البنك الإسلامي يرسم خريطة طريق لإدخال الفقراء دائرة الإنتاج

بندر حجار لـ «الشرق الأوسط»: لدينا تعاون مع روسيا لصالح التنمية الاقتصادية

رئيس مجموعة البنك الإسلامي («الشرق الأوسط»)
رئيس مجموعة البنك الإسلامي («الشرق الأوسط»)
TT

البنك الإسلامي يرسم خريطة طريق لإدخال الفقراء دائرة الإنتاج

رئيس مجموعة البنك الإسلامي («الشرق الأوسط»)
رئيس مجموعة البنك الإسلامي («الشرق الأوسط»)

الصعوبات التي تواجه الدول الإسلامية متنوعة ومتعددة؛ فغالبيتها تعاني زيادة مطَّردة في عدد السكان، وارتفاعاً في نسب البطالة والفقر والمرض، وشحاً في المياه، واعتماداً على مصدر وحيد للدخل، كثيرا ما يتأثر بتقلبات الأسعار في الأسواق الدولية، إلى ما يمر به البعض، في السنوات الأخيرة، من عدم استقرار سياسي، أدى إلى حالة من الهشاشة والنزوح القسري أثرت- بدورها- تأثيراً قوياً على البلدان العربية والإسلامية، وزادت مواردها ضغطاً على ضغط. الدكتور بندر محمد حمزة حجار، الذي تولى رئاسة مجموعة البنك الإسلامي أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي، بدأ منذ اليوم الأول مسؤولية قيادة هذه المؤسسة المالية العالمية في التخطيط ووضع البرامج والآليات التي تمكّنه من مواجهة تلك التحديات وتحويلها إلى فرص تضاف إلى إنجازات البنك الإسلامي للتنمية على مدى 42 عاما، ولم يخف الدكتور حجار خلال حديثه إلى «الشرق الأوسط» التحديات الكبيرة، التي أهمها الحروب وما تخلفه من مشكلات جمة، ليطلق خريطة طريق للبنك لحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه العالم. يرى الدكتور الحجار أن «مسؤولية مكافحة الفقر لا تنحصر في توفير الطعام والملبس والمسكن فقط، وإنما تمتد المسؤولية إلى تحويل الفقير إلى شخص منتج»، فإلى نص الحوار...

