أميركا تقترب من أهدافها في إيران… وإسرائيل توسع الهجمات

هجمات متزامنة على مقرات «الحرس الثوري»... وطهران حذرت من ضرب جزيرة خرج

دخان يتصاعد بعد قصف مقرات عسكرية في منطقة بيروزي شرق طهران السبت (شبكات التواصل)
دخان يتصاعد بعد قصف مقرات عسكرية في منطقة بيروزي شرق طهران السبت (شبكات التواصل)
TT

أميركا تقترب من أهدافها في إيران… وإسرائيل توسع الهجمات

دخان يتصاعد بعد قصف مقرات عسكرية في منطقة بيروزي شرق طهران السبت (شبكات التواصل)
دخان يتصاعد بعد قصف مقرات عسكرية في منطقة بيروزي شرق طهران السبت (شبكات التواصل)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن بلاده تقترب من تحقيق أهدافها في الحرب مع إيران، وتدرس «تقليص» عملياتها العسكرية تدريجياً، بينما أكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن وتيرة الضربات ضد إيران «ستزداد بشكل كبير»، هذا الأسبوع، بينما شدد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على أن طهران لا تريد وقف إطلاق النار، بل «إنهاء الحرب بشكل كامل وشامل ودائم».

واتسعت رقعة الضربات داخل إيران مع دخول الحرب أسبوعها الرابع، فمن شرق طهران وغربها إلى أنحاء البلاد تجددت الغارات العنيفة على مراكز قيادة وقواعد جوية ومنشآت بحرية ومواقع صاروخية، وأفادت ​وسائل إعلام إيرانية بتعرض منشأة تخصيب اليورانيوم في نطنز لهجوم.

وقال الجيش الإسرائيلي إنه شن، فجر السبت، ضربات على «أهداف للنظام» في طهران. وشدد المسؤولون الإسرائيليون على أن الحرب لا تزال بعيدة عن نهايتها، رغم التلميحات الأميركية المتكررة إلى إمكان إنهائها قريباً، في حين واصلت إيران إطلاق الصواريخ على إسرائيل، ووسعت رسائلها العسكرية والسياسية نحو الخليج ومضيق هرمز. ودوت صفارات الإنذار، السبت، في أنحاء واسعة من البلاد بعد إطلاق صواريخ إيرانية على دفعات.

ضربة وُصفت بـ«الهادفة» لاغتيال مسؤول إيراني في مدينة كرج غرب طهران (شبكات التواصل)

وقال ترمب في منشور على منصة «تروث سوشال»، السبت، إن الولايات المتحدة «تقترب جداً من تحقيق أهدافها» بينما تفكر في «إنهاء جهودها العسكرية الكبيرة في الشرق الأوسط تدريجياً» ضد «النظام الإيراني الإرهابي»، مؤكداً أن مسألة حماية مضيق هرمز يجب أن تتولاها الدول التي تستخدمه.

وأضاف أن «الدول الأخرى التي تستخدم مضيق هرمز» هي التي يتعين عليها «حمايته ومراقبته حسب الحاجة»، زاعماً أن الولايات المتحدة لا تستخدمه، قبل أن يضيف أن واشنطن ستساعد تلك الدول إذا طُلب منها ذلك، لكنه رأى أن هذه المساعدة «لن تكون ضرورية» بمجرد القضاء على التهديد الإيراني.

لكن هذه الرسائل بدت متعارضة مع ما يجري على الأرض؛ فقد واصلت واشنطن هجماتها الجوية في الخليج، وأكدت تقارير أميركية نشر 3 سفن هجومية برمائية إضافية ونحو 2500 من مشاة البحرية إلى الشرق الأوسط، بينما تحدثت تقارير أخرى عن إعادة توجيه قوة برمائية كانت في المحيط الهادئ نحو المنطقة.

وجاء هذا التباين فيما طلب البنتاغون 200 مليار دولار إضافية لتمويل الحرب، وفي وقت قالت فيه المتحدثة باسم البيت الأبيض إن ترمب والبنتاغون كانا يتوقعان أن تستغرق المهمة بين 4 و6 أسابيع. كما واصل الرئيس الأميركي التلميح إلى أن كل الخيارات لا تزال مطروحة، رغم قوله إنه لا يخطط حالياً لإرسال قوات برية إلى إيران.

وفي موازاة ذلك، منحت إدارة ترمب إعفاءً مؤقتاً من العقوبات لمدة 30 يوماً يتيح بيع النفط الإيراني المحمل على السفن من 20 مارس (آذار) إلى 19 أبريل (نيسان)، في خطوة قالت إنها تهدف إلى تخفيف الضغط على إمدادات الطاقة، واحتواء ارتفاع أسعار الوقود. وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن فتح هذا المخزون مؤقتاً «سيوفر نحو 140 مليون برميل» للأسواق العالمية.

لكن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف رد في منشور على منصة «إكس» أن هذه الخطوة جاءت متأخرة، مضيفاً أن النفط الإيراني «نفد بالكامل»، ولم يعد متاحاً للبيع.

ويأتي ذلك بينما ارتفعت أسعار النفط بنحو 50 في المائة منذ بدء الحرب في 28 فبراير (شباط)، مع تعطل قسم كبير من تدفقات النفط والغاز، وتعرض بنى طاقة حيوية في إيران ودول خليجية لهجمات. ويمثل هذا الارتفاع عبئاً سياسياً متزايداً على ترمب قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني)، في وقت أظهرت فيه استطلاعات الرأي معارضة واسعة لأي حرب برية واسعة النطاق.

«ستزداد بشكل كبير»

بعد ساعات من إعلان ترمب أنه يدرس «تقليص» العمليات العسكرية، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الحملة العسكرية الأميركية - الإسرائيلية في إيران ستشهد «تصعيداً كبيراً» هذا الأسبوع، من دون أن يحدد الأهداف التي يعتزم الجيشان مهاجمتها، مضيفاً أن «حدة الهجمات» ضد النظام الإيراني والبنى التحتية التي يستند إليها «ستزداد بشكل كبير».

ونقل بيان عنه قوله خلال اجتماع لتقويم الوضع إن «وتيرة الضربات التي ستنفذها القوات الإسرائيلية والجيش الأميركي ضد نظام الإرهاب الإيراني والبنى التحتية التي يستند إليها ستزداد في شكل كبير» بداية من الأحد، مؤكداً أن الحملة التي يقودها ترمب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو «ستتواصل»، وأن إسرائيل «لن تتوقف ما لم تتحقق كل أهداف الحرب».

وبدا أن التباين في الرسائل اتجه اتجاهاً مختلفاً بين واشنطن وتل أبيب؛ فبينما يركز ترمب علناً على اقتراب تحقيق الأهداف، وإمكان خفض العمليات، يواصل المسؤولون الإسرائيليون الحديث عن معركة طويلة، وضرورة توسيع الضغط العسكري، سواء على البنية الصاروخية أو على القيادة الإيرانية ومقومات النظام.

