كل مساء، في أثناء تناول أطفالي العشاء، يرسل جوالي إشعاراً يفيد بأن معلمة طفلنا البالغ ثلاث سنوات، قد رفعت صوراً جرى التقاطها خلال اليوم الدراسي. وتتولى خاصية التعرف على الوجوه، المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وضع مربع أحمر حول وجهه، لتُعلمني أي الصور ينبغي لي أن أطالعها. قد يبدو الأمر مخيفاً نوعاً ما، لكنه في الوقت ذاته مفيد بطريقة ما. في الصين، تحيط بنا تقنيات المراقبة والذكاء الاصطناعي في تفاصيل الحياة اليومية؛ فهي مدمجة في الطريقة التي نطلب بها الطعام عبر التطبيقات الإلكترونية. ولاحظت أن معظم الأشخاص الذين أعرفهم هنا في شنغهاي، لا يشترون البقالة من المتاجر التقليدية، لذلك نعتمد على تقنيات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتأمين احتياجاتنا الغذائية.
كما تظهر هذه التقنيات في البنية التحتية التي نستخدمها للذهاب إلى العمل أو المدرسة، بدءاً من القطارات التي تستخدم تكنولوجيا التعرّف على الوجوه، بدلاً من التذاكر الورقية، وصولاً إلى سيارات الأجرة ذاتية القيادة. في مجمله، يوفر النظام التكنولوجي في الصين مستوى غير مسبوق من الراحة، ويشكّل الذكاء الاصطناعي جزءاً ضخماً منه.
من جهتهم، يعتقد كثير من القادة الأميركيين أن الولايات المتحدة لن تتمكن من التفوق على غريمتها الصين، ما لم تهزمها في سباق الذكاء الاصطناعي. وكل شريحة إلكترونية جديدة يوافق الرئيس ترمب على بيعها لبكين، وكل زيارة لجنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، إلى شنغهاي، وكل اختراق صيني جديد بمجال الذكاء الاصطناعي، يثير الرعب في قلوب المتوجسين خيفة تجاه الصين. وقد تحدد الشرائح الإلكترونية، والمعادن النادرة، وشبكات الطاقة المطوّرة، والكوادر البشرية، أي الطرفين سيتمكن أولاً من الوصول إلى «الذكاء الخارق». وربما تؤدي القمة المرتقبة بين ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ إلى بعض التغييرات السياسية، لكن يبدو هذا الاعتقاد راسخاً أكثر من أي وقت مضى.
إلا أنه في الواقع أن الصين والولايات المتحدة تتسابقان في اتجاهين مختلفين، لأن كلا البلدين ينظر إلى الذكاء الاصطناعي بطريقة مختلفة تماماً؛ فأميركا تسعى إلى ابتكار أقوى تكنولوجيا عرفها البشر على الإطلاق. وفي سبيل الوصول إلى «الذكاء الخارق»، تشجّع الحكومة الأميركية الشركات الخاصة على الانطلاق بأقصى سرعة، غير مكترثة كثيراً بالتنظيمات والقيود.
أما الصين، وعلى النقيض وتحت رقابة صارمة للغاية، فتسعى إلى جعل الذكاء الاصطناعي أكثر عملية وأعمق اندماجاً في المجتمع، مع انتقاء دقيق لكيفية استخدامه ونشره بين السكان. وإذا نجحت الصين في تحقيق أهدافها في مجال الذكاء الاصطناعي، فقد تتقدم على صعيد المنافسة الجيوسياسية الأوسع بين البلدين.
من ناحيتهم، معظم صنّاع السياسات في الصين لا يعتقدون أن «الذكاء الاصطناعي الخارق»، سيظهر في المستقبل القريب. بدلاً من ذلك، ترتكز الاستراتيجية الصينية على تطوير نهج تقوده الحكومة، يُعرف باسم «الذكاء الاصطناعي»، والذي يتعامل مع الذكاء الاصطناعي، بوصفه بنيةً تحتية أساسية. ويتضمن ذلك خططاً تنسقها الحكومة، وإعانات محلية، وبرامج وطنية للحوسبة تهدف إلى نشر أدوات ذكاء اصطناعي رخيصة وفاعلة في مختلف الخدمات العامة.
