حبس صحافي فرنسي يهدد بوادر انفراجة دبلوماسية بين الجزائر وباريس

حُكم عليه بالسجن 7 سنوات للاشتباه بصلته بقيادي في تنظيم انفصالي

الرئيس الجزائري يستقبل رئيس مجموعة فرنسية عملاقة للنقل البحري يوم 2 يونيو 2025 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري يستقبل رئيس مجموعة فرنسية عملاقة للنقل البحري يوم 2 يونيو 2025 (الرئاسة الجزائرية)
TT

حبس صحافي فرنسي يهدد بوادر انفراجة دبلوماسية بين الجزائر وباريس

الرئيس الجزائري يستقبل رئيس مجموعة فرنسية عملاقة للنقل البحري يوم 2 يونيو 2025 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري يستقبل رئيس مجموعة فرنسية عملاقة للنقل البحري يوم 2 يونيو 2025 (الرئاسة الجزائرية)

عادت «حركة الحكم الذاتي في منطقة القبائل» الجزائرية إلى الواجهة مجدداً عقب إدانة صحافي فرنسي بالسجن في الجزائر للاشتباه في صلته بأحد قادة هذا التنظيم الذي يُعد من مصادر التوتر بين الجزائر وباريس نظراً لوجود زعيمه وعدد من أبرز نشطائه في فرنسا بصفة «لاجئين سياسيين».

واستأنف، يوم الاثنين، فريق الدفاع عن الصحافي الرياضي كريستوف غليز، المتعاون مع مجلة «سو فوت» (So Foot) الفرنسية، الحكم الصادر بحقه بالسجن سبع سنوات نافذة، الذي أصدرته محكمة تيزي وزّو، كبرى مدن منطقة القبائل الناطقة بالأمازيغية يوم السبت الماضي.

من جانبها، عبَّرت فرنسا عن الأسف للحكم الصادر بحق غليز، ونشرت وزارة الخارجية بياناً جاء فيه: «تأسف فرنسا بشدة لإدانة الصحافي الفرنسي كريستوف غليز بالسجن 7 سنوات نافذة».

وكان الصحافي قد خضع لمراقبة قضائية استمرت 13 شهراً، وفق ما أفاد به محامون من المدينة الواقعة على مسافة 110 كيلومترات شرق العاصمة الجزائرية.

وأُدين غليز، المتخصص في شؤون كرة القدم، بتهمة «تمجيد الإرهاب»، وذلك استناداً إلى ما ورد في لائحة الاتهام التي تلتها هيئة المحكمة، حسب ما أفاد به محامون لصحيفة «الشرق الأوسط». ونددت منظمة «مراسلون بلا حدود»، إلى جانب جهة عمله مجموعة «سو برس» (So Press)، بالحكم ووصفتاه بأنه «جائر».

الصحافي الفرنسي كريستوف غليز المسجون في الجزائر (متداولة)

وغليز (36 عاماً) صحافي مستقل ومتعاون مع مجلتي «سو فوت» و«سوسايتي» التابعتين لمجموعة «سو برس». وسافر إلى الجزائر في مايو (أيار) 2024 لإنجاز تحقيق حول نادي شبيبة القبائل. ووفقاً لـ«مراسلون بلا حدود»، فقد أُوقف في الثامن والعشرين من ذلك الشهر في تيزي وزّو، ووُضع تحت الرقابة القضائية بتهمة «دخول البلاد بتأشيرة سياحية» في حين كان في مهمة صحافية، وكذلك بتهمتي «تمجيد الإرهاب»، و«حيازة منشورات بهدف الدعاية تمس بالمصلحة الوطنية».

وقالت «مراسلون بلا حدود» في بيان: «من المهم بذل كل الجهود، بما في ذلك على الصعيدين السياسي والدبلوماسي، لضمان تحقيق العدالة للصحافي كريستوف غليز».

وأضافت المنظمة المدافعة عن حرية الصحافة أن التهم الموجهة إليه «لا أساس لها وقد دُحضت تماماً»، مشيرة إلى أن سبب الاتهام يعود إلى تواصله في عامي 2015 و2017 مع مسؤول في نادي شبيبة القبائل في تيزي وزّو يُعدّ من قياديي «حركة الحكم الذاتي في منطقة القبائل»، المعروفة اختصاراً بـ«ماك»، التي تصنّفها السلطات الجزائرية «منظمة إرهابية» منذ عام 2021.

