د. عبد الله فيصل آل ربح
أكاديمي سعودي, أستاذ مشارك لعلم الاجتماع الديني والنظرية الاجتماعية جراند فالي الأميركية, وزميل أبحاث غير مقيم بمعهد الشرق الأوسط بواشنطن العاصمة. نشر العديد من الأبحاث المحكمة في دوريات رصينة, إضافة لنشره لعدة دراسات في مراكز الفكر بواشنطن. ومن أهم إصداراته كتاب «المملكة العربية السعودية في الصحافة الأنجلو: تغطية المملكة في القرن العشرين»
TT

تحديات الردع في زمن الحروب غير المتماثلة

استمع إلى المقالة

يشهد النظامُ الجيوسياسي المعاصر تحولاتٍ بنيويةً عميقةً تعيد تعريفَ مفاهيم الحرب والسلام. فلم تعدِ التهديدات الكبرى تنبع بالضرورة من جيوشٍ نظامية تتحرَّك وفق عقيدة عسكرية تقليدية وواضحة المعالم، بل أصبحنا نعيشُ في حقبة تتَّسم بحالةٍ من السيولة الأمنية التي تفرضها الفواعل غير الدولتية. هذه السيولة تجعل من الصعب التنبؤ بمسارات التصعيد الإقليمي والدولي، وتضع استراتيجيات الردع الكلاسيكية أمام اختبار قاسٍ، حيث تجد الدول الكبرى والإقليمية نفسها مضطرة إلى مواجهة شبكات مسلحة لا تلتزم قواعدَ الاشتباك التقليدية ولا تخضع لحسابات الربح والخسارة التي تحكم عقلانية الدولة.

من منظور التحليل الفيبري لعقلانية الدولة والمؤسسات، يرتكز استقرار أي نظام سياسي بالدرجة الأولى على احتكار الدولة الفعلي لأدوات القوة العسكرية. غير أنَّ صعودَ الحروب غير المتماثلة أحدث شرخاً بالغ الخطورة في هذه القاعدة البنيوية. فالجماعات المسلحة والميليشيات العابرة للحدود تستغل البيئات الهشة جغرافياً وسياسياً لتبني مراكز نفوذ موازية. هذا التآكل في سلطة الدولة لا يهدد الاستقرار المحلي فحسب، بل يخلق فراغاً استراتيجياً يسمح لهذه الفواعل باختطاف القرار السيادي، وتهديد الممرات المائية الحيوية وخطوط إمداد الطاقة العالمية؛ ما يجعل الردع عملية معقدة جداً لا يمكن تحقيقها عبر التهديد بالرد العسكري التقليدي البحت.

لقد بُنيت العقيدة العسكرية للقوى العظمى، على افتراض عقلانية الخصم وقدرته على تقييم التكاليف الباهظة للمواجهة المفتوحة. لكن هذا النموذج الموروث من حقبة الحرب الباردة يفقد فاعليته بشكل متسارع حين يكون الخصم فاعلاً غير دولتي لا يمتلك بنية تحتية وطنية كبرى يخشى تدميرها، ولا يخضع لضغوط مؤسسية أو شعبية داخلية. هذا الخلل أدى إلى تراجع الموثوقية المؤسسية للمظلة الأمنية التقليدية. ولا تقتصر تداعيات السيولة الأمنية على البعد العسكري الميداني، بل تمتد لتضرب عصب الاقتصاد العالمي عبر الفضاء الرقمي واستهداف سلاسل الإمداد. إن استهداف البنية التحتية الحيوية، سواء عبر الهجمات السيبرانية المعقدة أو تعطيل حركة الملاحة في المضايق الاستراتيجية، يمثل نمطاً جديداً من الاستنزاف. هذا النمط يرفع تكاليف التأمين وأسعار الطاقة بنسب قد تتجاوز 15 في المائة أو 20 في المائة في بعض الأزمات المفتوحة؛ ما يلقي بظلاله الثقيلة على الاقتصاد الكلي. هذا التهديد الاقتصادي المباشر يضع صناع القرار في الدول التي تعتمد على استدامة التنمية، كدول الخليج العربي، أمام حتمية هندسة أمنية جديدة وشاملة. فرأس المال يبحث دائماً عن البيئة المستقرة، والمشاريع التنموية العملاقة تتطلب جداراً أمنياً صلباً يعزلها عن ارتدادات الفوضى الإقليمية والابتزاز الميليشياوي.

أمام حالة الانكشاف الاستراتيجي التي خلفتها تراجعات القوى الكبرى وحالة الانسداد الهيكلي في قراراتها، لم تقف دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، مكتوفة الأيدي. لذلك؛ برز التوجه القوي نحو بناء قدرات الردع الذاتي بصفته شرطاً أساسياً للحفاظ على السيادة وحماية المكتسبات الوطنية. يشمل هذا المسار العملي تعزيز المنظومات الدفاعية المستقلة، ووضع مسألة توطين الصناعات العسكرية في دائرة الطموح الاستراتيجي، والاستثمار المكثف في الأمن السيبراني، بالإضافة إلى تنويع الشراكات الاستراتيجية مع قوى عالمية متعددة على أسس البراغماتية والندية والمصالح المشتركة. إن هذا التموضع ليس تخلياً عن التحالفات التاريخية، بل هو إعادة هيكلة مدروسة تضمن استمرارية المشاريع الوطنية الكبرى، مثل «رؤية 2030»، بعيداً عن الابتزاز الإقليمي أو التردد الدولي. الخلاصة التي تفرضها التحولات الراهنة هي أن السيولة الأمنية المرافقة للحروب غير المتماثلة ليست أزمة عابرة يمكن تجاوزها بأدوات الأمس، بل هي واقع هيكلي جديد يتطلب مقاربات غير تقليدية. فالاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يبنى على وعود خارجية تخضع لتقلبات المزاج الانتخابي في العواصم الكبرى، بل يبدأ من ترسيخ عقلانية الدولة، واحتكار أدوات القوة، وبناء منظومات ردع ذاتي قادرة على استباق التهديدات. وفي هذا السياق المعقد، تبرز التجربة الخليجية نموذجاً ريادياً يسعى إلى ترويض هذه السيولة الأمنية عبر تحصين الداخل المؤسسي وتوسيع شبكة المصالح الدولية؛ ما يؤسس لمرحلة تاريخية تعتمد على الاستقلال الاستراتيجي والعمل المؤسسي الرصين لمواجهة تحديات المستقبل.