات من شأنها إضفاء شرعية سياسية على «قوات الدعم السريع» على حساب حقوق الضحايا ومطالب العدالة، مؤكداً أن أي تسوية سياسية يجب أن تراعي هذه الاعتبارات الأساسية.

كما جدد مناوي تمسكه بوحدة السودان باعتبارها «خطاً أحمر» لا يمكن تجاوزه، محذراً من أي محاولات تستهدف تفكيك مؤسسات الدولة أو إنشاء هياكل وسلطات موازية خارج إطار الشرعية الوطنية، لما قد تمثله من تهديد مباشر لأمن البلاد واستقرارها. وأكد كذلك رفض «الكتلة الديمقراطية» القاطع لأي دعوات تهدف إلى تشكيل حكومة خارج السودان أو فرض ترتيبات سياسية على الشعب السوداني من الخارج، معتبراً أن أي مشروع سياسي لا يستند إلى الإرادة الوطنية يفتقر إلى الشرعية الشعبية ويسهم في إطالة أمد النزاع. وأوضح مناوي أن قرار مشاركة الكتلة الديمقراطية في اجتماع أديس أبابا جاء نتيجة مداولات مؤسسية داخل أجهزة التحالف، وأن غياب بعض الأطراف أو القيادات لأسباب خاصة أو نتيجة خلافات تنظيمية داخلية يبقى شأناً يخص تلك الأطراف ولا يؤثر على قرار المشاركة.

​ووفقاً للخطاب الصادر عن الآلية الخماسية، فإن الاجتماع يهدف إلى استكشاف إمكانية إنشاء آلية موحدة بقيادة سودانية تتولى الإسهام في المفاوضات المتعلقة بالترتيبات الانتقالية، والعمل على تسهيل التوصل إلى وقف للأعمال العدائية، تمهيداً لإطلاق حوار سياسي سوداني شامل يضم مختلف المكونات الوطنية ويسعى إلى إنهاء الحرب. كما أكدت الآلية أن العملية السياسية ستظل مفتوحة وقابلة للتطوير بما يسمح بتوسيع دائرة المشاركة لتشمل مختلف القوى السودانية.

وتضم «الكتلة الديمقراطية» عدداً من الفصائل المسلحة والقوى السياسية، من أبرزها «حركة العدل والمساواة» بقيادة جبريل إبراهيم، و«حركة تحرير السودان» بقيادة مني أركو مناوي، وحزب «مؤتمر البجا»، و«الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل»، إضافة إلى مكونات سياسية أخرى. ويُنظر إلى اجتماع أديس أبابا باعتباره خطوة مهمة في مسار الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف السودانية، خاصة بعد النجاح الذي حققته الآلية الخماسية خلال مؤتمر برلين الدولي في أبريل الماضي، حيث تمكنت من جمع الأطراف السودانية على نداء مشترك يدعو إلى وقف الحرب ومناقشة التداعيات الإنسانية المتفاقمة التي يشهدها السودان نتيجة استمرار النزاع.


الجزائر: هيئة الانتخابات تحمّل الأحزاب مسؤولية إقصاء مرشحيها للانتخابات

أعضاء هيئة الانتخابات خلال اللمسات الأخيرة على الترشيحات للانتخابات (السلطة)
أعضاء هيئة الانتخابات خلال اللمسات الأخيرة على الترشيحات للانتخابات (السلطة)
TT

الجزائر: هيئة الانتخابات تحمّل الأحزاب مسؤولية إقصاء مرشحيها للانتخابات

أعضاء هيئة الانتخابات خلال اللمسات الأخيرة على الترشيحات للانتخابات (السلطة)
أعضاء هيئة الانتخابات خلال اللمسات الأخيرة على الترشيحات للانتخابات (السلطة)

رفض رئيس «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» بالنيابة في الجزائر، التهم التي طالته من طرف الأحزاب إثر إسقاط عشرات المترشحين لاقتراع البرلمان، المقرر في الثاني من يوليو (تموز) المقبل، معلناً عن انطلاق الحملة الانتخابية رسمياً في التاسع من يونيو (حزيران) الحالي.

رئيس السلطة المستقلة للانتخابات بالنيابة (السلطة)

أكد كريم خلفان، المسؤول المؤقت عن الهيئة المشرفة على العمليات الانتخابية، في تصريحات للإذاعة العمومية، اليوم الثلاثاء، أن رفض ملفات الترشح لم يكن مرتبطاً فقط بـ«المادة 200» من قانون الانتخابات، موضحاً أن قوائم ترشيحات كثيرة جداً «رُفضت لأسباب أخرى تتعلق بعدم استيفاء الشروط القانونية والشكلية المنصوص عليها في القانون».