وينظر الصينيون إلى الذكاء الاصطناعي، بوصفه جزءاً طبيعياً من حياتهم اليومية. بعض الأحيان يكون ظاهراً وملموساً، مثل أجهزة «ابتسم لتدفع» المستخدمة في كثير من المتاجر. وفي أحيان أخرى، يكون غير مرئي، مثل نظام «سيتي برين» في مدينة هانغتشو، الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل كميات هائلة من البيانات، لتلبية احتياجات إدارة المدن، مثل تنظيم حركة المرور وحماية البيئة.
على عكس الولايات المتحدة، حيث لا يزال معظم الناس متخوفين من الذكاء الاصطناعي، يبدو أن استراتيجية الذكاء الاصطناعي في الصين تثير ردود فعل محلية أقل حدة، خصوصاً وأن الاستراتيجية الصينية تجاه الذكاء الاصطناعي تبدو عملية ومفهومة لأبناء الشعب الصيني، على عكس الاستراتيجية الأميركية، الأمر الذي قد يفسر سبب تفاؤل الصينيين تجاه الذكاء الاصطناعي، أكثر من الأميركيين.
يسعى القادة الصينيون إلى تعظيم موارد البلاد؛ فالمورد الرئيسي للبلاد ليس النفط أو فول الصويا أو غيره، بل الشعب الصيني. حسب تعداد عام 2020، يعيش ما يقرب من 40% من الصينيين في المناطق الريفية، بينهم 110 ملايين طفل. وتعيش أعداد كبيرة منهم دون الحصول على تعليم ورعاية صحية جيدة. ويرى القادة الصينيون أنَّ حرمان هذا العدد الكبير من الصينيين من فرص عيش حياة كريمة، يشكل أزمة تفوق في خطورتها انخفاض معدل المواليد. كم عدد العباقرة المحتملين بين هؤلاء الأطفال الريفيين البالغ عددهم 110 ملايين؟ ماذا لو تضاعف نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي أربع مرات؟
قد يكون الذكاء الاصطناعي الحل. هل يعاني المعلمون في المدارس الريفية من الإرهاق ونقص التدريب؟ يمكن لبرامج الذكاء الاصطناعي مساعدة الطلاب في التعلم عبر التعليم المُخصّص. هل تعاني المستشفيات من نقص في الأطباء ذوي الكفاءة العالية؟ يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص الأمراض، من خلال تحليل البيانات الصحية للمرضى. كما يُمكن للذكاء الاصطناعي تسهيل توظيف وتدريب مقدمي الرعاية اللازمين لكبار السن في الصين، بحيث تُكمّل الروبوتات أو الأجهزة الرقمية عمل الممرضين.
ويُمكن للذكاء الاصطناعي كذلك تسهيل التنبؤ بالظواهر الجوية المتطرفة والاستعداد لها، والتي قد تُؤثر سلباً على الاقتصادات المحلية. كما يُمكنه تحسين الانتقال إلى الطاقة النظيفة.
جدير بالذكر أن الصين تمتلك موانئ، يجري فيها تحميل الآلات الحاويات على السفن دون إشراف بشري يُذكر. ومع ذلك، لا تقتصر استراتيجية الصين في توظيف الذكاء الاصطناعي باعتباره بنية تحتية، على تحسين جودة الحياة داخل البلاد فحسب، بل تتعداها إلى تصدير النفوذ الصيني؛ فالذكاء الاصطناعي الصيني مُدمج بالفعل في سلاسل التوريد التي تُهيمن على التجارة العالمية.
ولا يشترط أن تكون هذه النماذج بقوة النماذج الأميركية نفسها؛ يكفي أن تكون قوية بما يكفي. وعليه، فإنه مع تصدير بكين لنماذج الذكاء الاصطناعي هذه، ستصدر معها نظام الحكم الصيني بكل ما يستتبعه من أمان ووفرة ومراقبة وهياكل تنظيمية معقدة.
لهذا السبب، يُعدّ الفارق في سباق الذكاء الاصطناعي بين البلدين بالغ الأهمية.
* خدمة «نيويورك تايمز»
