تحديات ترجمة الشعر إلى العربية.. بوزن وقافية

إبراهيم عبد الملك يترجم «سوناتات إينغر» للسويدي ويليام أولسون

غلاف السوناتات
غلاف السوناتات
TT

تحديات ترجمة الشعر إلى العربية.. بوزن وقافية

غلاف السوناتات
غلاف السوناتات

وأنا أهم بتلخيص قراءتي للمجموعة الشعرية «سوناتات إينغر»، الصادرة عن المتوسط، ميلانو، وجدتني أتناغم مع إيقاعات وترين؛ وتر السوناتات السبع والعشرين التي كتبها الشاعر ماغنوس ويليام أولسون، وأعني القصائد بلغتها الأصلية (السويدية)، والثاني ترجمة الشاعر إبراهيم عبد الملك لها إلى العربية.
والوتران يتناغمان في أكثر من تردد موسيقي يشي بتلاقي الرؤى بين الشاعرين، وقدرتهما على امتلاك أدوات الشعر، واستخدام الصور البلاغية بطريقة تحاول ترطيب الفكرة المشبعة أصلا بسحب قاتمة، متحدية قيود اللغة التي تفرض شروط بيئتها وقوانينها الخاصة حين تنقل إلى لغة أخرى، فكثيرًا ما تفقد القصيدة الأصلية بريقها وقوة معناها عندما تترجم إلى لغة مغايرة تمامًا.
لكن المترجم تمكن من تقصي مسارات المعنى، بتفكيك القصيدة وإعادة صياغتها، فنقلها إلى العربية بأسلوب نشم فيه عبق القصيدة، ونتذوق قراءتها، رغم وعورة تضاريس الأرض التي كان يحرث بها.
وددت هذا للإفصاح عن الحالة التي وجدتني فيها حين ولجت عالم هذه السوناتات، وقد فضلت قراءتها بلغتها الأصلية أولاً، قبل قراءة الترجمة، وهو أمر لا أفقه دوافعه، حيث وقفت أمام البيت الأول من السوناتا الأولى، مأخوذًا بالسؤال المباغت، كمن أحس فجأة بوخزة في عينه..
Livslinjen i handen، varifrån?
خط الحياة الذي في الكف، من أين؟
هكذا جاءت ترجمة البيت المستهل عفوية، وحرفيًا بالوزن نفسه والإيقاع الموسيقي نفسه. والغريب أن هذا الشعور هو ذاته الذي انتاب المترجم إبراهيم عبد الملك حين وقعت عيناه على هذا البيت، لأول مرة، والذي عبر عنه في الإضاءة التي كتبها بعد ترجمة السوناتات، وشرح بها خلفيات اهتمامه بترجمتها. وهنا يبرز التساؤل: إن كان ذلك مجرد توارد خواطر، أو تشابه في الذائقة الشعرية، أم هو سحر الجملة الشعرية التي أفرزت شعورًا خفيًا يشبه ذلك الذي ينتاب المرء حين يدخل مكانًا تضوع فيه الشموع، وتتصاعد منه رائحة البخور، الأمر الذي جعل الإدرينالين يسير في جسد المترجم، حسب وصفه، ودفعه لخوض مغامرة تشابكت بها مسارات شتى، وتطلبت ترجمتها جهودًا استثنائية في سبر أغوار النصوص المشحونة بسياقات درامية وفلسفية عميقة تنامت تحت ظلال محسوسية موضوعها الذي يفرض بصورة لا مفر منها البحث عن الأدوات اللغوية الملائمة، التي ترتفع إلى مستوى هذا الطراز من المعمار الشعري الغنائي، الذي قلما نجح الشعراء الذين خاضوا تجربته في الوصول إليه، وأعنى به فن السوناتا، المحكوم بقواعد لا يمكن سوى التقيد بها. ومشروع نقلها إلى لغة أخرى يفرض مهام مضافة على المترجم في الحفاظ ليس فقط على بيئتها وتربتها، بل وأيضًا على موسيقاها وإيقاعاتها وتلاوين صورها.