ويُتهم زعيم الحركة، فرحات مهني، بـ«الإرهاب»، وقد صدرت بحقه مذكرة اعتقال دولية في العام نفسه. كما أن عدداً من أبرز نشطاء الحركة يواجهون بدورهم تهماً بالإرهاب داخل الجزائر وخارجها، ويقضي بعضهم أحكاماً بالسجن لفترات طويلة.

فرحات مهني زعيم التنظيم الانفصالي «حركة الحكم الذاتي في منطقة القبائل» (متداولة)

وحسب المحامين الذين يترافعون في القضية، فإن غليز تواصل مرتين مع ناشط «ماك»، وكان ذلك قبل أن تضع الجزائر التنظيم على لائحة الإرهاب، ما يعني حسبهم أن التهمة «لا تستند إلى أي أساس». كما أكدوا أن الاتصال الأخير بينهما عام 2024 «كان الغرض منه هو الإعداد لتحقيقه الصحافي حول نادي شبيبة القبائل، وهو ما أعلنه كريستوف غليز بشكل صريح ولم يُخفه في أي وقت».

وقد نقل الصحافي الفرنسي يوم السبت إلى سجن مدينة تيزي وزّو بعدما أدانته المحكمة الأولى. ويُنتظر إعادة محاكمته، بعد استئناف الحكم، خلال الدورة القضائية المقبلة التي ستبدأ في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

غضب من «احتضان باريس» رموز «ماك»

تُبدي الجزائر انزعاجاً شديداً مما تصفه بـ«الرعاية التي توفرها فرنسا» لتنظيم «ماك»، الذي يطالب بانفصال منطقة القبائل ويُعدُّ امتداداً للمواجهات الدامية التي اندلعت عام 2001 بين قوات الأمن وشباب معارضين للسلطة في المنطقة، وأسفرت عن مقتل أكثر من 100 شخص.

ويقيم زعيم التنظيم، مهني، في فرنسا منذ سنوات طويلة، وقد أُثير جدل واسع الشهر الماضي بعد استقباله في مجلس الشيوخ الفرنسي من قبل برلماني ينتمي إلى حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف المعروف بمواقفه المعادية للمهاجرين الجزائريين.

وأثار هذا الاستقبال استياءً رسمياً في الجزائر عبَّر عنه «مجلس الأمة»، الغرفة الثانية في البرلمان، الذي يرأسه ثاني أعلى شخصية في الدولة بحسب الدستور.

ورأى مراقبون أن سجن الصحافي الفرنسي قد يُلقي بظلاله على محاولات التقارب الأخيرة بين الجزائر وفرنسا والهادفة إلى طي صفحة التوترات الحادة التي تأججت في أواخر يوليو (تموز) 2024 عقب اعتراف قصر الإليزيه بسيادة المغرب على الصحراء.

وأعاد الخلاف حول هذه القضية فتح ملفات قديمة، من بينها قضية الهجرة، وإرث الاستعمار، فضلاً عن استضافة فرنسا نشطاء الحركة الانفصالية الذين أنشأوا ما يُسمى بـ«حكومة القبائل المؤقتة» في الأراضي الفرنسية عام 2010.

وبرزت في الأيام الأخيرة مؤشرات على تهدئة بين البلدين، تمثَّلت في موافقة الجزائر على دخول محامٍ فرنسي للدفاع عن الكاتب الجزائري - الفرنسي المسجون بوعلام صنصال، وذلك بعد أن كانت قد رفضت سابقاً منح تأشيرة دخول للمحامي الفرنسي المعروف فرانسوا زيمراي، الذي كان ينوي تمثيل صنصال خلال أولى جلسات محاكمته في مارس (آذار) الماضي.

الكاتب الجزائري - الفرنسي بوعلام صنصال (متداولة)

وشهد شهر يونيو (حزيران) سلسلة من المؤشرات الإيجابية التي تعكس تحسناً في العلاقات الاقتصادية بين الجزائر وفرنسا.

ففي بدايته، استقبل الرئيس عبد المجيد تبون رئيس مجموعة «سي جي إم سي إم آي» الفرنسية العملاقة المتخصصة في النقل البحري التجاري رودولف سعادة.

