البرلمان الجزائري يقر قانون «تجريم الاستعمار الفرنسي» المعدَّل

بعد جولات نقاش ماراثونية على خلفية التوترات مع باريس

جلسة المصادقة على قانون «تجريم الاستعمار» بمجلس الأمة الجزائري (البرلمان)
جلسة المصادقة على قانون «تجريم الاستعمار» بمجلس الأمة الجزائري (البرلمان)
TT

البرلمان الجزائري يقر قانون «تجريم الاستعمار الفرنسي» المعدَّل

جلسة المصادقة على قانون «تجريم الاستعمار» بمجلس الأمة الجزائري (البرلمان)
جلسة المصادقة على قانون «تجريم الاستعمار» بمجلس الأمة الجزائري (البرلمان)

​في إجراء تشريعي حاسم، صادق «مجلس الأمة» الجزائري (الغرفة العليا للبرلمان)، الأحد، بصفة نهائية، على «مشروع قانون تجريم الاستعمار» بعد إدخال تعديلات عليه، وذلك عقب جولات ماراثونية من النقاشات المستفيضة في أبعاده السياسية والتشريعية والتاريخية.

وبذلك يكون البرلمان الجزائري قد أنهى جدالاً حاداً، استمر بين غرفتيه لأكثر من 4 أشهر، بشأن مواد مثيرة في مشروع القانون الذي طُرح نصه في وقت بلغت فيه الأزمة الدبلوماسية مع باريس ذروتها، ووظفته الجزائر في سياق ردودها على ما عدَّته «استفزازات» من جانب الدولة المستعمِرة سابقاً.

ومن أبرز التعديلات التي اعتمدها أعضاء المجلس؛ إعادة صياغة المادة التاسعة من المشروع عبر حذف عبارة «والاعتذار عن جرائم الاستعمار»؛ في خطوة وصفها مراقبون بأنها فرصة للمناورة القانونية والقضائية، تسعى الجزائر من خلالها لانتزاع اعتراف فرنسي رسمي بجرائم الحقبة الاستعمارية، وتجاوز العقبات التي قد تعترض المسار الدبلوماسي الهادف إلى دفع باريس إلى الإقرار بمسؤوليتها عن احتلال الجزائر (1830 - 1962) بوصفه «جريمة ضد الإنسانية».

النواب الجزائريون يصوتون على قانون «تجريم الاستعمار» في ديسمبر الماضي (البرلمان)

وكان «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية السفلى) قد صادق على المشروع في ديسمبر (كانون الأول) 2025، في ظرف شهد تصاعداً في التوترات مع فرنسا، التي تأججت في يوليو (تموز) 2024، إثر إعلان «الإليزيه» اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء. واعتُبر مشروع القانون هذا حلقة من حلقات هذا التوتر.

ويهدف النص التشريعي أساساً إلى التعامل مع الاستعمار بوصفه «جريمة دولة»، وتثبيت ذلك قانونياً، مع توثيق الانتهاكات مثل القتل والتعذيب والتهجير والتجارب النووية الفرنسية في صحراء الجزائر (1960 - 1966).

«خط الرجعة»

في صيغته الأولى، تضمن القانون مطالب واضحة موجهة لفرنسا، أبرزها تقديم اعتذار رسمي عن «جرائم الاستعمار» ودفع تعويضات مادية شاملة للضحايا. لكن لما أحيل إلى الغرفة البرلمانية العليا في مارس (آذار) الماضي، بغرض المناقشة والمصادقة، تم حذف بندي «الاعتذار والتعويض» بعد خلافات داخل البرلمان.

وفُهم من هذه الخطوة أن الجهات العليا في البلاد هي من أمرت بـ«صيغة منقَحة» للنص، للحفاظ على «خط الرجعة» في العلاقة مع فرنسا، بمعنى أن الرئاسة في البلاد ارتأت أنه ما زالت هناك فرصة لتحسين العلاقات مع باريس، وأن «قانون التجريم» كان سيقضي عليها.

الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)

كما أُعيدت صياغة «البند 28» لضمان تصنيف «الاغتصاب والاستعباد الجنسي» بوصفها جرائم لا تسقط بالتقادم. ويُعد إدراج الاستعباد الجنسي تحديداً سابقة قانونية تملأ فراغاً تشريعياً دام طويلاً، حيث كان التعامل مع هذه التجاوزات يقتصر سابقاً على الطروحات التاريخية والمنشورات الصحافية.

أما فيما يخص تعاون جزائريين مع الجيش الفرنسي، فقد وُصف في المادة السابعة بأنه «خيانة» بدلاً من «خيانة عظمى»، كما ورد في الصيغة الأولية.

وعلى الرغم من تخلي الجزائر عن تفصيل «الاعتذار» في النص القانوني، فإن حدة الأزمة لم تنحسر؛ بل تضاعفت في الأيام الأخيرة إثر اتهام باريس بـ«إرهاب الدولة» من طرف رئيس النيابة الفرنسية المتخصص في قضايا الإرهاب أوليفييه كريستن. وكان يشير ضمناً، خلال حوار صحافي، إلى «قضية خطف واحتجاز اليوتيوبر الجزائري المعارض، أمير بوخرص» المقيم في فرنسا بوصفه لاجئاً سياسياً.

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وتعود وقائع القضية إلى شهر أبريل (نيسان) 2024؛ وقد شهدت تطوراً لافتاً بحبس موظف قنصلي جزائري بباريس بعد اتهامه باختطاف بوخرص الشهير بـ«أمير دي زاد». والأسبوع الماضي، مدَّد القضاء الفرنسي حبسه لسنة أخرى، الأمر الذي أثار سخطاً شديداً لدى الجزائريين.

وبخصوص الاتهام بـ«إرهاب الدولة»، الذي طال أيضاً إيران وروسيا، فقد أفاد رئيس «حركة البناء الوطني» عبد القادر بن قرينة، وهو أحد أبرز الحلفاء السياسيين للرئيس عبد المجيد تبون، في بيان الأحد، بأن تصريحات كريستين «ادعاء خطير يمثل سقطة قانونية وسياسية كبيرة تعكس خلفيات استفزازية حاقدة».

وندد بن قرينة بما وصفه بأنه «تطاول سافر يمس بسيادة مؤسسات الدولة الجزائرية، وموقف عدائي يندرج ضمن سلسلة محاولات يائسة للتشويش على الحركية الدبلوماسية النشطة للجزائر، وعلى انتصاراتها المحققة على الأصعدة الوطنية والإقليمية والدولية».

خريطة انتخابية جديدة

من ناحية أخرى، دخلت الجزائر مرحلة العد التنازلي للانتخابات التشريعية المقررة في 2 يوليو (تموز) المقبل، بصدور القانون المحدد للدوائر الانتخابية، وعدد المقاعد البرلمانية في العدد الأخير من الجريدة الرسمية. ويأتي هذا النص التشريعي قبل 3 أشهر من موعد الاقتراع، ليضع القواعد النهائية للتنافس على مقاعد «المجلس الشعبي الوطني» و«مجلس الأمة».

ووفقاً للمادة الثالثة من القانون، اعتمد المشرّع الجزائري مبدأ «التناسب السكاني» قاعدة أساسية لتوزيع المقاعد، استناداً إلى نتائج آخر إحصاء رسمي. وبموجب هذا النظام، يُخصص مقعد برلماني لكل حصة ديمغرافية قوامها 120 ألف نسمة، مع منح مقعد إضافي عن كل فائض عددي يتجاوز 60 ألف نسمة.

تصفيق في البرلمان الجزائري عقب التصويت على قانون «تجريم الاستعمار» قبل إدخال تعديلات عليه (البرلمان)

وفي خطوة لضمان تمثيل المناطق ذات الكثافة السكانية المنخفضة، اشترط القانون ألا يقل تمثيل أي ولاية عن مقعدين، وهو إجراء استفادت منه 21 ولاية يقل عدد سكانها عن 200 ألف نسمة، من إجمالي 69 ولاية تشكل الخريطة الإدارية للبلاد. أما الجالية الوطنية بالخارج، فقد حافظت على ثقلها السياسي بتخصيص 12 مقعداً لتمثيلها في الغرفة السفلى.

