الجزائر لتجاوز خلافاتها مع «الأوروبي» عبر شراكة ضمن «ميثاق المتوسط»

بعد انسداد الحوار بين الطرفين وتلويح «المفوضية» باللجوء إلى التحكيم الدولي

السفير الأوروبي لدى الجزائر مع وزير خارجيتها (الخارجية الجزائرية)
السفير الأوروبي لدى الجزائر مع وزير خارجيتها (الخارجية الجزائرية)
TT

الجزائر لتجاوز خلافاتها مع «الأوروبي» عبر شراكة ضمن «ميثاق المتوسط»

السفير الأوروبي لدى الجزائر مع وزير خارجيتها (الخارجية الجزائرية)
السفير الأوروبي لدى الجزائر مع وزير خارجيتها (الخارجية الجزائرية)

تبحث الجزائر والاتحاد الأوروبي سبل تجاوز نزاع اقتصادي حاد، ذي خلفية سياسية، من خلال إيجاد مجالات جديدة للتعاون في إطار ما يُعرف بـ«الاتحاد من أجل المتوسط»، في وقت تتجه فيه العلاقات بين الجانبين نحو مزيد من التعقيد، بعد تهديد المفوضية الأوروبية باللجوء إلى التحكيم الدولي؛ بسبب توقف الجزائر عن استيراد عدد من المواد والسلع الأوروبية.

تحت مسمى «شراكة استراتيجية متميزة»، تناولت جرائد جزائرية، يومي الأربعاء والخميس، خلاصة لقاء جرى في العاصمة بين سفير الاتحاد الأوروبي في الجزائر دييغو ميلادو وصحافييها، حيث أكد الدبلوماسي أن المفوضية الأوروبية تقترح على الجزائر «تحالفاً مميزاً من خلال ميثاق من أجل البحر الأبيض المتوسط»، وهو مشروع أعلنت عنه حكومة الاتحاد في 16 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تقترح من خلاله «تحديثاً للشراكة الأوروبية المتوسطة، حتى يصبح التعاون أكثر فاعلية» بين أوروبا وجنوب المتوسط.

سفير الاتحاد الأوروبي في الجزائر أثناء لقائه عدداً من الصحافيين (سفارة الاتحاد)

وأوضح ميلادو، وفق ما نقلته الصحف، أن المفوضية «تريد تحالفاً مع الجزائر يرتكز على الاقتصاد والاستثمار والتجارة، على أن يتم الحفاظ على اتفاق الشراكة»، الذي تم التوقيع عليه في 2022، وبدأ تنفيذه في 2005.

* «أوروبا لا تعتزم نقض اتفاق الشراكة مع الجزائر»

قال ميلادو إن اتفاق الشراكة «مستمر وهو من المكاسب القائمة. والكثير من عناصر هذا الاتفاق مذكورة في الميثاق الجديد»، مؤكداً على «ضرورة الالتزام بالتعهدات عبر إنجازات ملموسة وبناء روابط جديدة»، ومشيراً إلى أن الهدف «هو تطوير وتحديث وتعميق ما هو قائم بالفعل»، في إشارة إلى اتفاق الشراكة والعلاقات في مجال الطاقة تحديداً، بحكم أن الجزائر تعد من الشركاء الأساسيين للاتحاد الأوروبي في هذا المجال.

وأوضح الدبلوماسي الأوروبي أن «المكتسبات الحالية مهمة، وهذا الميثاق يشكل إطاراً جديداً لاتفاق الشراكة، حيث يمكن من خلاله تحسين الكثير من الجوانب التجارية»، مع التركيز على البعد الجيوسياسي، وأهمية طمأنة المستثمرين الأوروبيين.

رئيس «المجلس الأوروبي» خلال زيارته الجزائر 5 سبتمبر 2022 (الرئاسة الجزائرية)

والهدف من هذا الميثاق، حسب ميلادو، هو بناء تنافس مشترك يحترم السيادة الاقتصادية للدول، في إطار مشروع ينتظر اعتماده سياسياً من طرف دول الاتحاد الأوروبي وشركائه في جنوب المتوسط خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمناسبة الذكرى الثلاثين لما يعرف بـ«عملية برشلونة»، وهي إطار للتعاون والشراكة بين الاتحاد الأوروبي ودول جنوب البحر الأبيض المتوسط، أُطلقت عام 1995 في مدينة برشلونة بإسبانيا.