* تسلمتم منصبكم، بشكل رسمي رئيسا لمجموعة البنك الإسلامي للتنمية في بداية أكتوبر الماضي، وبعد مائة يوم تحدثتم عن خريطة طريق للسنوات الخمس المقبلة... فما هذه الخطة، وما أبرز ملامحها؟
- نعم، حقيقة بعد قراءتي للتحديات الداخلية والخارجية التي تواجه البنك بصفته مؤسسة مالية تنموية، والتحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تواجه دولنا الأعضاء واستشرافي للمستقبل، وضعت خريطة طريق انطلاقا من تلك المعطيات، وهي تبين كيف سيكون البنك خلال السنوات الخمس المقبلة؛ حتى يتمكن من التعامل بكفاءة وفاعلية مع تلك التحديات، ويستجيب لتطلعات الدول الأعضاء. والملامح الرئيسية لتلك الخريطة تكمن، بداية، في أن يكون البنك مبادراً، أي قادراً على قراءة الواقع واستشراف المستقبل، وإيجاد حلول تنموية شاملة تعالج الأسباب وليس الأعراض، وأن يكون البنك سريعاً ومرناً في تحريك موارده المالية والبشرية في الوقت المناسب، وأن يكون رائداً في إبراز دور النظام الاقتصادي الإسلامي في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه العالم. ويحقق البنك هذه الرؤية من خلال اللامركزية، وتوسيع وتعميق الشراكة والتوسع في استخدام التقنيات والمنصات الإلكترونية، وبناء القدرات المؤسسية والفردية، والتحول تدريجياً من بنك للتنمية إلى بنك للتنمية والإنمائيين.
* وهل هناك مجالات معينة لها الأولوية في خطتكم للسنوات الخمس؟
- هناك ثلاثة أهداف استراتيجية تحظى بالأولوية، الهدف الأول، الشمولية التضامنية، بالتركيز على تلبية احتياجات السكان الأكثر، وهم الفقراء والمهمشون، والهدف الثاني هو الترابط لتحقيق النمو المستدام من خلال تعزيز الاستثمارات المشتركة والتجارة وتبادل الخبرات على جميع المستويات والقطاعات، والهدف الثالث هو دعم الصناعة المصرفية الإسلامية، التي ينفرد بها البنك.
* ماذا كنتم تقصدون حينما أشرتم إلى أنكم تعملون على التحول إلى بنك للتنمية والإنمائيين؟
- هو إتاحة الفرصة للجمهور في الدول الأعضاء وفي المجتمعات الإسلامية في الدول غير الأعضاء للمشاركة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في جميع مراحل المشروعات، بدءًا من تقييم الاحتياجات وتصميم الحلول، وجمع الأموال وتنفيذ المشروعات، وتقييم الأثر، وذلك من خلال المنصات الإلكترونية والتواصل المباشر من خلال المكاتب الإقليمية، ويشمل الجمهور القطاعين الحكومي والخاص، والقطاع الثالث من المؤسسات الخيرية وجمعيات المجتمع المدني، والجامعات ومراكز الأبحاث، والأفراد. هذا التوجه سيزيد من درجة الشفافية والحوكمة. وتدريجيا، يتحول البنك إلى شبكة تواصل، ويمكن من خلال هذه الشبكة تحقيق الأهداف، والاستفادة من نقاط القوة لدى الشركاء وتعظيم القيمة المضافة.
* تحدثتم أنكم ستتحولون إلى بنك لامركزي، كيف يتم ذلك؟
- اللامركزية تعني نقل بعض العمليات من المقر الرئيسي للبنك بجدة إلى المكاتب الإقليمية، وتفويض صلاحيات إدارة تلك المشروعات في الدول التي تعمل في نطاق المكتب الإقليمي لمدير المكتب، وبهذا الأسلوب سيكون البنك أكثر قرباً إلى جميع الشركاء والدول، ويكون أكثر سرعة ومرونة؛ كما أن اللامركزية ستؤدي إلى تقليل التكاليف وسرعة الإنجاز وجودة العمل. ومن ثمرات اللامركزية غرس ثقافة التمكين وتفويض الصلاحيات إلى المديرين المباشرين، وتعزيز حس المسؤولية عن طريق إعادة ضبط الهيكل التنظيمي، وإنزال أهداف الاستراتيجية العشرية إلى مستوى الموظفين.
* كم عدد المكاتب الإقليمية، وما حدود مسؤولياتها جغرافيا؟
- توزيع المكاتب على الأقاليم هدفه تفعيل دورها وتمكينها من أداء مسؤولياتها بفاعلية، والمكتب الإقليمي يكون في دولة معينة، لكنه يخدم دولا مجاورة عدة، وللبنك مكاتب في كل من داكار عاصمة السنغال، ويخدم 11 دولة في غرب أفريقيا، وفي الرباط العاصمة المغربية ويخدم أربع دول في شمال أفريقيا، وفي ألماتي عاصمة كازاخستان الاقتصادية والثقافية ويخدم ست دول في وسط آسيا، وفي كوالالمبور بماليزيا ويخدم ثلاث دول في أقصى شرق آسيا، إلى جانب خمسة مكاتب تمثيلية في إسطنبول وأنقرة وجاكرتا وبنغلاديش ومصر ولاغوس نيجيريا.
