أسبوع عاصف للسندات العالمية تحت ضغوط الحرب ورهانات الفائدة

نقاشات مرتقبة في «مجموعة السبع» مع ارتفاع العوائد وسط اضطرابات الأسواق

انعكاس شخص ومبانٍ على زجاج شركة وساطة في بكين (رويترز)
انعكاس شخص ومبانٍ على زجاج شركة وساطة في بكين (رويترز)
TT

أسبوع عاصف للسندات العالمية تحت ضغوط الحرب ورهانات الفائدة

انعكاس شخص ومبانٍ على زجاج شركة وساطة في بكين (رويترز)
انعكاس شخص ومبانٍ على زجاج شركة وساطة في بكين (رويترز)

أنهت سوق السندات العالمية أسبوعاً حافلاً بالاضطرابات، يوم الجمعة، مع ازدياد الأدلة على الأضرار الاقتصادية الناجمة عن حرب إيران، ما دفع المستثمرين إلى افتراض أنَّ أسعار الفائدة سترتفع بوتيرة أسرع من المتوقع، وأنَّ النمو سيتأثر سلباً.

وسجَّلت عوائد سندات الخزانة الأميركية أعلى مستوياتها منذ نحو عام، مع توقُّع المتداولين أن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» قد يضطر إلى رفع أسعار الفائدة لكبح الضغوط التضخمية الناجمة عن صدمات الطاقة المرتبطة بحرب إيران. وتعرَّضت سندات منطقة اليورو، بما في ذلك الألمانية والإيطالية والفرنسية، لضغوط، إلى جانب السندات الحكومية البريطانية، في حين سجَّلت عوائد السندات اليابانية مستويات قياسية.

وكانت السندات الإيطالية لأجل 10 سنوات من بين الأسوأ أداءً، إذ ارتفعت عوائدها 7.4 نقطة أساس إلى نحو 3.86 في المائة، لترتفع بنحو 14 نقطة أساس خلال الأسبوع، بينما صعدت عوائد السندات الألمانية القياسية بنحو 6 نقاط أساس لتصل إلى نحو 3.11 في المائة.

وأظهرت بيانات التضخم، هذا الأسبوع، أنَّ المستهلكين والشركات بدأوا يشعرون بارتفاعات كبيرة في الضغوط السعرية نتيجة الحرب، التي رفعت أسعار النفط الخام بأكثر من 50 في المائة.

وسجَّلت عوائد السندات لأجل عامين، الأكثر حساسية لتغيُّر توقعات التضخم وأسعار الفائدة، أكبر ارتفاع هذا الأسبوع، في حين بدأت العوائد طويلة الأجل بالارتفاع أيضاً، ما يعكس قلق المستثمرين من التأثير الممتد لصدمة الأسعار.

وقال يوجين ليو، كبير استراتيجيي أسعار الفائدة في «دي بي إس»: «وصلت العوائد العالمية على الأرجح إلى مستوى مرتفع بما يكفي للإضرار بالمعنويات. وبين اقتصاد عالمي مرن مدفوع بتوسُّع الذكاء الاصطناعي وأسعار طاقة مرتفعة، فإنَّ البنوك المركزية أصبحت أكثر قلقاً بشأن التضخم».

وأظهرت أسواق المال أنَّ المتداولين يرون احتمالاً بنسبة 60 في المائة بأن يقوم «الفيدرالي» برفع أسعار الفائدة هذا العام، بعدما كانت الأسواق تسعّر قبل الحرب خفضين على الأقل للفائدة.

أوراق نقدية من الدولار الأميركي واليورو والجنيه الإسترليني (رويترز)

كما تُظهر بيانات «إل إس إي جي» أنَّ 4 فقط من أصل 24 من أكثر البنوك المركزية تأثيراً في العالم لديها احتمال ملموس لخفض الفائدة هذا العام، بينما تميل الغالبية نحو الرفع.

وقال موهيت كومار، استراتيجي في «جيفريز»: «الأمر لا يتعلق بالتضخم فقط، بل أيضاً بالعجز المرتفع الذي يجب أن يكون محور الاهتمام».

وأضاف: «من المرجح أن نشهد مجموعة من إجراءات دعم الوقود خلال الأشهر المقبلة».

