ألمانيا تنتقد فرنسا لعدم إنفاقها ما يكفي على دفاعها

دعت مع بريطانيا إلى التسلح كـ«واجب أخلاقي»

علَما الاتحاد الأوروبي وحلف «الناتو» في برلين (رويترز)
علَما الاتحاد الأوروبي وحلف «الناتو» في برلين (رويترز)
TT

ألمانيا تنتقد فرنسا لعدم إنفاقها ما يكفي على دفاعها

علَما الاتحاد الأوروبي وحلف «الناتو» في برلين (رويترز)
علَما الاتحاد الأوروبي وحلف «الناتو» في برلين (رويترز)

لم تستمر طويلاً الجبهة الموحدة، التي جمعت الأوروبيين في ميونيخ في وجه الولايات المتحدة. فبالكاد انتهى مؤتمر ميونيخ للأمن يوم الأحد، بعدما شكّل بداية عهد جديد في العلاقات الأميركية - الأوروبية، حتى عادت التصدعات بين أكبر قوتين داخل الاتحاد الأوروبي للظهور.

ووجّه وزير الخارجية الألماني، يوهان فادفول، انتقادات مباشرة لفرنسا لعدم إنفاقها ما يكفي على دفاعها، قائلاً في مقابلة إذاعة «دوتشلاند فونك» الألمانية، إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون «يتحدث عن حق بشكل متكرر عن السعي للوحدة الأوروبية، ولكن للأسف جهود فرنسا لتحقيق ذلك غير كافية حتى الآن». وأضاف أن ألمانيا تعهدت بإنفاق 5 في المائة من ناتجها الإجمالي على الدفاع، وهي النسبة الجديدة التي يوصي بها الحلف الدول الأعضاء بحلول عام 2035.

وأشار فادفول إلى أن ألمانيا بدأت تنفّذ خطة للوصول إلى إنفاق 5 في المائة على الدفاع، قائلاً إن «التخطيط المالي على المدى المتوسط يسمح لنا بذلك». ولكنه أضاف: «عندما ننظر إلى الدول المجاورة لنا، حلفائنا، ما زال هناك مجال للتحسين... وعلى فرنسا أن تقوم بما نقوم به نحن، أن تطبق بعض إجراءات التقشف في المجالات الاجتماعية وتوفر في أماكن أخرى كي يكون لديها مجال لتحقيق أهداف مهمة متعلقة بالمقدرات الدفاعية الأوروبية».

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع نظيره الألماني يوهان فادفول في ميونيخ (إ.ب.أ)

وفي انتقاد مباشر للرئيس الفرنسي، قال فادفول: «من يريد التحدث عن الاستقلال عن الولايات المتحدة اليوم عليه أولاً أو يقوم بواجباته داخلياً أولاً، أوروبا ما زال أمامها الكثير من العمل».

وبينما مضت الحكومة الألمانية في إنفاق غير مسبوق منذ عقود على الدفاع، وأدخلت تعديلات على الدستور تزيل سقف المديونية كي تتمكن من الاستدانة للإنفاق على دفاعها، تتلكأ فرنسا التي تعاني من عبء دين وطني أعلى بكثير.

وكان الرئيس الفرنسي اقترح استدانة أوروبية مجتمعة فيما يُعرف بالـ«يوروبوند»، ولكن ألمانيا ترفض الفكرة بشكل قاطع. وقد كرّر وزير الخارجية الألماني تأكيد بلاده لهذا الرفض، قائلاً: «نحن لسنا مستعدين لذلك بتاتاً»، مضيفاً أن دول «الناتو» تعهدت بإنفاق 5 في المائة من الناتج الوطني الإجمالي لكل دولة بمفردها. وأشار فاديفول إلى أن ألمانيا تترقب خطاباً للرئيس الفرنسي نهاية الشهر سيتحدث فيه عن مسائل استراتيجية، يأمل أن تتضمن إعلاناً بزيادة الإنفاق العسكري.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في ميونيخ (د.ب.أ)