* يرى البعض أن البنك الإسلامي للتنمية في حاجة إلى بذل المزيد من الجهد لتطوير الصناعة المصرفية الإسلامية؛ فالمستجدات الاقتصادية تتزايد بشكل سريع، لكن الاستجابة بحلول تتفق مع الشريعة بطيء؟
- هناك حاجة إلى ابتكار المزيد من الأدوات المالية طويلة الأجل وتخفيض التمويلات قصيرة الأجل المولدة للديون والتوسع في التمويل عبر الصكوك وتطوير مؤسسات الزكاة والوقف والقرض الحسن والتكافل، ونحن بصدد تطوير معهد البحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية، وفي الوقت نفسه تحفيز الدول الأعضاء لتطوير تلك المؤسسات، ولدينا برامج للمساعدة الفنية وتثمير ممتلكات الأوقاف. ومن ناحية أُخرى، فقد سجلت المصرفية الإسلامية نمواً بلغ 17 في المائة في المتوسط خلال السنوات الخمس الماضية، كما وصل حجم أصول هذه المصارف 2 تريليون دولار. والبنك بصدد إنشاء مركز تميز بالشراكة مع بعض الدول والمؤسسات لتبادل الخبرات في مجال تطوير الصيرفة الإسلامية.
* في الأسابيع الماضية، كان هنالك نشاط لكم من خلال استقبالكم وفودا من روسيا الاتحادية، وناقشتم التعاون في مجال الصيرفة الإسلامية، ما دور البنك في ذلك؟
- هناك اهتمام كبير بالصيرفة الإسلامية في روسيا الاتحادية، وقد استقبلت في فبراير (شباط) الماضي رئيس جمهورية تتارستان والوفد المرافق له، وخلال الأسابيع الماضية زار البنك عدد من الوفود والشخصيات رفيعة المستوى من جمهورية روسيا الاتحادية، ضمت مسؤولين كبارا من البنك المركزي الروسي، ومجلس الدوما، وسوق الأوراق المالية، وبعض البنوك الأخرى، كما زار البنك رئيس مجلس شورى المفتين لمسلمي الاتحاد الروسي، وخلال كل تلك اللقاءات كان موضوع الصيرفة الإسلامية حاضرا إلى جانب القضايا المتعلقة بالأوقاف والتعاون الفني والتجاري بين روسيا الاتحادية ومجموعة البنك. وفي مايو (أيار) 2016 وقّع البنك الإسلامي للتنمية مذكرة تفاهم مع البنك المركزي الروسي، وعدد من البنوك الروسية، وهي بنك مؤسسة الدولة للتنمية وشؤون التجارة الخارجية، وبنك سبير، وبنك تتفوند. وتتيح مذكرات التفاهم تبادل الخبرة والمعرفة في تنمية قطاع الصيرفة الإسلامية وتعزيز فرص التعاون في مجال تبادل الخبرات وتعبئة الموارد وتنمية القطاع الخاص والتجارة، وضمان الاستثمار وصناعة الحلال، إلى جانب إنشاء مجموعة عمل ووضع خريطة طريق للتعاون والتشاور في المجالات القانونية والتنظيمية. وأستطيع القول إن التعاون بين البنك والاتحاد الروسي يسير بصورة طيبة، وهناك إرادة من الجانبين لدعم هذا التعاون وتعزيزه وتسخيره لصالح التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالاتحاد الروسي.
* وكيف ستتم الآلية التي تدعم تلك الجهود بينكم وبين الاتحاد الروسي؟
- تم في عام 2015 تكوين مجموعة العمل الخاصة ببنوك المشاركة الإسلامية بإشراف البنك المركزي الروسي، ومشاركة ممثلين من البرلمان والوزارات والوكالات والمؤسسات المالية بالاتحاد الروسي، وتعمل المجموعة على تنمية العلاقات مع المؤسسات الدولية وتطويرها، بما فيها البنك الإسلامي للتنمية، مع العمل على تطوير برامج ومشروعات ريادية في مجال مصرفية المشاركة. وهناك برنامج يتم تطويره بواسطة مجموعة البنك ومجموعة العمل، يشمل إلى جانب الأمور المتعلقة بالصيرفة الإسلامية مجالات التعاون التجاري، والفني لبناء القدرات، وتنمية القطاع الخاص، ونحن نتابع باستمرار التطور الذي يتحقق في تلك المجالات.
* من المعروف أن هناك برامج متنوعة على مستوى الدول ومستوى المؤسسات التنموية الدولية لمكافحة الفقر وتخفيض أعداد الفقراء في العالم، ولكن النتائج بطيئة وفي بعض الأحيان غير ملموسة، كيف تتم معالجة هذا الموضوع؟
