إنعام كجه جي
صحافية وروائية عراقية تقيم في باريس.
TT

أنفاس امرأة في القمر

استمع إلى المقالة

ما عادت الرحلات إلى الفضاء تثير الدهشة مثلما كانت في السابق. يسافر البشر إلى هناك وكأنهم في فيلم «إسماعيلية رايح جاي». وقد عادت قبل أيام سفينة فضائية أميركية من مدار القمر وبين طاقمها امرأة.

ترعبني، نعم، سياسة الولايات المتحدة وانحيازها. لكنها ليست سبباً لأن أكره أميركا. تلك قارة وليست مجرد دولة. ارتبط اسمها بالحروب في جانبه المعتم، وارتبط في جانبه المضيء بفتوحات العلم. علاجات الأمراض. الجامعات ومراكز البحث. براءة اختراع التليفون والتلفزيون وغسالة الثياب والقطار الكهربائي والطائرة. موسيقى الجاز. أشعار وايت والتمان. أغنيات سيناترا. كتابات توني موريسون. هوليوود وأفلام ديزني و«ذهب مع الريح» وتشارلي تشابلن و«العراب». الأوسكار وميريل ستريب وروبرت دي نيرو. «التويست» و«الروك آند رول». «ناشونال جيوغرافيك» و«النيويوركر». منها جاء هاتفي الجوّال و«الفيسبوك» الذي يربطني بالأصدقاء. تلك هي أميركا. الملايين الكثيرة الطيبة وبينها ما هو أبشع من البشاعة.

عادت إلى الأرض سفينة الفضاء «آرتيميس 2» بعد أن دارت حول القمر. ماذا يريد الأميركيون منه ومن سواه من موجودات المجرّة؟ تحضر، رغماً عني، مفردة الغزو إلى لساني. غزو القمر. كلمة جاءت من قاموس الحروب. أليس من الأفضل ترك الكواكب وادعة في بروجها بدل أن نحطّ عليها وننقل لها جرثومة نزاعاتنا الأرضية؟

يسخر أهل العلم من هذا السؤال. إنه هاجس شعراء حالمين. أما الواقع فهو أن موارد الكرة الأرضية باتت شحيحة، تضيق بالساكنين في بطاحها. لا بد من التفكير بالأجيال المقبلة. توفير مصادر جديدة للماء والغذاء والطاقة. خامات للصناعة وآفاق إضافية للزراعة والاستنبات. من القمر قد يأتي طعام الأحفاد. «ديلفري».

بين رواد الفضاء الأربعة في رحلة «أرتيميس 2» امرأة هي كريستينا كوش. درست كثيراً وتخصصت في تصميم الآلات اللازمة لرواد الفضاء. تدربت على الإقامة في المناطق المتجمدة والحارة. تسلقت الجبال ومارست «اليوغا» وأحبت التصوير الفوتوغرافي والتحقت بالبرنامج الأميركي لارتياد الفضاء. وفي ربيع 2019 جاءتها الفرصة المنتظرة. طارت نحو المحطة الفضائية العالمية وبقيت فيها طوال أحد عشر شهراً. رقم قياسي لمكوث امرأة في الفضاء.

رأيناها تعود من رحلتها الأخيرة إلى مدار القمر. تفتح باب البيت وتحتضن كلبها. ليس لها أبناء. نشرت الصور وكتبت منشوراً جاء فيه أن العائلة كلها عاشت تلك المغامرة. زوجها يعمل في المحيط ذاته. تابع مغامرتها لحظة بلحظة. قلق وترقب وانتظار وصلاة. سبحت الرائدة في الفضاء وعلى الأرض كانت قلوب أهلها طبولاً تقرع في الصدور.

أراها تهبط من السماء إلى مستوى البحر. تأخذ مركباً صغيراً وليس معها سوى كلبها. يحلّ الليل فتتسلى بمراقبة النجوم. تلك هواية رافقتها منذ الصغر. كبرت كرستينا وصارت رائدة فضاء. بدأت ترى الكوكب الفضي بعينين جديدتين. تتأمله وتدرك معنى أن تترك امرأة أنفاسها في محيط القمر. بارقة أمل لنساء العالم. بينهن من لا تملك أن تتخطى عتبة الدار.