آلاف الأهداف

عسكرياً، قال قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، إن الولايات المتحدة استهدفت خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من الحرب أكثر من 8000 هدف عسكري داخل إيران، بينها 130 سفينة إيرانية، مؤكداً أن القدرات القتالية الإيرانية تراجعت بوضوح مع اتساع الضربات الأميركية.

وفي إفادة عبر الفيديو استمرت نحو 4 دقائق، قال كوبر إن التقدم الأميركي «واضح»، مضيفاً أن الأسطول البحري الإيراني «لم يعد يبحر»، وأن المقاتلات التكتيكية الإيرانية «لم تعد تحلق»، وأن طهران فقدت القدرة على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة بالمعدلات المرتفعة التي ظهرت في بداية الصراع.

وأوضح أن الضربات الجوية الأميركية على مواقع الصواريخ تحت الأرض ومناطق التخزين على طول الساحل الجنوبي لإيران «أضعفت» قدرة البلاد على تعطيل الملاحة التجارية في مضيق هرمز بصورة فعالة، في إشارة إلى تركيز العمليات الحالية على تقليص الخطر على واحد من أهم ممرات الطاقة في العالم.

وقال كوبر إن الولايات المتحدة ألقت في وقت سابق من الأسبوع عدة قنابل زنة 5000 رطل على منشأة تحت الأرض على الساحل الإيراني في إطار جهود إعادة فتح مضيق هرمز. وأضاف أن الضربة لم تقتصر على تدمير المنشأة نفسها، بل شملت أيضاً مواقع دعم استخباري ومحطات ترحيل رادارية للصواريخ كانت تُستخدم لمراقبة تحركات السفن.

وأكد أن نتيجة هذه الهجمات تمثلت في تراجع قدرة إيران على تهديد حرية الملاحة في مضيق هرمز ومحيطه، مضيفاً أن القوات الأميركية «لن تتوقف عن ملاحقة هذه الأهداف»، في إشارة إلى استمرار الحملة على البنية البحرية والصاروخية الإيرانية.

وكرر كوبر التقييم الذي سبق أن طرحه في 3 تحديثات مصورة سابقة، قائلاً إن «القدرة القتالية الإيرانية في انخفاض مستمر مع تصاعد ضرباتنا الهجومية»، لكنه امتنع عن تقديم جدول زمني لاستمرار الحرب، موضحاً أن القرار في هذا الشأن متروك للرئيس ترمب.

ضربة تطول مطار دسبول (دزفول) في جنوب غربي إيران (شبكات التواصل)

هجمات مركزة

توزعت الضربات داخل إيران على مراكز قيادة وقواعد جوية في شرق طهران، وثكنات أو معسكرات ومواقع دفاعية في غربها، وأهداف متفرقة في شمالها وشمالها الشرقي، ومنشآت بحرية وعسكرية على الساحل الجنوبي، إلى جانب قواعد جوية وصاروخية في الأحواز ويزد ووسط البلاد، وضربات نوعية في الشمال والشمال الغربي على مواقع حساسة.

في طهران، تركزت الضربات على شرق العاصمة، لا سيما في نارمك وتهرانبارس وخجير وبيروزي، إضافة إلى جنوب شرقها ومحيط مدينة ري. وتعد هذه المناطق حساسة لارتباطها بمقار قيادية وعسكرية، إذ يضم الشمال الشرقي مقرات للجيش وهيئة الأركان، بينما تعد بيروزي منطقة تضم، بحسب تقارير محلية، مقار للقيادة العامة وعمليات «الحرس الثوري» وقاعدة جوية للجيش ومقراً لقيادة «الباسيج».

وأفادت وكالة «فارس» عن انفجارين في خجير شرق طهران، وهي منطقة معروفة بوجود قاعدة لإنتاج الصواريخ، وعن سقوط بقايا مسيرة في نارمك من دون خسائر بشرية. وفي غرب العاصمة، سُجلت انفجارات متكررة مع نشاط جوي، ما يرجح استهداف مواقع دفاعية أو معسكرات في هذا الحزام.

وفي كرج المجاورة، أفادت تقارير بانفجارات ليلية متتالية وسط حديث عن نشاط صاروخي في محيط بيدگنه، وهي منطقة ترتبط في التقارير المحلية ببنية صاروخية. وفي أصفهان، أشير إلى استهداف موقع عسكري قرب سباهان شهر، بينما سُجلت في تبريز انفجارات متعاقبة أعقبها تحليق طائرات.

وعلى الساحل الجنوبي، تحدثت إفادات عن انفجارات قرب منشآت بحرية في بندرعباس، بينما سُمع دوي انفجارين قرب الساحل في جزيرة كيش. وفي الأحواز ودسبول (دزفول بالفارسية) والصالحية (أنديمشك)، أظهرت مقاطع فيديو وقوع ضربات قوية طالت مواقع عسكرية أو مخازن ذخيرة أبرزها قاعدة القتال الجوية الرابعة في دزفول، بينما سُجل نشاط كثيف للدفاعات الجوية قرب مطار مشهد.

كما أوردت تقارير محلية عن استهداف قاعدة صاروخية في بارك كوهستان ومعسكر «الغدير» في يزد، وعن استمرار استهداف قاعدة للوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري» في خمين بمحافظة أصفهان. وأظهرت صور ومقاطع متداولة أعمدة دخان وأضراراً في بعض المواقع، لكن حجم الخسائر وطبيعة جميع الأهداف لم يؤكَّدا بشكل مستقل.

احتفالات النوروز على وقع الحرب

بموازاة التطورات الميدانية، أدى الآلاف صلاة عيد الفطر في إيران، السبت، وفق ما أظهرته لقطات بثها التلفزيون الرسمي، في وقت كانت فيه العاصمة تتعرض لموجات قصف متلاحقة، وتواصلت فيه الضربات على عدة مدن. وجاءت الصلاة هذا العام على وقع الحرب واحتفالات متزامنة بعيد النوروز، بداية السنة الفارسية الجديدة.

ومع بزوغ الفجر، احتشد جمع غفير من المصلين في مصلى «الخميني» وسط طهران، واضطر كثيرون إلى أداء الصلاة في الهواء الطلق بسبب ضيق المكان. وأظهرت صور التلفزيون مناطق مكتظة حول الجامع رغم خطر القصف، بينما نُقلت مشاهد مماثلة من مدن أخرى، بينها أراك وزاهدان وعبادان، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي لم يظهر في صلاة العيد، خلافاً للتقليد الذي يقضي بأن يؤم المرشد الصلاة. ولم يظهر خامنئي علناً منذ تعيينه في وقت سابق من هذا الشهر خلفاً لوالده علي خامنئي، الذي قُتل في غارات أميركية - إسرائيلية في 28 فبراير، بينما قالت تقارير أميركية وإسرائيلية إنه أصيب أيضاً بجروح.