وتلى ذلك استقبال وزير النقل سعيد سعيود، نائبة الرئيس التنفيذي للمجموعة، كريستين كابو.

الرئيس الجزائري يستقبل رئيس مجموعة فرنسية عملاقة للنقل البحري يوم 2 يونيو 2025 (الرئاسة الجزائرية)

وفي منتصف الشهر، زار الجزائر وفدٌ من رجال الأعمال الفرنسيين يمثلون نحو 20 مؤسسة، وشاركوا في فعاليات «أيام الصناعة» التي نظمتها الغرفة الجزائرية - الفرنسية للتجارة والصناعة. وخلال المناسبة، صرّح رئيس الغرفة ميشال بيساك بأن «نحو 6000 شركة فرنسية ما زالت تواصل نشاطها في الجزائر»، معبّراً عن ارتياحه لما وصفه بـ«التقدم الملحوظ في العلاقات الثنائية»، ومؤكداً على أن «ما يجمع البلدين أقوى بكثير مما يفرقهما».

وفي السياق نفسه، حصلت مجموعة «توتال إنرجيز» الفرنسية على عقد للتنقيب عن النفط في جنوب الجزائر، بعد فوزها في مناقصة أطلقتها الوكالة الجزائرية لتثمين الموارد النفطية.

كما عكست اللقاءات المتتالية وتوقيع الاتفاقيات الجديدة، خصوصاً في قطاع الطاقة، انتعاشاً واضحاً في العلاقات الاقتصادية بين البلدين.


مقالات ذات صلة

الجزائر: تطورات المشهد الانتخابي تضع الأحزاب في ورطة

شمال افريقيا أحد التجمعات الدعائية في بداية الحملة الانتخابية (إعلام حزبي)

الجزائر: تطورات المشهد الانتخابي تضع الأحزاب في ورطة

شهدت الأيام الأولى من حملة انتخابات الثاني من يوليو (تموز) بالجزائر تطورات مفاجئة خلطت أوراق الأحزاب وجعلتها في ورطة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس الشرطة الجزائرية مع خبراء في ملف استرداد الأموال المنهوبة خلال زيارته فرنسا يوم 1 يونيو الحالي (وزارة الداخلية)

الجزائر: استرجاع ممتلكات بالخارج واتهامات ثقيلة في «ملفات فساد»

أفضت عملية تفكيك شبكة إجرامية منظمة في الجزائر، وُصفت بأنها الكبرى منذ سنوات، إلى استرجاع وحجز ممتلكات عقارية ومنقولات فاخرة...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا جانب من محادثات الأميرال جورد ويكوف بوزارة الدفاع الجزائرية (وزارة الدفاع)

الجزائر وواشنطن لترسيخ شراكة عسكرية مكثفة في «المتوسط» والساحل

الجزائر وواشنطن يوقعان اتفاقيات لترسيخ شراكة عسكرية مكثفة في «المتوسط» والساحل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الرياضة كأس العالم 2026... مسرح ولادة «الأوراق الرابحة» للكرة العربية

شبان برتبة نجوم... أصغر الوجوه العربية في مونديال 2026

شباب عرب يقتحمون المسرح العالمي بمونديال 2026. «الشرق الأوسط» ترصد الترتيب العمري، والأدوار التكتيكية لأصغر 9 مواهب واعدة بقيادة المصري حمزة عبد الكريم.

كوثر وكيل (لندن)
شمال افريقيا صورة لوفدي وزارتي العدل الجزائري والفرنسي (الوزارة الجزائرية)

قضاة جزائريون في باريس لتسريع إجراءات «الأموال المنهوبة»

بحث وفد قضائي جزائري وصف بـ«المهم» الاثنين في فرنسا تسريع إجراءات استرداد «الأموال المنهوبة» وتسليم مطلوبين لدى الجزائر متهمين بـ«الفساد»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

30 مليون وثيقة تاريخية سودانية معرّضة للتلف

آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)
آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)
TT

30 مليون وثيقة تاريخية سودانية معرّضة للتلف

آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)
آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)

تواجه «دار الوثائق القومية» في الخرطوم خطراً متزايداً يهدد أكثر من 30 مليون وثيقة تؤرخ لتاريخ السودان منذ عام 1505، وذلك نتيجة الأضرار التي لحقت بالمبنى خلال الحرب.