وسيتم في العام المقبل الإعلان عن خطة عمل للميثاق، الذي يعتمد أساساً على المقاربة الثنائية. وفي هذا السياق قال ميلادو: «سيتعين على الدول الشريكة للاتحاد مناقشة كل خطوة مع الاتحاد بوصفه كتلةً إقليمية». مبرزاً أن «البعد الثنائي في هذا الميثاق مهم جداً، فلا يمكننا الاعتماد بعد الآن على بعض العلاقات السابقة، بل يجب بناء علاقات جديدة. هذا قرار من الاتحاد الأوروبي».

بسبب تصاعد الأزمات الجيوسياسية في أوروبا، وتنامي سياسات الحماية الاقتصادية، يعمل الاتحاد الأوروبي على تعزيز وجوده في مناطق جديدة، حسب ما جاء في مقال صحيفة «الوطن»، الذي تناول اللقاء مع السفير الأوروبي، مؤكدة أن الجزائر «بادرت بتقديم مقترحات أكدت فيها على أهمية أن تقوم العلاقات على مبدأ المساواة والندية». وبهذا الخصوص، قال السفير الأوروبي إن الجزائر كانت من أوائل الدول التي قدمت خريطة طريقها للميثاق، وهي تمتلك رؤية واضحة واستراتيجية. هذه معادلة جديدة تصب في صالح الجزائر»، خاصة في ظل تركيز الميثاق على تعزيز العلاقات في مجال الطاقة، ودعم الجزائر في التحول الطاقوي ومكافحة آثار التغير المناخي.

ولم يستبعد ميلادو زيارة محتملة للمفوض الأوروبي للطاقة إلى الجزائر، كما أشار إلى اهتمام الاستثمارات التعدينية الفنلندية والسويدية بالجزائر، ضمن أولويات الاتحاد الأوروبي، التي تم عرضها يوم 16 أكتوبر الحالي من قِبل المفوضية الأوروبية.

الجزائر تشكو من «عبء الاتفاق مع أوروبا»

يُطرَح هذا المقترح الجديد للتعاون، حسب مراقبين، بوصفه حلاً لتجاوز الخلاف العميق الذي يميز علاقات الجزائر والاتحاد الأوروبي منذ أكثر من عام. ففي 20 مارس (آذار) 2024، أعلنت المفوضية الأوروبية عن فتح إجراء رسمي لتسوية نزاع مع الجزائر استناداً إلى اتفاق الشراكة، يستهدف سياسات تجارية وتنظيمية تبنتها الجزائر منذ عام 2021، يراها الاتحاد الأوروبي مخالفة لمبادئ حرية التجارة والمساواة في المعاملة.

ممثل السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي السابق في لقاء سابق مع الرئيس الجزائري (الرئاسة الجزائرية)

وفي 17 من يوليو (تموز) الماضي، أبلغت المديرية العامة للتجارة في المفوضية الأوروبية السلطات الجزائرية ببدء إجراء تحكيم رسمي، على خلفية ما عدّته قيوداً على التجارة والاستثمار تنتهك أحكام الاتفاق.

وتركز اعتراضات الاتحاد الأوروبي على الجزائر، أساساً، حول نظام رخص الاستيراد، الذي تبنته السلطات الجزائرية خلال السنوات الأخيرة، والذي تعدّه بروكسل تمييزياً؛ إذ أدى عملياً إلى منع استيراد فئات عدة من السلع، مثل السيارات والمعدات، والمنتجات الزراعية المحّلة. كما تنتقد أوروبا الشروط المحلية للإنتاج، ونسب الإدماج المرتفعة المفروضة على المستثمرين الأجانب، خصوصاً في قطاع السيارات، إضافة إلى تحديد سقف لحصة المساهمة الأجنبية في شركات الاستيراد؛ وهو ما أجبر الكثير من الشركات الأوروبية على فقدان السيطرة على فروعها، أو الانسحاب من السوق الجزائرية.