- لا يقاس الفقر بالدخل المالي فقط وإنما الفقير أيضا، من لم يستطع الحصول على التعليم والصحة والتمويل؛ ولذلك لا تنحصر مسؤولية مكافحة الفقر في توفير الطعام والملبس والمسكن فقط، وإنما تمتد المسؤولية إلى تحويل الفقير إلى شخص منتج يكتسب من عمله دخلاً، من خلال التعليم والتدريب؛ ولذلك فإن مهام المؤسسات العاملة في هذا المجال توفير الأساسيات وخلق فرص تمكن الفقراء من الكسب، وهذا يشمل مهام مؤسسات الوقف والزكاة والتكافل والقرض الحسن، وهي ما يسمى بالتمويل الاجتماعي الذي يستهدف تحويل الفقير إلى منتج.
* أشرتم في بعض لقاءاتكم إلى وجود حاجة ماسة إلى دعم القطاع الخاص لتعزيز النمو الاقتصادي في الدول الأعضاء. ما آليات مجموعة البنك للقيام بهذا الدور؟
- القطاع الخاص هو المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي وخلق فرص عمل، ومجموعة البنك الإسلامي للتنمية أنشأت كيانات مستقلة لها رئيس تنفيذي ومجلس إدارة لدعم القطاع الخاص، وهي «المؤسسة الإسلامية لتنمية القطاع الخاص»، و«المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة»، و«المؤسسة الإسلامية لتأمين الاستثمار وائتمان الصادرات»، إضافة إلى الأقسام المختلفة في البنك، وكل نشاطها يستهدف دعم القطاع الخاص إلى جانب توفير التمويل للعمل مع الدول الأعضاء على تحسين الأطر القانونية وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الشفافية، وبناء القدرات المؤسسية والفردية. وكما أشرت سابقا إلى أن مجموعة البنك تنظم هذا العام، في إطار خطة التواصل مع شركائها، أربعة منتديات، واحد منها عن الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وسيقام يوم 22 من هذا الشهر في الرياض ضمن برنامج تفعيل هذه الشراكة في الدول الأعضاء.
* من التحديات التي تواجه بعض الدول الأعضاء ارتفاع نسبة الشباب إلى إجمالي عدد السكان وزيادة معدلات البطالة والافتقار لبيئة عمل مواتية. فهل لدى البنك مبادرات لدمج الشباب في التنمية؟
- يبلغ عدد الشباب في العالم الذين تراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة نحو 1.75 مليار، منهم 28.5 في المائة في الدول الإسلامية، وهناك مخاوف وتبعات من المنظور الاقتصادي والاجتماعي والأمني من ارتفاع هذا العدد في ظل غياب أُفق واضح للتعامل مع الشباب. ولدى البنك اهتمام بهذه القضية وسيعقد مؤتمرا للشباب خلال الفترة 15 – 16 مايو 2017 في جدة تحت عنوان «التمكين الاقتصادي للشباب واندماج الشباب في التنمية الاقتصادية والاجتماعية» يدعى له قيادات الشباب في مختلف التخصصات، ومن جميع الدول الأعضاء الـ57، ويصاحب المؤتمر عقد ورش عمل لعرض التحديات والفرص والتجارب الناجحة وتخصيص جلسة خاصة عن دور الشباب السعودي وريادة الأعمال في تحقيق «رؤية المملكة 2030».
* ماذا عن منتدى للشراكة بين القطاعين العام والخاص الذي تنوون إقامته في الرياض، ولماذا مع القطاع الخاص؟
- لو نظرنا إلى حجم الاستثمارات المطلوبة في مشروعات البنية التحتية على مستوى العالم فتقدر بنحو 3.3 تريليون دولار سنويا. في قارة آسيا التي يعيش فيها نحو ثلثي سكان الدول الأعضاء يوجد نحو 600 مليون شخص خارج شبكة الإمداد الكهربائي وأكثر من 360 مليون شخص لا تتوفر لهم مياه شرب مأمونة، ونحو 1.7 مليار من دون مرافق صحية، وفي أفريقيا، حيث أكثر من نصف الدول الأعضاء، هناك فجوة تمويل للبنية التحتية تقدر بنحو 93 مليار دولار سنوياً. هذه الاحتياجات والمشروعات المطلوبة لها تحتاج إلى استثمارات ضخمة وإلى خبرات متنوعة؛ ولذلك من الضروري أن تتضافر جهود القطاعين العام والخاص لتنفيذها. وتعمل دول العالم على تطوير صيغ الشراكة لتكون أكثر فاعلية.
وأما لماذا؛ فلأن توزيع المخاطر بين أكثر من طرف، وتوفير رأس المال والمعرفة والخبرة، يعمل على تخفيف الأعباء المالية على القطاع العام، فبدلاً من رصد مبلغ معين من خزينة الدولة لمشروع واحد يمكن من خلال هذه الصيغة تنفيذ خمس مشروعات وبجودة أفضل وأيضاً من مزايا الشراكة تعزيز الإفصاح والشفافية والمساءلة في إدارة الموارد وفتح المجال لحلول مرنة تستجيب للسياسات التطويرية.