وبمناسبة عيديْ الفطر والنوروز، وجَّه خامنئي رسالة تحدٍ قرئت على التلفزيون الرسمي، أشاد فيها بما وصفه بصمود الإيرانيين ووحدتهم، وقال إنهم «وجهوا ضربة مربكة للعدو». كما ربط الخطاب الرسمي بين استمرار القصف وبين صورة التماسك الداخلي، رغم تصاعد الضربات واتساعها في العاصمة وعدة مدن أخرى.

صورة من فيديو نشره الجيش الإسرائيلي من ضربات على منشأة صاروخية غرب إيران السبت

منصات الصواريخ تحت النار

وأفاد الجيش الإسرائيلي بأن عطلة نهاية الأسبوع شهدت «عشرات الموجات الواسعة من الضربات»، واستهدفت أكثر من 200 موقع تابعين في داخل إيران ولبنان. وأوضح أن سلاح الجو، استناداً إلى معلومات استخباراتية، ضرب مئات الأهداف التابعة للنظام الإيراني في مواقع مختلفة، بينها عشرات المجمعات المستخدمة لتخزين أسلحة وصواريخ باليستية معدة للإطلاق على إسرائيل.

وأضاف أن الضربات شملت أيضاً منصات إطلاق صواريخ، وأنظمة دفاع جوي، ومجمعات عسكرية، في إطار مواصلة إضعاف منظومات النيران الإيرانية، وتقليص حجم الهجمات الموجهة نحو إسرائيل.

وقبل ذلك، قال الجيش الإسرائيلي إنه شن، فجر السبت، موجتين كبيرتين من الضربات في طهران ووسط إيران، استهدفتا عشرات المنشآت العسكرية التابعة للنظام الإيراني. وأضاف أن الهجمات شملت مصانع ومواقع تُستخدم لإنتاج أسلحة ومكونات صواريخ باليستية بعيدة المدى، إضافة إلى منشآت لتخزين منصات إطلاق الصواريخ شرق طهران.

وذكر الجيش الإسرائيلي أن من بين الأهداف مجمعاً مركزياً تابعاً لـ«الحرس الثوري» يُستخدم لإنتاج وتطوير مكونات الصواريخ الباليستية، ومنشأة لتخزين مكونات الإنتاج، ومجمعاً تابعاً لوزارة الدفاع مسؤولاً عن إنتاج وقود الصواريخ، فضلاً عن موقع آخر لإنتاج مكونات الصواريخ. وقال إن الضربات شملت أيضاً عدة أنظمة دفاعية في أنحاء طهران.

وأضاف أن هذه الهجمات تهدف إلى إضعاف قدرة إيران على مواصلة إنتاج المكونات الحيوية للصواريخ الباليستية، وتقليص نطاق النيران الموجهة نحو إسرائيل. وفي هذا السياق، قال الجيش الإسرائيلي إن سلاحه الجوي نفذ 5 غارات خلال ثوانٍ على منشأة لتخزين الصواريخ في غرب إيران؛ ما أسفر عن مقتل عدد من عناصر منظومة الصواريخ الباليستية داخل الموقع بحسب بيانه.

رسم بياني نشره الجيش الإسرائيلي تشير إلى أهداف ضربها في عمق الأراضي الإيرانية

وأشار الجيش الإسرائيلي إلى أن الضربات شرق طهران استهدفت مواقع كانت تخزَّن فيها منصات إطلاق صواريخ باليستية بعيدة المدى، بينما كان عناصر من وحدة الصواريخ الباليستية يعملون داخلها. كما قال إنه رصد في الأيام الأخيرة عناصر إيرانية بدأوا الاستعداد لإطلاق صواريخ من وسط إيران، بعد تراجع قدرات الإطلاق في غرب البلاد نتيجة مئات موجات الضربات السابقة.

وفي تطور ميداني متصل، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه رصد خلال عملية جوية في الأجواء الإيرانية إطلاق صاروخ أرض - جو باتجاه طائرة إسرائيلية. وقال إن الطاقم تصرف وفق الإجراءات العملياتية، وإن الطائرة لم تتعرض لأي أضرار، وتم إنجاز المهمة كما كان مخططاً لها، مضيفاً أن هذه ليست المحاولة الأولى منذ بدء عملية «زئير الأسد».

طهران تطلق صواريخ ثقيلة

في المقابل، صعَّد الخطاب العسكري الإيراني، مع تركيز واضح على توسيع الرسائل الميدانية والسياسية في وقت واحد. وقال المتحدث باسم العمليات في هيئة الأركان المشتركة إن القوات الإيرانية ستستهدف «منشأ أي اعتداء» على الأراضي الإيرانية والسيادة الوطنية، محذراً من أن تكرار استهداف القوارب المدنية ووسائل نقل الركاب في الخليج سيقابل بـ«رد شديد ومماثل».

ووجَّه المتحدث نفسه تحذيراً مباشراً إلى الإمارات، قائلاً إن أي هجوم جديد على جزيرتي أبو موسى وطنب الكبرى انطلاقاً من أراضيها سيعرض رأس الخيمة لضربات إيرانية مباشرة.

وتحدثت وسائل إعلام إيرانية عن شن هجمات على محيط مفاعل ديمونة.

صورة نشرتها مواقع «الحرس الثوري» من لحظة إطلاق صاروخ باليستي من منطقة جبيلية غير محددة السبت

وشن «الحرس الثوري» هجوماً صاروخياً ضد أكثر من 55 موقعاً في إسرائيل، قائلاً إنها استهدفت تل أبيب وريشون لتسيون بصواريخ «عماد» و«قدر» وطائرات مسيّرة انتحارية، كما شملت «قواعد أميركية» في المنطقة. وبعدها أعلن تنفيذ موجة جديدة ضد أهداف في شمال إسرائيل ووسطها، وإلى جانبها الأسطول الخامس الأميركي، باستخدام «قدر» و«عماد» وهما من الصواريخ الثقيلة.

وأعلن في بيان أن أنظمة الدفاع الجوي التابعة لوحدته الصاروخية أصابت عند الساعة 3:45 فجراً مقاتلة إسرائيلية ثالثة من طراز «إف-16» في وسط إيران، مضيفاً أن الأسابيع الثلاثة الأولى من الحرب شهدت اعتراض أو تدمير أكثر من 200 هدف جوي، تشمل طائرات مسيّرة وصواريخ «كروز» وطائرات تزويد بالوقود ومقاتلات.

وفي السياق نفسه، قال قائد البحرية الإيرانية علي رضا تنكسيري إن القوات البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» استهدفت منشآت قاعدتي المنهاد وعلي السالم، بما في ذلك حظائر ومخازن وقود لطائرات أميركية وإسرائيلية، باستخدام «كم كبير» من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الانتحارية.

كما نقلت وسائل إعلام رسمية عن الجيش الإيراني القول إنه استهدف خزانات وقود وطائرات تزويد بالوقود في مطار بن غوريون بطائرات مسيّرة.