وتشمل المآخذ الأوروبية أيضاً عوائق غير جمركية، تصفها المفوضية الأوروبية بأنها «غامضة أو تعسفية»، مثل التأخيرات الإدارية، والمعايير التقنية المقيِّدة، والإجراءات الجمركية غير المنتظمة. ويرى الاتحاد الأوروبي أن «هذه الممارسات تتعارض مع اتفاق الشراكة الأورومتوسطي»، الذي ينص على التبادل المتكافئ وإزالة الحواجز التجارية تدريجياً بين الطرفين.

الرئيس الجزائري أكد خلال اجتماعه بحكومته مطلع السنة الحالية رغبة بلاده في تقاسم الأرباح مع أوروبا (الرئاسة)

وعبَّر وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، في يوليو الماضي، عن استغرابه من قرار الاتحاد الأوروبي اللجوء إلى التحكيم «بشكل متسرع وأحادي»، موضحاً في تصريحات للصحافة بأن «ستة من أصل ثمانية ملفات خلافية كانت في طريقها للحل، والجزائر قدمت مقترحات عملية بشأن ما يؤخذ دون تلقي رد أوروبي».

وانتقد عطاف «تجاوز الاتحاد لمجلس الشراكة»، عادَّاً ذلك «مخالفاً لروح ونص الاتفاق»، ودعا إلى عقد دورة عاجلة للمجلس «لإجراء تقييم شامل ومتوازن للقضايا ضمن الإطار القانوني للشراكة».

وكان عطاف قد تناول في مؤتمر صحافي عقده نهاية 2024، قضية «اختلال التوازن في تنفيذ اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي»، موضحاً أن الجزائر تكبَّدت خسائر تفوق 30 مليار دولار خلال 20 سنة بسبب تفكيك الرسوم الجمركية، مقابل استثمارات أوروبية لا تتعدى 13 مليار دولار، حسبه. لافتاً إلى أن الشركات الأوروبية حولت نحو 12 مليار دولار من الأرباح، منذ بدء تطبيق اتفاق الشراكة؛ ما جعل العائد الفعلي للجزائر لا يتجاوز مليار دولار فقط، ووصف الاتفاق بأنه «عبء على الجزائر».


مقالات ذات صلة

«عراقيل» الترشح للانتخابات الجزائرية تفجر جدلاً سياسياً حادّاً

شمال افريقيا رئيس سلطة الانتخابات مع وزير الشباب ومستشارين بالرئاسة في لقاء مع كوادر من هيئة الانتخابات (السلطة)

«عراقيل» الترشح للانتخابات الجزائرية تفجر جدلاً سياسياً حادّاً

يحتدم جدل كبير في الجزائر حالياً بين هيئة تنظيم الانتخابات وأحزاب المعارضة، بخصوص «تأخر» المصادقة على الترشيحات الخاصة بالاستحقاق التشريعي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيسة الوزراء الإيطالية بحثت مع الرئيس الجزائري تعزيز التعاون في وقف تدفقات المهاجرين السريين (الرئاسة الجزائرية)

«حراك أوروبي» مكثف في الجزائر لتأمين الحدود ومكافحة الهجرة

تتسارع الجهود الأوروبية بشكل لافت خلال الأسابيع الأخيرة لدفع الجزائر نحو لعب دور «دركي المتوسط» يتولى مهمة لجم تدفقات الهجرة السرية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا أعضاء لجنة الذاكرة خلال اجتماع لهم بالرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)

«قانون استرجاع الممتلكات الثقافية» الفرنسي يعمق «أزمة الذاكرة» مع الجزائر

يرى مراقبون أن أي تقارب محتمل بين الجزائر وفرنسا بات بعيد المنال في ظل التعقيدات القانونية التي استحدثها البرلمان الفرنسي بخصوص «ملف استرداد الممتلكات الثقافية»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا السكرتير الأول لجبهة القوى الاشتراكية في تجمع دعائي بشرق العاصمة تحسباً للانتخابات التشريعية (إعلام حزبي)

الجزائر: سباق انتخابي تحت ضغط شكوك «النزاهة»

