أعلام ترفرف أمام مقر البنك المركزي الأوروبي (رويترز)
يواجه البنك المركزي الأوروبي لحظة الحقيقة مع اشتعال فتيل الضغوط التضخمية الناتجة عن اضطرابات أسواق الطاقة العالمية، حيث انتقل النقاش داخل أروقة فرانكفورت من التهدئة إلى التحذير الصريح. وبينما يتمسك صناع السياسة النقدية بدعوات الهدوء وتجنب رد الفعل المتسرع تجاه صدمات النفط، بدأت كبرى مصارف الوساطة العالمية في إعادة رسم خرائطها المالية، مراهنةً على أبريل (نيسان) موعداً لانعطافة حادة في أسعار الفائدة.
هذا التضارب بين حذر البنك المركزي الأوروبي واندفاع الأسواق يضع القارة العجوز أمام اختبار قاسٍ: هل ينجح اليورو في امتصاص صدمة الصراع الإقليمي دون التضحية بالنمو، أم أن رفع الفائدة بات شراً لا بد منه لترويض التضخم الجامح؟
رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد تتحدث في مؤتمر صحافي عقب قرار البنك تثبيت الفائدة (رويترز)
كان البنك المركزي الأوروبي أبقى أسعار الفائدة دون تغيير يوم الخميس، لكنه حذر من أن الحرب الأميركية الإسرائيلية في إيران قد تدفع التضخم إلى ما هو أبعد بكثير من هدفه البالغ 2 في المائة هذا العام، وأن استمرار الصراع لفترة طويلة قد يُبقي نمو الأسعار مرتفعاً لسنوات مقبلة.
عزز هذا الرأي التوقعات واسعة النطاق برفع أسعار الفائدة، وأقر صناع السياسة النقدية، الذين تحدثوا شرط عدم الكشف عن هويتهم، بأن هذا الأمر قد يكون مطروحاً في أبريل ما لم يتم حل الصراع في الأسابيع المقبلة، وفق «رويترز».
مع ذلك، كان تعليقهم العلني يوم الجمعة أكثر اعتدالاً، إذ قال محافظ البنك المركزي الفنلندي، أولي رين: «علينا التحلي بالهدوء والنظر إلى الصورة الكاملة»، مضيفاً أن على صانعي السياسات الفصل بين التقلبات قصيرة الأجل وتأثيرها الاقتصادي طويل الأجل.
وصرح محافظ البنك المركزي الفرنسي، فرانسوا فيليروي دي غالهو، بأن البنك المركزي الأوروبي يجب ألا يبالغ في رد فعله تجاه ارتفاع أسعار الطاقة، الذي قد يدفع التضخم إلى 2.6 في المائة هذا العام، وفقاً لتوقعات البنك الأساسية.
وقال في مقابلة مع موقع «بورسوراما» الإخباري المالي: «نحن نتابع الوضع عن كثب، ولدينا القدرة على اتخاذ الإجراءات اللازمة».
في غضون ذلك، حذر محافظ بنك إسبانيا، خوسيه لويس إسكريفا، من أنه لا يزال من الصعب تقييم تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على مسار التضخم، لذا ينبغي على البنك المركزي الأوروبي الالتزام بنهجه في اتخاذ القرارات من اجتماع إلى آخر.
حاكم بنك فرنسا فرنسوا فيليروي دي غالهو يتحدث في باريس (رويترز)
الأسواق تراهن على الرفع
تتوقع الأسواق المالية الآن أكثر من رفعتين لأسعار الفائدة هذا العام، مع توقع أول رفعة في يونيو (حزيران). عادةً ما تتجاهل البنوك المركزية صدمات أسعار النفط، لكن المخاوف تكمن في أن يكون ارتفاع أسعار الطاقة كبيراً لدرجة أنه سيتسرب إلى الاقتصاد ككل، مؤثراً على أسعار كل شيء ومستمراً لفترة طويلة.
وأقر رئيس البنك المركزي الألماني، يواكيم ناغل، بهذا الخطر، وقال إن البنك المركزي الأوروبي قد يضطر للتدخل ما لم تستقر أسعار الطاقة قريباً.