وأعلن الجيش الإيراني أن الدفاعات الجوية أسقطت طائرة مسيرة قتالية ومسلحة قال إنها تابعة لـ«العدو الصهيوني - الأميركي» في أجواء طهران، قبل أن تنفذ أي مهمة قتالية. وقالت العلاقات العامة للجيش إن عملية الرصد والتعقب تمت بواسطة قوات الدفاع الجوي التابعة له، وإن الطائرة «أصيبت ودُمرت» داخل المجال الجوي للعاصمة.

وأضاف الجيش أن شبكته الدفاعية دمرت منذ بداية الحرب الأخيرة أكثر من 127 طائرة مسيرة متطورة، إلى جانب استهداف عدد من المقاتلات المأهولة التابعة لإسرائيل والولايات المتحدة بصواريخ أرض - جو ضمن «الشبكة المتكاملة لقيادة الدفاع الجوي المشتركة». وقال إن بعض هذه الطائرات أُسقط، بينما غادر بعضها الآخر الأجواء الإيرانية بعد تعرضه «لأضرار جسيمة».

تحذير من ضرب جزيرة خرج

وأفادت وكالة «ميزان» الإيرانية الرسمية بأن منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم تعرضت لغارة جوية، السبت، من دون أن يسجل أي تسرب إشعاعي. وأكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أنها أُبلغت من إيران بعدم وجود زيادة في مستويات الإشعاع خارج الموقع، وقالت إنها تتابع الحادث.

وكانت نطنز، الواقعة على مسافة نحو 220 كيلومتراً جنوب شرقي طهران، قد تعرضت للقصف في الأسبوع الأول من الحرب، كما استُهدفت أيضاً في حرب الأيام الاثني عشر في يونيو (حزيران) الماضي. ووصف الخبراء الفنيون الإيرانيون وسكان المنطقة الوضع بأنه غير خطر، بينما وصفت روسيا الهجوم بأنه «انتهاك صارخ للقانون الدولي».

وفي موازاة ذلك، قال مصدر عسكري إيراني إن أي هجوم أميركي على جزيرة خرج سيفتح المجال أمام إيران وحلفائها لتوسيع دائرة التصعيد إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وأضاف، وفق وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، أن تنفيذ واشنطن تهديدها بشن هجوم على الجزيرة سيقابل برد «غير مسبوق» يتجاوز «مفاجآت» الأيام الـ21 الماضية.

ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أميركيين أن إيران أطلقت صاروخين باليستيين باتجاه قاعدة دييغو غارسيا الأميركية - البريطانية المشتركة في المحيط الهندي، من دون أن يصيبا القاعدة. وقالت وزارة الدفاع البريطانية إن الهجوم باء بالفشل، من غير أن تقدم تفاصيل، مضيفة أن «هجمات إيران في أنحاء المنطقة واحتجازها مضيق هرمز رهينة» يهددان المصالح البريطانية.

«إنهاء الحرب بشكل كامل»

في ظل هذا التصعيد، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لوكالة «كيودو» اليابانية إن طهران مستعدة للسماح للسفن المرتبطة باليابان بالمرور عبر مضيق هرمز، إذا أرادت طوكيو منها إعادة فتح المضيق. وأضاف أن إيران بدأت محادثات مع اليابان، التي تستورد نحو 90 في المائة من نفطها عبر هذا الممر الحيوي، وأعرب عن أمله في أن تلعب طوكيو دوراً في إنهاء «الغزو» غير المبرر وغير القانوني.

وشدد عراقجي على أن إيران لا تريد وقف إطلاق النار، بل تريد «إنهاء الحرب بشكل كامل وشامل ودائم»، وتسعى إلى تعهد بعدم تعرضها للهجوم. كما قال إن الولايات المتحدة لا تبدو مستعدة لبدء محادثات، في وقت تجري فيه كوريا الجنوبية أيضاً مشاورات مع إيران ودول أخرى لحماية طرق نقل الطاقة.

آثار القصف على منطقة زعفرانية شمال طهران (شبكات التواصل)

وفي السياق نفسه، أكد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، خلال اتصال هاتفي مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أهمية إبقاء الممرات الملاحية مفتوحة وآمنة، وأدان الهجمات على البنية التحتية الحيوية في المنطقة وما تسببه من تهديد للاستقرار وسلاسل التوريد العالمية.

وفي السياق الدبلوماسي، بحث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع نظيره الهندي سوبرامانيام جايشانكار، في اتصال هاتفي، التطورات الإقليمية والدولية في ظل استمرار الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران، إلى جانب مسار العلاقات الثنائية والتعاون بين البلدين.

وقال عراقجي إن إنهاء التصعيد يتطلب ممارسة الدول المستقلة ضغوطاً على الطرف الذي بدأ الحرب لوقف الهجمات، مع توفير ضمانات تحول دون تكرار أي اعتداء على سيادة إيران وأمنها القومي.

وأضاف عراقجي أن الوضع الحالي في الخليج ومضيق هرمز «جزء من الصورة الإقليمية الأوسع» ونتيجة مباشرة لما وصفه بالأعمال العدائية الأميركية والإسرائيلية، مشدداً على أن عودة الأوضاع إلى طبيعتها تمر عبر وقف الهجمات، وأن وقف الحرب يجب أن يقترن بضمانات تمنع تكرارها.

وعلى خط موازٍ، أبدت 22 دولة، غالبيتها أوروبية بالإضافة إلى البحرين والإمارات، استعدادها للمساهمة في «الجهود المناسبة» لتأمين المرور الآمن عبر المضيق، وأدانت في بيان مشترك الهجمات الإيرانية على سفن تجارية غير مسلحة ومنشآت مدنية ونفطية، وكذلك «الإغلاق الفعلي» لمضيق هرمز. وبينما تقول واشنطن إنها تقترب من تحقيق أهدافها، يبقى المضيق في قلب المشهد، بوصفه العقدة التي ستحدد إيقاع المرحلة التالية من الحرب.


مقالات ذات صلة

قائد «فيلق القدس» في بغداد لبحث تداعيات الحرب

المشرق العربي قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني (رويترز) p-circle

قائد «فيلق القدس» في بغداد لبحث تداعيات الحرب

يزور قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني بغداد لبحث تداعيات الحرب في الشرق الأوسط ولقاء مسؤولين وقادة فصائل مسلحة موالية لطهران.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

دخل المجلس الأمن القومي الإيراني على خط السجال الداخلي المتصاعد بشأن إدارة المفاوضات مع الولايات المتحدة، بعد موجة انتقادات طالت وزير الخارجية عباس عراقجي.