أطلقت الأحزاب الجزائرية حملة مزدوجة تحسباً للانتخابات التشريعية، المقررة في 2 يوليو (تموز) المقبل، تتركز في مسارين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا البابا ببيت الراهبات في عنابة (فاتيكان نيوز)

البابا يختتم جولته في الجزائر بوقفة إنسانية عند «مهد القديس أغسطينوس»

أكد البابا ليو الرابع عشر، الثلاثاء، خلال لقائه نزلاء «دار المسنين» في عنابة، أن «رسالة السماء تنحاز دوماً إلى المستضعفين».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

انتشال جثامين 23 مهاجراً قذفها البحر إلى سواحل ليبية

جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)
جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)
TT

انتشال جثامين 23 مهاجراً قذفها البحر إلى سواحل ليبية

جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)
جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)

لقي 23 مهاجراً غير نظامي مصرعهم في حادثتين منفصلتين قبالة السواحل الليبية، في مأساة جديدة تسلط الضوء على استمرار مخاطر الهجرة غير النظامية وسط البحر المتوسط.

ففي الحادثة الأولى، غرق قارب يقل مهاجرين غير نظاميين، مساء السبت، قبالة سواحل مدينة طبرق شرق البلاد. وقال الهلال الأحمر الليبي، الأحد، إنه تم إنقاذ 4 أشخاص وانتشال 6 جثامين يعتقد أنها لمهاجرين غير نظاميين، ولا يزال البحث مستمراً عن بقية المفقودين.

جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)

أما في الغرب الليبي، فقد أعلن مركز طب الطوارئ والدعم، التابع لوزارة الصحة بحكومة «الوحدة» المؤقتة، انتشال 17 جثماناً لمهاجرين جرفتها الأمواج إلى شواطئ مدينة زوارة والمناطق المجاورة خلال الأيام الماضية.

وأوضح المركز أنه استكمل إجراءات دفن 14 جثماناً وفق الضوابط القانونية والإنسانية، فيما نقل جثماناً واحداً إلى طرابلس بعد التعرف على هويته، وهو مهاجر من بنغلاديش، وتسليمه إلى أسرته، بينما تتواصل الإجراءات للحالتين المتبقيتين.

وأعربت السلطات الليبية عن أسفها لهذه الحوادث، مؤكدة استمرار جهود خفر السواحل والفرق الطبية في عمليات البحث والإنقاذ والتعامل مع الجثامين باحترام.

ولم تصدر وزارة الداخلية أو حكومة الوحدة بياناً رسمياً مفصلاً حتى الآن.

انتشال جثامين لمهاجرين في زوارة بغرب ليبيا (مركز الطوارئ والدعم)

وسبق ودعت منظمة الهجرة الدولية ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مراراً إلى تعزيز آليات البحث والإنقاذ في المتوسط، وتوفير طرق هجرة آمنة وقانونية، مشيرة إلى ارتفاع حاد في عدد الضحايا؛ حيث اقترب إجمالي الوفيات والمفقودين في البحر المتوسط خلال عام 2026 من ألف شخص، مع تركز معظمها في الطريق الليبي - الإيطالي.

ويُعد الطريق الليبي نحو أوروبا أحد أخطر طرق الهجرة في العالم؛ بسبب تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية في ليبيا، وضعف قدرات خفر السواحل، واستغلال شبكات التهريب للمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء وآسيا.

وتتكرر مثل هذه الحوادث بشكل شبه يومي، مما يحول البحر المتوسط إلى «مقبرة مفتوحة»، ويثير انتقادات دولية متزايدة حول مسؤولية الدول الأوروبية وليبيا معاً في مواجهة هذه الظاهرة.

وتشير التقارير إلى أن آلاف المهاجرين يحاولون عبور المتوسط شهرياً انطلاقاً من سواحل زوارة وطبرق ومناطق أخرى، رغم المخاطر الشديدة، والتعامل القاسي أحياناً من قبل السلطات، والظروف الإنسانية الصعبة في مراكز الاحتجاز الليبية.