ورغم نجاة معظم الوثائق من الحرائق التي طالت أجزاء من المبنى، فإن بقاءها وسط بيئة متضررة ومليئة بالركام والغبار يثير مخاوف جدية بشأن سلامتها على المدى الطويل.

وأكدت مديرة الدار، الدكتورة نجوى محمود، أن الأرشيف الإلكتروني فُقد خلال الحرب، مشيرة إلى إعداد خطة للتحول الرقمي وإعادة رقمنة الوثائق بهدف حمايتها من المخاطر المستقبلية.

من جهته، حذر مدير الإدارة العامة للتوثيق محمد يوسف من مخاطر موسم الأمطار المقبل بعدما خلفت القذائف فتحات في أسقف المبنى قد تسمح بتسرب المياه إلى قاعات الحفظ.

وتضم الدار وثائق نادرة، بينها أرشيف الدولة المهدية والحكم الثنائي البريطاني ـ المصري وأرشيف الصحافة السودانية. ويأمل المسؤولون في تأهيل المبنى والحفاظ على هذا الإرث الوطني الذي يمثل ذاكرة السودان عبر خمسة قرون.


هل بدأ العد التنازلي لتنفيذ مبادرة واشنطن لتقاسم السلطة في ليبيا؟

الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)
الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)
TT

هل بدأ العد التنازلي لتنفيذ مبادرة واشنطن لتقاسم السلطة في ليبيا؟

الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)
الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)

تسارعت التحركات الأميركية، على أكثر من مستوى، في الملف الليبي، عقب صدور التوصيات النهائية لـ«الحوار المهيكل»، برعاية أممية، مطلع الأسبوع الماضي، مما أثار تساؤلات في الأوساط السياسية حول ما إذا كانت واشنطن قد بدأت فعلياً التمهيد لتنفيذ مبادرة تُنسب إلى مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، وتهدف إلى إعادة ترتيب السلطة التنفيذية في بلد يعيش انقساماً سياسياً ومؤسسياً منذ عام 2011.

برنت ورئيس أركان الجيش الوطني خالد حفتر في لقاء بمدينة بنغازي الثلاثاء الماضي (السفارة الأميركية)

وتقوم المبادرة -وفق ما يُتداول في الأوساط الليبية منذ أشهر ولم ينفه أي طرف ولا حتى الجانب الأميركي- على بناء تفاهمات بين سلطتي الشرق والغرب عبر صيغة جديدة لتقاسم السلطة، تتضمّن تولي صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، رئاسة مجلس رئاسي جديد، مع إبقاء عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.

مؤشرات على قرب تنفيذ المبادرة

يرى رئيس حزب الكرامة الليبي، الدكتور يوسف الفارسي، أن التحركات الدبلوماسية الأميركية من جانب القائم بالأعمال في ليبيا، جيريمي برنت، بين طرابلس وبنغازي خلال الأيام القليلة الماضية تُعطي مؤشرات على أن «تنفيذ المبادرة بات أقرب من أي وقت مضى»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن واشنطن تعمل بالتوازي على المسارَين العسكري والاقتصادي لتهيئة الأرضية المناسبة لأي تسوية سياسية محتملة.

مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)

على المستوى العسكري، التقى القائم بالأعمال الأميركي كلاً من رئيس أركان قوات حكومة الوحدة في غرب ليبيا، الفريق أول صلاح الدين النمروش، ووكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي. كما عقد اجتماعاً مع رئيس أركان الجيش الوطني في شرق ليبيا، الفريق أول خالد حفتر. وركزت اللقاءات على تطوير التعاون العسكري، ودعم جهود توحيد المؤسسة العسكرية، وتعزيز بناء القدرات المهنية للقوات المسلحة الليبية.