«الشرق الأوسط» (لندن_طهران)
المشرق العربي عربات تابعة للجيش الإسرائيلي على الجانب اللبناني من الحدود كما تظهر من الجليل الأعلى (إ.ب.أ) p-circle

إسرائيل تعلن قتل أفراد «خلية إرهابية» بجنوب لبنان رغم وقف النار

أعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، أن سلاح الجو قتل أفراد «خلية إرهابية» في جنوب لبنان، رغم وقف إطلاق النار الساري مع «حزب الله». وقال الجيش، في بيان، إن سلاح الجو…

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري خلال اجتماع مع وزير المالية لبحث نتائج اجتماعه مع صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

مصر: جدل «التداعيات الاقتصادية» لا ينحسر مع مؤشرات التهدئة بالمنطقة

لا يزال جدل «التداعيات الاقتصادية» للحرب الإيرانية على مصر، مستمراً في مصر، رغم مؤشرات التهدئة في المنطقة أخيراً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شؤون إقليمية ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب) p-circle

تقرير: الجيش الأميركي يستعد لمداهمة سفن مرتبطة بإيران

ذكرت ​صحيفة «وول ستريت جورنال»، السبت، ‌نقلاً ‌عن ​مسؤولين ‌⁠قولهم ​إن الجيش ⁠الأميركي يستعد لمداهمة ‌ناقلات ​نفط ‌مرتبطة بإيران، والسيطرة ‌على سفن تجارية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
TT

«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

دخل مجلس الأمن القومي الإيراني على خط السجال الداخلي المتصاعد بشأن إدارة المفاوضات مع الولايات المتحدة، بعد موجة انتقادات طالت وزير الخارجية عباس عراقجي واتهامات للجهات الرسمية بالغموض وسوء إدارة المعلومات، خصوصاً بعد إعلانه فتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة.

وجاء تدخل المجلس في محاولة لتوضيح مسار محادثات إسلام آباد، وشروط الهدنة المؤقتة، وآلية فتح المضيق، في وقت كانت فيه منابر مقربة من «الحرس الثوري» تصعّد هجومها على وزارة الخارجية، وتطالب بتفسير ما جرى للرأي العام، بينما توزعت المواقف داخل مؤسسات الحكم بين الدعوة إلى الانضباط الإعلامي، والمطالبة بتشدد أكبر، والتشكيك في جدوى التفاوض نفسه.

وفي بيان مطول، قالت الأمانة العامة لمجلس الأمن القومي إن الرسائل والطلبات الأميركية لوقف إطلاق النار وبدء التفاوض بدأت منذ اليوم العاشر للحرب، بعد ما وصفته بـ«فشل الأعداء المعتدين» في الميدان العسكري.

وأضافت الأمانة العامة التي يترأسها القيادي في «الحرس الثوري»، محمد باقر ذو القدر، أن الجمهورية الإسلامية قبلت إجراء مفاوضات إسلام آباد في اليوم الأربعين للحرب، بعد إعلان رسمي من الرئيس الأميركي قبول الخطة الإيرانية المكونة من عشرة بنود إطاراً لمفاوضات إنهاء الحرب.

وأوضح البيان أن المحادثات استمرت 21 ساعة متواصلة، وأن الوفد الإيراني طرح مطالب الشعب الإيراني «بجدية وبروح مبادرة» رغم انعدام الثقة العميق بواشنطن، لكن الطرف المقابل عاد، بحسب البيان، وطرح مطالب جديدة ومبالغاً فيها خلال التفاوض، ما أدى إلى انتهاء الجولة من دون نتيجة محددة وتأجيل استئنافها إلى وقت لاحق.

وأوضح البيان أيضاً أن مقترحات أميركية جديدة طُرحت في الأيام الأخيرة عبر الوسيط الباكستاني، وأنها قيد المراجعة حالياً من دون أن تقدم رداً بعد. وشدد على أن الوفد الإيراني «لن يقدم أي تنازل أو تراجع» فيما وصفته بـ«المعركة السياسية» لتثبيت ما تحقق ميدانياً.

عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقائهما في مقر الوزارة الخارجية بطهران اليوم (البرلمان الإيراني)

كما أكد أن من الشروط الأساسية لقبول وقف إطلاق النار المؤقت وقف العمليات في جميع الجبهات، بما فيها لبنان. وقال إن إصرار طهران أفضى إلى وقف إطلاق نار في لبنان، على أن يُفتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة ومشروطة حتى نهاية فترة الهدنة لعبور السفن التجارية فقط، وليس السفن الحربية أو غير العسكرية التابعة لـ«دول معادية»، وذلك تحت إشراف القوات المسلحة الإيرانية وبموجب مسارات محددة.

وأضاف أن اعتماد «القواعد الأميركية» في الخليج على الإمدادات عبر مضيق هرمز يمثل تهديداً للأمن القومي الإيراني، وأن طهران ستواصل فرض الرقابة والسيطرة على الملاحة حتى انتهاء الحرب بالكامل وتحقيق سلام مستدام في المنطقة. وأوضح أن تنظيم حركة العبور يتم عبر الحصول على معلومات كاملة عن السفن، وإصدار تصاريح وفق القواعد الإيرانية المعلنة، وفرض رسوم تتعلق بالأمن والسلامة وحماية البيئة. كما شدد على أن استمرار ما وصفه بمحاولات «العدو» لعرقلة الملاحة أو فرض حصار بحري سيُعد خرقاً لوقف إطلاق النار، وسيؤدي إلى منع أي فتح مشروط أو محدود للمضيق.

وينتهي بيان المجلس بدعوة تحض الإيرانيين على الحفاظ على اليقظة والتماسك الوطني، مع التأكيد على ضرورة نجاح المسار الدبلوماسي إلى جانب تثبيت نتائج الميدان.

وجاء هذا التوضيح بعدما صعّدت وكالتا «فارس» و«تسنيم»، التابعتان لـ«الحرس الثوري»، لهجتهما تجاه طريقة إدارة الملف. ودعت «فارس» المسؤولين إلى تفسير «الصمت» حيال التطورات الأخيرة، واعتبرت أن المجتمع الإيراني دخل في «هالة من الارتباك»، متسائلة: إذا كانت مصلحة البلاد تقتضي عدم نشر تفاصيل المفاوضات أو التطورات الأخيرة، فلماذا لا يُشرح للشعب سبب هذا النهج وضرورة تجنب الشفافية؟

أما «تسنيم» فذهبت أبعد في انتقادها، ووصفت تغريدة عراقجي بشأن المضيق بأنها «سيئة وناقصة» وتمثل «سوء تقدير كاملاً في إيصال المعلومات»، معتبرة أنها نُشرت من دون شروح كافية، وأثارت غموضاً واسعاً بشأن شروط العبور وآلياته وأدت إلى موجة انتقادات كان يمكن تفاديها.

وطالبت «تسنيم» وزارة الخارجية بإعادة النظر في طريقة إدارتها لهذا الملف، بل دعت إلى تدخل مجلس الأمن القومي لوضع آلية أكثر تماسكاً لضبط الرسائل الصادرة عن المؤسسات الرسمية، بما فيها الخارجية.