Your Premium trial has ended


البرهان يستقبل اللواء النور القبة المنشق من «الدعم السريع»

القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً الأحد اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)
القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً الأحد اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)
TT

البرهان يستقبل اللواء النور القبة المنشق من «الدعم السريع»

القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً الأحد اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)
القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً الأحد اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)

استقبل رئيس «مجلس السيادة» القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الأحد، اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع»، مرحباً بانضمامه للقوات المسلحة، وفق بيان مجلس السيادة.

وأكد البرهان، في بيان، أن الأبواب «مشرعة أمام كل من يريد إلقاء السلاح والانضمام لمسيرة البناء الوطني».

وكان اللواء النور أحمد آدم، الشهير بـ«النور القُبة»، قد وصل، الأحد، إلى مناطق سيطرة الجيش بعد نحو أسبوع من اختفائه، إثر تداول أنباء مكثفة عن انضمامه إلى الجيش. وتداولت منصات التواصل الاجتماعي مقطعاً يصور القائد المنشق وهو يُلقي التحايا على أفراد يرتدون زي الجيش في منطقة لا تبدو واضحة المعالم.

القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مجتمعاً الأحد مع اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)

وقبل استقبال البرهان له، أعلن «مجلس الصحوة الثوري» وصول القائد المنشق والقوى المرافقة له بسلام إلى مواقع سيطرة الجيش.

و«مجلس الصحوة الثوري» ميليشيا قبلية يقودها مؤسس «الجنجويد» موسى هلال؛ وهو زعيم أهلي معقله الرئيسي بلدة مستريحة في ولاية شمال دارفور بغرب السودان، وكان قد أعلن من وقت باكر ولاءه للجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع».

وقال «مجلس الصحوة» في بيان، يوم الأحد، إن ثلاثة من ضباط «الصحوة» وعشرات الجنود، رافقوا الضابط المنشق من المناطق الواقعة في شمال إقليم دارفور إلى مواقع سيطرة الجيش.

ومنذ قرابة أسبوع على تداول أنباء انشقاقه، انقطعت الأخبار عنه في وقت راج فيه الحديث عن معارك عنيفة دارت في مناطق صحراوية بشمال دارفور، لقطع الطريق أمامه والقوة المرافقة له ومنعهم من الوصول إلى مناطق تقع تحت سيطرة الجيش.

وبثت منصات موالية لـ«الدعم السريع» مقاطع فيديو تزعم أنها لأسرى وسيارات قتالية تم الاستيلاء عليها بعد اشتباكات جرت مع قوات الضابط المنشق، النور القبة، في طريق فراره من دارفور.

وفي وقت سابق، أشارت مصادر عسكرية إلى أن «قوات الدعم السريع» كانت قد دفعت بتعزيزات عسكرية كبيرة لمحاصرة القائد المنشق للقبض عليه، بينما نفت خروجه بقوات كبيرة على متن عشرات السيارات القتالية بحسب ما تردد.

ويُرجح على نحو واسع أن انشقاق النور القبة يرتبط ارتباطاً وثيقاً باجتياح «الدعم السريع» بلدة مستريحة في فبراير (شباط) الماضي، وأفادت تقارير وقتها بأنه تم تأمين ممر آمن لخروج موسى هلال من المنطقة تحت حماية أفراد من عشيرته في «قوات الدعم السريع».

نازحون من دارفور يسيرون وسط عاصفة رملية في مخيم للاجئين السودانيين بشرق تشاد في 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

يذكر أن النور القبة، ثاني قائد عسكري رفيع ينشق من «قوات الدعم السريع» بعد أبو عاقلة كيكل الذي مُنح «عفواً عاماً» من البرهان. ولاحقاً أسس كيكل ميليشيا تحت مسمى «قوات درع السودان» يتحدر غالبية مقاتليها من مجموعة سكانية واحدة يتركز ثقلها في مناطق البطانة وشرق الجزيرة بوسط السودان، وتخضع حالياً للجيش.

ويُعدّ القبة من كبار القادة العسكريين في «قوات الدعم السريع»، ويصفه البعض بأنه الثالث في الهرم القيادي العسكري، وقاد الكثير من المعارك في الخرطوم والجزيرة وكردفان إلى حصار مدينة الفاشر وسقوطها.

