عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: القذافي حاول اغتيال الملك حسين بصاروخ سلمه لوديع حداد

رئيس الوزراء الأردني الأسبق روى شهادته على عقد ونصف العقد في مركز القرار (2 من 3)

TT

عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: القذافي حاول اغتيال الملك حسين بصاروخ سلمه لوديع حداد

لقاء بين الملك حسين ومعمر القذافي على هامش قمة عربية في القاهرة عام 1970 (أ.ف.ب)
لقاء بين الملك حسين ومعمر القذافي على هامش قمة عربية في القاهرة عام 1970 (أ.ف.ب)

في الحلقة الثانية من شهادته، روى رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات لـ«الشرق الأوسط» تفاصيل محاولة اغتيال للملك حسين بصاروخ «أرسله معمر القذافي» عبر مجموعة تابعة لوديع حداد، قائد «المجال الخارجي»، ذراع العمليات السرية لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».

كما يعرج عبيدات الذي تولى أيضاً رئاسة المخابرات ووزارتي الداخلية والدفاع، على كواليس المواجهة بين القوات الإسرائيلية والجيش الأردني والفدائيين الفلسطينيين في بلدة الكرامة الحدودية في مارس (آذار) 1968، مؤكداً أن الجيش الأردني «هو الذي حسم المعركة»، لكنه خرج «بهزيمة معنوية أمام ادعاءات الفدائيين».

رحل عبيدات مطلع الشهر الجاري. وكانت الشهادة سجلت قبل «طوفان الأقصى» الذي حالت تداعياته دون نشرها. وفي ما يلي نص الحلقة الثانية:

نحتاج إلى أن نعود قليلاً إلى الوراء ونتحدث عن ظروف «معركة الكرامة»؟

- «الكرامة» نقطة مفصلية في غاية الأهمية، أهميتها للجيش أولاً؛ لأن الجيش العربي عاش هزيمة 1967 وشعر بمراراتها؛ لأنه انسحب من الضفة الغربية ولم يستطع لأسباب عدة أن يدافع عنها، وبالتالي يشعر بمسؤوليته الأخلاقية والوطنية والقومية عن هذه الهزيمة.

وجاءت فرصة «معركة الكرامة» لاستعادة الروح المعنوية القتالية للجيش ويسترد فيها بعض اعتباره. جاءت «معركة الكرامة» فرصة مواتية لفعل شيء مهم.

إذن، برأيك أن الجيش الأردني هو الذي لعب الدور الأكبر في «معركة الكرامة»؟

- هو الذي حسم المعركة، هو أفشل بناء العدو جسوراً في مناطق عدة للدخول، ودُمّرت آلياتهم في الأرض الأردنية، وبالتالي لأول مرة بتاريخ إسرائيل يطلبون وقف إطلاق النار. وكان الراحل الملك الحسين هو من رفض.

إسرائيل لم تعترف بخُمس قتلاها، وعند السماح بإجلاء جرحى المعركة كانت الطائرات العامودية (تسيل) منها دماء الجرحى والقتلى.

هناك ضباط من كتيبة المدفعية الذين كانوا يسمون «ضباط الملاحظة»، وقد عرّضوا أنفسهم للموت، فقد كانوا يتقدمون بأقرب نقطة من العدو، ويعطون إحداثياتها بدقة، ثم يطلبون قصف الموقع الذي تم إرساله، أي أنهم أعطوا نقاط وجودهم كمواقع يتمركز فيها العدو، وبالتالي قصف الموقع. أي أن الجندي الأردني كان يحدد موقعه القريب من الجيش الإسرائيلي ليتم قصفه. وبذلك يتم قصف الجندي الأردني الذي يريد الشهادة دفاعاً عن أرضه واسترداداً لكرامته بعد هزيمة النكسة. لكن إعلان «الكفاح المسلح» ألغى دور الجيش في المعركة، وظهر الفدائيون بوصفهم أبطالاً حققوا النصر على إسرائيل. وكانت لذلك تداعيات كثيرة؛ لأنهم احتكروا النصر وتجاهلوا دور الجيش الأردني تماماً.

طبعاً «الكفاح المسلح» بعد هذا الادعاء، جمعوا مئات الملايين من التبرعات، وكانت الأموال الأكثر من حصة تنظيم «فتح». لقد سيطرت ماكينة الفدائيين على الإعلام العربي. وخرجنا من المعركة بهزيمة معنوية أمام ادعاءات الفدائيين.

وبالمناسبة، جميع التبرعات التي حصلت عليها التنظيمات الفلسطينية من دول عربية عدة لم تصل للشعب الفلسطيني، بل ذهبت لحساب التنظيمات وقياداتها.

إذن، برأيك تداعيات «معركة الكرامة» والحرب الإعلامية انسحبت على أحداث أيلول؟

- الجيش عندما دخل إلى عمّان في أحداث سبتمبر (أيلول) كان يريد أن يُخلّص الشعب الأردني من حالات فوضى السلاح والاستعراض بالقوة وحالة الفلتان الأمني في الشوارع.

فلما دخل الجيش وبدأ في طرد الفدائيين من عمّان أخذ كل شيء في طريقه. وحتى منزلي الذي استأجرته حديثاً بعد حادثة اختطافي وكان قريباً من مقر قيادة الجيش دخله الجيش الأردني ليفتش عن فدائيين، وكانت أسرتي تقيم في المنزل ساعة المداهمة. وقالت زوجتي لهم إن زوجي ضابط مخابرات، فرد عليها العسكري الأردني: بلاش كذب. ولم يخرجوا من البيت إلا بعد اتصالها معي، فكلفت ضابطاً عندنا قائد سرية المخابرات يتفاهم مع الجيش، وبعدها تركوا البيت وخرجوا. والمعنى هو أن الجيش قام بمسح المناطق من دون أن يفرّق بين هذا أردني أو فلسطيني. يريد استعادة السيطرة على الأمن وفقط.

