أنطوان الدويهي
أستاذ جامعي لبناني
TT

اجتياز المظاهر

استمع إلى المقالة

وراء المواقف المعلنة والتعليقات الرسمية المصوغة بدقة وعناية، تكمن الحقائق المخبّأة، التي يكاد يلمسها العقل لمساً ويصل إليها عميقاً الشعور. وبينما توقّفت حرب إيران، ولو لحين، وفشلت مفاوضات إسلام آباد، أو ربما الجولة الأولى منها، يطالعك سيل المواقف وردود الفعل المتضاربة، الرسمية والحزبية والإعلامية، على مدى الغرب الأميركي والأوروبي، فلا يسعك وسط ذلك كله إلا أن تطرح على نفسك هذا التساؤل: مَن حقاً في الغرب مع مَن، ومَن حقاً ضد مَن، في هذه الحرب الدائرة رحاها في الشرق الأوسط؟ هل عدو «أميركا أوباما» الحقيقي هي «إيران الثورة الخمينية» حقاً، أم «أميركا ترمب»؟ وهل عدو أوروبا ماكرون وأترابه الألمان والبريطانيين وسواهم وإدارة بروكسل المشتركة، هي حقاً إيران الإسلامية، أم إنها أميركا ترمب وأوروبا مارين لوبن وأمثالها في أنحاء «القارة القديمة»؟

تساؤل غريب تتخطى الإجابة عنه الظاهر إلى الباطن، إذ تفترض «اجتياز المظاهر»، وفقاً لعنوان رواية فيرجينيا وولف العميقة المؤثرة، مع أن ذلك العمل الأدبي الكبير لا علاقة له بالشأن السياسي قطّ، إذ يتجاوز عالم السياسيين السطحي بما لا يُقاس، متوغّلاً في متاهات الذات ومأساوية المصير البشري.

لقد أظهرت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران عمق الخلافات والتناقضات داخل المجتمعات الغربية على نحو بالغ، بين التيارين الكبيرين السائدين في الولايات المتحدة الأميركية والمجموعة الأوروبية: التيار القومي المتشدد الذي رمزه الأكثر تعبيراً هو دونالد ترمب، والتيار الليبيرالي الأممي الذي يجسدّه بشكل أمثل باراك أوباما، وإن كان خارج الحكم. لا شكّ في أن هذا الخلاف هو في أحد وجوهه الأساسية خلاف على تولّي السلطة، ضمن الديمقراطيات الغربية التي هي اليوم النظام السياسي الكبير الوحيد في العالم الذي يتيح تداول الحكم كل بضع سنوات عن طريق الانتخابات العامّة، المكرّسة كشأن مقدّس لا يمكن المسّ به.

لكن الخلاف في وجهه الثاني الأعمق هو بين نظرتين بالغتَي التعارض إلى طبيعة المجتمع وهويته وقيمه، بات يستحيل التوفيق بينهما: من جهة، نظرة الدفاع عن الهوية الوطنية «الأصلية» التي لا تقبل إلا من يندمج ويذوب فيها، ومواجهة موجات الهجرة غير الشرعية، والتمسّك بالعائلة التقليدية أساساً لمنعة المجتمع، وبالقيم الروحية أو الحياتية المحافظة، وبقوة الدولة الاقتصادية والعسكرية، وتعزيز نفوذها في إقليمها والعالم، ومن جهة أخرى، نظرة الدفاع عن هوية وطنية منفتحة وتعدّدية، ترحّب بالمهاجرين من أنحاء العالم، وتفتح الباب واسعاً أمام أشكال الحياة الشخصية المتحرّرة من كل قيد، وصولاً إلى نزعات متطرّفة ترفض «حضارة الرجل الأبيض».

وفي بعده الثالث، السوسيولوجي، يمكن القول اختصاراً، إن هذا الخلاف داخل المجتمعات الغربية يضع وجهاً لوجه، جهة الليبرالية، معظم برجوازيات العواصم والمدن الكبرى ومعظم صحافتها وإعلامها المرئي والمسموع ومعظم جامعاتها، ومن ورائها معظم جموع المهاجرين والمواطنين الذين ما زالوا مرتبطين بجذورهم الأجنبية. وفي الجهة القومية، نجد معظم شعب الداخل، شعب الأرض؛ من مدن صغيرة وقرى، وأرياف، ومناطق زراعية وسواها.

ظواهر الصراع ماثلة بقوة في الحاضر، متمحورة حول مجريات حرب إيران وفصولها، حيث يشن ترمب حربه في الخارج والداخل وفي وجه أوروبا على حدّ سواء، موجّهاً أقسى الاتهامات إلى سياسات أوباما وحلفائه وإلى عديد من الصحف والقنوات التلفزيونية الكبرى، وإلى «تخاذل» الحلف الأطلسي في دعم حرب الشرق الأوسط ومؤازرته في فتح مضيق هرمز. ووصل به الأمر إلى حدّ إرسال نائبه فانس إلى هنغاريا لدعم رئيس وزرائها فيكتور أوربان في معركته الانتخابية المصيرية ضد «ضغوط» إدارة المجوعة الأوروبية في بروكسل. وقد دخل لاوون الرابع عشر، بابا روما، الصراع الكبير من منظور روحي، شاجباً حلّ الخلافات عن طريق العنف والحروب، في إدانة مباشرة لتوجهات ترمب، وألغى البابا، وهو أول أميركي يرأس الكنيسة الكاثوليكية، زيارته لوطنه للمشاركة في احتفالات العيد الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة.

... مَن مع مَن، ومَن ضد مَن، في أميركا وفي أوروبا، في مهب الحرب على إيران؟ مواقف وحجج كثيرة، وتحليلات مطوّلة في كل اتجاه، وقدر لا حصر له من الموضوعات حول أسباب الحرب ووقائعها وأهدافها. وعند «اجتياز المظاهر» وصولاً إلى ما هو خفيّ، ينتابك شعور لا مفرّ منه بأن خصوم أميركا ترمب في أميركا وأوروبا، يراهنون في العمق على صمود إيران في وجه التيار القومي الغربي المتشدّد، الذي هو، وليس هي، عدوّهم.