لست متأكدا من أن هذا الشعور عند مدخل هذه السوناتات كان مجرد توارد خواطر فحسب، فلربما يعود ذلك إلى أننا لم نعتد عند قراءتنا للشعر بلغة أجنبية أن نجد فيه مثل هذه الموسيقى، وهذه الدوزنة الروحية.
وربما هو السؤال الذي رن في أذني، واستوقفني لأبحث في متاهتي عن جواب له بين ثنايا السوناتات:
خط الحياة الذي في الكف، من أين؟
فقد شممت فيه نكهة غير تقليدية، ليست من ذلك النمط الذي يأتي عادة في السياق، يُطرح دون انتظار إجابة ما، أو أنه يحمل معه إجابته، وإنما جاء لينبئ بالغوص في مياه تتلاطم أمواجها، ويصعب الخروج من مدها وجزرها، دون أن تشتبك في الدواخل مشاعر مختلطة من تصاعد ضربات المقاطع الشعرية المغناة وأوتار الكلمات المشحونة بالأسى، الذي يجري عبر مساماتها المثقلة بقتامة الثيمة التي يعالجها الشاعر ماغنوس ويليام أولسون في سوناتاته، وهو يرصد ويعيش في آن واحد مغزل اللحظة، التي يلف في مداراته الكثيفة علاقة إنسانية معقدة غارقة في متاهتها الأبدية، ورابطة متشابكة الخيوط، عصية على الحل، لم يتبق من تداعياتها سوى تساؤلات تحني رؤسها.
من أي أنواع الزمان الحبُّ؟ حُرُّ؟ أم مقيّدْ؟
الكُلُّ مجموعًا؟ أم اللحظَّيةُ امتدَّ المدى فيها؟
نرمي إلى الفخِّ الحواسَ، إلى شباكِ الحب نرميها
ونظنُّ هذي البرُهة العجلى تخلَّدْ
من المتعارف عليه أن اللحظة الشعرية تجيء، في الصياغات، وفق لعبة تمازج بالخيال والواقع، فتحلق أفكار الشاعر في فضاءات تبتعد أو تقترب عن أرضية الملموس، المعاش، الذي تنطلق منه، غير أن «سوناتات إينغر» تجاوز الأمر فيها حدود لعبة الاستعارات البلاغية المؤثرة إلى حالة أكثر جدية وعمق، حيث الواقع يفوق التحليق في فضاءات التخيل، ويفرض مقدرة الشعر على التعبير عن مكنونات النفس البشرية، بمعايشة حسية ووجدانية، وحتى جسدية، تتجاوز في حالة ما حدود الأعراف، وتدخل في منطقة المحرمات، لكنها في معادلة الحياة، وحضرة الموت المنزوي في خلفية المشهد، تأخذ أبعادا سايكولوجية معقدة، وتصعّد من دراما الحدث بطريقة تشبه التجلي الأوبرالي بإيقاعات صاخبة.
فالسوناتات، عبارة عن ملحمة تُمسرح علاقة متشابكة بين ابن وحيد وأم مصابة بألزهايمر، ولم يتبق لديها من حياة سوى اللحظة الغارقة في متاهتها الأبدية. يبتلع حياتها الآني الكئيب ببطء وسكون مملين. والماضي لم يعد، بالنسبة لها، سوى بقايا راهن شديد القسوة والوجع. وتحاول هذه الغنائيات أن تحيلنا إلى مشاهد محاولات الابن في جذب اهتمام الأم، للتشبث بالحياة، بتأن وصبر جميل في أحايين كثيرة، ويأسٍ وإحباط، في بعض الأحيان، مجربًا كل الوسائل، وتعكزا على المشترك ما بينهما في الزمان والمكان، وأواصر الارتباط الروحي والجسدي، في إطار عمق الحالة إزاء حاضرها.