وقال ناغل لوكالة «بلومبرغ»: «في ظل الوضع الراهن، من المتوقع أن تتدهور توقعات التضخم على المدى المتوسط، وأن ترتفع توقعات التضخم بشكل مستمر، مما يعني أن اتباع سياسة نقدية أكثر تقييداً سيكون ضرورياً على الأرجح».
يواكيم ناغل يتحدث خلال مقابلة في اجتماع وزراء المالية لمجموعة العشرين في جنوب أفريقيا يوليو 2025 (رويترز)
... وشركات الوساطة
في غضون ذلك، بدأت شركات الوساطة تراهن على رفع سريع لأسعار الفائدة، بعد أن غيرت توقعاتها في أعقاب اجتماع البنك المركزي الأوروبي يوم الخميس.
تتوقع بنوك «جي بي مورغان»، و«مورغان ستانلي»، و«باركليز»، الآن، أن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة في عام 2026، وهو تحول حاد عن توقعاتها السابقة التي كانت تشير إلى بقاء أسعار الفائدة ثابتة.
ويتوقع «باركليز» و«جي بي مورغان» رفع أسعار الفائدة في أبريل، تليه زيادات أخرى في يونيو ويوليو (تموز) على التوالي. في حين يتوقع «مورغان ستانلي» زيادات قدرها 25 نقطة أساس في كل من يونيو وسبتمبر (أيلول).
مع ذلك، لم يكن الجميع مقتنعاً. وقال يورغ كرامر، كبير الاقتصاديين في «كومرتسبنك»: «يهيمن على مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي أعضاء يميلون إلى سياسة نقدية توسعية».
وأضاف: «ما زلت غير مقتنع بتوقعات أسواق العقود الآجلة بأن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة الرئيسية مرتين على الأقل بحلول نهاية العام. إن العقبة أمام رفع أسعار الفائدة الرئيسية أعلى مما كان متوقعاً».
يتوقع متداولو أسواق المال أن يتجه البنك المركزي الأوروبي نحو إبقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، مع تراجع احتمالات خفضها حتى على المدى المتوسط.
خفّض المتداولون رهاناتهم على رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة على المدى القريب بعد إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعَين بين الولايات المتحدة وإيران.
والر يتحدث في مؤتمر ابتكار المدفوعات (أرشيفية - الاحتياطي الفيدرالي)
واشنطن:«الشرق الأوسط»
TT
واشنطن:«الشرق الأوسط»
TT
حرب إيران ورسوم ترمب تُجمدان طموحات «أكبر مؤيدي» خفض الفائدة الأميركية
والر يتحدث في مؤتمر ابتكار المدفوعات (أرشيفية - الاحتياطي الفيدرالي)
حذّر مسؤول رفيع في مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي من أن الحرب الإيرانية تسببت في وضع الاقتصاد الأميركي تحت مجهر الخطر، منذراً بصدمة تضخمية مماثلة لتلك التي أحدثتها جائحة «كوفيد - 19».
وجاء هذا التحذير على لسان محافظ مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كريستوفر والر، الذي يُعرف تقليدياً بأنه أحد أكثر أعضاء اللجنة ميلاً نحو التيسير النقدي، إلا أن الظروف الراهنة دفعت به نحو تبني نبرة أكثر حذراً. فبعد أن كان العضو الوحيد المطالب بخفض الفائدة في اجتماع يناير (كانون الثاني)، يحذر والر الآن من ركود تضخم قد يُبقي الفائدة مرتفعة لنهاية العام.
تحالف النفط والرسوم
أوضح والر في خطاب ألقاه بولاية ألاباما، أن ما يثير القلق هو تلاقي تأثيرين متزامنين؛ ارتفاع أسعار النفط الناجم عن التوترات الجيوسياسية، مضافاً إليه الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ورأى أن هذا «التحالف» يزيد من احتمالية حدوث موجة طويلة الأمد من ضغوط الأسعار القوية في أكبر اقتصاد بالعالم، قائلاً: «أعتقد أن هناك احتمالاً بأن تؤدي هذه السلسلة من صدمات الأسعار إلى زيادة أكثر استدامة في التضخم، تماماً كما رأينا مع سلسلة الصدمات خلال فترة الوباء».