ويسود شعور متزايد من الاستياء في الأوساط الشعبية من استقبال الجيش للمنشقين من «قوات الدعم السريع» الذين يُتهمون بالاشتراك في المسؤولية الجنائية عن ارتكاب انتهاكات وفظائع ضد المدنيين، بينما تتواصل محاكمة المدنيين بمزاعم التعاون مع «قوات الدعم السريع» إبان سيطرتها على ولايات الخرطوم والجزيرة.

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، أعلن رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، مراراً العفو العام عن كل من يلقي السلاح، وعلى وجه الخصوص من «قوات الدعم السريع».


ليبيا: المنفي يطلب من الدبيبة وقف وزير خارجية «الوحدة» عن العمل

المنفي يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) وموسى الكوني النائب بالمجلس الرئاسي في 11 يونيو 2024 (المجلس الرئاسي)
المنفي يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) وموسى الكوني النائب بالمجلس الرئاسي في 11 يونيو 2024 (المجلس الرئاسي)
TT

ليبيا: المنفي يطلب من الدبيبة وقف وزير خارجية «الوحدة» عن العمل

المنفي يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) وموسى الكوني النائب بالمجلس الرئاسي في 11 يونيو 2024 (المجلس الرئاسي)
المنفي يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) وموسى الكوني النائب بالمجلس الرئاسي في 11 يونيو 2024 (المجلس الرئاسي)

في تصعيد جديد لصراع الصلاحيات في ليبيا بين رئيس «المجلس الرئاسي» محمد المنفي ورئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، طلب المنفي إيقاف وزير الخارجية المُكلّف في حكومة «الوحدة»، طاهر الباعور، عن العمل؛ في وقت باركت فيه الولايات المتحدة و9 دول فاعلة في الملف الليبي التوقيع على أول «ميزانية وطنية موحّدة» لهذا العام، بوصفها «نقطة تحوّل» نحو إنهاء الانقسام.

وقال المنفي في بيان أصدره، الأحد، إنه قرر «إيقاف الباعور عن مباشرة أي مهام تتعلق بالتمثيل الخارجي أو الاتصالات الدبلوماسية».

كما طلب المنفي من حكومة الدبيبة «عرض مرشح رسمي لتولي منصب وزير الخارجية وفق الأصول القانونية المقررة»، محذراً من أن «أي إجراء منفرد يؤدي إلى إرباك القنوات الدبلوماسية، وتعريض الموقف السيادي للدولة للالتباس». وأضاف أن وزارة الخارجية «حقيبة سيادية»، وأن أي تكليف أو ترتيب إداري يتعلق بها «يتطلب التشاور الإلزامي».

وتصاعدت حدة الخلافات بين المنفي والدبيبة مؤخراً بسبب محاولات التعديل الوزاري الأخير في حكومة «الوحدة»، والتي عدّها «المجلس الرئاسي» مخالِفة، لكونها «حكومة تصريف أعمال» وتتطلب تشاوراً وطنياً واسعاً، خصوصاً في الحقائب السيادية.

وسبق للمنفي و«المجلس الرئاسي»، الذي يحتفظ بصلاحيات سيادية، مثل التمثيل الخارجي والدفاع، أن حذّرا الدبيبة من أي تعديلات وزارية أحادية الجانب.

ويخشى مراقبون أن يؤدي هذا التصعيد إلى تعميق الانقسام المؤسسي، وإرباك الجهود الدولية للخروج من الأزمة، خصوصاً مع استمرار وجود حكومتين موازيتين في الشرق والغرب، وتأثير ذلك على الاستقرار الاقتصادي والأمني في البلاد.

ولم يصدر ردّ رسمي فوري من حكومة «الوحدة» أو وزارة خارجيتها على بيان المنفي.

وكان الباعور قد زار الخميس الماضي النيجر، وبحث مع رئيس حكومتها علي الأمين العلاقات الثنائية، ونقل رسالة شفهية من الدبيبة.

