البابا يختتم جولته في الجزائر بوقفة إنسانية عند «مهد القديس أغسطينوس»

ظلال التوترات مع فرنسا خيمت على زيارة بابا الفاتيكان التاريخية للبلاد

البابا ببيت الراهبات في عنابة (فاتيكان نيوز)
البابا ببيت الراهبات في عنابة (فاتيكان نيوز)
TT

البابا يختتم جولته في الجزائر بوقفة إنسانية عند «مهد القديس أغسطينوس»

البابا ببيت الراهبات في عنابة (فاتيكان نيوز)
البابا ببيت الراهبات في عنابة (فاتيكان نيوز)

في محطة إنسانية لافتة عقب زيارته «كنيسة القديس أوغسطين» بمدينة عنابة شرق الجزائر، أكد البابا ليو الرابع عشر، الثلاثاء، خلال لقائه نزلاء «دار المسنين» هناك، أن «رسالة السماء تنحاز دوماً إلى المستضعفين»، لافتاً إلى أن «الله ليس مع الأشرار أو المتكبرين أو المستبدين، بل هو مع الصغار والمتواضعين؛ فمع هؤلاء يسير ملكوت المحبة والسلام».

بابا الفاتيكان في «مقام الشهيد» (الرئاسة الجزائرية)

وأشار الحبر الأعظم إلى أن قيمَ «العيش معاً» التي تجسدها هذه الدار «منبعٌ للأمل»، وجدد موقفه الرافض الحروب والمظالم والعنف، مؤكداً أن «الخالق ينبذ الأكاذيب وكل ما يمزق نسيج الأخوة الإنسانية».

وكان ضيف الجزائر قد استبق كلمته بالاستماع بإنصات إلى شهادات وانشغالات نزلاء الدار، الذين ينتمون إلى جنسيات وخلفيات متنوعة، قبل أن يختم زيارته بتوجيه الشكر إلى القائمين على الدار لحفاوة الاستقبال، مشيداً بـ«الروح الإنسانية التي تدير هذا الصرح».

بابا الفاتيكان مع كبير أساقفة الجزائر (جامع الجزائر)

وتقع الدار على تلة عنابة بجوار «كاتدرائية القديس أغسطينوس»، وتُعرف محلياً باسم «للا بونة». وتشرف فيها 5 راهبات، بمساعدة موظفين ومتطوعين، على رعاية نحو 40 مسناً ومسنة، غالبيتهم من المسلمين. وهي مبنى تاريخي يعود بناؤه إلى نهاية القرن الـ19، حين منح الكاردينال لافيجري الراهبات قطعة أرض لتأسيس هذه الدار.

وتعتمد الدار بشكل كبير في تسييرها على «الصدقات الأخوية»، التي يقدمها سكان مدينة عنابة؛ مما يبرز عمق الروابط الاجتماعية بين الكنيسة والمحيط الشعبي المسلم، وفق ما نشره موقع «فاتيكان نيوز»، الذي أشار إلى أن وجود رئيس الفاتيكان فيها «يعزز الصورة التي يسعى البابا والجزائر لتقديمها للعالم؛ وهي أن عنابة التي كانت منطلقاً لفكر أغسطينوس، لا تزال حتى اليوم منبراً للحوار الإنساني الصامت والمثمر».

رمزية السلام وتداعيات السياسة

توجه البابا «ليو الرابع عشر»، صباح الثلاثاء، إلى موقع «هيبون» الأثري بمدينة عنابة، الذي يضم كنيسة «السلام» التاريخية. وكان في مرافقته وزير الشؤون الخارجية أحمد عطاف، ووزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة. وقد تلقى في المكان شروحات مفصلة بشأن الأهمية التاريخية والتراثية لهذا الموقع العريق، وفق «وكالة الأنباء الجزائرية».

بابا الفاتيكان مع عميد «جامع الجزائر» (جامع الجزائر)

وخلال هذه الزيارة وضع البابا إكليلاً من الزهور، قبل أن يغرس غصن زيتون مأخوذاً من «الشجرة المرتبطة بالقديس أغسطينوس»، تعبيراً عن رمزية السلام العالمي.

وكان البابا ليو الرابع عشر قد بدأ زيارته إلى الجزائر، الاثنين، حيث التقى الرئيس عبد المجيد تبون، وعميد «جامع الجزائر الكبير»، وكبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، وأعضاء الجالية المسيحية في البلاد.

واللافت في المعالجة الإعلامية لزيارة الحبر الأعظم أن الأزمة الدبلوماسية الكبيرة بين الجزائر وباريس أرخت بظلالها عليها، بالنظر إلى الانتقادات الشديدة التي وجهها بعض وسائل الإعلام الفرنسية للجزائر بدعوى أن نظامها «يضطهد المسيحيين».

بابا الفاتيكان وسط مدينة عنابة شرق الجزائر (فاتيكان نيوز)

وبشأن هذا الموضوع بالتحديد، فقد صرّحت النائبة في حزب «الخضر» الفرنسي، صبرينة صبايحي، وهي من أصول جزائرية وقد رافقت البابا في زيارته، لمنصة «كل شيء عن الجزائر»، بأن هذه الزيارة تُعد فرصة للتذكير بضرورة التضامن بين جميع الطوائف؛ من مسلمين ومسيحيين ويهود، لا سيما في وقت يواجه فيه المسيحيون في القدس الشرقية مضايقات واضطهاداً؛ مؤكدة أن «الجوهر الحقيقي لزيارة البابا يكمن في إعلاء القيم الإنسانية المشتركة فوق أي اعتبار آخر».