وقالت الوكالة إن ما ينشره المسؤولون على منصة «إكس»، حتى إن كان موجهاً إلى الخارج أو مكتوباً بالإنجليزية، ينعكس أيضاً على الداخل الإيراني، وإن أي رسالة تثير القلق أو الإحباط تُعد إخلالاً بالتماسك الداخلي.

وفي الساعات الأولى من نشر تغريدة عراقجي، سارعت «فارس» و«تسنيم» إلى نشر معلومات على لسان مصدر مطلع قريب من الأمن القومي بشأن تفاصيل الشروط المرتبطة بإعادة الفتح المؤقت للمضيق، مؤكدتين أن استمرار الحصار البحري سيُعد انتهاكاً لوقف إطلاق النار، وأن العبور يقتصر على السفن التجارية غير المرتبطة بدول معادية، وفق مسارات محددة وتنسيق مع القوات الإيرانية.

وسرعان ما امتدت ردود الفعل إلى شخصيات إعلامية وسياسية مقربة من «الحرس الثوري». فكتب نظام موسوي، المدير المسؤول السابق لصحيفة «جوان»، أن ثقة الناس بالمسؤولين المفاوضين «لا تعني تجاهل الرأي العام»، موجهاً رسالة مباشرة إلى المسؤولين: «قولوا شيئاً».

وذهب نشطاء آخرون، من بينهم علي قلهكي، إلى انتقاد ما وصفوه بـ«الوضع الإعلامي المتردي»، خصوصاً بعد تعارض مضمون تغريدة عراقجي مع توضيحات لاحقة صدرت عن مصدر عسكري عبر التلفزيون الإيراني.

وفي الاتجاه نفسه، دعا حسن عباسي، المنظّر الاستراتيجي المقرب من «الحرس الثوري»، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي أكبر ذو القدر، إلى تعيين متحدث «قدير ومتاح دائماً» للمجلس، مطالباً بإنهاء ما وصفه بـ«فتنة الإشاعات والغموض والحيرة» في أذهان الرأي العام.

وامتد السجال أيضاً إلى شخصيات برلمانية ومحلية. فقال النائب مرتضى محمودي إنه «لولا ظروف الحرب» لكان قد جرى استجواب عراقجي بسبب تغريدته، متهماً وزير الخارجية بأنه لعب مراراً دوراً مهدئاً لأسواق النفط والطاقة العالمية بتصريحات «غريبة وغير مناسبة» في لحظات حساسة.

وزير الخارجية عباس عراقجي خلال لقاء قاليباف ومنير في طهران اليوم (البرلمان الإيراني)

وقال عمدة طهران، المحافظ المتشدد علي رضا زاكاني، إن طاولة المفاوضات كان يفترض أن تكون امتداداً ومكملاً للميدان، وإن أي قرار أساسي يجب أن يظل منسجماً مع توجيهات المرشد الإيراني وبموافقته. كما اعتبر أن أي صحة في الرواية الأميركية بشأن استمرار الحصار تعني أن وقف إطلاق النار نُقض وأن إيران لا تزال «في وسط الحرب».

وفي المعسكر الأكثر تشدداً، صعّد عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، محمود نبويان، هجومه على مسار التفاوض، وقال إن المفاوضات مع الولايات المتحدة «لن تصل إلى نتيجة»، وإن إيران ستواصل الحرب حتى «الهزيمة الكاملة لترمب ونتنياهو». وأضاف أن مسؤولية السيطرة على مضيق هرمز تعود حصراً إلى بحرية «الحرس الثوري»، ولا يحق لأي جهة أخرى التدخل.

وكشف نبويان عن قرار داخل لجنة الأمن القومي يقضي بمنع عبور السفن العسكرية الأميركية من المضيق، ومنع سفن الدول التي «تمنح قواعد للعدو» من المرور أيضاً.

كما قال وزير الاقتصاد السابق، إحسان خاندوزي، إن المرور عبر مضيق هرمز يجب أن يكون فقط للدول غير المتخاصمة وبشرط تحصيل رسوم، محذراً من أن تُسوّق الولايات المتحدة رفع الحصار البحري كأنه امتياز لإيران، ومشدداً على أن باب الحوار يجب أن يُغلق ما دام الحصار قائماً.

في المقابل، صدرت دعوات إلى قدر من الانضباط الإعلامي من داخل الجهاز التنفيذي. فقد قال علي أحمدنيا، رئيس دائرة الإعلام الحكومي، إن ما وصفه بـ«العمليات النفسية وصناعة الإنجازات عبر التغريدات» يتطلب الحذر، مؤكداً ضرورة الحفاظ على الوحدة وعدم خدمة «مخطط العدو» من دون قصد.

وأضاف أن فريق الدبلوماسية يعمل في إطار استراتيجية «العزة والمصلحة والحكمة» للدفاع عن حقوق إيران في الإعلام وعلى طاولة المفاوضات. وقال وزير الثقافة السابق، محمد مهدي إسماعيلي، إن الاستراتيجية الأميركية في المفاوضات تقوم على «أخذ كل شيء من دون تقديم أي مقابل».

فيما دخلت مؤسسات أخرى على الخط، من بينها السلطة القضائية التي طالب رئيسها، غلام حسين محسني إجئي، بملاحقة الولايات المتحدة وإسرائيل قضائياً ودفعهما تعويضات عن الحرب.

تأتي هذه الخلافات في وقت تشير فيه تقديرات استخباراتية أميركية وغربية إلى أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية أضعفت آلية صنع القرار داخل إيران، بعد مقتل عدد من كبار القادة وتضرر منظومة القيادة والسيطرة.

ووفق هذه التقديرات، باتت قنوات التواصل بين مراكز القرار أكثر تعقيداً، فيما يواجه المسؤولون صعوبات في التنسيق وعقد الاجتماعات، وسط مخاوف من الاستهداف.

كما تعزز نفوذ التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري» على حساب مؤسسات أخرى، في ظل غموض يحيط بحدود سلطة المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علناً منذ توليه المنصب، فيما تعتقد أجهزة استخبارات أميركية وإسرائيلية أنه أصيب خلال الحرب.

ويرى مسؤولون أن هذا المشهد انعكس على أداء المفاوضين، الذين يعملون في بيئة تتسم بتعدد مراكز القرار وتباين الرسائل، ما يزيد صعوبة بلورة موقف تفاوضي موحد أو تقديم تنازلات واضحة.


تقرير: الجيش الأميركي يستعد لمداهمة سفن مرتبطة بإيران

ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

تقرير: الجيش الأميركي يستعد لمداهمة سفن مرتبطة بإيران

ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)

ذكرت ​صحيفة «وول ستريت جورنال»، السبت، ‌نقلاً ‌عن ​مسؤولين ‌أميركيين ⁠قولهم ​إن الجيش ⁠الأميركي يستعد خلال الأيام ⁠المقبلة ‌لمداهمة ‌ناقلات ​نفط ‌مرتبطة بإيران، والسيطرة ‌على سفن تجارية ‌في المياه الدولية.