محافظ «المركزي السعودي»: نموذجنا الوطني حصّن الاقتصاد ضد الصدمات

محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (صندوق النقد الدولي)
محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (صندوق النقد الدولي)
TT

محافظ «المركزي السعودي»: نموذجنا الوطني حصّن الاقتصاد ضد الصدمات

محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (صندوق النقد الدولي)
محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (صندوق النقد الدولي)

قال محافظ البنك المركزي السعودي (ساما)، أيمن السياري، إن الاقتصاد السعودي بات اليوم نموذجاً للمرونة والقدرة على مواجهة الأزمات من موقع قوة. وأوضح أنَّ التنفيذ المستمر لأجندة «رؤية 2030» قد حصَّن المملكة ضد الصدمات الإقليمية، مدعوماً بنمو صلب وتضخم محتوى، وإدارة حصيفة للسياسة النقدية والمالية.

هذه القوة لم تكن وليدة الصدفة، بل هي نتاج تراكمي لعقود من الإصلاحات الهيكلية والاستثمار الاستراتيجي في البنية التحتية والمؤسسات، مما منح المملكة قدرةً تشغيليةً ومرونةً عالية في امتصاص الصدمات، لتتحوَّل مقومات القوة الوطنية هذه إلى صمام أمان يسهم في حفظ ثقة المستثمرين والمستهلكين في الاقتصاد العالمي.

البنية التحتية السعودية

وفي إطار الربط بين الجاهزية الوطنية والأمن الماكرو-اقتصادي العالمي، أبرز السياري، أمام اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التابعة لصندوق النقد الدولي، التي يرأسها وزير المالية السعودي محمد الجدعان، دور البنية التحتية المتنوعة للطاقة والتجارة في المملكة بوصفها ركيزةً أساسيةً لاستمرارية الإمدادات تحت الضغط.

وأشار إلى أنَّ الاستثمارات السعودية طويلة الأمد، وفي مقدمتها خط أنابيب «شرق - غرب» الممتد إلى موانئ ينبع، قد أثبتت جدواها بوصفها شريان حياة ليس فقط للصادرات السعودية، بل لإمدادات الطاقة العالمية كلها. هذه القدرة على إعادة توجيه الصادرات والوصول الآمن لموانئ البحر الأحمر والمصدات الاستراتيجية، تعكس قيمة التخطيط طويل الأمد في حماية العالم من انقطاعات الإمداد، وتؤكد ضرورة معاملة أمن الطاقة بوصفه جزءًا لا يتجزأ من الاستقرار المالي الدولي، مع تجنُّب أي سياسات تهمِّش الدور المحوري للوقود الأحفوري في استدامة التجارة والنمو.

المسؤولية الدولية

من هذا المنطلق القوي للمملكة، انتقل السياري لتشخيص التحديات التي تواجه النظام متعدد الأطراف، محذِّراً من أنَّ الحرب في الشرق الأوسط تضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار مادي قد يعيد للأذهان حقبة «الركود التضخمي» التي سادت في السبعينات.

وأشاد بالإنجاز المتمثل في «مبادئ الدرعية التوجيهية»، والتي عدّها محطةً مفصليةً في مسار إصلاح حوكمة صندوق النقد الدولي بعد نحو عقدين من الجمود. وأكد أنَّ هذه المبادئ، التي تجسِّد مستهدفات «إعلان الدرعية»، تعكس مزيجاً من الواقعية والطموح، وتوفر منطلقاً جماعياً لتعزيز فاعلية الصندوق في تمثيل الاقتصادات العالمية المعاصرة.