وتوقَّع كومار ميلاً نحو انحدار منحنيات عوائد السندات الحكومية، في إشارة إلى ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل بوتيرة أسرع من قصيرة الأجل. وبلغت عوائد سندات الخزانة الأميركية القياسية لأجل 10 سنوات 4.53 في المائة، مرتفعة 7.3 نقطة أساس خلال اليوم، لتقترب من أعلى مستوياتها منذ يونيو (حزيران) الماضي.

وفي بريطانيا، شهدت عوائد السندات الحكومية تقلبات حادة هذا الأسبوع، إذ وصلت إلى أعلى مستوياتها منذ عقود، في ظلِّ ضغوط سياسية متزايدة على رئيس الوزراء كير ستارمر للاستقالة، بعد خسائر كبيرة لحزبه العمالي في الانتخابات المحلية، وظهور منافسين محتملين على القيادة.

وارتفعت عوائد السندات الحكومية البريطانية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوياتها منذ يوليو (تموز) 2008 يوم الجمعة. وبلغت العوائد ذروتها عند 5.137 في المائة في تمام الساعة 09:10 بتوقيت غرينتش، وفقاً لبيانات مجموعة بورصة لندن، متجاوزةً أعلى مستوى سابق لها عند 5.130 في المائة المُسجَّل يوم الثلاثاء، ومُحقِّقةً ارتفاعاً بأكثر من 14 نقطة أساس خلال الجلسة، في طريقها لتسجيل أحد أكبر مكاسبها اليومية هذا العام.

نقاشات مرتقبة في «مجموعة السبع»

من جهته، قال وزير المالية الياباني ساتسوكي كاتاياما، يوم الجمعة، إن وزراء مالية مجموعة السبع من المرجح أن يناقشوا تقلبات سوق السندات العالمية الأخيرة، مع امتداد التحرُّكات الحادة في اليابان والولايات المتحدة وبريطانيا إلى الأسواق الرئيسية.

وأضاف: «شهدنا ارتفاع عوائد السندات في جميع الأسواق الثلاث الكبرى»، مشيراً إلى موجات البيع في اليابان والولايات المتحدة وبريطانيا.

وتابع: «هذه التحركات تبدو كأنها تعزِّز بعضها بعضاً عبر الأسواق الرئيسية. ومن المرجح أن تكون كيفية تقييم هذا الوضع موضوعاً للنقاش في اجتماعات مجموعة السبع المالية»، بحسب ما قاله في مؤتمر صحافي دوري.

ورقة نقدية من الين الياباني في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)

وتعرَّضت السندات الحكومية اليابانية لضغوط مستمرة هذا الأسبوع، حيث سجَّلت كل من العوائد القصيرة وطويلة الأجل للغاية مستويات قياسية جديدة، في ظلِّ تصاعد الرهانات على أنَّ «بنك اليابان» سيواصل رفع أسعار الفائدة للحدِّ من الضغوط التضخمية.

وارتفع العائد على السندات القياسية لأجل 10 سنوات بما يصل إلى 10 نقاط أساس ليصل إلى 2.73 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ مايو (أيار) 1997. كما بلغ عائد السندات لأجل 5 سنوات مستوى قياسياً عند 2 في المائة، في حين وصل عائد السندات لأجل 20 عاماً إلى 3.66 في المائة، وهو أعلى مستوى في البيانات المتاحة منذ مايو 1999.

وواصلت عوائد السندات اليابانية صعودها بعد صدور بيانات رسمية أظهرت أنَّ التضخم في أسعار الجملة ارتفع بأسرع وتيرة في 3 سنوات خلال أبريل (نيسان)، ما عزَّز التوقعات بأنَّ البنك المركزي قد يشدِّد سياسته النقدية في اجتماعه المقبل في يونيو.

ومن المقرر أن يجتمع وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية في «مجموعة السبع» في باريس، يومي الاثنين والثلاثاء.


مقالات ذات صلة

ماليزيا تسجل نمواً أفضل من المتوقع رغم صدمات الشرق الأوسط

الاقتصاد منظر لأفق مدينة كوالالمبور (رويترز)

ماليزيا تسجل نمواً أفضل من المتوقع رغم صدمات الشرق الأوسط

نما الاقتصاد الماليزي بوتيرة أسرع قليلاً من المتوقع في الربع الأول، مدعوماً بمرونة الطلب المحلي وقوة الأسس الاقتصادية؛ ما ساعد على امتصاص صدمات الحرب.