في المقابل، أعلن الدبيبة «نجاح حكومته في بناء جيش منظم»، معرباً عن أمله في الوصول إلى جيش موحد بدعم من تركيا وباقي الدول الإقليمية. وقال في مقابلة تلفزيونية على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» مساء السبت: «نجحنا في تكوين جيش منظم، ونريد دعم تركيا»، وأكد السعي من خلال الجهود الدولية والمحلية لتوحيد الجيش، لافتاً إلى نجاح الحكومة أيضاً لأول مرة، منذ 13 عاماً، في إنجاز ميزانية تنموية موحدة لكل ليبيا.

ووسط تفاؤل دولي، رحّبت الولايات المتحدة و9 دول فاعلة في الملف الليبي، في بيان مشترك أصدرته وزارة الخارجية الأميركية مساء السبت، بتوقيع ليبيا على «ميزانية وطنية موحدة» للعام الحالي، واصفة الخطوة بأنها «نقطة تحول حاسمة» لإنهاء الانقسام الاقتصادي بين شرق البلاد وغربها.

وأثنى بيان لحكومات السعودية ومصر وقطر والإمارات وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وترکیا وبريطانيا وأميركا على «النهج البنّاء» للقادة الليبيين في الوصول إلى هذا الاتفاق الذي وُقّع الأسبوع الماضي، مؤكداً أنه سيُعزز الوحدة والاستقرار.

وعدّ البيان أن هذه الخطوة تُمثل ركيزة أساسية لتعزيز التنسيق الاقتصادي بين القادة في شرق البلاد وغربها، كما أشاد بـ«النهج البنّاء الذي سلكته الأطراف الليبية للتوصل إلى هذا الاتفاق الذي من شأنه أن يفتح آفاقاً جديدة للوحدة والاستقرار والازدهار».

وتعهد المستشار الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، في بيان مساء السبت، بمواصلة هذه الدول، مع رئيسة بعثة الأمم المتحدة هانا تيتيه، دعم الجهود الليبية الرامية لتعزيز الوحدة.

وكان بولس قد أعلن عقب لقائه الدبيبة على هامش «أنطاليا الدبلوماسي» عن ترحيب بلاده بالخطوات الأخيرة نحو التكامل الاقتصادي والعسكري في ليبيا، وأكد الأهمية الاستراتيجية لخطوة التوقيع على «ميزانية وطنية موحدة»، معتبراً إياها ركيزة أساسية لدعم الاستقرار الاقتصادي في البلاد.

كما أشاد بولس بافتتاح الجانب الليبي من تدريبات «فلينتلوك» بمشاركة لافتة لقوة مشتركة تضم عناصر من القوات الخاصة لشرق وغرب ليبيا، في خطوة تعكس تقدماً ملموساً نحو العمل العسكري الموحد.

بدورها، قالت ستيفاني خوري، نائبة رئيسة البعثة الأممية، إنها أطلعت مساء السبت، في مدينة بنغازي بشرق البلاد، رئيس أركان «الجيش الوطني» الفريق خالد حفتر، على التقدم المحرز في «الحوار المهيكل»، خصوصاً المسار الأمني الذي يهدف إلى اقتراح أطر لتوحيد المؤسسة العسكرية على أسس وطنية ومهنية، مشيرة إلى تقديرها دعم القيادة العامة لخريطة طريق الأمم المتحدة، الهادفة إلى الدفع قدماً بعملية سياسية شاملة تفضي إلى توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات الوطنية.

اجتماع ستيفاني خوري مع خالد حفتر رئيس أركان «الجيش الوطني» (البعثة الأممية)

وأكد من جانبه، الفريق خالد، أهمية الدفع بالمسار العسكري نحو التوحيد، من خلال آليات وطنية ومهنية، مشيداً بالجهود القائمة في إطار لجان «5+5» و«3+3»، بما يُعزز من قدرة المؤسسة العسكرية على أداء مهامها في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود ومواجهة الهجرة غير الشرعية.

كما شدد على ضرورة أن تجري جميع المسارات في إطار وطني جامع، مرحباً بدور البعثة الأممية بوصفها جهة داعمة وميسرة وفقاً لتفويضها، بما يخدم استقرار ليبيا ووحدتها. وعدّ أن تحقيق الاستقرار الأمني يُشكل أساساً لدفع عجلة الإعمار والبناء في أنحاء البلاد.