مبعوثة الأمم المتحدة هانا تيتيه خلال إعلان توصيات «الحوار المهيكل» في طرابلس الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

وينظر مراقبون إلى هذه اللقاءات بوصفها حلقة جديدة في مسار أميركي متدرج بدأ خلال الأشهر الماضية، عبر خطوات دعّمتها واشنطن لبناء جسور تواصل بين مؤسسات الشرق والغرب، تمهيداً لتقليص الانقسام القائم. وشمل ذلك جمع عسكريين من شرق ليبيا وغربها في مناورات «فلينتلوك»، التي استضافتها مدينة سرت في أبريل (نيسان) الماضي، فضلاً عن رعاية اتفاق الإنفاق والميزانية الموحدة بين السلطتَين في بنغازي وطرابلس في الشهر ذاته، في خطوة عُدّت سابقة لم تشهدها البلاد منذ 13 عاماً من الانقسام المؤسسي.

وفق هذا التقدير أيضاً، شملت لقاءات برنت في بنغازي (شرق) مدير صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا بلقاسم حفتر، والمدير العام للجهاز الوطني للتنمية محمود الفرجاني، حيث تركزت المحادثات على تنفيذ اتفاقية الميزانية الموحدة، وتشجيع الاستثمارات الأميركية، وضمان توزيع الإنفاق التنموي على مختلف المناطق الليبية.

كما سجل تعزيز التعاون الليبي مع الشركات الأميركية العاملة في قطاع النفط جانباً مهماً من جولة برنت، ضمن لقائه مع رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، حيث بحثا سبل زيادة الإنتاج النفطي وحماية البنية التحتية للطاقة.

تحديات سياسية معقّدة

هذا التحرك الأميركي متعدد المسارات، الذي انطلق منذ منتصف الأسبوع الماضي ولا يزال مستمراً، لا يراه مراقبون معزولاً عن نتائج «الحوار المهيكل»، التي تضمنت مقترحات لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية عبر تشكيل مجلس رئاسي جديد، يضم رئيساً ونائبين، إلى جانب تشكيل حكومة جديدة تحت اسم «حكومة الاستحقاق الوطني» برئاسة رئيس حكومة وثلاثة نواب، يمثلون الأقاليم التاريخية الثلاثة (طرابلس وبرقة وفزان).

ومع ذلك فإن الطريق لا يزال يواجه تحديات سياسية معقدة، حسب محللين، وقال الناشط الليبي، عمر بوسعيدة، إن المبادرة تواجه داخل طرابلس «تداخلاً في أجندات قوى إقليمية تستخدم حلفاءها المحليين لعرقلة أي ترتيبات جديدة لتقاسم السلطة»، لافتاً إلى أن «الاختبار الحقيقي للمبادرة يتمثّل في القدرة على إنتاج جسم تنفيذي موحّد يحظى بقبول الأطراف الرئيسية».

وبالنسبة إلى رئيس «تجمع تكنوقراط ليبيا»، أشرف بلها، فإن «المبادرة لا تزال بحاجة إلى معالجة عدد من الملفات الخلافية، وفي مقدمتها معايير اختيار الحكومة المقبلة، وتوزيع الصلاحيات داخل السلطة التنفيذية الجديدة، وهي قضايا لم تصل الأطراف الليبية بعد إلى توافق نهائي بشأنها».

واستبعد بلها، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إمكانية التوصل إلى تفاهمات ليبية واسعة من دون ضغوط دولية مؤثرة، مستشهداً بتجربة ملتقى الحوار السياسي، الذي رعته الأمم المتحدة في جنيف بقيادة المبعوثة الأممية السابقة، ستيفاني ويليامز، وأسفر عن تشكيل السلطة التنفيذية الحالية بعد توافقات دعمتها قوى دولية فاعلة.

وفي هذا السياق، قال رئيس «تجمع تكنوقراط ليبيا» إن واشنطن تسعى حالياً إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من التوافق بين المبادرة الأميركية ومسار الأمم المتحدة، مشيراً إلى معلومات متداولة بشأن جهود لعقد اجتماع دولي في النرويج، خلال الفترة المقبلة، بمشاركة أطراف إقليمية ودولية لدعم هذا المسار.

وقبل جلسة مقررة لمجلس الأمن الشهر الحالي تعرض خلالها تيتيه نتائج «الحوار المهيكل»، أكد بولس عقب لقائه مبعوثة الأمم المتحدة، هانا تيتيه، الجمعة، أن جهود بلاده في توحيد السلطتَين «تتكامل» مع خريطة طريق بعثة الأمم المتحدة ومخرجات الحوار، بما يضمن عملية سياسية يقودها الليبيون لتحديد مستقبل بلادهم.

