قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إنَّ النظامَ الإيراني قد تم تغييره، فقد رحلَ الصَّفانِ الأولُ والثاني في القيادة الإيرانية، والآن هناك صف ثالث يقود البلاد، وهو يختلف عن السابقين. إيرانُ دولةٌ يحكمها رجلٌ واحد، هو المرشد الأعلى. هناك الآن ثالثهم بعد الثورة الإسلامية. تحركت في مواقع السلطة شخصيات عديدة، وقد غادرها البعض بالعزل أو الموت أو القتل. ذلك يحدث في كل دول العالم بما فيها أميركا ذاتها.
في إيران هناك مستويان لمنظومة الحكم رأسي وأفقي. على رأس السلطة المرشد الأعلى للجمهورية، وهو الولي الفقيه الذي يمتلك كل السلطات، لا يعارضه أحدٌ ولا تُردُّ له كلمة. المستوى الآخر أفقي يتكوَّن من شخصيات وأجسامٍ عدة هي: رئيسٌ للجمهورية ينتخبه الشعبُ ويتولَّى إدارة الشؤون التنفيذية، وكذلك مجلس الشورى الذي يتولى التشريع ويسنُّ القوانين. مجلسُ صيانة الدستور، ومجلسُ تشخيص مصلحةِ النظام، والسلطة القضائية، و«الحرس الثوري»، وقوات «الباسدران»، ومجلس خبراء القيادة الذي يتولى اختيار المرشد الأعلى؛ كل هذه التكوينات تدور حول مركز واحد وهو المرشد الأعلى، الذي يوجه السياسة الداخلية والخارجية، ويمتلك حق إلغاء أو تعديل أو تزكية كل ما يصدر عن المكونات الأخرى، بما فيها القوانين التي يصدرها مجلس الشورى. الإمام آية الله الخميني، اتَّخذ قرارات مخالفة لقوانين سنّها مجلس الشورى وأخرى مخالفة للدستور. شهدت إيران منذ ثورة سنة 1979، إزاحة كثير من القيادات السياسية والعسكرية، بل وُضع بعضهم تحت الإقامة الجبرية لسنوات طويلة.
زرت إيرانَ للمرة الأولى، ضمن وفد وزاري، ترأسه الرائد عبد السلام جلود بعد سنة واحدة من حكم الثورة. وفي زيارتي الثَّانية لها عندما كنتُ وزيراً للإعلام والثقافة. اجتماعاتٌ عديدة وطويلة مكثفة. كانَ الرائد جلود متحمّساً جدّاً للعلاقة مع الثورة الإيرانية. رأى أنَّ الثورةَ الإيرانية هي الداعم القوي للقضية الفلسطينية، بعد توقيع مصرَ اتفاقية السلام مع إسرائيل. استدعاني مع كامل المقهور الوزير والسفير والمحامي والأديب الكبير، وطلبَ منَّا أن نعقد مقترح اتفاقية، لتوحيد فكر الثورتَين الإيرانية والليبية. لم نوافق على مقترحه، وتحدَّث الأستاذ كامل المقهور بصفته رجلاً سياسياً وقانونياً، وأقنعناه بعدم وجود ما يجمع الثورتين فكرياً، واقترحنا أن نعدَّ مشروعاً عامّاً للتعاون. كانَ جلود أكثرَ حماساً للعلاقة مع الثورة الإيرانية من العقيد معمر القذافي الذي كانَ يرى أن علينا الانتظار لمعرفة تفاصيل التوجهات الإيرانية، خصوصاً في خضم الحرب العراقية-الإيرانية. تم الاتفاق على تشكيل لجنة ليبية-إيرانية مشتركة للتعاون بين البلدَين، وكُلّفتُ رئاسةَ الجانب الليبي لها، وكلّفت الحكومة الإيرانية عبد المجيد معاد وزير الإعلام والإرشاد بترؤس الجانب الإيراني. كان شاباً يحضّر الدكتوراه في كتاب «نهج البلاغة»، المنسوب للإمام علي بن أبي طالب، يتحدث عن المهدي المنتظر، وعن الدور الذي ستلعبه الثورة الإيرانية في العالم. قال الوزير الشاب بصوت خطابي حماسي، إنَّ الأمة الإسلامية تتكوَّن من ثلاثة شعوب، العرب والأتراك والفرس. وأضاف، لقد أسس العرب إمبراطورية حكمت مساحة كبيرة من العالم بقوة الإسلام، وكذلك فعل الأتراك، والفرس على الرغم ممَّا لهم من قدرات علمية ومواهب إبداعية وفلسفية وغيرها، لم يحققوا ذلك إلى الآن. زرت طهران برفقة عبد العاطي العبيدي وزير الخارجية، وعقدنا اجتماعات مع رئيس الجمهورية هاشمي رفسنجاني، وعدد من الوزراء ورجال دين ومثقفين. آخر زيارة لطهران كانت سنة 2007، ضمن وفد وزاري برئاسة الدكتور البغدادي المحمودي رئيس الوزراء. لاحظت ما في طهران من ازدحام يربك الحياة، وانخفاض في مستوى الحياة، كما يبدو في مظهر الناس والسيارات والتلوث الذي يغطي المدينة.
إيران بلاد لها خصوصية في كل شيء. نظامُها السياسي يشبه سجادةً فارسية تموج بالألوان، والدين الإسلامي في تجلياته الشيعية، يتحرَّك بقوة في كل أنفاس وخطوات الحياة العامة والخاصة. التاريخ له حمولة فاعلة بكل ما فيها من أحزان وآمال. طموح عقائدي يسكن النخب السياسية والدينية، لكن هناك تيارات وعناصر فكرية وسياسية لديها توجهات واقعية ومعتدلة، تميل إلى الاهتمام بالأوضاع الداخلية للبلاد، خصوصاً الاقتصاد والخدمات، وتدعو إلى انتهاج سياسة التفاهمات والتسويات، مع الأطراف الإقليمية والدولية، وتوسيع هامش الحرية، خصوصاً للشباب والمرأة. لكن الجناح المتشدد الذي يقوده رجال الدين لا يبدي أي مرونة مع الجناح الإصلاحي المعتدل، وقد وُضع بعض رموز التيار الإصلاحي في الإقامة الجبرية، منهم مير حسين موسوي وهو رئيس وزراء سابق، ومهدي كروبي رئيس مجلس الشورى السابق، وهُمش دور محمد خاتمي رئيس جمهورية سابق.
إيران أمَّة عميقة متعددة الأعراق، ذات جغرافيا بشرية وطبيعية متميزة. التاريخ بكل ما فيه من منحنيات لا يغادر القلوب والعقول. الحرب التي تدور الآن بين إسرائيل وأميركا وإيران، تحركها مخاوفُ وهواجس. مصرُ والعراق وفارس، كيانات لا تغيب عن الذاكرة العبرية، السَّبيُ البابلي شكل الدين والتاريخ اليهودي. لن يُولد من بين الملالي نظامٌ بديل، لكن بعد ما تخبو نيرانُ الحرب، سيكون حجم الخراب الذي ضرب إيران، الناقوس الذي يُوقظ الجميع. سوف ينسج الملالي سجادة، يرسمون عليها مسارات إيران الأخرى بألوان جديدة.