وشدَّد السياري على أنَّ هذه الخطوة تعدُّ حجر الزاوية لتمكين الصندوق من القيام بمهامه الأساسية في الرقابة والإقراض، ومواكبة التحولات التقنية المعقَّدة مثل الذكاء الاصطناعي والأصول الرقمية، بما يضمن استقرار النظام النقدي الدولي في مواجهة المخاطر الجيوسياسية الناشئة وشبح «الركود التضخمي» الذي يهدِّد النمو العالمي.

ريادة في تنمية القدرات

وأكد السياري على أنَّ المملكة تترجم نجاحها الاقتصادي إلى دعم ملموس للمجتمع الدولي، وهو ما يتجسَّد في التعهد بمبلغ 279 مليون دولار لدعم تنمية القدرات في صندوق النقد الدولي، وافتتاح المكتب الإقليمي للرياض الذي يعزِّز التعاون مع دول المنطقة وخارجها. كما أشار إلى منصات مثل «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» بوصفها أدوات سعودية لتبادل الخبرات العملية، وتعزيز الإصلاحات الضرورية؛ لدعم المرونة والنمو طويل الأجل.


مصر: انتهاء حفر بئر بالصحراء الغربية خلال شهر

وزير البترول المصري كريم بدوي خلال زيارته الميدانية لتفقد مواقع الإنتاج بالصحراء الغربية (وزارة البترول المصرية)
وزير البترول المصري كريم بدوي خلال زيارته الميدانية لتفقد مواقع الإنتاج بالصحراء الغربية (وزارة البترول المصرية)
TT

مصر: انتهاء حفر بئر بالصحراء الغربية خلال شهر

وزير البترول المصري كريم بدوي خلال زيارته الميدانية لتفقد مواقع الإنتاج بالصحراء الغربية (وزارة البترول المصرية)
وزير البترول المصري كريم بدوي خلال زيارته الميدانية لتفقد مواقع الإنتاج بالصحراء الغربية (وزارة البترول المصرية)

أعلنت وزارة البترول المصرية، الأحد، انتهاء واكتمال أعمال حفر البئر التنموية «شمال لوتس العميق 2» بمنطقة مليحة بالصحراء الغربية خلال شهر، بمعدل إنتاج تقديري يبلغ نحو 1000 برميل زيت يومياً، بالإضافة إلى مليونَي قدم مكعبة من الغاز.

وذكرت وزارة البترول، في بيان صحافي، أنَّه في إطار جولة وزير البترول كريم بدوي الميدانية لتفقد مواقع الإنتاج بالصحراء الغربية، أجرى زيارةً تفقديةً لموقع الحفار «EDC 73»، التابع لشركة الحفر المصرية، والذي يعمل ضمن امتياز شركة «عجيبة للبترول» بمنطقة مليحة.

ووفق البيان، حرص الوزير خلال الزيارة، على الوجود وسط العاملين بالموقع، حيث تابع سير العمل خلال الوردية الليلية، مؤكداً أنَّ مواقع الإنتاج تعمل على مدار 24 ساعة لضمان استمرارية العمليات واستدامة إمدادات الطاقة.

وأشاد الوزير بدوي بجهود العاملين في مواقع الإنتاج، مثمناً دورهم الحيوي في تأمين احتياجات الطاقة لملايين المواطنين.

وأكد بدوي ضرورة الحفاظ على معدلات الأداء المرتفعة، مع الالتزام الكامل بإجراءات السلامة والصحة المهنية، بوصف سلامة العاملين أولوية قصوى. كما حرص على استكمال يوم العمل مع العاملين، والمبيت معهم بمقر إقامتهم على الحفار «EDC 73».

وأشار البيان إلى أنَّ الحفار يقوم حالياً بحفر البئر التنموية «شمال لوتس العميق 2» بمنطقة مليحة.