كل ذلك اضطرني إلى إرسال أسرتي إلى منزل والدي ووالدتي في محافظة إربد شمال المملكة.

الملك حسين يتفحص دبابة إسرائيلية خلفتها قوات الاحتلال خلال معركة الكرامة (غيتي)

ألم يتدخل الجيش السوري وأدخل قوات عسكرية إلى محافظات الشمال؟

- نعم. عندما دخل الجيش السوري إلى مناطق من شمال البلاد، كانوا يرفعون أعلام منظمة التحرير الفلسطينية على الدبابات السورية. عرفنا لاحقاً بأن قرار تحرك الجيش السوري كان قراراً سياسياً من حزب «البعث»، وأن حافظ الأسد الذي كان وزيراً للدفاع استجاب للقرار مضطراً، وبالأخير تراجعت الدبابات السورية.

وماذا عن تدخل العراقيين؟

- العراقيون كانوا موجودين، لكنهم لم يتدخلوا، هناك ما يجب قوله في هذا المجال.

أولاً: ما سمعته من العراقيين بأن الدولة والقوات العراقية الموجودة، لم يكن في خاطرها أو نواياها أي مشاركة في عملية تستهدف إنهاء الحكم الملكي الهاشمي في الأردن. وذلك قطعاً بسبب أن العراقيين لا يريدون حمل مسؤولية القضية الفلسطينية وأعبائها من اتصالات سياسية دبلوماسية أو من حيث التعامل مع الفدائيين؛ لذلك كان تقديرهم بأنهم لا يريدون المشاركة في مغامرة غير محسوبة.

ثانياً: ما فهمته من رواية أخرى، لكن لا أستطيع تبنيها. وهي أن قيادة العمليات في الجيش تسلمتها شخصية باكستانية، فكان الرئيس ضياء الحق يتسلم العمليات في القيادة، وكان يرسل برقيات وضعت كثيراً من القوات العراقية وغيرها في حالة ارتباك أوهمتهم أن هناك وحدات عسكرية ضاربة سيصطدمون معها أو ستهاجمهم، فأخذت القوات العراقية وضع الاحتياط والتحفز أكثر من وضع الهجوم.

وعرفنا لاحقاً أن وفداً من «فتح» وكان من بينهم أبو إياد زار العراق معاتباً. فقابلهم أحمد حسن البكر وتحدثوا بصراحة متناهية، مقدمين اللوم على الحكومة العراقية، فرد عليهم البكر: «إحنا يا إخوان دولة لها روح واحدة. إذا غلطت غلطة جوهرية تنتهي، أنتم مثل (البزون) على رأي العراقيين أي القطط، لكم سبع أرواح إذا راحت روح تيجي غيرها، فتستطيعون عمل ما بدا لكم. أما نحن لا نستطيع نكون مثل البزون. نحن دولة مش قطة لها سبع أرواح. الغلطة تأخذنا إلى الأبد؛ ولذلك ما حد يعطينا نصائح، ومع السلامة».

هل تعتقد أن ظلم الجيش الأردني برواية «معركة الكرامة» والترويج للفدائيين فقط جعلها مصدر الشرعية لعرفات وللمنظمة؟

- والله لا أعلم، إن كانت فقط بحدود الشرعية لياسر عرفات بعد «معركة الكرامة». المشكلة أن عرفات نال شرعيته على حساب الجيش الأردني الذي قاتل ببسالة وصمود. وأعيد وأكرر أن الجيش الأردني، بسلاح مدفعيته وليس بسلاح الجو والطيران، هزم إسرائيل.

لقد روى لي المرحوم محمد بشير إسماعيل، وكان مديراً للاستخبارات العسكرية، أن إحدى آليات الجيش الإسرائيلي التي تمركزت في منطقة الشونة الجنوبية، وهي تابعة للقيادة الإسرائيلية، والتي تركها الإسرائيليون قبل تراجعهم، وجدوا داخلها وثائق، وبعد مصادرتها وتحليلها تكشفت الخطة الإسرائيلية التي أرادت أن يتحرك الجيش الإسرائيلي من الكرامة ثم غور الأردن ارتفاعاً نحو جبال السلط، وصولاً إلى منطقة السرو القريبة من عمّان، ومن هناك يتم فرض التفاوض مع الحكومة الأردنية.

جندي إسرائيلي يفخخ موقعاً فلسطينياً في الأردن خلال معركة الكرامة في 21 مارس 1968 (غيتي)

كانت هذه خطتهم بعد أن ينهوا موضوع المنظمات الفدائية كاملة؛ لأن المنظمات الفدائية تركت مواقعها التي قاتلت بالكرامة. هنا لا ننكر بأن بعض المنظمات الفدائية الفلسطينية قاتل عناصرها ببسالة، ومنهم من استشهد ومنهم من ترك موقعه وتراجع، ومنهم من اختفى. هناك بطولات كانت من الجانبين، لكنها كانت فردية من قِبل الفدائيين والمقاومة؛ وهذا حتى لا نكون ظلمنا أحداً.

من يتحمَّل مسؤولية ما حدث في أيلول؟

- الذي أعلن نفسه سلطة فوق السلطة. بمعنى أن لا سلطة فوق سلطة المقاومة. الذي أراد قيام سلطة غير السلطة الشرعية بالمملكة، ومن تدخل في كل شيء حتى بالمحاكم الشرعية بالزواج والطلاق. الذي يقطع الطريق على الناس في المدن والقرى والذي يعتقل الضباط والجنود وهم متوجهون إلى أسرهم خلال إجازاتهم. كل هؤلاء يتحمّلون المسؤولية. الذين حاولوا التصرف كأنهم أمن وجيش داخل مقار التنظيمات والتي أصبحت بديلاً عن مؤسسات الدولة.