وتسلط هذه التصريحات الضوء على مخاوف عميقة لدى مسؤولي البنوك المركزية من أن الحرب قد تزعزع ثقة الجمهور في قدرة «الفيدرالي» على السيطرة على الأسعار.
ويستحضر هذا المشهد ذكريات عام 2022، حين قفز معدل التضخم الرئيسي لنفقات الاستهلاك الشخصي إلى أكثر من 7 في المائة نتيجة اضطرابات سلاسل التوريد والحوافز الحكومية، وهو لا يزال حتى اليوم فوق مستهدف اثنين في المائة.
أزمة هرمز وسيناريو الركود التضخمي
على صعيد الأرقام المباشرة، لفت والر إلى أن أثر الحرب ظهر جلياً في مؤشر أسعار المستهلك لشهر مارس (آذار)، الذي ارتفع إلى 3.3 في المائة بعد أن كان 2.4 في المائة، مدفوعاً بأسعار الوقود. وحذر من أن استمرار الصراع وتقييد الملاحة في مضيق هرمز قد يؤدي إلى سيناريو «ركود تضخمي معقد»، حيث يجتمع التضخم المرتفع مع ضعف سوق العمل، مما قد يحرم «الفيدرالي» من القدرة على خفض الفائدة من نطاقها الحالي (3.5 - 3.75 في المائة).
وقال والر، الذي كان المرشح المفضل لدى كثير من الاقتصاديين لخلافة جيروم باول في رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي: «كلما طالت فترة ارتفاع أسعار الطاقة، زادت احتمالات انتشار التضخم في مجموعة واسعة من السلع والخدمات، وبدء ظهور تأثيرات على سلاسل التوريد، وتباطؤ النشاط الاقتصادي والتوظيف. وإذا استمرت الصدمات الواحدة تلو الأخرى، فلن يكون بمقدورنا غض الطرف عن ارتفاع التوقعات التضخمية لدى الأسر والشركات».
هامش المناورة وسوق العمل
وفي تحليل لافت لمرونة السياسة النقدية، أشار والر إلى أن التغيرات الهيكلية في سوق العمل جعلت مستوى خلق الوظائف المطلوب لاستقرار البطالة يقترب من «الصفر». وهذا يعني، حسب رؤيته، أن فقدان بعض الوظائف شهرياً لا يشير بالضرورة إلى ركود اقتصادي، مما يمنح «الفيدرالي» هامشاً للمناورة للإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة لفترة أطول إذا استدعى التضخم ذلك، دون الخوف من انهيار مفاجئ في سوق العمل.
وأوضح أنه سيتعين عليه الموازنة بين جانبي «التفويض المزدوج» بين استقرار الأسعار والتوظيف الكامل، مشدداً على أنه قد يختار الإبقاء على سعر الفائدة الحالي إذا فاقت مخاطر التضخم التهديدات التي تواجه سوق العمل.
ترقب الأسواق لنتائج المفاوضات
على الرغم من هذه النبرة التحذيرية، شهدت الأسواق انفراجة مؤقتة يوم الجمعة مع انخفاض أسعار النفط، بعد إعلان الولايات المتحدة وإيران عن بقاء مضيق هرمز مفتوحاً خلال محادثات وقف إطلاق النار التي تنتهي الثلاثاء. ورغم أن والر كان قد صوّت لصالح خفض الفائدة في يناير (كانون الثاني) الماضي، لدعم المقترضين، فإن الأغلبية وقتها فضلت التثبيت، وهو المسار الذي يبدو أن الأسواق قد سلمت به لما تبقى من هذا العام في ظل الظروف الجيوسياسية الراهنة.
الاكتفاء الغذائي السعودي… «درع سيادية» في مواجهة عاصفة «هرمز»https://aawsat.srpcdigital.com/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF/5263767-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%83%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B0%D8%A7%D8%A6%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%E2%80%A6-%D8%AF%D8%B1%D8%B9-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87%D8%A9-%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%81%D8%A9-%D9%87%D8%B1%D9%85%D8%B2
الاكتفاء الغذائي السعودي… «درع سيادية» في مواجهة عاصفة «هرمز»
إحدى المزارع في السعودية (المعرض الزراعي السعودي)
في وقت وضعت فيه أزمة إغلاق مضيق هرمز أمن الطاقة والغذاء العالمي على «حافة الهاوية»، برزت السعودية قوة استقرار استثنائية، محوّلةً سواحلها الغربية إلى شريان حياة لم يكتفِ بتحصين السوق المحلية فحسب؛ بل امتد ليعوّض النقص السلعي في دول الجوار.