«ماستركارد» العالمية: اقتصادات «الخليج» تواصل النمو رغم التقلبات

مقر شركة «ماستركارد» (الشرق الأوسط)
مقر شركة «ماستركارد» (الشرق الأوسط)
TT

«ماستركارد» العالمية: اقتصادات «الخليج» تواصل النمو رغم التقلبات

مقر شركة «ماستركارد» (الشرق الأوسط)
مقر شركة «ماستركارد» (الشرق الأوسط)

شددت شركة «ماستركارد» العالمية على أن اقتصادات الشرق الأوسط، وتحديداً دول الخليج، تواصل تسجيل أداء متماسك رغم التحديات الجيوسياسية، مدعومة بمنظومات اقتصادية مرنة صُممت لضمان استمرارية التجارة والحفاظ على وتيرة النشاط الاقتصادي.

وقال ديميتريوس دوسيس، الرئيس الإقليمي في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط وأفريقيا لدى شركة «ماستركارد» العالمية، إن الافتراض التقليدي الذي يربط التحديات بتباطؤ الاقتصاد لا ينطبق على واقع المنطقة حالياً، مشيراً إلى أن حركة التجارة مستمرة بوتيرة مستقرة وعلى نطاق واسع، في ظل تراكم طويل من التخطيط وبناء أنظمة قادرة على التكيف مع المتغيرات، وليس مجرد استجابات مؤقتة للأزمات.

التحولات الجيوسياسية

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن التحولات الجيوسياسية في المنطقة، رغم تداعياتها، لم تُضعف الأسس الاقتصادية، بل أظهرت قدرة الأنظمة المصممة للاستمرارية على الحفاظ على كفاءة الأداء وانتظام النشاط الاقتصادي. ولفت إلى أن هذه المرونة تتجلى بوضوح في دول الخليج، حيث تواصل السعودية تنفيذ «رؤية 2030» بدعم من استثمارات صندوق الاستثمارات العامة، فيما تستفيد الإمارات من بنية تحتية رقمية متقدمة وأطر تنظيمية مرنة تعزز كفاءة الأنظمة المالية وسلاسل الإمداد.

وبيّن خلال لقاء خاص أن مسار النمو في المنطقة لم يتراجع، بل تعزز بفضل الجاهزية المسبقة، وهو ما يفسر استمرار تدفق الاستثمارات الدولية، مدفوعة بقوة الأسس الاقتصادية واستقرار البيئة التنظيمية ووضوح استراتيجيات التنويع، الأمر الذي عزز مكانة الشرق الأوسط وجهةً استثماريةً طويلة الأمد.

دوسيس الرئيس الإقليمي في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط وأفريقيا لدى «ماستركارد»

مظاهر المرونة

وأشار دوسيس إلى أن مظاهر المرونة لا تقتصر على المؤشرات الاقتصادية، بل تمتد إلى النشاط اليومي، حيث يواصل الأفراد في مدن مثل الرياض ودبي والدوحة الإنفاق ودعم الاقتصادات المحلية، في حين تُظهر الشركات الصغيرة قدرة عالية على التكيف مع المتغيرات، مما يعزز قاعدة الاستقرار الاقتصادي.

وفي سياق متصل، أوضح أن تنامي الاقتصاد الرقمي ربط المرونة بعنصر الثقة، مع الانتشار المتسارع للمدفوعات الرقمية والخدمات المالية، وهو ما يستدعي تعزيز مستويات الأمان والتقنيات المتقدمة، إضافة إلى توسيع نطاق التعاون بين مختلف الجهات لضمان استمرارية التجارة بسلاسة.

وأكد أن الشراكات طويلة الأمد تلعب دوراً محورياً في هذا الإطار، لافتاً إلى أن «ماستركارد» تعمل منذ أكثر من أربعة عقود مع الحكومات والبنوك وشركات التقنية المالية والتجار في المنطقة لتطوير منظومة متكاملة، دعمت انتشار حلول مثل المدفوعات اللاتلامسية وأنظمة الدفع الفوري وتعزيز أمن المعاملات الرقمية.

التعامل مع التحديات

وشدد دوسيس إلى أن اقتصادات دول الخليج والمنطقة تدخل عام 2026 بقدرة أكبر على التعامل مع التحديات، مؤكداً أن المرونة الاقتصادية في المنطقة لم تعد خياراً مؤقتاً، بل أصبحت مساراً مستداماً قائماً على التخطيط والتعاون والابتكار، يضمن استمرارية النشاط الاقتصادي مهما تغيرت الظروف.