«الشرق الأوسط» (كوالالمبور )
الاقتصاد «البنك المركزي التركي» (الموقع الرسمي)

تركيا: «المركزي» يعدل هدف التضخم بنهاية العام إلى 24 %

رفع «البنك المركزي التركي» توقعاته للتضخم بنهاية العام الحالي إلى 26 في المائة، كما رفع معدل التضخم المستهدف من 16 إلى 24 في المائة على خلفية تداعيات حرب إيران.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد مقر البنك المركزي التركي في أنقرة (رويترز)

بسبب الحرب... «المركزي التركي» يعلق توقعات التضخم ويُبقي جميع الخيارات مفتوحة

قال فاتح كاراهان، محافظ البنك المركزي التركي، يوم الخميس، إن البنك قرر تعليق تقديم نطاقات توقعات التضخم مؤقتاً، في ظل حالة عدم اليقين المرتفعة الناجمة عن الحرب.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
الاقتصاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة إيمانويل مولان عقب اجتماع بقصر الإليزيه في 2 يوليو 2025 (رويترز)

فرنسا تواجه اختباراً حساساً حول استقلالية «المركزي» مع ترقب تعيين حاكم جديد

في سياق يتسم بتصاعد الضغوط السياسية على المؤسسات النقدية في أوروبا، يكتسب ملف تعيين محافظ جديد لبنك فرنسا بُعداً اقتصادياً ومؤسسياً بالغ الحساسية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد امرأة تحمل أكياساً في شارع دروتنينغاتان وسط استوكهولم (رويترز)

السويد استثناء أوروبي... التضخم الأساسي يسجل أدنى مستوى في 30 عاماً

أظهرت البيانات النهائية الصادرة عن مكتب الإحصاء السويدي، يوم الأربعاء، ارتفاع أسعار المستهلكين في السويد بنسبة 0.8 في المائة على أساس سنوي خلال أبريل (نيسان).

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)

اتساع العجز التجاري الهندي بضغط من قفزة واردات النفط نتيجة الحرب

سفينة الشحن «بيلوغا إيه» تقف في ميناء ديندايال في كاندلا بولاية غوجارات غرب الهند (رويترز)
سفينة الشحن «بيلوغا إيه» تقف في ميناء ديندايال في كاندلا بولاية غوجارات غرب الهند (رويترز)
TT

اتساع العجز التجاري الهندي بضغط من قفزة واردات النفط نتيجة الحرب

سفينة الشحن «بيلوغا إيه» تقف في ميناء ديندايال في كاندلا بولاية غوجارات غرب الهند (رويترز)
سفينة الشحن «بيلوغا إيه» تقف في ميناء ديندايال في كاندلا بولاية غوجارات غرب الهند (رويترز)

اتسع العجز التجاري الهندي في السلع إلى 28.38 مليار دولار في أبريل (نيسان)، مع ارتفاع واردات النفط الخام إلى أعلى مستوى في ستة أشهر، مدفوعاً باضطرابات الإمدادات وارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الصراع في الشرق الأوسط.

وأثارت المخاوف من امتداد الصدمة الطاقية الناتجة عن الحرب الإيرانية المستمرة منذ أشهر تداعيات سلبية على النمو والتضخم وميزان المدفوعات الهندي، ما دفع صناع السياسات إلى سلسلة من التدخلات، في وقت تراجعت فيه الروبية إلى مستويات قياسية لتصبح الأسوأ أداءً بين العملات الآسيوية هذا العام.

وتستورد الهند، ثالث أكبر مستورد ومستهلك للنفط في العالم، أكثر من 80 في المائة من احتياجاتها من النفط الخام ونحو 60 في المائة من غاز الطهي، مع اعتماد كبير على إمدادات الشرق الأوسط.

ووفقاً لبيانات حكومية صدرت يوم الجمعة، تجاوز العجز التوقعات البالغة 26.5 مليار دولار بحسب استطلاع لـ«رويترز»، مقارنة بـ20.67 مليار دولار في مارس (آذار).

وارتفعت الصادرات إلى 43.56 مليار دولار في أبريل، مقابل 38.92 مليار دولار في الشهر السابق، فيما قفزت الواردات إلى 71.94 مليار دولار، وهو أعلى مستوى لها في ستة أشهر، مقارنة بـ59.59 مليار دولار في مارس.

وقال وزير التجارة الفيدرالي راجيش أغراوال إن الصادرات سجلت أعلى مستوى لها في عقد، مدفوعة بشحنات الإلكترونيات والسلع الهندسية والمنتجات البترولية عالية القيمة، ما ساهم في الحد من اتساع العجز.