لقد كانت هناك دولة موازية، من الأغوار بصفتها خط مواجهة مع العدو إلى عمّان. من فعلوا ذلك هم الذين يتحمّلون المسؤولية.

من كان يُهدّد من يرتكب مخالفات في عمّان بإنزال المخالف لمنطقة الغور، ومن المفارقات المضحكة المبكية أن عنصر المقاومة الذي يرتكب مخالفة في عمّان يُهدّد من أبي عمار وجماعته والقيادات التابعة له بإنزاله للأغوار لمواجهة إسرائيل. هذا من يتحمّل مسؤولية. من فتح مقار له ومكاتب مارست نشاطاتها بالطول والعرض في عمّان بعد نقلها من الأغوار. هذا الذي يتحمل المسؤولية.

هل كان لديكم قلق في أحداث 1970 من سقوط الدولة؟

- في المخابرات العامة لم يكن هناك قلق من ذلك، وكنا نعتقد أن هذه أزمة أيام وستنتهي وسيُفرض النظام وكل شيء سيعود لطبيعته.

لقد وقعت بيد الجيش الأردني خطة وجدوها عند قائد جيش التحرير في عمّان قائد «الكفاح المسلح» تفيد بتقسيم عمّان لمناطق لمنع الجيش من دخولها. لذلك؛ كان الدور للجيش في «معركة الكرامة» وأحداث أيلول.

هل كان صعباً على الملك أخذ القرار بهذا الشأن؟

- القرار تأخر كثيراً، هذا الكلام كنا نسمعه دائماً وأبداً، وكان يسمعه من الجيش وكان يسمع عبارات قاسية من الجنود وضباط الصف. كان الراحل الحسين يسمع شبه إهانات، مثل: شو اللي قاعد بتعمله فينا؟ ليش تارك الأمور هيك؟

وبهذا الشكل حسم القرار بالمواجهة. فالجيش شعر بمرارات الإهانة من مسلكيات الفدائيين وسلوكهم في بث الفوضى وأنهم سلطة فوق سلطة الدولة.

هل تعاملت مع ملف وديع حداد؟

- وديع حداد كان مشهوراً عندما كنت مديراً للمخابرات، وهو من كان وراء إرسال صواريخ لضرب طائرة الملك حسين خلال أعوام 1975 و1976 و1977. أرسل حداد صاروخاً للأردن مع مجموعة يقودها مواطن أردني الجنسية اسمه بريك الحديد، وهو من عشيرة معروفة في عمّان، وكان منتمياً إلى «الجبهة الشعبية». وقد كانت مجموعة تابعة له ترصد طائرة الملك حسين. وكان المقصود ضرب الطائرة بصاروخ بمعرفة القذافي وموافقته.

لقاء بين الملك حسين ومعمر القذافي على هامش قمة عربية في القاهرة عام 1970 (أ.ف.ب)

هل هذه معلومات المخابرات وقتها؟

- 100 في المائة. القذافي شخصياً زوَّدهم بهذا الصاروخ وتم نقله إلى الأردن، وقد رصدت المخابرات جميع تحركات المجموعة بقيادة بريك الحديد منذ اللحظة الأولى. وقد ألقي القبض على المجموعة لاحقاً، واضطررنا إلى إبلاغ الملك حسين.

وبالفعل، طارت طائرة الحسين في الموعد المقرر لها من مطار ماركا العسكري؛ وتحسباً لأي مفاجأة طارت بعكس الاتجاه الذي كان محدداً لمسارها، مع استخدام أجهزة للتشويش على أي صاروخ يستهدف الطائرة التي على متنها الراحل الحسين.

هل عرف القذافي بأنكم كشفتم محاولة اغتيال الملك الحسين؟

- في تلك الأيام كان مضر بدران - رحمه الله - رئيساً للديوان، وطلب جميع الوثائق المتعلقة بالمحاولة وصورة الصاروخ الذي تم ضبطه. وغادر إلى ليبيا لمقابلة القذافي، وعند مواجهته بكل ما بحوزة بدران من معلومات، أنكر القذافي علمه بالأمر. وقال: أنا ما معي خبر.

جماعة وديع حداد يحركها القذافي؟

- ساعدهم في هذا الموضوع؛ لأنه من المهم عند القذافي وجود أشخاص يقومون بمثل هذه العمليات.

هل كنتم كمخابرات تخترقون جماعة وديع حداد؟

- عندما نكون مسيطرين على مثل هذه العملية من الألف إلى الياء ماذا يمكن أن تقول!

ألم يكن كارلوس تحت متابعتكم؟

- طبعاً؛ لأن كارلوس كان يبحث عن أذرع في المنطقة ولم يكن يعمل منفرداً.

كانت المخابرات الأردنية تتابع كارلوس حتى بالسودان؟

- طبعاً، هناك تحديث للمعلومات أولاً بأول.

ماذا عن وديع حداد وخطف الطائرات؟

- تلك الحادثة كانت بمثابة «القشة التي قسمت ظهر البعير». ولا شك بأن تلك الحادثة كانت وراء دخول الجيش، وما تبع ذلك من تداعيات. ولك أن تتخيل أي حال وصلنا إليه، فبعدما خطفوا الطائرات، عقد الخاطفون مؤتمراً صحافياً في فندق الأردن، وتحدث جورج حبش في المؤتمر الصحافي في عمّان ليعلن عن العملية.

ألم يكن لدى دائرة المخابرات أي معلومات عن خطة خطف الطائرات؟

- لا. ثم أمام كل تلك الفوضى في تلك الأيام ماذا ستقول عن حالة أشبه بالفلتان الأمني.

كانت هناك مجموعة يابانية ومجموعة ألمانية. هل كان هناك تنسيق مع المخابرات الألمانية وتبادل معلومات حول تلك المجموعات؟

- أي معلومات متوفرة لدينا كانت متاحة للقنوات مع كل الأجهزة التي نتبادل معها المعلومات.