وبفضل استراتيجية استباقية رفعت نسب الاكتفاء الذاتي لمنتجات غذائية حيوية إلى ما فوق الـ100 في المائة، نجحت المملكة في تطويق تداعيات الأزمة الجيوسياسية بـ«أذرع لوجيستية» كفؤة ومحتوى محلي صلب؛ ليعيد المشهد الحالي تعريف الأمن الغذائي السعودي؛ لا بوصفه منجزاً إحصائياً فحسب، بل بوصفه ركيزة سيادية صلبة أثبتت قدرتها على امتصاص الصدمات العالمية وإدارة تدفقات السلع بسلاسة وسط أمواج الأزمات المتلاطمة.
وهو ما تجسد واقعياً في البيانات الرسمية، حيث أظهرت نتائج إحصاءات الأمن الغذائي، التي أصدرتها الهيئة العامة للإحصاء لعام 2024، ارتفاعاً قياسياً في نسب الاكتفاء الذاتي لعددٍ من المنتجات الغذائية النباتية والحيوانية مقارنة بعام 2023، بل إنّ البعض منها حقق نسباً أعلى من 100 في المائة.
هذا المنجز الرقمي جاء مدفوعاً باستثمارات مستمرة في القطاع الزراعي، وتعزيز سلاسل الإمداد المحلية، وتنويع مصادر الاستيراد، التي أسهمت في تحصين السوق الداخلية من التقلبات الحادة، ما مكّنها من امتصاص صدمات الأزمة والحفاظ على توازن الأسعار وتوفر السلع، في مشهد يعكس تحول الأمن الغذائي من خيار تنموي إلى ركيزة سيادية في مواجهة الأزمات العالمية.
حاويات في أحد الموانئ السعودية (واس)
استغلال الموانئ
وفي هذا السياق اللوجيستي، تبرز أهمية كفاءة الموانئ السعودية بوصفها ذراعاً تنفيذية لهذه السيادة؛ حيث أوضح عضو مجلس الشورى، فضل بن سعد البوعينين، لـ«الشرق الأوسط»، أن المملكة تتميز بالموقع الاستراتيجي وسواحلها الممتدة على البحر الأحمر والخليج العربي، وبالتالي فإن موانئها متعددة وذات كفاءة عالية، مدعومة بخدمات لوجيستية متكاملة تعزز تدفقات السلع والبضائع.
وأوضح أن المملكة لم تجد مشكلة في توفير احتياجاتها أو تصدير منتجاتها بعد إغلاق مضيق هرمز، حيث نجحت في استغلال موانئها على البحر الأحمر بوصف ذلك بديلاً فاعلاً، ما أسهم في استدامة تدفق البضائع والسلع بسلاسة ودون انقطاع، ما انعكس إيجاباً على الأسواق التي لم تشهد نقصاً في المعروض ولا تضخماً في الأسعار، ورسّخ ثقة المستفيدين في فاعلية التدابير الحكومية المتخذة لتطويق آثار الصراعات الجيوسياسية وحماية الاقتصاد الوطني.
جهود الحكومة إقليمياً
ولفت البوعينين إلى أبعاد إقليمية أعمق، موضحاً أن جهود المملكة تجاوزت حماية أسواقها المحلية وضمان توافر السلع فيها، بل أسهمت في تعويض النقص السلعي في دول الخليج التي توقفت وارداتها بسبب إغلاق المضيق. وكان ذلك من خلال موانئها على البحر الأحمر، وتوفيرها مساحات تخزينية وتفعيل اتفاقيات المرور السريع واستخدام موانئ المملكة على الخليج العربي بوصفها رابطة بين دول الخليج لإيصال السلع والبضائع، إلى جانب النقل البري عن طريق الشاحنات.