لكن ارتفاع الواردات جاء بشكل رئيسي نتيجة قفزة في شحنات النفط الخام بنسبة 53 في المائة إلى 18.63 مليار دولار، ما يعكس الضغوط المتزايدة على فاتورة الاستيراد، في ظل ارتفاع الأسعار العالمية إلى نحو 120 دولاراً للبرميل منذ اندلاع الحرب في نهاية فبراير (شباط).

كما ارتفعت واردات الذهب بنسبة 84 في المائة إلى 5.63 مليار دولار، رغم تراجع مشتريات البنوك، مع زيادة واردات المصافي من الذهب الخام.

وتوقعت أديتي ناير، كبيرة الاقتصاديين في وكالة «أكرا»، أن يظل العجز تحت ضغط رغم قوة الصادرات، مرجحة أن يبلغ عجز الحساب الجاري نحو 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنة المالية الحالية، أي أكثر من ضعف تقديرات العام السابق.

وعقب صدور البيانات، تراجعت الروبية الهندية إلى مستوى قياسي جديد متجاوزة 96 روبية للدولار.

ودعا رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى إجراءات احترازية تشمل ترشيد استهلاك الوقود، وتوسيع العمل من المنزل، وفرض قيود على السفر والواردات للحفاظ على احتياطيات النقد الأجنبي.

كما رفعت الحكومة رسوم استيراد الذهب والفضة إلى أكثر من الضعف، وشددت القواعد الخاصة بالذهب المعفى من الرسوم المستخدم في تصدير المجوهرات.

وفي السياق ذاته، رفعت شركات توزيع الوقود الحكومية أسعار البنزين والديزل بأكثر من 3 في المائة لأول مرة منذ أربع سنوات.

وتشير تقديرات رسمية إلى أن صادرات الخدمات بلغت 37.24 مليار دولار في أبريل، مقابل واردات قدرها 16.66 مليار دولار، ما ساهم جزئياً في تخفيف ضغط العجز التجاري في السلع.


معضلة الدين تهدد طموحات وارش لإعادة رسم دور «الفيدرالي» في الأسواق

كيفن وارش خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ بواشنطن... 21 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
كيفن وارش خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ بواشنطن... 21 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

معضلة الدين تهدد طموحات وارش لإعادة رسم دور «الفيدرالي» في الأسواق

كيفن وارش خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ بواشنطن... 21 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
كيفن وارش خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ بواشنطن... 21 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قال محللون إن خطط الرئيس المقبل لمجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي كيفن وارش لتقليص «بصمة» البنك المركزي في الأسواق المالية قد تواجه قيوداً بسبب ارتفاع الدين الفيدرالي الأميركي واحتمال تراجع جاذبية سندات الخزانة الأميركية.

وكان مجلس الشيوخ الأميركي قد صادق يوم الأربعاء على تعيين وارش خلفاً لرئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول. وقد دعا وارش إلى تقليص دور البنك المركزي وخفض التدخل في الأسواق، في إطار العودة إلى نمط أكثر تقليدية للسياسة النقدية، يرى أنه يسمح بالتركيز بشكل أفضل على مكافحة التضخم وتجنب تشويه الأسواق، وفق «رويترز».

لكن هذا النهج، رغم جاذبيته النظرية، قد يكشف أيضاً عن فجوات في سوق سندات الخزانة الأميركية، ما قد يؤدي إما إلى ارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل على حساب الشركات والأسر والحكومة نفسها، أو إلى زيادة الضغوط على «الفيدرالي» للتدخل والمساعدة في إبقاء تكاليف الاقتراض منخفضة، بحسب هانو لوستيغ، أستاذ التمويل في كلية الدراسات العليا للأعمال بجامعة ستانفورد.

وأشارت أبحاث حديثة أجراها لوستيغ إلى أن الاقتصادات المتقدمة الكبرى مثل الولايات المتحدة فقدت ما يُعرف بـ«عائد الملاءمة»، وهو انخفاض فعلي في تكلفة الاقتراض الحكومي للدول التي تتمتع بوضع خالٍ من المخاطر وبنوك مركزية مستقلة.