ما هي قصة أبو داود وتخطيطه لخطف وزراء رهائن في الأردن؟

- في تلك الفترة شهدت الحركات الإرهابية ازدهاراً في العالم، وأذكر جيداً بأني زرت روما تمهيداً لزيارة الراحل الملك الحسين للفاتيكان. غادرت وكنت وقتها نائباً لمدير المخابرات، ومعي فتحي أبو طالب، وكان وقتها نائباً لمدير الاستخبارات العسكرية ولاحقاً تسلم رئاسة هيئة الأركان وحمل رتبة مشير - رحمه الله. طبعاً زيارتنا هي زيارة أمنية وكانت في عام 1973؛ تمهيداً لزيارة الملك الحسين. وبعد وصولنا زرنا في روما شخصاً يماثل مدير المباحث العامة وهو جنرال.

وعندما دخلنا عليه وكأننا قادمون لقبض روحه، كان متشائماً جداً عند دخولنا، فطلب لنا قهوة وكان متوتراً للغاية، فسألناه عن تقديره للموقف الأمني خلال فترة زيارة الراحل الحسين ونصيحته؛ لأن الوضع الأمني صعب والحركات الإرهابية كانت في عنفوانها.

فكان جواب الرجل مختصراً ومفيداً. وقال أرغب في إجابتكم من الآخر. أنتم متخصصون وتعلمون بمواضيع الأمن، خصوصاً لكبار الضيوف من كبار الشخصيات. وزاد بقوله: أنا أجلس في هذه العمارة بالطابق الخامس، ولا أدري بأي لحظة ستنفجر بي، فلا أملك أي ضمانة حيال ما طلبتم مني. فلا سيطرة لنا على الأمن بأي صورة من الصور.

طبعاً شكرناه وغادرنا وبعثنا ببرقية مشفرة للقيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية ننصح بعدم زيارة الملك للفاتيكان.

هل اخترقتم مجموعة وديع حداد، وهل استطعتم اختراق منظمة «أيلول الأسود»؟

- نعم، بالتأكيد.

من كان زعيم «أيلول الأسود»؟

- أبو إياد كان مسؤول «أيلول الأسود» ومعه أبو يوسف النجار.

لا أتذكر الآن، لكن هذه خلية أُنشئت لغرض محدد، وهو اغتيال وصفي التل، وتنفيذ عمليات أخرى. لكنهم بالأردن لم ينفذوا أي شيء؛ لأنهم لم يقدروا.

هل تعتقد أن أبو إياد كان مسؤولاً عن اغتيال وصفي التل؟

- لا أدري، لكنه هو مسؤول «أيلول الأسود»، وهذه المسؤولية مسؤولية قيادة «فتح».

هل قابلت أبو داود؟

- بالمناسبة، أبو داود من الذين عملوا نقداً ذاتياً لحركة «فتح» هو ومجموعة معه. وكان موضوعياً إلى حد كبير جداً في عملية النقد الذاتي.

إذن، دعنا نتذكر قصة أبو داود بقليل من التفاصيل؟ فمتى عرفتم بأن أبو داود يخطط لعملية بالأردن؟

- قد يكون ذلك في منتصف عام 1972. فقد توفرت معلومات أن أبو داود ومعه مجموعة تريد دخول الأردن من بغداد.

وأن مجموعة من قيادة «فتح» خططت لهذه العملية، وتم اختيار أبو داود لقيادتها.

هل عرفتم أنه تم اختيار أبو داود لقيادتها؟

- نعم، من البداية.

أي أنكم اخترقتم «أيلول الأسود»؟

- نحن اخترقنا «فتح». فهذه العملية لا علاقة لها بـ«أيلول الأسود»، وهي عملية خاصة، فقد أُسنِدت إلى أحد الضباط في العمليات ولمساعد نائب مدير المخابرات للعمليات وكان طارق علاء الدين - رحمه الله. وكان نذير رشيد - رحمه الله - مديراً للمخابرات، وكنت نائباً لمدير المخابرات.

وباختصار، تمت متابعة العملية قبل دخولها للأردن من بغداد، وقد دخلت المجموعة تركب سيارات مرسيدس، وكانوا يلبسون اللباس العربي التقليدي. وكان مع أبو داود امرأة ادَّعى أنها زوجته وهي ليست زوجته.

وكانوا يخبئون أسلحة بالسيارات الثلاث، وقد أخفوا الأسلحة بطريقة فنية؛ لكي لا ينكشف الأمر، وقد خزَّنوا الأسلحة بمقاعد السيارات نفسها.

بطبيعة الحال، كانوا يحملون جوازات سفر مزورة. لكن مع ذلك تم ترتيب إلقاء القبض عليهم. وبحكم تفتيش المركبات من جهتنا الحدودية مع العراق، اشتُبه بهم، وبالتالي تم اقتيادهم للدائرة. وجرى تفتيش المركبات تفتيشاً دقيقاً وتفككت كل المركبات، وتم جمع الأسلحة كاملة، فسلم أبو داود بالأمر.

وبطبيعة الأمر، عندما تكتمت المخابرات على العملية ولم تعلن عن إلقاء القبض على عناصرها، ولم تكن قيادة «فتح» تعلم أن العملية انكشفت وقد تم توقيف جميع عناصرها. حاولت «فتح» عبر إذاعتها التمويه على مكان وجود أبو داود وزعموا بأن أبو داود بطل عمليات طبرية والقدس. وبعد أن انكشفت العملية أطلقوا على أبو داود لقب «نخلة عمّان». ثم بدأ التحقيق معه، وكان رجلاً واقعياً ولم نحتج إلى وقت طويل حتى قدّم اعترافاته. فعندما شعر بأن الأمور كانت مكشوفة لنا بالكامل كان الرجل واقعياً. فقال: «يا جماعة خلص. يعني الأمور واضحة».