«هي جهود عظيمة، تجاوزت حدود المملكة لتصل إلى جميع دول الخليج، في بادرة تعاون وتكامل معززة للعلاقات الخليجية، وتؤكد في الوقت عينه أهمية مجلس التعاون الخليجي وتعزيز دوره في تحقيق التكامل بين الدول الأعضاء»، وفق البوعينين.
المحتوى المحلي
شرح عضو مجلس الشورى أنه «من خلال تعزيز المحتوى المحلي، حققت المملكة جانباً مهماً من الاكتفاء الذاتي، خصوصاً في المنتجات الزراعية، التي تشكل جزءاً مهماً من الأمن الغذائي، إضافةً إلى بعض السلع الأخرى، ومنها القطع الصناعية المرتبطة بقطاع النفط، حيث أسهم توفرها محلياً في سرعة تعافي المنشآت النفطية التي تعرضت للهجمات الإيرانية السافرة».
مزرعة لإنتاج الدواجن في السعودية (واس)
وشدد البوعينين على أن استدامة المعروض المحلي كانت حجر الزاوية في كبح جماح التضخم وضمان استقرار الأسعار، مبيناً أن بناء المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية لم يكن مجرد إجراء وقائي؛ بل أداة تحوط فعالة مكنت الدولة من امتصاص الصدمات الطارئة وتأمين احتياجات الأسواق دون اهتزازات.
واستطرد قائلاً: «من المهم الإشارة إلى أن توفر السلع المستوردة لا يعني بالضرورة ثبات أسعارها، مع تغير التكاليف، خصوصاً تكاليف الشحن التي ارتفعت بشكل كبير، تحديداً في القطاع الجوي، ما انعكس على أسعار السلع في الأسواق بسبب هذه التكاليف وليس الندرة».
الموقع الاستراتيجي
وأشار إلى أهمية المخزون الاستراتيجي الذي يسهم في ضبط الأسعار بسبب شرائه وتخزينه في أوضاع مستقرة وأسعار متدنية، و«هنا أيضاً يبرز دور وزارة التجارة وآلية تسعير المخزون بالأسعار المعقولة بعيداً عن استغلال التجار للأزمة لتحقيق مكاسب أكبر».
وتطرق إلى كفاءة منظومة النقل والخدمات اللوجيستية في السعودية التي تعمل على استثمار موقعها الاستراتيجي لتحقيق المنفعة الكلية، وتحويله إلى فرص استثمارية تحقق العوائد وتسهم في تحقيق الأمن الوطني بمفهومه الشامل، بما فيه الأمن الغذائي والدوائي والسلعي؛ إن كان من مصادره المحلية، أو عن طريق الاستيراد من الخارج الذي لم يتوقف من خلال موانئ غرب المملكة.
مزرعة موز في منطقة جازان (واس)
استقرار الأسعار
من جانبه، أوضح المستشار وأستاذ القانون التجاري، الدكتور أسامة بن غانم العبيدي لـ«الشرق الأوسط»، أن المملكة حققت مستويات مرتفعة في نسب الاكتفاء الذاتي لعدد من المنتجات الغذائية في إطار جهودها لتعزيز الاستدامة الغذائية وتنمية القطاع الزراعي والحيواني، علماً بأن تلك النسب من الاكتفاء الذاتي تجاوزت 100 في المائة في عدد من المنتجات، مما يعكس كفاءة الإنتاج المحلي وقدرته على تلبية الطلب الداخلي والخارجي.
وأشار العبيدي إلى أن هذه الجهود أسهمت في استدامة توافر السلع والمنتجات الغذائية واستقرار أسعارها خلال أزمة مضيق هرمز وإغلاقه، والتي أدت إلى تعطل شحنات المواد والمنتجات الغذائية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ما تسبّب في زيادة كبيرة في أسعار الغذاء العالمية؛ وبشكل خاص القمح والأرز.
