صوَر نرسيس وانعكاساتها في مرايا الغرب

عاشق نفسه الذي أغرقه التحديق في مياه جماله الأسطوري

صوَر نرسيس وانعكاساتها في مرايا الغرب
TT

صوَر نرسيس وانعكاساتها في مرايا الغرب

صوَر نرسيس وانعكاساتها في مرايا الغرب

إذا كانت الشعوب القديمة قد أطلقت العنان لمخيلاتها الجمعية، في ظل عجز العقل وقصوره، لتعثر في الأساطير على ما تفسر به ظواهر الطبيعة، فإن الحضارة اليونانية كانت واحدة من أكثر الحضارات ابتكاراً للأساطير، وهي التي نصبت آلهة أو أكثر لكل ظاهرة من الظواهر المتصلة بالوجود والمسيرة الإنسانية. إضافة بالطبع إلى أنصاف الآلهة الذين يقعون في الوسط بين الأرضي والسماوي، بين العادي والخارق، كما بين البشري وما بعد البشري.

ومع أن الميثولوجيا اليونانية لم تولد في عصر واحد ولم تتشكل على صورة واحدة، بل كانت مزيجاً من ميثولوجيا الخليقة وأصل العالم، وقصص اختلاط الآلهة والبشر، وسير الأبطال الملحميين، فإن النماذج العليا التي وضعتها للحياة والموت، وللبطولة والحب، وللجمال والألم، باتت جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الغربية، والإنسانية على نحو عام.

وحيث كان على كل واحد من الأبطال التراجيديين، أن يدفع غالياً ثمن سلوكياته وأفعاله المثيرة لغضب الآلهة، كما كانت حال بروميثيوس وسيزيف وأورفيوس وغيرهم، فقد كان على نرسيس، الصياد الوسيم العاشق لنفسه، أن يدفع كالآخرين ثمن افتتانه المفرط بجماله، وهو الذي عاقبته الآلهة بأن دفعته إلى التحديق في انعكاس صورته في الماء، إلى أن قضى غرقاً في المياه المظلمة للافتتان بالذات، قبل أن يتحول إلى زهرة جميلة تحمل اسمه.

وقد اعتبر هربرت ماركوز في كتابه «الحب والحضارة»، أن الحضارة الغربية منذ سقراط وأفلاطون وحتى عصورها المتأخرة، قد وضعت العقل في حالة مواجهة دائمة مع الغريزة، بحيث استخدم الأول بوصفه أداة للقسر والقمع وكبح الأهواء، فيما نُظر إلى كل ما ينتمي إلى منطقة الغريزة واللذة بأنه خطر على العقل وقوانين الانتظام العام والسلامة الأخلاقية. وإذا كان بروميثيوس هو الرمز الثقافي للعمل الباحث عن مردود وللإنتاجية والتقدم عن طريق القمع، فإن نرسيس وأورفيوس، الشبيهة صورتهما بصورة ديونيزيوس، كانا نموذجين للفرح والارتواء، وصوتهما «هو الصوت الذي لا يأمر أخلاقياً ولكنه يغنّي».

أما على الصعيد الأدبي، فقد تركت شخصية نرسيس أصداء متلاحقة في الأدب والفن الغربيين. وقد كان الشاعر الروماني أوفيد، من أوائل الذين أولوا شخصية نرسيس عناية خاصة، حيث أفرد له صفحات عدة من كتاب «التحولات»، متحدثاً عن الطفل ذي الوسامة الفائقة الذي كان ثمرة علاقة عشق صاعق بين ليريوبي، ربة الماء الفاتنة والإله النهر كيفيزوس، وحيث وقع نرسيس منذ يفاعته في عشق نفسه، فقد قابل بالصدود كل الآلهات الشابات اللاتي عملن على إغوائه، بمن فيهن إيكو إلهة الغابة، التي كانت الآلهة الكبرى قد غضبت منها وحولتها إلى صدى. وبعد مطاردة عقيمة بين الطرفين، قررت إيكو انتقاماً لحبها أن تتقمص انعكاس صورة حبيبها في المياه العميقة. حتى إذا انحنى ليشرب أعجبت صورته في الماء، فأغرق نفسه فيه، لتبكيه وفق رواية أوفيد، الآلهات جميعهن:

وكانت إيكو ترجّع نواحهنّ

وها هي تُهيَّأُ المحرقة

والمشاعلُ التي تُحرَّك في الأجواء

غاب الجسم

وفي مكانه نبتت زهرةٌ بلون الزعفران

تحيط بقلبها أوراق بيضاء

ومع أن شخصية دون جوان، التي ابتكرها الكاتب الإسباني تيرسو دي مولينا في بداية القرن السابع عشر، تمتلك كثيراً من الوجوه، التي تتصل بالسلوك الماجن والتهافت الأبيقوري على اللذة ومفهوم الخطيئة والعقاب، والانقلاب الاحتجاجي على التزمت الديني ورومانسية القرون الوسطى، فنحن لا نحتاج إلى كثير من الجهد لكي نكتشف الجنوح النرجسي لهذه الشخصية، التي وقع صاحبها في عشق نفسه، جاعلاً من إغواء النساء وطلب اللذة والمجون العابث ديدنه وهاجسه المستمر.