أبو إياد يقول إن أبو داود تعرَّض لتعذيب؟

- لم يمس أحد شعرة منه. وهو رجل كان يفهم تماماً طبيعة الظروف بعد العثور على الأسلحة وجوازات السفر المزورة. لذلك؛ أدلى باعترافات كاملة، وأن العملية كانت تهدف إلى احتجاز مجلس الوزراء الأردني أثناء انعقاده ووضعهم رهائن؛ من أجل التفاوض على إطلاق متهمين خطرين كانوا معتقلين بالأردن وهم من منظمة «فتح». وتم تدوين إفادته كاملة وانتهى الموضوع.

لم تنته الأمور عند ذلك. بل قيل عن لقاء جمع الملك الحسين بأبو داود في دائرة المخابرات العامة؟

- في تلك الأيام كان محمد رسول الكيلاني، وهو أول مدير لجهاز المخابرات عند تأسيسه، في زيارة للملك الحسين. وطلب منه إعادة فتح ملف التحقيق مع أبو داود؛ لأن لدى الرجل معلومات مهمة. الملك حسين لسبب أو لآخر اقتنع وطلب من مدير المخابرات نذير رشيد أن يسمح لمحمد رسول الكيلاني بالاطلاع على ملف الاعترافات. لم يعجب ذلك المرحوم رشيد؛ لأن الأمر فيه تقليل من شأن الضباط المحترفين الذين حققوا مع أبو داود.

في تلك الأثناء قام والد ووالدة أبو داود بزيارة لمنزل محمد رسول، طالبين منه أن يلتقيا بالملك الحسين، ليطلبا منه العفو عن ولدهما، وفعلاً بعدها جاء الراحل الحسين وقابل أبو داود وسمع اعترافه.

أبو داود اعترف أمام الملك حسين؟

- الملك الحسين قرأ اعترافات أبو داود كاملة وبعدها قابله.

بماذا تحدثنا عن تفاصيل هذه اللحظات الإنسانية؟

- قابل الراحل الملك الحسين والد ووالدة أبو داود في دائرة المخابرات العامة، وقبلها كان الوالدان التقيا ولدهما الذي ظل سجيناً لفترة من الوقت. استجاب الراحل الحسين لاسترحام الأب والأم. وبعدها التقى أبو داود بمفرده.

وبعدما أحيل نذير رشيد إلى التقاعد وأعيد محمد رسول الكيلاني للخدمة مرة ثانية حاول إعادة فتح التحقيق والتوسع، لكنه لم يجد ثغرة تسمح له بإعادة فتح الملف. لكن الملك الحسين كان قد وعد الأب والأم بالإفراج عن ابنهما. وبعد فترة قصيرة تم الإفراج عنه.

وبتقديري، وهذا ما لمسته، بأن أبو داود تأثر من موقف الراحل الحسين ومعاملته الطيبة لوالديه وعفوه عنه. ولم يعد بأي تهديد للأردن أو القيام بأي عمل مستقبلي ضد الأردن.

أبو داود بين شرطيين فرنسيين بعد توقيفه لفترة قصيرة في مطار أورلي بباريس عام 1977 (أ.ف.ب)

بالنسبة لمحمد رسول لم يمكث طويلاً بفترته الثانية في إدارة الجهاز. فالمدة التي غاب فيها عن الدائرة شهدت الكثير من التطورات، وقد تقدمنا فنياً في العمل الاستخباري، كما أن التحديات اختلفت عما كان موجوداً في زمنه. كما زاد عدد الضباط زيادة ملحوظة وأصبح في الجهاز فرق وخبراء مختصون، أي أن المناخ اختلف وأصبح هناك احترافية في العمل.

نتيجة لذلك؛ حدث ارتباك في العمل وصرنا قلقين على مصير العمليات الاستخبارية نفسها؛ لأن العقلية القديمة مع الحداثة التي حصلت في الجهاز تسبب بإرباكات كثيرة. وقد حصل جفاء بيننا كضباط وأفراد، ولم نعد مرتاحين في هذه الأجواء، ففكرت مع المرحوم طارق علاء الدين بالاستقالة. وعندما وصل هذا الكلام للراحل الحسين زار دائرة المخابرات بشكل مفاجئ. وكان مكتبي يقع مقابل مكتب محمد رسول، وكان مكتب طارق بعدي مباشرة. دخل الحسين لمكتب محمد رسول وكان معه الشريف زيد بن شاكر. بعد نحو نصف ساعة خرج الحسين وقد استقبلته أمام مكتبي، فسلم عليّ وعلى وطارق علاء الدين. وقف معنا وجاملنا بكلمات لطيفة وغادر.

بعد أسبوع صدرت الإرادة الملكية بإحالة محمد رسول الكيلاني - رحمه الله - على التقاعد، وتعيينه مستشاراً للأمن القومي في الديوان الملكي، كما صدرت الارادة الملكية بتعييني مديراً للمخابرات في الأول من سبتمبر 1974.

هل كان الملك الحسين حريصاً على زيارة الجهاز واللقاء مع كبار ضباطه؟

- كانت علاقته بالدائرة علاقة مباشرة، ويجتمع بنا باستمرار ويستمع ليس لمعلوماتنا، بل لآرائنا الشخصية كذلك.

ثم بعد ذلك أصبحت علاقة الراحل مع الجهاز من خلال المدير، وهو الذي يرفع التقرير للملك مباشرة، كما يقدم التقرير الأمني لرئيس الوزراء بموجب أحكام القانون.

بالنسبة لي كنت أقدم تقارير لرئيس الحكومة وأقابل الملك أيضاً. لكن أمام الملك قد يكون من الواجب التوسع في شرح بعض القضايا شفاهة؛ حتى لا يتم تداول تلك المعلومات بين الموظفين. وكنت أقابل الملك باستمرار.