من جلسة سابقة لمجلس الأمن حول الأزمة الليبية (المجلس)

وهنا يرى الفارسي أن حديث بولس عن تكامل الجهود الأميركية مع خريطة الطريق، التي تقودها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لا ينفي، في رأيه، أن واشنطن تمثّل القوة الدولية الأكثر تأثيراً في دفع هذا المسار، مشيراً إلى أن التحركات الأممية تحظى بدعم أميركي واضح.

ومع هذا فإن المبادرة الأميركية قد لا تستهدف من منظور باحثين إنهاء الأزمة الليبية بصورة نهائية، بقدر ما تسعى إلى إعادة تنظيم موازين القوى وإدارة الانقسام القائم عبر أدوات سياسية ومؤسسية متدرجة.

ووفق تقدير الباحث في الشؤون الأفريقية، عبد الله فارس القزاز، في دراسة نشرها «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» فإن واشنطن «تبدو منشغلة ببناء إطار أكثر استقراراً لإدارة الدولة الليبية وتوحيد مؤسساتها أكثر من انشغالها بفرض تسوية نهائية شاملة في المدى القريب».

Your Premium trial has ended


أكبر تجمع معارض بمصر يحاول إنعاش حضوره السياسي

«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)
«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)
TT

أكبر تجمع معارض بمصر يحاول إنعاش حضوره السياسي

«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)
«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)

تتجه «الحركة المدنية الديمقراطية»، التي تعد أكبر تجمع لأحزاب وشخصيات عامة معارضة في مصر، نحو اتخاذ إجراءات من شأنها إعادة هيكلة تنظيمها، بعد انتقادات لاذعة طالتها مؤخراً على خلفية دفاعها عن أحد قياداتها بعد تحرك جهات تنفيذية لهدم قصر قام ببنائه على النيل بالمخالفة للقوانين الحكومية.

وتحاول «الحركة المدنية» إنعاش حضورها السياسي في أعقاب الأزمة الأخيرة. وبحسب قيادات داخلها تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن اجتماعاً انعقد، مساء الجمعة، قررت فيه الحركة تشكيل لجنة لإعادة «الهيكلة»، تتولى فحص ودراسة جميع المقترحات المقدمة من داخل وخارج الحركة لتطوير وتجديد أدائها السياسي والتنظيمي، مشيرين إلى أن تلك الإجراءات بمنزلة مقدمة لـ«تصحيح المسار».

وأصدر التكتل المعارض الذي تشكل في عام 2017، بياناً نهاية الشهر الماضي، أعلن فيه رفضه قيام الحكومة بهدم قصر على النيل مملوك لرئيس حزب «المحافظين» رجل الأعمال أكمل قرطام، حيث ربطت «الحركة» قضية القصر، الذي قالت الحكومة إنه خالف إجراءات البناء، بقضايا جماهيرية عامة؛ ما أثار انتقادات واسعة، واضطرت الحركة لاحقاً إلى الاعتذار، وسحب البيان.

ولم تكن هذه هي الأزمة التي مرت بها «الحركة المدنية» خلال العامين الماضيين؛ حيث شهدت تباينات وخلافات في أثناء الإعداد للمشاركة في اقتراعات سياسية مهمة في مقدمتها انتخابات الرئاسة المصرية الأخيرة في عام 2024، وانتخابات البرلمان (مجلسي النواب والشيوخ) العام الماضي، وبدت غير قادرة على أن تكون متماسكة داخلياً.

اجتماع سابق لمجلس أمناء الحركة المدنية (صفحة الحركة على فيسبوك)

وأكد المتحدث الإعلامي باسم «الحركة المدنية» وليد العماري، أن اللجنة التي تم إسناد رئاستها إلى منسق الاتصال السياسي بحزب «العيش والحرية» (أحد أحزاب الحركة) أكرم إسماعيل، سترسل نتائجها والرؤية التي ستضعها خلال أسبوعين إلى جميع الأحزاب المكونة للحركة لدراستها، واستطلاع رأي قواعدها الحزبية، تمهيداً لاتخاذ القرارات النهائية خلال اجتماع سيُعقد بعد 3 أسابيع.