وتم استعمال «المادة 200» بشكل مكثف خلال عملية غربلة المترشحين، حيث تنص على «شبهة الفساد» كسبب لإقصاء الراغبين في خوض غمار المنافسة الانتخابية.

من انتخابات البرلمان لسنة 2021 («الشرق الأوسط»)

وأوضح خلفان أن سلطة الانتخابات «كانت ملزمة، عند دراسة الملفات، باحترام جميع القواعد القانونية»، مشيراً إلى أن عدداً من حالات الرفض «يعود إلى نقص التحضير والجاهزية، وربما حتى إلى غياب الجدية في بعض الأحيان»، من دون توضيح ما يقصد، لكن يفهم من كلامه أن العديد من ملفات الترشيح كانت ناقصة.

المادة 200 والتحقيق التأهيلي

وأوضح خلفان أن الاختلالات المرصودة «شملت أساساً عدم الالتزام بالحصص القانونية المفروضة، وفي مقدمتها كوتة الشباب دون الأربعين، ونسبة الـ30 في المائة المخصصة لكل من النساء وحاملي الشهادات الجامعية داخل تلك القوائم». وقال إن من أسباب رفض الترشيحات أيضاً «وجود ديون جبائية على بعض المترشحين، أو عدم تقديم ما يثبت الوضعية تجاه الخدمة الوطنية، سواء وثيقة الإعفاء أو أداء الخدمة الوطنية»، لافتاً إلى أن بعض الملفات «تضمنت وثائق غير مطابقة من حيث مدة الصلاحية».

أطر سلطة الانتخابات المكلفين بدارسة ملفات الترشح (السلطة)

وأشار خلفان إلى أن دراسة ملفات الترشح تشمل التحقق من توفر الشروط القانونية المتعلقة بالجنسية الجزائرية، والسن القانونية المحددة بـ23 سنة، وعدم وجود ديون ضريبية، إضافة إلى الاطلاع على صحيفة السوابق القضائية للمترشحين. كما أوضح أن «تطبيق المادة 200 يتقاطع مع نتائج التحقيقات التأهيلية التي تقوم بها مؤسسات الدولة المختصة». ويعني «التحقيق التأهيلي» التحريات التي يجريها جهاز الأمن الداخلي بخصوص المترشحين، وهي عملية فاصلة في المصادقة على ملفات الترشح. وحتى عند الطعن لدى القضاء، في هذه الحالة، فإن المحكمة الإدارية تتعامل مع التحقيق الأمني بوصفه حقيقة مطلقة.

وفيما يتعلق بجمع التوقيعات كأحد شروط الترشح للبرلمان، أكد خلفان أن بعض الملفات رُفضت بسبب عدم استيفاء العدد المطلوب من استمارات الاكتتاب. وقدم مثالاً بولاية الجزائر العاصمة التي تمثل 31 مقعداً في «المجلس الشعبي الوطني»، حيث يتعين على القائمة الواحدة جمع 4650 استمارة توقيع، بينما أظهرت دارسة الملفات، حسبه، أن بعضها لم يتجاوز ألف استمارة، وبعضها الآخر ثلاثة آلاف استمارة فقط، ما يعني أن الملف لا يستوفي الشرط القانوني.

السكرتير الأول لـ«جبهة القوى الاشتراكية» (إعلام حزبي)

ووفق رئيس «السلطة» بالنيابة، «تخضع القوائم التي تستوفي العدد المطلوب من الاستمارات لعملية تدقيق من طرف لجان مختصة وقضاة يدرسون صحة كل استمارة»، موضحاً أن الناخب لا يحق له التوقيع إلا لصالح مترشح واحد، وأن التوقيع لصالح مترشحين أو أكثر يؤدي إلى إلغاء جميع التوقيعات. كما يشترط أن يكون الموقّع مسجلاً في القوائم الانتخابية، وأن تكون البيانات الواردة في الاستمارة صحيحة ومكتملة.

مبرزاً أن القضاة «أعدوا محاضر القبول والرفض، وتم منح القوائم وقتاً كافياً لتعويض الاستمارات، التي تم رفضها، غير أن الكثير منها لم يتمكن من الاستجابة للشروط المطلوبة».

وشدد خلفان على أن القانون يفرض تمثيل النساء بنسبة الثلث في كل قائمة، موضحاً أنه إذا كانت القائمة تضم تسعة مقاعد، فإن ثلثها يساوي ثلاث نساء مترشحات.