وأمام الضغوط الأميركية المتزايدة على الدول الأوروبية لزيادة إنفاقهم العسكري وتقليل الاعتماد عليها، اعتمدت ألمانيا خطاباً تصالحياً مع حليفها الأميركي، وفي الوقت نفسه تعهدت بالعمل على تقوية أمنها. وكان واضحاً من خطاب المستشار فريدريش ميرتس في مؤتمر ميونيخ أن برلين تعي أن العلاقة المتغيرة مع الولايات المتحدة تقتضي أن تزيد من إنفاقها الدفاعي. وبالنسبة لألمانيا، فإن قرار زيادة إنفاقها الدفاعي، يعتبر تاريخياً نظراً لتعمدها طوال عقود منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إضعاف جيشها وتخفيض الإنفاق العسكري، والاعتماد في المقابل على المظلة الأميركية.

وكان لافتاً كذلك أن رئيس أركان الدفاع الألماني، كارستن بروير، وجّه نداء مشتركاً مع نظيره البريطاني، ريتشارد كينغتن، لزيادة التسليح في القارة. وكتب العسكريان مقالاً مشتركاً نشرته صحيفة «دي فيلت» الألمانية و«ذي غارديان» البريطانية، حددا فيه أسباب ضرورة إعادة تسلح أوروبا بالقول إن «روسيا من الواضح أنها تحول قدراتها العسكرية غرباً» وإنها «تتعلم من الحرب في أوكرانيا بسرعة وتعيد تنظيم نفسها بطريقة تزيد من مخاطر اندلاع صراع مع دول (الناتو)». وخلصا إلى أن هذه المخاطر تجعل من إعادة التسليح «واجباً أخلاقياً وخطوة مسؤولة من دول مصممة على حماية شعوبها وحفظ الأمن».

الرئيس الأميركي والأمين العام لـ«الناتو» يتحدثان خلال مؤتمر صحافي في قمّة بلاهاي في يونيو 2025 (د.ب.أ)

واعتبر رئيسا الأركان أن قرار «الناتو» في الصيف الماضي برفع توصية الإنفاق العسكري إلى 5 في المائة لكل دول الحلف بحلول عام 2035 «يعكس واقعاً أمنياً جديداً ويتطلب من كل الدول الأعضاء اتخاذ قرارات صعبة ووضع أولويات للإنفاق العام». وحذرا من أنه إذا «رأت روسيا أن أوروبا ضعيفة أو منقسمة، فهي ستتشجع لتوسيع اعتدائها أبعد من أوكرانيا، فالتاريخ يعلمنا أن الردع يفشل عندما يشعر الخصوم بالانقسام والضعف».

وجاء المقال للعسكريين في اليوم الأخير لمؤتمر ميونيخ للأمن الذي لم يترك مجالاً للشك أمام الأوروبيين بأن إدارة الرئيس دونالد ترمب مصممة على فتح صفحة جديدة مع الأوروبيين، تعتمد على زيادة مسؤوليتهم عن أمنهم والانسحاب تدريجياً من أمن القارة. وألقى وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، خطاباً أمام المؤتمر أكّد فيه استمرار التحالف الأميركي الأوروبي، ولكنه ألحقه بشروط تتعلق بأن تصبح أوروبا أقوى وتقلص اعتمادها الأمني على الولايات المتحدة وتعتمد سياسة هجرة مختلفة «للحفاظ على الحضارة الأوروبية». وبدت النقطة الأخيرة تكراراً لما تحدث به العام الماضي نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أمام مؤتمر ميونيخ وشكل صدمة آنذاك للأوروبيين. ورغم أن كلام روبيو لم يختلف كثيراً في المضمون، ولكنه ألقاه بأسلوب أكثر دبلوماسية، ما أكد للأوروبيين أن الرسالة الأميركية لن تتغير مهما كان حاملها.