إينغر حاضرة جسدًا، لكنها مسافرة في نفق مظلم، شاردة الذهن، محلقة في عوالم مغلقة. والشاعر، الابن، يصف هذا المشهد الدرامي من خلال استحضار ما دأبت الأم على ممارسته، قبل أن تضمحل ذاكرتها وتتلاشى تمامًا، كعاداتها في التدخين والقراءة، مثلاً. يتطلع إليها وهي تمسك كتابًا، لتقرأ، لكن صفحاته لا تعني لها شيئًا سوى عوالم غامضة، فكل صفحة منه تشكل، في عينيها، عالمًا مستقلاً عن الآخر، وهذا ما جسده الشاعر بصياغات لغوية مقفاة تحمل ثنائية المعنى وتعقيداته، وقد نقلها لنا إبراهيم عبد الملك بشكل حافظ، وبدقة، على روحية النص، ولكن بتراتيل مموسقة جعلتها أكثر ألفة وانسجاما:
إني رأيتُكِ عِبرَ نافذتي خيالا
يُسراكِ تحتضُن الكتابَ، وفي اليمين
سيجارةٌ. جالت مع النسيان نظرتُك التي لا تستكين
لا تقلبين الصفحة. الحالي إذ يعني الكمالا
وفي لحظات يراقب بها الابن أمه بعين مستعارة من ذاكرة الطفولة، ثم يقوم بإعادة ترتيب هذه الذاكرة لتلائم رؤية شاب في سن البلوغ، فتنعكس هذه المشاهدة، في بعض الومضات التي يصف بها أنوثة الأم ومفاتن جسدها. وفي بعض المسارات، تكاد هذه المتابعة أن تخلق حالة من فنتازيا الارتباط الروحي الذي يتجاوز حدود الأمومة، ويلامس حافة المحرمات، حينما تتصاعد العلاقة تدريجيا في نسق درامي، خيالي يحاكي أوديب، في الأسطورة المعروفة عن الملك الذي تزوج أمه، جاكوستا، دون علمهما. وهذا ما نجده متجليًا حين يخاطب الابن في قصيدة ماغنوس ويليام أولسون أمه «جاوكستا – إينغر»، أو كما في ترجمة إبراهيم «يا أنتِ.. جوكاستا»، لضرورة المحافظة على الوزن:
طفلٌ يُقبِّلُ، أو يُداعِبُ، علَّ ذا يُجدي دفاعًا مستحيلا
ضدَّ اشتهاءٍ ألهبَ الأطراف بالنيرانِ
يا أنتِ – جوكاستا، الذُكُورةُ تحرقُ الجَسدَ النحيلا
هذه المسارات المعقدة تأتي متحدية، وأحيانا عصية على الفهم، فالابن يستعير من ذاكرة الطفولة مشهد أبيه وأمه العاطفي، ويسرح في متاهة هي مزيج من رد فعل طفولي وفضول لمشاهدة دراما حياتية، جاءت به مثلها إلى الحياة.
أرنو إلى الأطراف والجسدينِ
طافت أديمَكِ لهفةً شفتاهُ
عريٌ، بياض سافرٌ. وذهولي
كم كنتما أدنى لحيوانينِ.
البابُ أفلِتُهُ بلا صوتٍ. بقيتُ كأنما
ربٌّ تخفّى. خِفت؟ كلا، ربما
فرحٌ طواني؟ متعةً كانت وبالإمكان. ثُمَّ تكلَّما:
- هل ترتَجينَ زيادةً؟ - شكرًا، نعمْ! فكسوتُما

خيط من التحدي الثنائي للموت يغزل «سوناتات إينغر»، ففيما يقضي الابن أوقاته يعالج، بصبر جميل، فكرة أن يقشع ولو قليلا من شرودها، عبر محفزات الذاكرة، ومنح الجسد البارد دفء حنان، نجده يستنجد، يائسًا، بالموت، ليعينه على ترتيب معنى الحياة، في مشهد شديد الوجع.
رجوتُكَ، ياموتُ، أقبِل وخُذْها إلى مُنْتَهاها
لتَنجوَ من فكِّ دهرٍ يلوكُ بكلِّ برود
بلا أي معنى، هنا، جسدًا جاء بي للوجود
لأحيا هنا، الآنَ، حتّى أرى عجزَها وشقاها.

هذه الصورة القاتمة للاستنجاد بالموت من أجل وضع حد للمعاناة، بطريقة أقرب إلى السريالية، لم تكن، برأيي، مستساغة بلغتنا العربية لو ترجمت نثرًا، لكن إبراهيم عبد الملك منح هذه الرباعية ديناميكية الحركة، ونبض الإيقاع «المموسق» والقافية المتناسقة بين مدٍ وضمةٍ ورفع.
*كاتب وإعلامي



روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».


إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!