مبنى بنك «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

وقال لوستيغ، على هامش مؤتمر حديث في معهد هوفر بجامعة ستانفورد: «إذا أراد وارش ومسؤولو (الفيدرالي) الآخرون استباق هذا الأمر، فعليهم أن يكونوا شفافين عندما تستجيب العوائد للصدمات المالية، بدلاً من القول إن ما يحدث مجرد اضطراب مؤقت في سوق الخزانة»، في إشارة إلى تدخل «الفيدرالي» عبر شراء السندات لضمان استقرار السوق.

وأضاف: «لكي تكون هناك عملية حقيقية لاكتشاف الأسعار في سوق الخزانة، نحتاج إلى بنك مركزي لا يتدخل».

انتقادات قديمة لسياسات التيسير الكمي

وكان وارش قد انتقد، منذ فترة عمله محافظاً في «الاحتياطي الفيدرالي» قبل أكثر من عقد، الطريقة التي وسع بها البنك المركزي ميزانيته العمومية خلال الأزمات، وحتى خلال فترات الضغوط في أسواق تمويل البنوك، من دون إرشادات واضحة بشأن نوعية الأوراق المالية التي ينبغي شراؤها أو كمياتها أو خطة واضحة لتقليص الحيازات لاحقاً.

وبدلاً من ذلك، نمت حيازات «الفيدرالي» وتراجعت عبر مزيج من الأساليب المالية المعقدة، مثل اختبار مقدار السيولة التي يحتاجها النظام المصرفي قبل بدء ارتفاع الفائدة، وردود الفعل الواسعة على أحداث مثل جائحة كوفيد-19 أو أزمة الركود والأزمة المالية بين 2007 و2009.

ويحتفظ «الفيدرالي» حالياً بأصول تبلغ نحو 6.7 تريليون دولار، انخفاضاً من ذروة قاربت 9 تريليونات دولار في 2022، فيما يعاود الحجم الارتفاع ببطء للحفاظ على وفرة الاحتياطيات المصرفية.

ولا يزال هناك غياب لاتفاق واسع بشأن تأثير مشتريات «الفيدرالي» من السندات، المعروفة باسم «التيسير الكمي»، على الاقتصاد.

كيف يستخدم «الفيدرالي» ميزانيته العمومية؟

عادة ما يقتصر قرار السياسة النقدية للبنك المركزي الأميركي على رفع أو خفض سعر فائدة قصير الأجل يؤثر على تكاليف اقتراض المستهلكين والشركات. فارتفاع الفائدة يقلص الإنفاق عندما يرتفع التضخم، بينما يشجع خفضها الإنفاق في أوقات الضعف الاقتصادي.

لكن عندما يصل سعر الفائدة إلى الصفر ولا يعود بالإمكان خفضه أكثر، كما حدث خلال الصدمات الاقتصادية، يمكن لـ«الفيدرالي» استخدام ميزانيته العمومية غير المحدودة نظرياً، أي قدرته على خلق الأموال، للتدخل في الأسواق.

وتخرج الأصول التي يشتريها البنك من النظام المالي وتُستبدل بالسيولة النقدية، ما يساعد على خفض أسعار الفائدة طويلة الأجل بشكل أكبر لتحفيز الإنفاق ودعم النمو.

تعقيدات إضافية

ويتفق صانعو السياسات في «الفيدرالي» وآخرون عموماً على أن هذه الآلية فعالة، ولو بدرجة معينة. لكن إلين ميد، المستشارة السابقة البارزة في «الفيدرالي» وأستاذة الاقتصاد حالياً في جامعة ديوك، قالت: «لقد حان الوقت لنقاش حول كيفية استخدام الميزانية العمومية وفي أي ظروف».

وأضافت: «إنها عملية تستغرق من تسعة إلى اثني عشر شهراً، تشمل مذكرات وإحاطات من الموظفين، ونقاشات داخل اللجان، ثم التوصل إلى اتفاق».

لكن إذا كان الهدف يتمثل في تقليص الحيازات مع إبقاء أسعار الفائدة منخفضة، فقد يتطلب ذلك تنسيقاً أوثق من المعتاد مع وزارة الخزانة الأميركية، التي يمكن لقراراتها بشأن إصدار الديون أن تؤثر على الفائدة مع تقليص «الفيدرالي» حيازاته.

وفي تحليل حديث، قال بيل نيلسون، الموظف السابق في «الفيدرالي» وكبير الاقتصاديين حالياً في معهد السياسات المصرفية، إن استخدام البنك المركزي لتغييرات تنظيمية وغيرها لتقليص ميزانيته بمقدار تريليوني دولار إضافيين، سيعتمد تأثيره على سعر الفائدة بدرجة كبيرة على كيفية تنفيذ ذلك، وعلى رد فعل وزارة الخزانة، إذ قد يتراوح الأثر بين خفض الفائدة بمقدار 0.84 نقطة مئوية أو حتى رفعها.