وقالت سيليست والندر، مساعدة وزير الدفاع الأميركي السابقة لشؤون الأمن الدولي، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما شهدناه في مؤتمر ميونيخ هو أساس علاقة أوروبية - أميركية جديدة يمكنها أن تكون بناءة ومنتجة ولكن علينا أن نرى كيف ستعمل». وأضافت أن هذه العلاقات بدأت تتغير بين الطرفين منذ مدة، ولكن الآن «بات هناك فهم أكبر لدى الأوروبيين بأننا في عصر جديد». وما زالت أوكرانيا الهاجس الأكبر بالنسبة للأوروبيين القلقين من أن انسحاباً أميركياً قد يقوي روسيا أكثر. ويكرر المسؤولون الأوروبيون وكذلك الرئيس الأوكراني، أنه لا يمكن إنهاء الحرب في أوكرانيا من دون ضمانات أمنية أميركية. ولكن الولايات المتحدة لا تبدو مستعدة لتقديم ضمانات كهذه، وهي تريد من الأوروبيين الالتزام بحماية أوكرانيا بمفردهم.

جنود من فرنسا وبولندا يشاركون في مناورة عسكرية مشتركة مع جنود من كثير من دول «الناتو» على نهر فيستولا في كورزينيو ببولندا 4 مارس 2024 (د.ب.أ)

وقالت والندر: «إن الإدارة الأميركية كانت واضحة بأن إمكانياتها في هذا المجال محدودة وأنه سيكون على الأوروبيين أن يتحملوا تلك المسؤولية». وأضافت تعليقاً على الضمانات الأمنية التي تطالب بها كييف الولايات المتحدة، أنها «مثيرة للجدل في السياسة الأميركية الداخلية وفي الانتخابات الرئاسية القادمة عام 2028، خاصة أن البيت الأبيض يريد تقليص أعداد الجنود في أوروبا وليس زيادتهم».

وأمام هذه التحديات التي تواجه الأوروبيين مع حليفهم عبر الأطلسي، تبدو الخلافات الألمانية الفرنسية عقبة أمام صوت أوروبي موحد وقوي، سيتعين على الدولتين الأقوى داخل الاتحاد الأوروبي تخطيها إذا ما أرادت أوروبا أن تنجح بالاستقلال فعلاً عن الولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

العالم السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)

سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

عبّر السفير الأميركي لدى تركيا، توم براك، عن اعتقاده بحل الخلاف حول اقتناء تركيا منظومة الدفاع الروسية «إس - 400» قريباً

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا ضباط إنفاذ قانون أوكرانيون يفتشون أجزاء من طائرة مسيّرة في موقع هجوم جوي روسي على خاركيف، أوكرانيا 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

مسيّرة روسية تنتهك المجال الجوي لرومانيا

قالت وزارة الدفاع الرومانية، اليوم (الجمعة)، إن أنظمة الرادار رصدت اختراق طائرة مسيّرة للمجال الجوي للبلاد خلال هجوم شنته روسيا ليلا على الجارة أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (بوخارست)
أوروبا المستشار الألماني والرئيس الأوكراني يحضران عرضاً لعربة عسكرية «يتم التحكم فيها عن بعد» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ) p-circle

«ناتو» يدعو من برلين إلى «عدم إغفال أوكرانيا» وزيادة الدعم لكييف

الحلفاء يدعون إلى عدم وقف المساعدات لأوكرانيا خلال اجتماع مجموعة الاتصال... وزيلينسكي يطالب بعدم «رفع أي عقوبات» عن موسكو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب والأمين العام لـ«الناتو» مارك روته على هامش منتدى «دافوس» في 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)

«الناتو الأوروبي».... خطة دفاعية بديلة تحسباً لانسحاب ترمب من الحلف

كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن أن الدول الأوروبية تُسرّع جهودها لوضع خطة لحلف الناتو تحسباً لانسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
العالم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يتحدث خلال مؤتمر صحافي مشترك في أنقرة... تركيا 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ) p-circle

تركيا: على «الناتو» إعادة ضبط علاقاته مع ترمب في قمة أنقرة

قالت تركيا، الاثنين، إنه يتعيّن على دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) العمل خلال القمة المقبلة في يوليو (تموز) بأنقرة على إعادة ضبط العلاقات مع الرئيس الأميركي ترمب.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)

واشنطن توافق على بيع معدات عسكرية إلى ألمانيا بقيمة 11.9 مليار دولار

أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد  (رويترز)
أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد (رويترز)
TT

واشنطن توافق على بيع معدات عسكرية إلى ألمانيا بقيمة 11.9 مليار دولار

أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد  (رويترز)
أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد (رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأميركية، الجمعة إن الولايات المتحدة وافقت على بيع محتمل لمعدات عسكرية لألمانيا تقدر قيمتها بنحو 11.9 مليار دولار.