حصيلة غربال «التشريعيات»

تعرضت كل الأحزاب، موالاة ومعارضة، وقوائم مستقلين لما بات يعرف بـ«مقصلة المادة 200»، التي حرمت نحو 300 مترشح من البقاء في السباق، بسبب شبهات فساد. وبينما فضلت الأحزاب المؤيدة لسياسات الحكومة الصمت، احتجت أحزاب المعارضة ضد ما وصفته بـ«إبعاد من الانتخابات بخلفية سياسية». وتم تثبيت الإقصاء، في حالات كثيرة، من طرف المحاكم الإدارية التي رفضت طلبات المترشحين المبعدين، إلزام هيئة الانتخابات بتقديم الأدلة على تهمة الفساد، علماً بأنها لم تصدر عن الجهات القضائية بشكل رسمي.

أمين عام «جبهة التحرير الوطني» «إعلام حزبي»

وكانت سلطة الانتخابات قد أصدرت، أمس الاثنين، حصيلة دراسة ملفات الترشح. ففي داخل البلاد، عالجت 788 ملفاً جماعياً تضم 10.168 مترشحاً؛ حيث قُبلت 77 قائمة، ورُفضت 31 قائمة، منها 16 قائمة لعدم استيفاء نصاب التوقيعات، بينما تظل 680 قائمة معلقة في انتظار نتائج الطعون. وعلى مستوى الأفراد، قُبل 6.994 مترشحاً (70 في المائة)، ورُفض 3.174 آخرون (30 في المائة)، مع بقاء 2.878 مستخلفاً قيد المعالجة.

أما خارج البلاد، فشملت المعالجة 66 ملفاً بـ528 مترشحاً؛ أسفرت عن قبول 10 قوائم ورفض 10 أخرى، فيما تنتظر 46 قائمة نتائج الطعون.

وتراوحت وضعية المترشحين بين قبول 364 (70 في المائة) ورفض 164 (30 في المائة)، بالموازاة مع تسجيل 100 طعن لدى المحكمة الإدارية بالعاصمة، وبقاء 84 مستخلفاً قيد الدراسة.

صورة لأحد صناديق الانتخاب في الاقتراع التشريعي لسنة 2021 («الشرق الأوسط»)

وفي هذا السياق، ذكرت «السلطة» الأحزاب وقوائم المستقلين المعنيين بالتعويض أن منتصف ليل السبت 6 يونيو الحالي هو آخر أجل لإيداع الترشيحات الجديدة.


إجماع ليبي على رفض «توطين المهاجرين غير النظاميين»

جانب من اجتماع مسؤولين بحكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة (الحكومة)
جانب من اجتماع مسؤولين بحكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة (الحكومة)
TT

إجماع ليبي على رفض «توطين المهاجرين غير النظاميين»

جانب من اجتماع مسؤولين بحكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة (الحكومة)
جانب من اجتماع مسؤولين بحكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة (الحكومة)

فرض ملف مكافحة «توطين المهاجرين» نفسه على رأس أولويات المشهد السياسي في ليبيا؛ إثر إعلان مجلس النواب رفضه القاطع لـ«أي ترتيبات سرية أو علنية» تمس التركيبة الديمغرافية للبلاد، وهو الموقف ذاته الذي تبنته حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، فيما خلص مجلسا الرئاسي و«الدولة» وهيئة الرقابة الإدارية إلى إعلان «جبهة موحدة» ضد أي محاولات لـ«تسكين المهاجرين غير النظاميين».

صورة وزعها المجلس الأعلى للدولة للقاء تكالة واللافي بطرابلس

في هذا الصدد، بحث مسؤولون حكوميون وأمنيون بارزون، في اجتماع موسع الثلاثاء في العاصمة طرابلس، سبل تعزيز التنسيق لضبط ملف الهجرة غير النظامية، ومتابعة الإجراءات القانونية والأمنية المتعلقة بالمهاجرين، في خطوة تعكس مساعي السلطات لإحكام السيطرة على هذا الملف الحساس.

وذكر بيان لحكومة «الوحدة» أن الاجتماع، الذي ترأسه وزير الدولة لشؤون رئيس الحكومة ومجلس الوزراء محمد بن غلبون بالتنسيق مع وزير الداخلية اللواء عماد الطرابلسي، ناقش آليات تنفيذ القوانين النافذة للمحافظة على الأمن والاستقرار، إلى جانب تقييم أوضاع مراكز الإيواء والإجراءات المتبعة مع المخالفين.

وبعدما استعرض الحاضرون التحديات الميدانية، والاحتياجات الفنية والإدارية اللازمة لرفع كفاءة الأجهزة المختصة في التعامل مع تدفقات الهجرة، أكدوا أهمية مواصلة الجهود الحكومية لمعالجة ملف الهجرة بصورة شاملة ومنظمة، بما يعزز سيادة الدولة ويدعم عمل الأجهزة الأمنية، وفقاً للتشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

عدد من المهاجرين الأفارقة في ضواحي طرابلس (أ.ف.ب)

وكانت وزارة الخارجية بحكومة «الوحدة» قد أبدت رفضها لأي محاولة تستهدف «توطين المهاجرين غير الشرعيين» في ليبيا، مشيرة إلى أنها تتابع قلق المواطنين المزداد بشأن تدفقات الهجرة غير النظامية وتداعياتها الأمنية والاقتصادية والصحية.