ووفق الصحيفة الأميركية، يستهدف الجيش بذلك توسيع نطاق حملته البحرية ضد إيران لتشمل مناطق خارج الشرق الأوسط.

وتأتي هذه الخطوة في ظل استمرار الجيش الإيراني في تشديد قبضته على مضيق هرمز، حيث هاجم «الحرس الثوري» الإيراني عدة سفن تجارية، السبت، في المضيق، معلناً أن الممر المائي الحيوي يخضع «لسيطرة إيرانية مشددة».

وقد دفعت هذه التطورات شركات الشحن إلى حالة من الارتباك بعد يوم من تصريح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بأن المضيق مفتوح بالكامل أمام حركة الملاحة التجارية، وهو إعلان رحّب به الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ويهدف قرار إدارة ترمب بتصعيد الضغط الاقتصادي على طهران إلى إجبار النظام الإيراني على إعادة فتح المضيق، وتقديم تنازلات بشأن البرنامج النووي الإيراني، الذي يعد محور المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.

ونقلت وكالة أنباء «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، قوله، السبت، إن إيران تستخدم السيطرة على مضيق هرمز أداةَ ضغط سياسية في مواجهة العقوبات الدولية.

بدوره، قال الرئيس الأميركي إنه لن يسمح بتحرك إيران لإغلاق المضيق بوضعه تحت الضغط، بعد أن أعادت طهران إغلاق الممر المائي بعد رفض ترمب إزالة الحصار الذي فرضه على الموانئ الإيرانية.

ووفقاً للقيادة المركزية الأميركية، فقد أعادت الولايات المتحدة بالفعل 23 سفينة حاولت مغادرة الموانئ الإيرانية في إطار الحصار البحري.

وسيُمكّن توسيع نطاق هذه الحملة الولايات المتحدة من السيطرة على السفن المرتبطة بإيران حول العالم، بما في ذلك السفن التي تحمل النفط الإيراني والتي تبحر بالفعل خارج الخليج وبحر العرب، وتلك التي تحمل أسلحة قد تدعم النظام الإيراني، وفق «وول ستريت جورنال».


هرمز بين حصارَين... حرب ترمب الاقتصادية أو عودة إيران إلى الحافة

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)
TT

هرمز بين حصارَين... حرب ترمب الاقتصادية أو عودة إيران إلى الحافة

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)

مع عودة التوتر إلى مضيق هرمز، بدا المشهد خلال الساعات الأخيرة أقرب إلى هدنة معلقة فوق فوهة بركان، وفق ما يرى مراقبون؛ ففي أقل من يوم، انتقل الخطاب من حديث عن فتح المضيق واستئناف المرور، إلى إعلان إيراني جديد بأن هرمز «عاد إلى وضعه السابق»، وأنه بات تحت «الإدارة والسيطرة الصارمة» للقوات المسلحة الإيرانية، فيما تمسك الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن الحصار البحري على الموانئ الإيرانية سيظل «سارياً بالكامل» إلى حين التوصل إلى اتفاق شامل.

هذا التناقض لا يعكس فقط حرب روايات بين واشنطن وطهران، بل يكشف أيضاً عن أن الطرفين يحاولان التفاوض من موقع الضغط الأقصى، من دون أن يكون أي منهما مستعداً فعلاً لتحمل كلفة العودة الكاملة إلى الحرب. ويرى مراقبون أن جوهر المرحلة الراهنة لم يعد فقط: مَن يسيطر على هرمز؟ بل: من يستطيع الصمود اقتصادياً وسياسياً أكثر في اختبار الوقت؟

تصريحات متضاربة

ومع عودة إيران إلى إغلاق المضيق عملياً، تجدد التراشق الإعلامي بين واشنطن وطهران. وبعدما قال ترمب إن إيران وافقت على ألا تستخدم المضيق «سلاحاً» مجدداً، وإن جولة جديدة من المحادثات قد تُعقد قريباً، سارعت طهران إلى نفي وجود «اتفاق جديد»، ووصفت الرواية الأميركية بأنها «ضجيج» و«أكاذيب».

كما أفادت «رويترز» بأن القوات الأميركية أعادت 23 سفينة كانت متجهة إلى إيران، في مؤشر على أن واشنطن لا تتعامل مع مسألة الهدنة باعتبارها عودة إلى الوضع الطبيعي، بل باعتبارها فرصة لتكثيف الضغط البحري.

هذه الفجوة بين الإعلانين الأميركي والإيراني تعني أن المضيق قد يكون «مفتوحاً» بالمعنى الدعائي، لكنه ما زال «مقيداً» عملياً بسبب المرور المحدود، والرقابة الإيرانية، وأخطار الألغام والزوارق، فضلاً عن رسائل متبادلة تجعل شركات الشحن والتأمين تتصرف على أساس أن البيئة لا تزال شديدة المخاطر.

من يتحمل الضغط أكثر؟

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث ورئيس الأركان المشتركة الجنرال دان كين وقائد «سينتكوم» الجنرال شارلز كوبر خلال مؤتمر في البنتاغون (رويترز)

ويرى مراقبون أن رهان ترمب واضح: إذا كانت الحرب العسكرية لم تُجبر إيران على فتح هرمز والتنازل سريعاً، فإن «الحرب الاقتصادية عبر الحصار البحري» قد تفعل ذلك.

ويشيرون إلى أن هذا الرهان ليس مضموناً؛ فمن جهة، فهو يضرب أهم مصدر دخل خارجي لطهران، أي صادرات النفط، ويضغط أيضاً على الواردات الحيوية والمواد الوسيطة اللازمة للصناعة والإعمار. ومن جهة أخرى، لدى إيران خبرة طويلة في التكيف مع العقوبات، وشبكات تهريب، وأسواق ظل، ولديها مشترٍ رئيسي هو الصين، ما يجعل قدرتها على «العيش في الأزمة» أعلى من قدرة خصوم كثيرين على تحمل فوضى إقليمية مفتوحة.

لذلك، تبدو لعبة «من يتراجع أولاً» معقدة؛ لأن واشنطن تعتقد أن الزمن صار ضد إيران، بينما طهران تراهن على أن خصومها والأسواق العالمية ودول الخليج، سيتعبون أولاً من كلفة الاختناق المزمن.

ويلفت دبلوماسيون إلى أن بعض التقديرات تشير إلى أن الضرر لم يعد رمزياً. وذكرت «نيويورك تايمز» أن النفط ما زال يمثل أكثر من 40 في المائة من عائدات التصدير الإيرانية، وأن الصين اشترت 90 في المائة من النفط الإيراني في عام 2024، فيما قُدرت مشترياتها في 2025 بنحو 31.5 مليار دولار، أي ما يعادل 45 في المائة من موازنة الحكومة الإيرانية.