وجاء في بيان الخارجية الأميركية، إن «هذا البيع المقترح سيدعم أهداف السياسة الخارجية وأهداف الأمن القومي للولايات المتحدة من خلال تحسين أمن دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو)».

وأضاف البيان أن ألمانيا كانت قوة للاستقرار السياسي والتقدم الاقتصادي في أوروبا.

ووفقا للبيان، تسعى ألمانيا للحصول على ثمانية أنظمة قتالية متكاملة وأنظمة رادار حديثة وأنظمة إطلاق للصواريخ الموجهة، من بين معدات أخرى.

وستسمح هذه التكنولوجيا للسفن الحربية باكتشاف التهديدات مبكرا والتصدي لها والاتصال بوحدات الناتو الأخرى.

وقالت وزارة الخارجية إن «البيع المقترح سيعزز قدرة القوات البحرية الألمانية على مواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية من خلال تحسين الدفاع الوطني والإقليمي بالإضافة إلى إمكانية التشغيل البيني مع القوات الأميركية وقوات حلف الناتو».

وتم تقديم الصفقة إلى الكونغرس الأميركي، الذي لا يزال بإمكانه الاعتراض عليها.


زيلينسكي يحذر بيلاروسيا من الانزلاق مجدداً إلى الحرب الروسية ضد بلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
TT

زيلينسكي يحذر بيلاروسيا من الانزلاق مجدداً إلى الحرب الروسية ضد بلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

حذّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بيلاروسيا من أي تورط آخر في الحرب التي تشنّها روسيا ضد بلاده، مشيراً إلى أن عليها أن تعتبر بما حلّ بزعيم فنزويلا السابق.

وقال زيلينسكي: «إن طبيعة ما جرى مؤخراً في فنزويلا، وتداعيات الأحداث هناك، ينبغي أن تمنع قيادة بيلاروسيا من ارتكاب أخطاء مماثلة»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، نفّذ الجيش الأميركي عملية عسكرية في فنزويلا أسفرت عن اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما إلى نيويورك، حيث لا يزالان محتجَزين حتى الآن، ويواجهان تُهماً؛ من بينها التآمر لتهريب المخدّرات.

وكشف زيلينسكي أن الاستخبارات الأوكرانية رصدت قيام بيلاروسيا بتوسيع شبكة طرقها وبناء مواقع مدفعية في مناطق قريبة من الحدود مع أوكرانيا.

ولم يقدّم الرئيس الأوكراني أدلة ملموسة على تلك الأنشطة داخل بيلاروسيا.

كانت روسيا قد استخدمت الأراضي البيلاروسية منطلقاً في غزوها الشامل لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022.

وأضاف زيلينسكي: «نحن نفترض أن روسيا ستحاول مجدداً جرّ بيلاروسيا إلى حربها» ضد أوكرانيا.

وأوضح أنه كلف «الجهات المعنية» بتوجيه تحذير إلى مينسك من العواقب المحتملة، مؤكداً أن أوكرانيا مستعدة للدفاع عن أراضيها واستقلالها.


40 دولة تجتمع في برشلونة تحت عنوان «التعبئة التقدمية العالمية» في مواجهة «اليمين العالمي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في صورة مركبة (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في صورة مركبة (أ.ف.ب)
TT

40 دولة تجتمع في برشلونة تحت عنوان «التعبئة التقدمية العالمية» في مواجهة «اليمين العالمي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في صورة مركبة (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في صورة مركبة (أ.ف.ب)

تحت عنوان «التعبئة التقدمية العالمية» تجتمع، الجمعة، ولمدة يومين نحو 40 دولة في عاصمة إقليم كاتالونيا برشلونة، يشارك فيها رئيس البرازيل لويز إيناسيو لولا دا سيلفا، ورئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، إلى جانب رئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانتشيث، وهو منتقد آخر للرئيس الأميركي دونالد ​ترمب، وينتمي إلى التيار اليساري ‌مثل لولا.