وقال العماري لـ«الشرق الأوسط» إن «المحاور العامة لعمل اللجنة، تتلخص في التوسع لضم شخصيات عامة جديدة من أجيال مختلفة، وإفساح المجال للقيادات الشابة، واستعادة التواصل مع الجماهيىر ليس فقط في العاصمة، بل من خلال أنشطة متنوعة بالمحافظات».

وبحسب العماري، تجري الحركة «نقداً ذاتياً لتقييم أدائها خلال المرحلة الماضية، وتدارك الأخطاء وإجراء مراجعة شاملة»، مؤكداً أنه «من بين المقترحات التي سوف تناقشها اللجنة ما يتعلق بدور مجلس الأمناء (أعلى سلطة تنظيمية بالحركة)، حيث يوجد اقتراح بإلغائه، والبحث عن تشكيل تنظيمي مختلف، بينما يذهب رأي آخر إلى الإبقاء عليه على أن يكون رأيه استشارياً».

وتضم «الحركة المدنية» عدداً من الشخصيات العامة البارزة إلى جانب أحزاب (الدستور، والكرامة، والتحالف الشعبي الاشتراكي، والمحافظين، والعربي الديمقراطي الناصري، والعيش والحرية «تحت التأسيس») وشهدت المرحلة الماضية خلافات داخلية، أعقبها إعلان أحزاب «المصري الديمقراطي الاجتماعي» و«الإصلاح والتنمية»، و«العدل» تجميد عضويتها بالحركة، وعقب أزمة «قصر قرطام» أعلن حزب «العدل» انسحابه الكامل من الحركة.

وأكد منسق الاتصال السياسي بحزب «العيش والحرية» أكرم إسماعيل، أن هدف اللجنة «تصحيح مسار الحركة، وإعادة تجديد الدماء»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «اللجنة بدأت تلقي المقترحات من داخل وخارج الحركة لبلورة رؤية للمرحلة المقبلة، تنطلق من عدة محاور، منها تصعيد القيادات الشبابية لضخ دماء جديدة، والبحث عن ضم شخصيات جديدة مرتبطة بالحركة الاجتماعية والنقابية، والنزول للجماهير لاستعادة دور الحركة بالشارع للتعبير عن القضايا المجتمعية التي تهم الناس».

وتحدث إسماعيل عن موقف الأحزاب المنسحبة من الحركة، مؤكداً أن «الرؤية الجديدة لتطوير أداء الحركة لن تتضمن أي محاولات لإعادة التواصل مع الأحزاب المنسحبة».

جانب من المؤتمر الاقتصادي الذي عقدته الحركة المدنية مطلع الشهر الماضي (صفحة الحركة على فيسبوك)

لكن الخبير في الشؤون السياسية والبرلمانية، نائب مدير «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور عمرو هاشم ربيع، لا يتفاءل بشأن مستقبل الحركة، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «ما دامت الوجوه نفسها موجودة فلن يكون هناك جديد، وستتم إعادة إنتاج الأفكار نفسها، فإعادة الهيكلة لن تكفي»، حسب رأيه.

واستطرد قائلاً: «ربما ضخ دماء شبابية جديدة يمكن أن يؤدي إلى استعادة الحركة لدورها السياسي وتطويره، وسيظل مستقبل الحركة مرهوناً بقدرتها على مواجهة التحديات الداخلية وتوحيد الرؤى، والتركيز على قضايا سياسية نوعية، مثل ملف حقوق الإنسان، وإذا حدث ذلك فربما تستعيد الحركة زخمها السياسي».

لكن أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، القيادي بالحركة، الدكتور مصطفى كامل السيد، أكد أن «المرجعات التي تقوم بها الحركة هدفها تدارك الأخطاء السابقة والاستفادة منها مستقبلاً»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «أبرز الأخطاء التي ارتكبتها الحركة سابقاً، فكرة المركزية الديمقراطية، حيث من المفترض أنه عندما يتم اتخاذ قرارات بالتصويت عقب نقاشات بين الأحزاب أن يلتزم الجميع برأي الأغلبية، لكن هذا لم يكن يحدث».

وبحسب السيد، تحتاج الحركة إلى «البحث عن آليات جديدة، وابتكار أساليب مختلفة للتواصل مع الجماهير، مثل الأنشطة الفنية والعلمية، فالعمل السياسي ليس مجرد بيانات».