وأظهر جدول توزيع المقاعد تبايناً يعكس الثقل الديمغرافي للمدن الكبرى، حيث تصدرت العاصمة الجزائر القائمة بـ31 نائباً، تليها ولاية سطيف بـ17 نائباً، ثم وهران بـ16 نائباً. كما برزت ولايات باتنة والبليدة والشلف وتيزي وزو، بوصفها كتلاً انتخابية وازنة، بـ11 مقعداً لكل منها، بينما بلغ تمثيل ولايات كبرى أخرى مثل قسنطينة وتلمسان وبجاية، 9 مقاعد.

توازن بين الانتخاب والتعيين

وعلى صعيد الغرفة العليا، حدد القانون آليات تشكيل «مجلس الأمة» الذي يضم 118 عضواً منتخباً يمثلون الولايات التسع والستين.

واعتمدت المادة السابعة معياراً مزدوجاً للتمثيل؛ حيث يُخصص مقعد واحد للولايات التي لا يتجاوز عدد سكانها 250 ألف نسمة، ومقعدان للولايات التي تتخطى هذا النصاب.

وبعيداً عن المسار الانتخابي، يبقى «الثلث الرئاسي» صمام أمان لتعزيز الخبرات داخل البرلمان، حيث يخوّل الدستور لرئيس الجمهورية تعيين الثلث المتبقي من الأعضاء من بين الكفاءات الوطنية والشخصيات العلمية والمهنية، لضمان توازن بين التمثيل الشعبي والخبرة التكنوقراطية في صناعة القرار التشريعي.


مقالات ذات صلة

«حراك أوروبي» مكثف في الجزائر لتأمين الحدود ومكافحة الهجرة

شمال افريقيا رئيسة الوزراء الإيطالية بحثت مع الرئيس الجزائري تعزيز التعاون في وقف تدفقات المهاجرين السريين (الرئاسة الجزائرية)

«حراك أوروبي» مكثف في الجزائر لتأمين الحدود ومكافحة الهجرة

تتسارع الجهود الأوروبية بشكل لافت خلال الأسابيع الأخيرة لدفع الجزائر نحو لعب دور «دركي المتوسط» يتولى مهمة لجم تدفقات الهجرة السرية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا أعضاء لجنة الذاكرة خلال اجتماع لهم بالرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)

«قانون استرجاع الممتلكات الثقافية» الفرنسي يعمق «أزمة الذاكرة» مع الجزائر

يرى مراقبون أن أي تقارب محتمل بين الجزائر وفرنسا بات بعيد المنال في ظل التعقيدات القانونية التي استحدثها البرلمان الفرنسي بخصوص «ملف استرداد الممتلكات الثقافية»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا السكرتير الأول لجبهة القوى الاشتراكية في تجمع دعائي بشرق العاصمة تحسباً للانتخابات التشريعية (إعلام حزبي)

الجزائر: سباق انتخابي تحت ضغط شكوك «النزاهة»

أطلقت الأحزاب الجزائرية حملة مزدوجة تحسباً للانتخابات التشريعية، المقررة في 2 يوليو (تموز) المقبل، تتركز في مسارين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا البابا ببيت الراهبات في عنابة (فاتيكان نيوز)

البابا يختتم جولته في الجزائر بوقفة إنسانية عند «مهد القديس أغسطينوس»

أكد البابا ليو الرابع عشر، الثلاثاء، خلال لقائه نزلاء «دار المسنين» في عنابة، أن «رسالة السماء تنحاز دوماً إلى المستضعفين».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً بابا الفاتيكان بالمطار (الرئاسة الجزائرية) p-circle 00:51

في مستهل زيارة تاريخية للجزائر... بابا الفاتيكان ينشر رسالة سلام

انطلاقاً من الجزائر، بدأ بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، يوم الاثنين، جولة أفريقية تشمل أربع دول، وتهدف إلى تعزيز حوار الأديان، وقيم التسامح، والتعايش الديني.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.