وإذا صحت هذه الأرقام، فإن أي تعطيل ممتد للتدفقات البحرية يضع النظام أمام مشكلة سيولة وعجز مالي حقيقية، لا مجرد ضيق مؤقت، خصوصاً بعد عرض روسيا استعدادها لتعويض الصين عن النقص الإيراني.

ومع ذلك، يظل هذا الضغط أقل حسماً مما يفترضه البيت الأبيض؛ لأن هدف طهران في ظروف الحرب ليس تعظيم الإيرادات بل الإبقاء على الحد الأدنى الذي يسمح للاقتصاد بأن «يعرج» ولا ينهار.

أثر الحصار البحري

ناقلة نفط راسية قرب جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

وبحسب تقارير أميركية، فإن الحصار البحري الحالي يضرب الاقتصاد الإيراني على ثلاث طبقات: الأولى هي طبقة الإيرادات النفطية المباشرة؛ إذ نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن محللين، أن إيران قد تصل خلال أسبوعين أو ثلاثة إلى ما يسمى «امتلاء الخزانات»، أي نفاد القدرة التخزينية على اليابسة، ما يضطرها إلى خفض الإنتاج أو إغلاق آبار النفط، وهي خطوة عادة ما تُحدث أضراراً طويلة الأجل لبعض الحقول.

كما تذكر الصحيفة أن تكلفة الحصار قد تبلغ نحو 435 مليون دولار يومياً، منها 276 مليوناً خسائر صادرات، معظمها نفط وبتروكيماويات. وإذا استمر هذا المستوى من النزف الاقتصادي، فإن الخسارة الشهرية تصبح بمليارات الدولارات، لا سيما في اقتصاد أنهكته الحرب أصلاً.

أما الطبقة الثانية، فهي طبقة الإنتاج الصناعي وسلاسل الإمداد؛ فالقصف الأميركي - الإسرائيلي ألحق أضراراً بمصانع وشبكات نقل، ومنشآت كهرباء، ومجمعات بتروكيماوية، ومراكز لإنتاج الصلب.

وفي هذا السياق، لم يعد الحصار مجرد وسيلة لوقف التصدير، بل صار أداة لتعميق الاختناق الداخلي عبر تعطيل استيراد المواد والقطع اللازمة لإعادة تشغيل ما تبقى من الاقتصاد. وهنا تتضح المفارقة؛ لأنه حتى القطاعات التي نجت من القصف قد تُصاب بالشلل إذا تعذر عليها استيراد المدخلات.

أما الطبقة الثالثة فهي الخسارة الكلية المركبة: أي كلفة إعادة الإعمار، وفقدان الوظائف، وانقطاع الإنترنت، وتآكل الثقة. ويتحدث الإعلام الإيراني عن تقدير أولي لإعادة الإعمار عند 270 مليار دولار، وتذّكر تقديرات بخطر يتهدد ما يصل إلى 12 مليون وظيفة، كما تشير إلى خسائر بنحو 1.8 مليار دولار جراء انقطاع الإنترنت خلال 48 يوماً.

وهذه أرقام يجب التعامل معها بحذر؛ لأن بعضها تقديري وبعضها صادر عن جهات غير رسمية، لكنها في مجموعها ترسم صورة لاقتصاد لا يعاني من ضربة واحدة، بل من صدمات متراكبة: حرب، وحصار، واختناق لوجيستي، وعطب رقمي.

الحصار وآلية «سناب باك»

نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده يتحدث للصحافيين على هامش مؤتمر أنطاليا في تركيا (رويترز)

مع فرض واشنطن حصارها البحري، طرحت نقطة قانونية تتعلق بمدى توافقه مع عودة العقوبات الدولية على إيران بموجب آلية «سناب باك».

فمن الناحية السياسية، تحاول واشنطن الإيحاء بأن تلك الآلية تمنحها مظلة أوسع لملاحقة التجارة الإيرانية. لكن من الناحية القانونية البحتة، يجب التفريق بين أمرين: إعادة فرض قيود أممية على إيران، وامتلاك تفويض صريح من مجلس الأمن لفرض حصار بحري شامل ووقف السفن في البحر باسم المجتمع الدولي.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية بوضوح في 1 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إن إجراءاتها جاءت دعماً لـ«العودة في 27 سبتمبر (أيلول) 2025» إلى العقوبات الأممية المرفوعة سابقاً، وهذا يعني أن التاريخ الرسمي لإعادة الفرض كان 27 سبتمبر لا أكتوبر، وإن كانت إجراءات التنفيذ الأميركية اللاحقة قد تتابعت في أكتوبر.

لكن عودة العقوبات لا تعني تلقائياً، وفق القانون الدولي، أن أي دولة تستطيع منفردة فرض حصار بحري شامل على نحو مماثل لتفويضات مجلس الأمن السابقة في أزمات أخرى.

فالأدبيات القانونية التي يعرضها الصليب الأحمر الدولي تشير إلى أن إجراءات الاعتراض البحري ذات الأساس الأقوى في مرحلة ما بعد الحرب الباردة كانت عادة ترتكز إلى قرارات صريحة من مجلس الأمن، بينما يبقى قانون الحصار البحري نفسه جزءاً من مجال عرفي معقد وغير مقنن بالكامل في معاهدة جامعة.

وفي المقابل، تنص اتفاقية قانون البحار على أن السفن والطائرات تتمتع بحق «المرور العابر» في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، وهو مبدأ يصعب التوفيق بينه وبين فكرة خنق المرور أو إخضاعه لإرادة دولة مشاطئة أو قوة بحرية منفردة من دون سند دولي صريح. لذلك يمكن القول إن «سناب باك» تقوّي البيئة العقابية ضد إيران، لكنها لا تحسم وحدها مشروعية الحصار البحري الأميركي بالشكل الواسع المعلن، ولا يمنح إيران في المقابل حق تقييد المرور في هرمز باعتباره ورقة سيادية مطلقة.

الخلاصة أن الطرفين عالقان في معادلة استنزاف متبادل: ترمب يريد انتزاع تنازل نووي وملاحي من دون العودة إلى حرب مكلفة، وإيران تريد منع تحويل الهدنة إلى استسلام اقتصادي مغلف بالتفاوض.

لكن التطورات الأحدث تشير إلى أن كليهما لم ينجح بعدُ في فرض روايته الكاملة: واشنطن لم تحصل على فتح طبيعي وآمن لمضيق هرمز، وطهران لم تكسر الحصار أو تفرض اعترافاً عملياً بسيطرتها على شروط المرور.

وبينهما، تقف الأسواق وشركات الشحن أمام واقع واحد: لا حرب شاملة، ولا سلام ملاحياً فعلياً. وفي مثل هذا الوضع، يرى مراقبون أن تمديد الهدنة يصبح ممكناً لأن البديل خطير، لكنه يبقى تمديداً هشاً ما دام كل طرف يرى في الوقت نفسه وسيلة ضغط لا مساحة تسوية.