وقالت الوزارة في بيان، مساء الاثنين، إنها «تكفل حق المواطنين في التعبير عن الرأي وفقاً للإعلان الدستوري المؤقت والتشريعات النافذة، لكنها دعت في الوقت ذاته إلى ضرورة تحري الدقة فيما ينشر على منصات التواصل الاجتماعي»، محذرة من الانجرار وراء الشائعات والدعوات التحريضية التي لا أساس لها من الصحة.

كما حذّر «مجلس طرابلس الاجتماعي» مما وصفه بـ«سياسات التوطين الناعم»، التي تشكل تهديداً وجودياً ومباشراً للهوية والنسيج الاجتماعي والتركيبة السكانية في ليبيا. ووصف المجلس في بيان، الثلاثاء، تفاقم ظاهرة الهجرة غير المشروعة بأنه استغلال وتغييب متعمد للقانون، وتواطؤ لتمرير أجندات تحت غطاءات إنسانية تشكل «كارثة وطنية لن يتم الصمت عنها»، ودعا للتلاحم الشعبي الشامل والاصطفاف الفوري مع المدن الليبية كافة للوقوف «سداً منيعاً» أمام هذه القضية.

في المقابل، جدد مجلس النواب «رفضه الثابت والمطلق لأي مشاريع أو سياسات، أو ترتيبات أو تفاهمات، معلنة كانت أو سرية، قد تؤدي بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى تسكين أو توطين الأجانب، أو إحداث أي تغيير يمس التركيبة السكانية للدولة الليبية».

اجتماع تكالة واللافي وقادربوه (المجلس الأعلى للدولة)

وأكد المجلس في بيان، مساء الاثنين، أن حماية سيادة الوطن والحفاظ على الهوية الديمغرافية «من الخطوط الحمراء والثوابت الوطنية الراسخة التي لا تقبل المساومة، أو الالتفاف تحت أي ظرف أو مبرر». مشدداً على أن الدولة الليبية «لن تكون ساحة لتصدير الأزمات، أو مخزناً لتداعيات السياسات الدولية والإقليمية»، ومؤكداً رفضه التام لأي معالجات لملف الهجرة غير النظامية تُفرض على حساب مصالح الشعب الليبي، أو أمنه القومي واستقراره الاجتماعي.

وطالب مجلس النواب جميع الجهات التنفيذية والإدارية والرقابية والأمنية بالالتزام الكامل بأحكام القانون، والتصدي لأي إجراءات يمكن أن تُفسر، أو تُستغل تمهيداً أو غطاءً لأي مشروع يستهدف التوطين، وعد أن سيادة ليبيا ووحدة شعبها وأمنها القومي ليست ملفات قابلة للتفاوض أو المقايضة.

كان اجتماع ثلاثي عقده رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، مساء الاثنين، مع عضو المجلس الرئاسي عبد الله اللافي، ورئيس هيئة الرقابة الإدارية عبد الله قادربوه، قد خلص إلى «الرفض القاطع» لأي ترتيبات أو سياسات أو ممارسات يمكن أن تُفهم، أو تُفسَّر على أنها توطين للمهاجرين غير الشرعيين داخل الأراضي الليبية، مشددين على أن هذا الأمر يمس الاعتبارات السيادية والديمغرافية والأمنية للدولة، ويتعارض مع مصالحها العليا.

من جهتها، أعربت البعثة الأممية في ليبيا عن قلقها إزاء «عودة انتشار المعلومات الخاطئة والمضللة، والخطاب التحريضي على منصات التواصل الاجتماعي في ليبيا، بما في ذلك المحتوى الذي يستهدف أفراداً أو فئات محددة».

وأشارت البعثة في بيان، مساء الاثنين، إلى أن «مثل هذه السرديات تنطوي على خطر تأجيج التوتر وانعدام الثقة والتمييز والعنف، بما يؤثر سلباً على كرامة الناس وأمنهم وحياتهم اليومية في مختلف أنحاء البلاد».

وتؤكد الأمم المتحدة في ليبيا التزامها بمواصلة العمل مع السلطات الوطنية والمحلية، والمجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والمجتمعات المحلية، لتعزيز الوصول إلى معلومات دقيقة وموثوقة. كما تشجع جميع الأفراد والمؤسسات على التحقق من المعلومات قبل مشاركتها، والاعتماد على المصادر الموثوقة والرسمية.