عندما يُطلب مني تقديم عرض أمني أمام الملك، كان الراحل الحسين يستدعي وقتها ولي عهده الأمير الحسن، كما يحضر مستشارو الملك وقيادات الجيش والأمن العام ورئيس الديوان ورئيس الحكومة. وطبعاً يكون العرض للتقرير الأمني فيه شرح للأوضاع الأمنية وأي تحديات خارجية أو داخلية.


مقالات ذات صلة

الشرع: الجولان أرض سورية... وأي وضع غير ذلك باطل

شؤون إقليمية الرئيس السوري أحمد الشرع خلال جلسة حوارية في منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا الجمعة (إعلام تركي)

الشرع: الجولان أرض سورية... وأي وضع غير ذلك باطل

أكد الرئيس أحمد الشرع أن سوريا تدفع باتجاه استقرار المنطقة وحل المشكلات عبر الحوار والدبلوماسية والابتعاد عن الصراعات والنزاعات.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية فيدان متحدثاً خلال مقابلة صحافية الاثنين 13 أبريل (إعلام تركي)

تركيا تستبعد تشكيل آلية أمنية ثلاثية مع سوريا وأوكرانيا

استبعدت تركيا تشكيل آلية أمنية ثلاثية مع سوريا وأوكرانيا، محذرة من مخاطر إسرائيلية مؤجلة لما بعد حرب إيران.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية جانب من مباحثات وزيري الخارجية التركي هاكان فيدان والسوري أسعد الشيباني في أنقرة الخميس (الخارجية التركية)

تركيا وسوريا إلى شراكة استراتيجية تدعم إعادة الإعمار والاستقرار

تتحرك تركيا وسوريا باتجاه تحقيق شراكة استراتيجية تغطي جميع مجالات العلاقات بين البلدين، ودعم مرحلة إعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية مركبات عسكرية إسرائيلية على الجانب الإسرائيلي من الحدود الإسرائيلية - اللبنانية (رويترز)

وزير خارجية إسرائيل: لا نخطط لإجراء محادثات مباشرة مع الحكومة اللبنانية

قال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إن إسرائيل لا تخطط لإجراء محادثات مباشرة مع الحكومة في لبنان خلال الأيام المقبلة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي سيدة تنتحب بعد مقتل 3 فلسطينيين في رام الله جراء هجمات المستوطنين الإسرائيليين (أرشيفية - رويترز) p-circle

مقتل 4 أفراد من عائلة واحدة في الضفة الغربية بنيران الجيش الإسرائيلي

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية أن رجلاً فلسطينياً وزوجته وطفليهما الصغيرين قُتلوا، اليوم (الأحد)، بنيران الجيش الإسرائيلي في شمال الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع الفلسطيني، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وحظي قرار سلطات كوسوفو بموافقة البرلمان الذي صوّت بالإجماع على تشريع يجيز انضمام عناصر من قوى الأمن في كوسوفو إلى قوّة دولية لإرساء الاستقرار بقيادة أميركية، في حال تشكّلها.

وقد تضمّ هذه البعثة في المجموع نحو 20 ألف جندي، بينهم 8 آلاف إندونيسي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ولا يحدّد التشريع عدد العناصر الذين يمكن إرسالهم إلى غزة. وحسب وسائل الإعلام، تعتزم الحكومة إرسال 22 عنصراً.

أما في البوسنة فقد تطرّق وزير الدفاع، زوكان هيليز، إلى هذه المسألة خلال اجتماع في واشنطن مع المسؤول عن الشؤون السياسية العسكرية في وزارة الخارجية الأميركية، ستانلي براون.

وقال هيليز في بيان: «بلغت التحضيرات لهذه المهمّة مرحلة متقدّمة، ونتوقّع أن يشارك فيها أكثر من 60 عنصراً من القوّات المسلّحة في البوسنة والهرسك. وهذا إسهام ملحوظ من بلدنا في السلم والأمن الدوليين».

وقد حظيت مشاركة البوسنة في هذه القوّة بموافقة السلطات في يناير (كانون الثاني).

والتأم «مجلس السلام» الذي أُنشئ أساساً للمساعدة في إعمار غزة بعد الحرب بين إسرائيل وحركة «حماس»، للمرّة الأولى في واشنطن في فبراير (شباط)، بغية مناقشة سبل تمويل هذه المبادرة وإيفاد عسكريين أجانب إلى القطاع.

وتعهّدت، حينها، إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا، المشاركة في القوة.

وما زال تنفيذ هذه المرحلة من خطّة السلام الأميركية في النطاق الافتراضي، مع تمسّك كلّ من إسرائيل و«حماس» بمطالب متناقضة، وتبادلهما التهم بخرق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 بعد سنتين من حرب طاحنة شهدها القطاع الفلسطيني، إثر هجوم غير مسبوق لـ«حماس» على الدولة العبرية في 7 أكتوبر 2023.


عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
TT

عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)

وجّه الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم (الجمعة)، كلمة إلى اللبنانيين بعد دخول وقف إطلاق النار مع إسرائيل حيّز التنفيذ، شكر فيها «كل من أسهم في الوصول إلى هذا الهدف، من الدول الشقيقة والصديقة والرئيس الأميركي دونالد ترمب والمملكة العربية السعودية وغيرها من الدول».

وشدد على أن ما تم التوصل إليه «كان خلاصة جهود الجميع، وثمرة التضحيات التي قدمتموها فأيقظت ضمير العالم، وجهود كل من استضاف أو احتضن أخاه في الوطن، وجهود جبارة، بذلها كل المسؤولين اللبنانيين، مع كل أشقائنا وأصدقاء لبنان في العالم».