ولم يفُت وليم شكسبير أن يتخذ من المآل المأساوي لجمال نرسيس، العبرة الملائمة لحمل الجمال على التخلي عن أنانيته القاتلة، عبر الاتحاد العميق بالآخر. وإذ يجعل من حب الذات «الوقود الكبير الذي يغذي شعلة النور الإنساني، يحث شاباً وسيماً مأخوذاً بجماله ومكتفياً به على الإنجاب، لكي لا يكون الجمال مرادفاً للعقم؛ بل للتجدد والخصب واستمرار النسل، ليضيف قائلاً:

انظر في مرآتك وقل للوجه الذي تراه

إن الوقت قد حان

لينشئ ذلك الوجه وجهاً آخر

وهكذا عبر نوافذ عمرك

سترى رغم التجاعيد زمنك الذهبي

وإلا متَّ وحيداً وماتت معك صورتك

كما بدا النزوع النرجسي واضحاً لدى أندريه جيد، الذي أظهر منذ مطالع صباه انهماماً بالغاً بالذات، واحتفاء باللذة، فضلاً عن ميوله المثلية، ثم ما لبث في فترة نضجه أن تراجع عن جنوحه السلوكي، والعيش وفقاً لما طاب له أن يسميه «نظام الطبيعة» القويم. أما كتاب «اتفاق نرسيس» الذي كتبه جيد في مطالع شبابه، فهو عبارة عن نص تأملي يستلهم فيه الكاتب أسطورة نرسيس، ليطرح أسئلة فلسفية حول الذات والهوية والجمال، حيث البطل الأسطوري يحاول دون جدوى أن يقبض على صورته في مرآة الماء. وهو إذ ينحني فوق نهر الزمن، تمر فيه وعبره جميع الأشكال، قبل أن تلوذ بالفرار، ويهتف جيد بلسانه:

أيتها الأشكال الإلهية الدائمة التدفق

من ذا الذي لا يرتقب عودة السكون ثانية

فالجنة يمكن إعادة صنعها على الدوام

وحيث تغوص المياه الأكثر كثافة

كل شيء يجهد ليبلغ شكله المفقود

وفي قصيدته المميزة ذات اللغة المتوهجة «نرسيس يتكلم»، يشير بول فاليري إلى أنه استلهم القصيدة من عبارة «إرضاء لأرواح النرجس» المنقوشة على قبر نرسيسا، ابنة الشاعر الإنجليزي إدوارد يونغ، التي قضت نحبها في ريعان الصبا بعد أن ألمّ بها مرض داهم. وإذ يحرص فاليري في الوقت ذاته، على التحدث بلسان الشابة المتوفاة، التي تعدى تماثلها مع نرسيس إطار الاسم، ليصبح تماثلاً في المصير، يكتب قائلاً:

ها أنا ذا أهلكُ بالجمال

أهلك لأنني اشتهيتُ نفسي في عريك

لكَم آسفُ على بريقكَ الصافي المنهك

أيها النبع الذي أحتضنه برقّة

حيث شربتْ عيناي من لازورد الفناء

وليس صدفة بالطبع أن يلح فاليري على الاحتفاء بشخصية نرسيس، إذ في هذا الاحتفاء ما يتعدى جمال الوجه والجسد، ليتصل باللغة نفسها، وهو الذي كان مساعداً لرائد المدرسة الرمزية ستيفان مالارميه، ومشاركاً في حركة الصنعية الجمالية التي قادته بسبب ما تستلزمه من نمنمة زخرفية، إلى التخلي عن الكتابة لعقدين كاملين من الزمن. وفاليري الباحث عن الكمال المطلق، الذي كان يعتقد بأن القصيدة الحقيقية لا تنتهي، وإنما تُترك فقط، هو الذي عاد في قصيدته «الملاك» ليكتب ما حرفيته: «الكائن الخالص الذي هو أنا، الذكاء الذي يمتص بسهولة كل الخليقة دون أن يؤثر فيه شيء أو يغيره شيء، لن يتعرف على نفسه في هذا الوجه الطافح بالحزن».

تركت شخصية نرسيس أصداء متلاحقة في الأدب والفن الغربيين

يصعب الحديث أخيراً عن أثر النزوع النرجسي في الشعر الغربي، دون التوقف قليلاً عند تجربتي الشاعرتين الأميركيتين آن سكستون وسيلفيا بلاث، اللتين جمعتهما روابط كثيرة، بينها الولع بالشعر، وصداقة شخصية عكست نفسها فيما تبادلتاه من رسائل، إضافة إلى الوقوع في مرض الاكتئاب إياه، والفشل في الحياة والحب. حتى إذا عجز الشعر عن إسكات الأصوات السوداء المنبعثة من الأعماق الجحيمية للشاعرتين المطعونتين بنصال الحياة، بدا الموت انتحاراً بمثابة المرآة الأخيرة التي تلملم شتات ذاتيهما المنفصمتين، وتوحيدهما في صورة واحدة.وإذ تكتب سكستون من جوف عالمها المشوش «مرآتي الساخرة، حبي المقلوب، صورتي الأولى، ذلك الرأس الحجري للموت الذي تجاوزته وأنا أتعفن على الجدار دوريان غراي نفسي، وتلك المرآة المزدوجة التي تحدق في نفسها كأنها متحجرة في الزمن»، تحاول بلاث في قصيدتها «المرآة» الاستعانة بهذه الأخيرة، لكي ترسي ذاتها المتحولة على شكل نهائي. حتى إذا زينت لها ذاتها النرسيسية المنفصمة، وهي تحدق في مياه بالغة الاضطراب، أنها الوجه والمرآة في وقت واحد، وأنها تنزلق بلا هوادة نحو مصيرها المأساوي، هتفت قائلة: «أنا الآن بحيرة، وثمة امرأة تنحني فوقي، تبحث في أعماقي عما هي عليه حقاً، فيّ غرقتْ فتاة صغيرة، وفيّ تظهر امرأة عجوز تتوجّه نحو مصيرها كل يوم، مثل سمكة رهيبة».


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.