وقال رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني لارس كلينغبايل، الذي يشارك هو الآخر في هذا اللقاء إن هذا «أول اجتماع عالمي من نوعه ولحظة تاريخية».

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز خلال خطابه المُتَلفز (إ.ب.أ)

وينتمي كلينغبايل إلى هيئة رئاسة «التحالف التقدمي» الذي أُسس عام 2013 في مدينة لايبزيغ الألمانية، وتضم أكثر من 130 حزباً ديمقراطياً اجتماعياً واشتراكياً.

دعا كلينغبايل، الذي يشغل أيضاً منصبي نائب المستشار الألماني ووزير المالية، إلى إقامة شبكة عالمية للقوى التقدمية كقوة موازنة لما وصفه بـ«اليمين العالمي». وقال في تصريحات لـ«وكالة الأنباء الألمانية» في برلين: «اليمين العالمي بات منذ مدة طويلة مترابطاً بشكل جيد على مستوى العالم... لذلك من المهم الآن أن نجتمع نحن كقوى تقدمية، بما يتجاوز أوروبا بكثير.

الرئيس البرازيلي ناقش وضع نيمار مع مدرب المنتخب كارلو أنشيلوتي (رويترز)

وقال كلينغبايل: «للأسف انحرفت المعايير لدى الرئيس ترمب»، مضيفاً أن سياساته أصبحت نموذجاً لعالم يفرض فيه الأكثر استعراضاً للقوة نفسه، مؤكداً أن المطلوب الآن هو بناء الجسور، وتعزيز مؤسسات قوية مثل الأمم المتحدة، وأضاف: «لا نريد مجتمعات منقسمة ومستمرة في الاستقطاب»، مشيراً إلى أن ما حدث في المجر يمنح بعض الأمل، حيث تم إقصاء فيكتور أوربان - أحد أبرز ممثلي الأحزاب الشعبوية اليمينية - من السلطة.

وأضاف: «الأمر لا يتعلق فقط بالتبادل، بل أكثر من ذلك، بجعل هذا الترابط السياسي فعالاً»، موضحاً أن الهدف هو تقديم نموذج مقابل «لبوتين وترمب ومن هم على شاكلتهما» يقوم على قواعد واضحة، وقانون دولي قوي.

وقال الرئيس البرازيلي: «لا يحق لأحد أن يخيف الآخرين. يجب ⁠أن ⁠يتحمل أصحاب النفوذ مسؤولية أكبر في الحفاظ على السلام»، واصفاً نفسه بأنه زعيم يفضل الاحترام على الخوف.

ووجّه لولا انتقاداً لاذعاً للرئيس الأميركي دونالد ​ترمب في مقابلة مع صحيفة «ألباييس» الإسبانية نُشرت، الخميس، قائلاً إن على قادة العالم السعي إلى كسب الاحترام بدلاً من الحكم بالترهيب. وأضاف: «لم يُنتخب من أجل ذلك، ودستوره لا يسمح بذلك». ووصف لولا نهج الرئيس الأميركي في ⁠السياسة الخارجية بأنه «لعبة مغلوطة للغاية» ‌يقودها افتراض ‌أن القوة العسكرية والاقتصادية لواشنطن ​تخولها بوضع ‌القواعد.

الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز خلال اجتماع في كراكاس بفنزويلا 13 مارس 2026 (رويترز)

وتأتي تصريحات لولا بعدما حذّر ترمب، هذا الشهر، من أن «حضارة بكاملها ستموت» في إيران ما لم تفتح طهران مضيق هرمز. وقال لولا للصحيفة: «لا يحق لترمب أن يستيقظ صباحاً، ويهدد دولة»، لافتاً إلى أن الدستور الأميركي يقسّم السلطة في ما يتعلّق بالحرب والسياسة الخارجية بين الكونغرس والرئيس. وأضاف الرئيس اليساري البالغ 80 عاماً أن «من الضروري أن يتولى قادة الدول القوية مسؤولية أكبر في المحافظة على السلام».