ولا يرى الجميع أن الميزانية العمومية الضخمة تمثل المشكلة التي يعتقد وارش أنها كذلك.

فقد قال محافظ «الفيدرالي» كريستوفر والر إن أحد الأسباب الرئيسية لضخامة حيازات البنك المركزي من الأصول هو توفير سيولة كافية للبنوك، مضيفاً أن المقترحات الرامية إلى تقليص تلك الحيازات إلى مستوى تضطر فيه المؤسسات المالية للتنافس على الاحتياطيات ستكون «غير فعالة للغاية».

وفي استطلاع حديث أجراه معهد «بروكينغز» لآراء كبار محللي «الفيدرالي» والاقتصاد، قال معظم المشاركين البالغ عددهم 29 إن حجم ميزانية «الاحتياطي الفيدرالي» «لا يشكل حالياً مشكلة للنمو أو الاستقرار المالي للاقتصاد الأميركي».

وبعيداً عن هذه القضايا، قد تجعل ديناميكيات الدين الأوسع المهمة أكثر صعوبة مع تولي وارش المنصب.

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

ويقدّر مكتب الموازنة في الكونغرس الأميركي عجزاً فيدرالياً يعادل 5.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للسنة المالية 2026، مقارنة بمتوسط يبلغ 3.8 في المائة خلال خمسين عاماً، مع مساهمة ارتفاع تكاليف الفائدة في زيادة العجز.

كما خلصت أبحاث صادرة عن «الاحتياطي الفيدرالي» في سانت لويس إلى أن سندات الخزانة الأميركية وسندات بعض الدول الأخرى «الخالية من المخاطر» بدأت تفقد ميزتها من حيث انخفاض العائد.

ووجدت الدراسة، التي أعدها الاقتصادي ييلي تشين ومستشار السياسات البارز في البنك الإقليمي، إلى جانب الباحث كيفن بلودوورث، أنه مع بدء «الفيدرالي» تقليص ميزانيته في 2022، انخفض «عائد الملاءمة» بنحو 40 نقطة أساس، ما يعني أن الولايات المتحدة اضطرت لدفع عوائد أعلى بهذا المقدار للمستثمرين مقابل اقتراضها.

وسيتعين على وارش إيجاد طريقة لمعادلة هذا التأثير إذا أراد تقليص الحيازات أكثر، أو تفسيره باعتباره تكلفة للعجز الكبير، وهو ما قد يضعه قريباً من نوع «توسع المهام» نحو الشؤون المالية العامة الذي سبق أن انتقده.

وقال جيفري لاكر، الذي أدار «الاحتياطي الفيدرالي» في ريتشموند خلال فترة عمل وارش محافظاً في «الفيدرالي»، إن تعليقات وارش بشأن الميزانية العمومية «تلقى صدى قوياً» لدى من يرغبون في نمط أكثر تحفظاً للبنوك المركزية، لكنه أشار إلى أن ذلك «سيتطلب انضباطاً يتجاوز مكاتب (الفيدرالي) نفسها».

وأضاف: «أعتقد أن تراجع (الفيدرالي) عن الأدوار التي تشبه إدارة الدين سيوضح توقعات المشاركين في السوق، وسيساعد في جعل سوق الخزانة أكثر مرونة».

وتابع أن ذلك سيساعد أيضاً «في العملية العامة التي تضطر فيها وزارة الخزانة في النهاية إلى مواجهة الواقع».


«فيتش» تُثبت تصنيف مصر الائتماني رغم تداعيات حرب إيران

مراكب تمر في نهر النيل بمدينة الأقصر جنوب مصر (رويترز)
مراكب تمر في نهر النيل بمدينة الأقصر جنوب مصر (رويترز)
TT

«فيتش» تُثبت تصنيف مصر الائتماني رغم تداعيات حرب إيران

مراكب تمر في نهر النيل بمدينة الأقصر جنوب مصر (رويترز)
مراكب تمر في نهر النيل بمدينة الأقصر جنوب مصر (رويترز)

ثبتت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني تصنيف مصر السيادي عند مستوى «بي» مع نظرة مستقبلية مستقرة، في خطوة تعكس ثقة نسبية بقدرة الاقتصاد المصري على احتواء التداعيات الإقليمية المتصاعدة، رغم الضغوط التي تفرضها حرب إيران على الأسواق العالمية والاقتصادات الناشئة.