البرلمانية عن حزب «الخضر» الفرنسي صبرينة صبايحي (حسابها بالإعلام الاجتماعي)

وقالت صبايحي إن اختيار الحبر الأعظم استهلال جولته الأفريقية بالجزائر يحمل «دلالات استراتيجية وإشارات قوية لا يمكن إغفالها». وردت على «حملات التحريض التي شنتها تيارات يمينية متطرفة في فرنسا» ضد هذا التقارب الجزائري - الفاتيكاني، داعية إلى «الترفع عن هذه الهجمات». ورأت أن «النجاح الميداني للزيارة، ورسائل السلام المتبادلة بين الرئيس الجزائري والبابا، هما الرد الأبلغ على تلك المحاولات».

كما شددت البرلمانية الفرنسية على أن «مهاجمي هذه الخطوة التاريخية يتحركون من دافع العجز»، مفسرة هجوم قطاع من الإعلام الفرنسي، خصوصاً المحسوب على اليمين المتشدد، على سلطات الجزائر بأنه «مجرد تعبير عن الاستياء من حدث لم يملكوا القدرة على تعطيله».

قضية الصحافي غليز في واجهة الحدث البابوي

بينما كانت الطائرة البابوية تهمّ بالهبوط في الجزائر، الاثنين، فقد استغلّ مراسل مجلة «باريس ماتش» الفرنسية، المختص في شؤون الكنيسة والفاتيكان، آرثر هيرلين، الفرصة ليتحدث مع البابا عن المصير المقلق لمواطنه وزميله كريستوف غليز، المسجون في الجزائر منذ عامين، بتهمة «تمجيد الإرهاب».

الصحافي الفرنسي المسجون كريستوف غليز (مراسلون بلا حدود)

وكتب هيرلين في تدوينة له عبر منصة «إكس»: «لقد رجوته أن يفعل كل ما في وسعه، وأن يستخدم نفوذه من أجل إطلاق سراحه». وقد رد عليه البابا قائلاً: «نعم... أنا أعرف قضية كريستوف غليز». ووثق الصحافي ما دار بينه وبين زعيم الكاثوليك في فيديو نشره بحسابه على «إكس».

وكانت صحف جزائرية قد أكدت أن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، طلب من البابا ليو الرابع عشر إثارة «قضية الصحافي غليز» خلال لقائه الرئيس الجزائري في مستهل زيارته. ويُفهم من تأكيد البابا للصحافي الفرنسي هيرلين إلمامه بهذه القضية احتمال استجابته لطلب ماكرون. لكن حتى الساعة، لا يُعرف رسمياً إن كان الحبر الأعظم قد فاتح الرئيس تبون بشأن استصدار عفو رئاسي لفائدة الصحافي الثلاثيني، الذي أدانه القضاء نهاية العام الماضي بالسجن 7 سنوات مع النفاذ.

ونقلت صحف فرنسية عن عائلة غليز أنها تعول على «الحظوة التي يملكها البابا لدى الرئيس الجزائري» ليشمله بعفو رئاسي في خطوة شبيهة بالعفو الذي استفاد منه الكاتب الجزائري - الفرنسي بوعلام صنصال، الذي كانت محكمة قضت بسجنه 5 سنوات، لكن تبون منحه عفواً رئاسياً في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، بناء على تدخل شخصي من الرئيس الألماني فرنك فالتر شتاينماير.


مقالات ذات صلة

«حراك أوروبي» مكثف في الجزائر لتأمين الحدود ومكافحة الهجرة

شمال افريقيا رئيسة الوزراء الإيطالية بحثت مع الرئيس الجزائري تعزيز التعاون في وقف تدفقات المهاجرين السريين (الرئاسة الجزائرية)

«حراك أوروبي» مكثف في الجزائر لتأمين الحدود ومكافحة الهجرة

تتسارع الجهود الأوروبية بشكل لافت خلال الأسابيع الأخيرة لدفع الجزائر نحو لعب دور «دركي المتوسط» يتولى مهمة لجم تدفقات الهجرة السرية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا أعضاء لجنة الذاكرة خلال اجتماع لهم بالرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)

«قانون استرجاع الممتلكات الثقافية» الفرنسي يعمق «أزمة الذاكرة» مع الجزائر

يرى مراقبون أن أي تقارب محتمل بين الجزائر وفرنسا بات بعيد المنال في ظل التعقيدات القانونية التي استحدثها البرلمان الفرنسي بخصوص «ملف استرداد الممتلكات الثقافية»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا السكرتير الأول لجبهة القوى الاشتراكية في تجمع دعائي بشرق العاصمة تحسباً للانتخابات التشريعية (إعلام حزبي)

الجزائر: سباق انتخابي تحت ضغط شكوك «النزاهة»

أطلقت الأحزاب الجزائرية حملة مزدوجة تحسباً للانتخابات التشريعية، المقررة في 2 يوليو (تموز) المقبل، تتركز في مسارين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً بابا الفاتيكان بالمطار (الرئاسة الجزائرية) p-circle 00:51

في مستهل زيارة تاريخية للجزائر... بابا الفاتيكان ينشر رسالة سلام

انطلاقاً من الجزائر، بدأ بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، يوم الاثنين، جولة أفريقية تشمل أربع دول، وتهدف إلى تعزيز حوار الأديان، وقيم التسامح، والتعايش الديني.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يستقبل البابا ليو الرابع عشر بعد هبوطه في مطار هواري بومدين الدولي في العاصمة الجزائر... 13 أبريل 2026 (د.ب.أ) p-circle 00:51

رئيس الجزائر: أدعو مع البابا ليو بالأمن والأمان لمنطقة الخليج ولبنان

دعا الرئيس الجزائري، خلال لقائه بابا الفاتيكان، بالأمن والأمان لمنطقة الخليج ولبنان.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.