وأضاف: «تحمّلنا اتهامات وإهانات وتجنياً وأضاليل، ولم نتراجع حتى ظهر أننا على صواب، وحتى تأكّد للعالم كله أنّ ما قمنا به كان الأصلح وهو الأصوب... متأكدون من أننا سنتعرض في المرحلة المقبلة التي ستشهد الانتقال من وقف إطلاق النار إلى العمل على اتفاقات دائمة، لكل الهجمات لسبب بسيط؛ أننا استعدنا لبنان وقرار لبنان للمرة الأولى منذ نحو نصف قرن. نحن اليوم نفاوض عن أنفسنا، ونقرّر عن أنفسنا، لم نعد ورقة في جيب أي كان، ولا ساحة لحروب أي كان، ولن نعود أبداً».

وشدد على أن هذه المفاوضات «ليست ضعفاً وليست تراجعاً وليست تنازلاً؛ بل هي قرار نابع من قوة إيماننا بحقنا، ومن حرصنا على شعبنا، ومن مسؤوليتنا في حماية وطننا بكل الوسائل، خصوصاً من رفضنا أن نموت من أجل أيٍ كان غير لبنان. المفاوضات لا تعني ولن تعني يوماً التفريط بأي حق، ولا التنازل عن أي مبدأ، ولا المساس بسيادة هذا الوطن».

وإذ أكد استعداده للذهاب حيثما كان «لتحرير أرضي وحماية أهلي وخلاص بلدي»، أوضح أن مهمته واحدة واضحة محددة؛ وهي إنقاذ البلد وشعبه. وقال: «لن أسمح بأن يموت بعد اليوم لبناني واحد، أو باستمرار النزف من أهلي وشعبي، من أجل مصالح نفوذ الآخرين أو حسابات محاور القوى القريبة أو البعيدة، وبين الشعارات المضلّلة التي تدمّر، والخطوات العقلانية التي تعمّر، أنا وشعبنا مع العقلانية. أنا أدرك أنكم معي، لأنني أعرف حجم التضحيات التي قدمتموها، وأعرف معنى أنْ يفقد الإنسان أحبّته أو بيته، أو شعوره بالأمان».

وأكد أنه «لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية، أو ينتقص من كرامة الشعب الصامد، أو يفرط في ذرّة من تراب هذا الوطن». وحدد أهداف المرحلة المقبلة على النحو الآتي: «وقف العدوان الإسرائيلي على أرضنا وشعبنا، والانسحاب الإسرائيلي، وبسط سلطة الدولة على كامل أرضها بقواها الذاتية حصراً، وعودة الأسرى، وعودة ناسنا إلى بيوتهم وقراهم موفوري الأمن والحرية والكرامة».

وناشد اللبنانيين أن «يفتحوا قلوبهم وعقولهم ولا يحجبوا الرؤية عن بصرهم ولا الحكمة عن بصيرتهم، بشعارات الاتهامات والتخوين، فالأوطان لا تبنى بالغريزة؛ بل بالوعي والوحدة والثقة».

وختم: «إننا جميعاً في سفينة واحدة؛ فإما أن نقودها بحكمة حتى نصل بها إلى برّ الأمان، وإما أن نغرقها ونغرق معها جميعاً، ولا يحق لأيّ كان أن يرتكب تلك الجريمة، لا بحجة شعار، ولا بغريزة انتحار، ولا ولاء لغير لبنان وشعبه».


ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

عجَّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في التعبير عن دعمه لوقف إطلاق النار لعشرة أيام بين لبنان وإسرائيل الذي أعلنه، مساء الخميس، الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وكذلك فعل جان نويل بارو، وزير الخارجية الذي وصف «الهدنة» بأنها «تشكل مرحلة أولى ضرورية ومرحّباً بها؛ لأنها توفر للسكان فسحة (من الهدوء) بعد عدة أسابيع من النزاع الدموي في لبنان وإسرائيل»، بيد أن ماكرون سارع للإعراب عن «قلقه» من «أن يكون الاتفاق مهدداً بالفعل بسبب استمرار العمليات العسكرية».

والهم الأول للرئيس الفرنسي، بموازاة الاتفاق توفير الأمن للسكان المدنيين» من جانبي الحدود مع وضع الإصبع على الملف الأصعب الذي يتمثل في «تخلي (حزب الله) عن سلاحه، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي تحتلها بإشارته الى «احترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه ووقف الحرب». وهذه المخاوف عبَّر عنها بارو الذي دعا إلى «الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار» الذي يعني «الامتناع عن أي عمل من شأنه أن يعرّض تنفيذ هذه الهدنة للخطر». وبطبيعة الحال، تريد باريس الذهاب إلى الهدف الأوسع الذي هو «التوصل إلى حل سياسي يشمل الانسحاب الإسرائيلي، ونزع سلاح (حزب الله)، وبما يتيح، على نطاق أوسع، رسم مسار نحو السلام والأمن لكلا البلدين ».

الرئيس دونالد ترمب يتحدث الخميس إلى وسائل الإعلام قبل صعوده على متن مروحية «مارين وان» في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض متوجهاً إلى لاس فيغاس بولاية نيفادا (د.ب.أ)

ولأن فرنسا تعي المخاطر والمطبات التي يمكن أن تعرقل هذا المسار وأهدافه فإنها، وفق ما جاء في إعلان بارو «سوف تظل ملتزمة بشكل كامل، إلى جانب شركائها الأوروبيين والإقليميين والدوليين، بمواكبة العملية الدبلوماسية الجارية».