وقالت الوكالة إن استجابة السياسات الاقتصادية في مصر ساهمت في الحد من تأثيرات الحرب الإيرانية على الجدارة الائتمانية السيادية، معتبرة أن المخاطر الإضافية الرئيسية المرتبطة بالصراع تتعلق بالتمويل الخارجي وتدفقات النقد الأجنبي، أكثر من ارتباطها بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية على المدى القريب.

ويأتي قرار «فيتش» في توقيت شديد الحساسية للاقتصاد المصري، الذي يواجه بيئة خارجية مضطربة تتسم بارتفاع أسعار الطاقة، وتقلبات الأسواق العالمية، وزيادة تكلفة التمويل للدول الناشئة، فضلاً عن الضغوط المستمرة على العملات وأسواق الدين في المنطقة.

لكن تثبيت التصنيف مع نظرة مستقرة يشير إلى أن الوكالة ترى أن القاهرة نجحت حتى الآن في تجنب سيناريوهات التدهور السريع التي كانت تخشاها الأسواق قبل أشهر، خاصة بعد سلسلة الإجراءات الاقتصادية والمالية التي اتخذتها الحكومة بالتعاون مع صندوق النقد الدولي والمؤسسات الدولية.

ويعكس القرار أيضاً إدراكاً متزايداً لدى مؤسسات التصنيف بأن الاقتصاد المصري، رغم هشاشته تجاه الصدمات الخارجية، أصبح يمتلك أدوات أفضل لإدارة الأزمات مقارنة بالمراحل السابقة، خصوصاً فيما يتعلق بسعر الصرف والسياسة النقدية وإدارة التمويل الخارجي.

وتُعد مسألة التمويل الخارجي النقطة الأكثر حساسية في تقييم «فيتش». فالحرب الإيرانية وما نتج عنها من ارتفاع في أسعار النفط واضطرابات في أسواق الطاقة والشحن العالمي تمثل تهديداً مباشراً لميزان المدفوعات المصري، نظراً لاعتماد البلاد الكبير على الواردات، وحاجتها المستمرة إلى تدفقات الدولار لتمويل التجارة وخدمة الدين الخارجي. كما أن استمرار التوترات الإقليمية قد يضغط على إيرادات قناة السويس والسياحة والاستثمارات الأجنبية، وهي مصادر رئيسية للعملة الصعبة بالنسبة لمصر. ولذلك، ركزت الوكالة في تقييمها على قدرة الحكومة والبنك المركزي على إدارة هذه المخاطر والحفاظ على استقرار التمويل الخارجي.

وخلال الأشهر الماضية، اتخذت السلطات المصرية سلسلة خطوات هدفت إلى تعزيز مرونة الاقتصاد، من بينها السماح بدرجة أكبر من مرونة سعر الصرف، وتشديد السياسة النقدية، وتوسيع برامج بيع الأصول وجذب الاستثمارات الخليجية والأجنبية. كما استفادت مصر من تدفقات استثمارية واتفاقات تمويلية ساعدت في تخفيف الضغوط على الاحتياطات الأجنبية وتقليص المخاوف المتعلقة بالسيولة الدولارية قصيرة الأجل.

ويرى محللون أن النظرة المستقبلية المستقرة تحمل أهمية خاصة في ظل الظروف الإقليمية الحالية، لأنها تعني أن «فيتش» لا تتوقع تدهوراً سريعاً في المؤشرات الائتمانية المصرية خلال الفترة المقبلة، رغم ارتفاع المخاطر الجيوسياسية.

وفي هذا السياق، تبدو مرونة سعر الصرف عاملاً محورياً في تقييم المؤسسات الدولية للاقتصاد المصري. فبعد سنوات من الضغوط على الجنيه ونقص العملات الأجنبية، بدأت الأسواق ترى أن السماح بتحرك أكبر للعملة المحلية يقلل تدريجياً من الاختلالات الخارجية ويحد من مخاطر تراكم الأزمات. كذلك، ساهمت السياسة النقدية المتشددة نسبياً في دعم ثقة المستثمرين في أدوات الدين المحلية، رغم التكلفة المرتفعة للفائدة وتأثيرها على النمو والقطاع الخاص.