شوقي الريّس
صحافي وكاتب لبناني في صحيفة «الشرق الأوسط». عمل مراسلاً دولياً في أوروبا وأميركا اللاتينية لعدد من أبرز الصحف والمجلات العربية، بينها «المجلة» و«الحياة» و«النهار» و«المستقبل». يكتب أيضاً في صحيفتي El Paísالإسبانية وLa Repubblicaالإيطالية. يحمل إجازة في العلوم السياسية ودكتوراه دولة في العلاقات الدولية من جامعة مدريد، وعمل مترجماً شخصياً للعاهل الإسباني الملك خوان كارلوس الأول على مدى 16 عاماً. كما يدرّس مادة المنظمات الدولية في جامعة بيروت اليسوعية، وجامعة مدريد المستقلة، وجامعة جنيف.
TT

مفكرة الأسفار: روما الساحرة المنهكة

استمع إلى المقالة

المدينة الخالدة... متحفٌ مترامي الأطرافِ في الهَواء الطَّلق... إليهَا كلُّ الطرقِ تؤدّي... عاصمة أطولِ إمبراطورية عرفَها العالم، انطلقت من بلدة صغيرة على ضفافِ نهر التيبر، وامتدَّت طيلة خمسة عشر قرناً حتى وصلت إلى قلبِ المشرق العربي في دمشقَ وإلى أقاصي المرتفعات الاسكوتلندية في الشمال الغربي، وأحكمت قبضتها على كلّ شبر من حوض البحر المتوسط، قبل أن تنهارَ في دوّيّ هائل تركَ خلفَه دماراً لا يُحصَى وجمالاً فاتناً تشهد عليه آثارٌ مذهلة في عشراتِ البلدان ومئات المدن.

روما اليوم هي على رأس قائمة المدن الأوروبية التي تعاني من الأوساخ، بشهادة أهلِها الذين يعيشون معها حالة غريبة من الغرام المسحورِ بمفاتنها التي لا تقاوم، والتذمّر الدائم من صعوبة الحياة اليومية فيها ونكدِ الفوضى السَّاكنة في كل مفاصلها.

تختنق روما بجحافلِ السيّاح الذين يتهافتون على معالمها الفريدة، ويتدفَّقون بكثافة الجيوش الجرّارة على ميادينها الخلّابة ونوافيرها البديعة من بزوغ الفجرِ حتى انتصافِ الليل. خدماتُها تئنُّ تحتَ وطأة العجز عن استيعابِ هذا الاجتياح البشري اللاهث وراءَ الجمال والتاريخ والإبداع، والملذاتِ التي تغرق فيها هذه التي كانت تتباهَى بأنَّها «عاصمة العالم»، وتتقن فنَّ الاستدراج إليها.

لكن مهما بلغت درجة التذمّر من عيوبها، ليس بمقدور أحدٍ أن يتجاهلَ سحرَها ويسقطها من مرتبة المدينة التي لا بدَّ من زيارتها ولو مرة واحدة قبل مغادرة هذه الحياة التي أقامت لها روما أجمل المسارح وأرست أجمل الطقوس.

يذهب المؤرخون إلى أن الإمبراطورية الرومانية انهارت من الداخل قبل أن تسقط أمام زحف جيوش البرابرة. انهارت بسبب الصراعات الطبقية والتناحر الاجتماعي والأزمات الاقتصادية والضرائب الفاحشة قبل أن يبدأ عساكرها بالتقهقر في القارات الثلاث التي كانت تسيطر عليها، في حين كانت تنخرها المكائد والمؤامرات من الداخل.

لكن البحث المديد في أسباب انهيار الإمبراطورية ما زال مستمرّاً، ويتوغّل اليوم في مجالات أخرى أبرزها الابتعاد عن الجذور والمناهل الثقافية والفنية والأخلاقية التي تأسست عليها، والتي كان الجذع الإغريقي هو المؤسسَ لها والدعامة الرئيسية التي بنى الرومان عليها مؤسساتهم الإدارية ونظام حكمهم وتشريعاتهم القضائية.

منذ أواخر القرن الخامس الميلادي لم تنقطع البحوث والدراسات في أسباب انهيار تلك الإمبراطورية التي يعتبرها كثيرون الحدث المركزي الأهم في تاريخ البشرية، والتي منذ مطالع القرن السابع عشر حتى مغارب التاسع عشر كانت دراستها والتبحّر في جوانبها الفنية والفلسفية والمعمارية شرطاً لازماً لاستكمال تنشئة الشباب الأرستقراطي في أوروبا.

كانت روما، قبل أن تصبحَ وجهة أثيرة لملايين السياح، محجة لكبار الأدباء والمفكرين والشعراء من كل أصقاع العالم. عاشوا فيها وتسكّعوا، وبعضهم ما زالت عظامُهم تحت ترابها.