الدور الفرنسي

أن تشيد باريس بالجهود الأميركية وتحديداً الرئيس ترمب، فلأن ذلك يستجيب لما كانت تطالب به الإدارة الأميركية منذ أشهر طويلة. ودأبت الدبلوماسية الفرنسية على التذكير بأن الجهود التي تبذلها مع واشطن لم تكن تلقى آذاناً أميركية مصغية. من هنا، وأخيراً، فإن اهتمام الرئيس ترمب شخصياً ورعايته اتفاق وقف إطلاق النار يريح فرنسا. وقالت مصادرها إنها لعبت دوراً في «إيصال الرسائل» الى الأطراف المؤثرة في الملف اللبناني بدءاً بالولايات المتحدة والدول العربية الفاعلة، وصولاً إلى الأطراف الأوروبية وأخيراً إلى إيران. وعلم من مصادر رسمية في باريس أن بارو تواصل مع نظيره الأميركي ماركو روبيو بشأن لبنان للنظر في هذه المرحلة وما بعدها.

ليس من العجب أن ترى باريس أن التحديين الرئيسيين اللذين ينتظران السلطات اللبنانية هما من جهة نزع سلاح «حزب الله»، وهو ما التزمت به الدولة اللبنانية، وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها. من هنا، فإن مصدراً سياسياً فرنسيا رأى أن البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية، الخميس، «يميل لصالح إسرائيل» أقله في نقطتين: الأولى، أنه يعطيها الحق في القيام بعمليات عسكرية حتى ضمن مهلة الأيام العشرة لـ«الهدنة» الأمر الذي يذكر بما كان عليه الوضع بعد التوصل إلى اتفاق وقف النار في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2024.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، تذكّر الأمم المتحدة بأن اتفاق 2024 تم انتهاكه 15400 مرة، خصوصاً من جانب إسرائيل بين المدة الممتدة من تاريخ إعلانه وحتى مارس (آذار) الماضي. والنقطة الثانية أن بيان «الخارجية الأميركية» لا يتناول ملف الانسحاب الإسرائيلي، بينما رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، لا يخفي طموحه بالاحتفاظ بشريط محتل داخل الأراضي اللبنانية يمتد إلى ما بين 8 و10 كلم، ومن البحر وحتى جبل الشيخ.

الخطوات المتقابلة

من المعروف أن العلاقات الفرنسية ــ الإسرائيلية لا تعيش أحلى أيامها. وجاءت تصريحات السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة التي قال فيها إنه «كلما ابتعدت فرنسا عن المفاوضات كان ذلك أفضل» لتكشف عن توترات كامنة بين الطرفين رغم الخطوات التي قام بها بارو، ومنها زيارة إسرائيل مباشرة بعد زيارته الأخيرة للبنان، إلا أن هذا الواقع لا يمنع باريس من تأكيد أنها «ستكون إلى جانب لبنان الذي لا يتعين أن يترك وحيداً». وتعي السلطات الفرنسية أن الرئيس جوزيف عون سيكون بحاجة إلى دعم ومساندة في الأسابيع والأشهر المقبلة لكون لبنان واقعاً بين المطرقة الإسرائيلية وسندان «حزب الله». وتخوف باريس أن يكون كل من هذين الطرفين يستخدم الطرف الآخر ليبرر مواقفه؛ حيث إن إسرائيل سترفض الانسحاب ما لم ينزع سلاح «حزب الله»، والأخير لن يتخلى عن سلاحه ما دام الجيش الإسرائيلي لم ينسحب. من هنا، فإن مصادر فرنسية ترى أن الحل يقوم على اقتراح مبدأ «الخطوات المتقابلة» بحيث لا يعاود ارتكاب الخطأ الذي وقع فيه المبعوث الأميركي توم براك الذي طلب من لبنان نزع سلاح «حزب الله» بالكامل قبل أن تقبل إسرائيل الانسحاب من النقاط الخمس التي تمركزت فيها داخل الأراضي اللبنانية؛ لذا، تدعو باريس لـ«خطوات متوازية ومتقابلة»، لكن أمراً كهذا لا يمكن أن يتحقق من غير ضغوط أميركية جدية، الأمر الذي يعيد طرح إشكالية إعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل للقيام بعمليات عسكرية بموازاة المفاوضات في حال قيامها ما سيعني عملياً «التفاوض تحت النار».

نازحون لبنانيون عائدون إلى مناطقهم ومنازلهم في الجنب اللبناني بعد إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان (رويترز)

فرنسا: مساعدة «البلد الشقيق»

تلاحظ السلطات الفرنسية لبلادها دوراً في لبنان الذي تؤكد مصادرها أنه الموضوع الأول الذي تطرحه الدبلوماسية الفرنسية في جميع لقاءاته ومساعيها. وعكست الصحافة الفرنسية مخاوف باريس من أن يكون نتنياهو بصدد فرض «خط أصفر» جديد في جنوب لبنان كما فعل في غزة وسوريا. ووضعت صحيفة «لو موند» في عددها ليوم الجمعة عنواناً بارزاً يشير إلى «تحديات الهدنة الهشة للبنان». ورغم اعتبارها أن «دينامية جديدة» انطلقت مع وقف إطلاق النار، الأولى من نوعها منذ عام 1991، فإنها بالمقابل فصلت التحديات الكبرى التي يطرحها الواقع الجديد: نزع سلاح حزب الله، الانسحاب الإسرائيلي ، ملف النازحين والأسرى وإعادة الإعمار وترسيم الحدود البرية... من هنا، سيكون لبنان بحاجة لكل الإرادات الراغبة في المساعدة وعلى رأسها باريس التي ترى أن لها دوراً في مساعدة السلطات وتقويتها، ودعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. وللتذكير، فإن مؤتمراً كان مقرراً عقده لهذه الغاية، الشهر الماضي، تأجل لأمد غير محدد. كذلك تريد باريس أن تكون همزة وصل بين لبنان وسورياً خصوصا في ملف ترسيم الحدود الشرقية. وفي أي حال، فإن فرنسا عازمة على مواصلة دعم لبنان دبلوماسياً وإنسانياً وعسكرياً، وهو البلد الذي يسميه ماكرون «البلد الشقيق».