مارتن رينولدز
سفير المملكة المتحدة لدى ليبيا
TT

ليبيا على أعتاب التغيير... لكن نجاحه مرهون بالتعاون

شكّلت عودتي إلى ليبيا في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بصفتي السفيرَ البريطاني فرصةً للتأمل في حجم التغييرات التي شهدتها البلاد منذ زيارتي الأولى عام 2010 ضمن الوفد البريطاني إلى القمة الأوروبية - الأفريقية. وكانت تلك فرصةً قصيرة، لكنَّها مرحّب بها، للتجوّل في أزقة المدينة القديمة بطرابلس، وتأمل قوسِها الروماني المذهل العائد إلى القرن الثاني الميلادي، ومزيجها الغني من العمارة الإسلامية والطراز الإيطالي.

وفي السنوات التالية، زرت ليبيا مرتين وسط مشهد سريع التغيّر شمل حربين أهليتين، وصعود تنظيم «داعش»، ثم سقوطه، ومحاولات متعددة لتوحيد البلاد. وقد سُررت بالعودة بصفتي سفيراً في وقت أصبح فيه السفر خارج العاصمة أكثر سهولة. وأثناء سفري على الطريق الساحلي إلى بنغازي ومصراتة، وزيارتي المواقع التاريخية في صبراتة ولبدة الكبرى وقورينا، رأيت حجم التغيّر منذ ذروة النزاع. فطرابلس وبنغازي باتتا شبه مختلفتين تماماً، وتمتلئان بمشروعات بناء جديدة. كما شهدت سرت، التي كانت قبل سنوات قليلة مركزاً لمعارك ضارية، تحولاً بدورها. لكن الأسس السياسية والاقتصادية في ليبيا لا تزال هشة. فالفساد المتجذر وغياب الشفافية يعنيان أن جزءاً كبيراً من موارد الدولة الهائلة الناتجة من احتياطات النفط يُساء استخدامه. ولا تزال الاشتباكات مستمرة في أنحاء البلاد بين الميليشيات المسلحة والعصابات الإجرامية. كما أن مؤسسات سيادة القانون ليست مخوّلة بما يكفي لمحاسبة مرتكبي أعمال العنف. وتبقى الحياة صعبة بالنسبة إلى كثير من الليبيين، في ظل تراجع قيمة العملة.

ويقف خلف كل ذلك انقسام سياسي عميق بين شرق ليبيا وغربها، كرّس أنظمة حكم غير مستدامة، وجعل من الصعب تحقيق الإمكانات الكاملة للبلاد.

وإمكانات ليبيا هائلة بالفعل؛ فهي تتمتع بموقع استراتيجي في قلب البحر الأبيض المتوسط وعلى امتداد القارة الأفريقية، إضافة إلى احتياطاتها الضخمة من النفط والغاز، وسكانها المتنوعين والموهوبين وذوي التعليم العالي. ويمكن لليبيا - بل ينبغي لها - أن تكون مزدهرة مثل أي دولة أخرى في المنطقة.

تلتزم المملكة المتحدة بدعم ليبيا لاتخاذ خطوات حاسمة نحو دولة موحدة ذات حكومة فعالة تخدم جميع مواطنيها. وكان هذا الهدف المشترك لكثير من الأطراف الليبية والشركاء الدوليين على مرّ السنوات. ومع ذلك، ظل التقدم نحو حل سياسي مستدام بعيد المنال. لكن في ظل اقتصاد عالمي يزداد تقلباً، فإن التغيير قادم إلى ليبيا. والسؤال هو ما إذا كان القادة الليبيون مستعدين لتوجيه هذا التغيير نحو تقدم دائم.

وهناك مؤشرات مشجعة؛ إذ اتفق مجلسا النواب و«الدولة» الليبيان مؤخراً على أول ميزانية موحدة منذ أكثر من 13 عاماً، ما يعزز الآمال ببدء مرحلة جديدة من الانضباط المالي. كما ينخرط الفرقاء الليبيون بشكل بنّاء مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بقيادة هانا تيتيه، الممثلة الخاصة للأمين العام، سعياً إلى حل سياسي مستدام. وينبغي للمجتمع الدولي البناء على هذا الزخم، وتعزيز دعمه الكامل لجهود الأمم المتحدة، فضلاً عن المبادرات الأخرى الهادفة إلى تحقيق تقدم سياسي واقتصادي. وبصفتها حاملة القلم في مجلس الأمن بشأن ليبيا، تظل المملكة المتحدة ملتزمة بتوحيد الجهود الدولية رغم التحديات.

ويتمثل جزء مهم من دوري في تعزيز الانخراط البريطاني مع مختلف مكونات المجتمع الليبي. وخلال الأشهر الستة الأولى لي في ليبيا، كان من المستحيل تجاهل الإمكانات غير المستغلة للتعاون في مجالات التعليم والتدريب والخبرات التقنية. وهذه من نقاط القوة التقليدية للمملكة المتحدة، وهي مطلوبة بشدة. وهناك فرصة حقيقية للمساعدة في تعزيز المؤسسات الليبية ورعاية الكفاءات المحلية.

ويتعين على ليبيا وشركائها الأوروبيين أيضاً العمل معاً لتفكيك شبكات العائدات غير المشروعة التي تثري المجرمين داخل مجتمعاتنا جميعاً. والأولوية التي هي أكثر إلحاحاً تتمثل في مكافحة شبكات تهريب البشر والاتجار بالبشر التي تشجع تدفق المهاجرين إلى ليبيا، ومنها إلى أوروبا. فالتكلفة الإنسانية لهذه التجارة مروعة، والعبء الذي تفرضه على المجتمعات الليبية المحلية لا يمكن تحمله. ونحن ملتزمون بالعمل مع ليبيا للمساعدة في تعزيز قدراتها على إدارة الحدود، والحد من تدفق المهاجرين إلى هذا البلد وما بعده.

وفي بلد ديناميكي وغني بالموارد مثل ليبيا، فإن التغيير أمر لا مفر منه. لكن التقدم المستدام لن يتحقق إلا من خلال تعاون الليبيين مع بعضهم، والعمل إلى جانب شركاء دوليين داعمين. وأنا مصمم على استغلال فترة عملي في ليبيا للإسهام في هذا المسار، وأومن بقوة بأن ليبيا قادرة على تجاوز تحديات العقود الماضية والمضي قدماً.

* سفير المملكة المتحدة لدى ليبيا