مجموعة أبقار في إحدى المزارع بمنطقة جازان (واس)
سلاسل الإمداد
يرى العبيدي أن حدة الأزمة ألقت بظلالها على سلاسل الإمداد العالمية، مسببةً اختناقات حادة في تدفق السلع والأسمدة الحيوية نتيجة تراجع حركة الملاحة عبر المضيق. إلا أنه أكد أن موانئ المملكة الغربية، وفي مقدمتها ميناء جدة الإسلامي وميناء ينبع، تحولت إلى منصات لوجيستية محورية لمواجهة هذا الانقطاع؛ حيث لم تكتفِ بتأمين احتياجات السوق المحلية فحسب، بل تحولت إلى شريان إمداد حيوي للدول المجاورة، ما ضمن استمرارية تدفق الشحنات الأساسية لعموم المنطقة
المنتجات الغذائية والحيوانية
كانت الهيئة العامة للإحصاء كشفت عن بلوغ نسبة الاكتفاء الذاتي من الروبيان 149 في المائة، ومن منتجات الألبان 131 في المائة، وبيض المائدة 103 في المائة.
كما بيّنت نتائج الهيئة لعام 2024، أن نسب الاكتفاء الذاتي من الخضراوات بلغت مستويات مرتفعة؛ إذ حقق الباذنجان 105 في المائة، والبامية 102 في المائة، والخيار 101 في المائة، والكوسا 100 في المائة. فيما سجلت التمور أعلى نسبة اكتفاء ذاتي بين الفواكه بواقع 121 في المائة، يليها التين 99 في المائة من الاكتفاء الذاتي.
الثروة الحيوانية
على صعيد الثروة الحيوانية، تظهر البيانات الرسمية لوزارة البيئة والمياه والزراعة طفرة ملموسة في مستويات الاكتفاء الذاتي، وفق بياناتها العام الماضي، حيث نجحت المملكة في تأمين 61 في المائة من احتياجاتها من اللحوم الحمراء محلياً، بإنتاج تجاوز 270 ألف طن. هذا الاستقرار الإنتاجي خلق تنوعاً إنتاجياً عزز من مرونة السوق المحلية وقدرتها على تلبية الطلب المتزايد، خصوصاً في المواسم الذروية.
وفي قطاع الدواجن، الذي يمثل ركيزة أساسية في سلة الغذاء الرمضانية، كشفت بيانات وزارة البيئة والمياه والزراعة عن تحقيق قفزة في الاكتفاء الذاتي بنسبة وصلت إلى 72 في المائة، بإنتاج محلي تجاوز المليون طن. ولم تقتصر هذه الوفرة على تلبية الطلب المحلي المتزايد فحسب؛ بل مكنت المملكة من تحقيق فائض يدعم قدرات التصدير، مع تعزيز الرقابة الميدانية لضمان استقرار الأسواق وحماية سلاسل الإمداد من أي تقلبات خارجية؛ وهو ما يرسخ مكانة المملكة بوصفها لاعباً دولياً يسهم بفاعلية في تحقيق الأمن الغذائي المستدام، مدعومة باستراتيجية توسع خارجي كبرى تشمل الاستثمار في كبريات شركات الإنتاج العالمية؛ مثل «بي آر إف» البرازيلية و«إم إتش بي» الأوكرانية، لضمان استمرارية الإمدادات من قلب المنشأ.
شهدت الأسواق العالمية انفراجة واسعة واستعادة قوية للزخم عقب قرار إيران بفتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، تزامناً مع هدنة لبنان. وأدى هذا التحول الإيجابي إلى تبدد سريع للمخاوف الجيوسياسية؛ ما دفع أسعار النفط للتراجع بنسبة تجاوزت 10 في المائة، حيث استقر «برنت» عند 88.27 دولار؛ ما خفف الضغوط التضخمية عالمياً.
وانعكس هذا الاستقرار فوراً على أسواق الأسهم التي انتعشت لتسجل مستويات قياسية، مدفوعة بارتفاع شهية المخاطرة لدى المستثمرين.
وفي سوق العملات، تراجع الدولار ليتيح المجال لصعود اليورو والين، بينما واصلت المعادن النفيسة مكاسبها النوعية.
أما أسواق السندات فقد شهدت هدوءاً مع تقليص الرهانات على رفع الفائدة؛ ما يعكس تفاؤلاً كبيراً بعودة استقرار سلاسل الإمداد وتدفقات الطاقة العالمية بسلاسة.