أعضاء اللجنة التوجيهية لأسطول الصمود العالمي ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً بينما يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة (رويترز)

ودعا إلى إجراء انتخابات حرة في فنزويلا دون تدخل من واشنطن، وذلك عقب العملية المفاجئة التي نفذتها القوات الخاصة الأميركية في الثالث من يناير (كانون الثاني)، ​وألقت فيها ​القبض على الرئيس نيكولاس مادورو في كراكاس.

ويفترض رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني أن تصدر عن المؤتمر رسالة مفادها أن «التعاون يجعلنا أقوى لا أضعف». وفي إشارة إلى الرئيس الأميركي، قال كلينجبايل: «هذا التحالف ليس موجهاً في المقام الأول كحركة مضادة لترمب»، موضحاً في المقابل أن النظام العالمي يشهد تحولاً عميقاً، ويعمل باستمرار بصورة أقل وفق قوة القانون، وبصورة أكثر وفق قانون الأقوى، وأضاف: «هذا بالتحديد ما نتصدى له».

وما زالت العلاقة بين واشنطن وبرازيليا متوترة رغم عقد اجتماع بين ترمب ولولا، العام الماضي، أسهم في تخفيف حدّة التوتر، وأدى إلى خفض الرسوم التجارية. وجدد لولا دعوته لإصلاح مجلس الأمن الدولي بحيث يشمل إلغاء حق النقض (الفيتو) الذي تتمتّع به الدول الخمس دائمة العضوية، وضم مزيد من البلدان الأفريقية ومن أميركا اللاتينية. وأضاف، كما نقلت عنه «وكالة الصحافة الفرنسية»: «حان الوقت لإعادة تشكيل الأمم المتحدة ومنحها مصداقية، وإلا فإن ترمب سيكون محقّاً»، في إشارة إلى انتقادات الرئيس الأميركي للهيئة الدولية، وقوله إنها فقدت فاعليتها.

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في كلمته أمام نواب البرلمان (أ.ف.ب)

وأشار كلينغبايل إلى أنه من المتوقع أيضاً حضور قوى تقدمية من الولايات المتحدة، وقال: «نحن في الحزب الاشتراكي الديمقراطي نحافظ تقليدياً على علاقات وثيقة جداً مع الديمقراطيين في الولايات المتحدة، ونعمل حالياً على توسيع هذه الاتصالات»، موضحاً أن ذلك يشمل حكام الولايات وأعضاء مجلس الشيوخ والكونغرس، وأضاف: «يجب أن نظل في حوار يتجاوز الإدارات». وقد تسفر انتخابات التجديد النصفي في الخريف المقبل عن تغيير في المشهد السياسي الأميركي».

وقال: «أنا لست مع الابتعاد عن الولايات المتحدة، لكن يجب أن نوضح أن العلاقات عبر الأطلسي تعرضت لضرر حقيقي»، مضيفاً أن «هذا قد يتغير مجدداً، لكننا في المرحلة الحالية نمرُّ بمرحلة انفصال للإدارة تحت قيادة ترمب»، مشدداً على أن أوروبا يجب أن تكون قادرة على سلوك طريقها الخاص، وقال: «هذا غير موجَّه ضد الولايات المتحدة، إنما هو التزام واضح بأوروبا مستقلة».

رئيس الوزراء الإسباني والرئيس الفرنسي (إ.ب.أ)

وأشار كلينغبايل إلى أنه سبق أن قال بعد الغزو الروسي لأوكرانيا إن العالم سينظم نفسه في مراكز متعددة، مضيفاً أن أوروبا يجب أن تكون مركزاً جاذباً، مثل أفريقيا أو أميركا اللاتينية، وقال: «على أوروبا أن تدافع عن دورها بثقة أكبر، فالعالم لا ينتظرنا». وفي المقابل، أشار كلينجبايل إلى وجود دول «يجب أن نسعى بنشاط لكسبها».

وبالإشارة إلى زعيم المعارضة في الهند راهول غاندي، أوضح كلينغبايل أن الهدف هو بناء تحالفات، بما في ذلك العمل على ألا تواصل دولة كبيرة مثل الهند التقارب مع روسيا.

ويرافق كلينغبايل في برشلونة وفد من الحزب الاشتراكي الديمقراطي يضم أيضاً وزيرة التنمية ريم العبلي رادوفان، والأمين العام تيم كلوسندورف.