ترمب وحبائل اللغة

يتعامل معها كما يتعامل الصياد مع بندقية الصيد

خطاب ترمب في دافوس كان كاشفاً ثقافياً بين القوة التي تملك قدراتها مقابل من يتوهم القوة في حين هو ضعيف (د.ب.أ)
خطاب ترمب في دافوس كان كاشفاً ثقافياً بين القوة التي تملك قدراتها مقابل من يتوهم القوة في حين هو ضعيف (د.ب.أ)
TT

ترمب وحبائل اللغة

خطاب ترمب في دافوس كان كاشفاً ثقافياً بين القوة التي تملك قدراتها مقابل من يتوهم القوة في حين هو ضعيف (د.ب.أ)
خطاب ترمب في دافوس كان كاشفاً ثقافياً بين القوة التي تملك قدراتها مقابل من يتوهم القوة في حين هو ضعيف (د.ب.أ)

تجلَّت حبائل اللغة في العلاقات المتشابكة بين ترمب والأوروبيين، بين رجلٍ ماهر في ألاعيب اللغة ومجموعة من أحفاد الإمبراطوريات الأوروبية التي كانت عظمى وفقدت عظمتها، غير أنها لمّا تزل تتوهم أنها عظيمةٌ وإنْ عرفت في سرها أنها ليست عظيمةً، على الأقل أمام أمريكا. وهذا القوي الضعيف في آن، لا يجد سلاحاً يواجه به ترمب غير سلاح اللغة ولكن الورطة أن لغتهم لها حدود، وأخطر حدودها أن الأوروبيين يكبرون أنفسهم ويردمون ضعفهم بواسطة اللغة وليس لهم من سلاح غيرها. وفاتَهُم أن اللغة هي لعبة ترمب المفضلة، وهو أكثر منهم مهارةً، حيث يتحدث بلا تحفظ فيما هم يمشون في حقل ألغام مقيدين بحبائل اللغة، ولم يتعلم الأوروبيون ما تعلمه زيلينسكي ومادورو، وقد دفع كل منهما ثمناً لغلطته اللغوية حسب درجة فداحة ومغبات الغلطة. والاثنان معاً كانا ضحيتَي لغتيهما التي تبعثرت أمام ترمب وكانت فرصة ترمب عظيمةً حين وقف على منصة دافوس، تلك الوقفة التي وصفتها قناة «سي إن إن» بقولها: «ترمب هادئ والحضور في حالة ذهول»، رغم أن ترمب يستخدم لغة أصلها أوروبي، وهو نفسه أوروبي الجذور ويتكلم من منبر أوروبي، ومع ذلك نطق دون تحفظ وصمتوا كلهم دون رفة جفن.

خطاب ترمب في دافوس كان كاشفاً ثقافياً بين القوة التي تملك قدراتها مقابل من يتوهم القوة في حين هو ضعيف. على أن وصف القناة للحال بأن ترمب هادئ والحضور في حالة ذهول هي جملة تترجم الكثير عن وظيفة اللغة في صناعة شخصية ترمب، والهدوء الذي أشارت إليه القناة لم يكن هدوءاً عادياً، فهو ينطوي على قوة صنعها ترمب لنفسه على مدى سنوات، فهو يتعامل مع اللغة كما يتعامل الصياد مع بندقية الصيد؛ إذ لا يسير إلا بها، ويسير لوظيفةٍ محددة في أن يصوِّبها لحظة ظهور هدفٍ كان يتحرَّاه ويترقبه. وترمب حين يتكلم في كل عاداته يبداً هادئاً ورزيناً، وما إن يعترضه عارضٌ حتى يستلّ لسانه ويصوِّبه نحو المعترض، وهو ماهر في تصيد أهدافه؛ فحين وقع زيلينسكي في غلطة بسيطة في ظنه تحولت غلطته إلى هدفٍ رائع لترمب الذي أطلق وابل كلماته عليه في مشهدٍ إعلامي عالمي، على أن زيلينسكي تعلم من تلك الفاجعة كيف يتعامل مع ترمب، على نقيض مادورو الذي ظن أنه سيبتز الصياد ليستعمل سلاحه اللغوي إياه، ومارس لغةً خشنةً مع رجلٍ يرى أن الخشونة اللغوية له وحده، وويل لمن تجرأ وخطف منه سلاحه. وهنا كانت نهاية مادورو المخزية التي شهدها العالم كله.

ترامب يخطب في منتدى دافوس

في المقابل فإن الأوروبيين ظنوا بأنفسهم القوة أو تظاهروا بالقوة رغم وعيهم التام بأنهم ليسوا أقوياء وأنهم ضعفاء لأمريكا في كل أمرهم السياسي والاقتصادي والعسكري، وغرَّتهم بقيةٌ من مجدٍ قديمٍ لمَّا تزل تعشعش في رؤوسهم، مما جعلهم يحاولون التسلح باللغة لمواجهة هيمنة ترمب، غير أنه تربص بهم ليومٍ يجتمعون فيه أمامه ليحبس أنفاسهم لساعة كاملة بدا فيها هادئاً ومرتاحاً كأنه «آسٍ يجس عليلاً» كما وصف المتنبي وطأة الأسد على الأرض وهو يتربص بالصيد. وترمب يفعل فعل ذاك الأسد الشعري؛ إذ يتحين فرصة مع الطريدة، حيث شرع يفترسها ويخطب لساعةٍ كاملة وجعل القاعة مسمَّرةً لا حيلة لهم غير أن ينتظروا لحظة الصعداء كي تتنفس عروقهم المعطوبة. وجاءت اللحظة بعد ساعة كاملة حين دخل ترمب في حديث عن الداخل الأمريكي فبدأ بعض الحضور في الخروج من القاعة. وهذا انعكس على حال لغة ترمب، حيث تراجع صوته وخفتت كلماته، فأنهى خطبته فجاءةً وأطلق كلمةً تبدو إنهاءً للكلام؛ إذ قال: «سأراكم لاحقاً»، وختم خطبته. على أن جملة الختام لم تكن ختاماً بل هي وعيد ٌوتهديد ٌ للمغادرين بأني «وراءكم وراءكم». وهذه اللغة الخشنة هي ما سيظلون تحت سياطها إلى أن يتعلموا ما تعلمه زيلينسكي ولم يتعلمه مادورو.

وهنا تتكشف أسلوبيات الخطاب الذي لا يتعالى إلا بالخشونة ويهبط ساعة اللين ليس عنده فقط بل لدى ضحاياه قبله الذين لم يتعلموا بعد أن أسلحة ترمب ليست فقط في فرض الضرائب، بل أيضاً في فرض الذهول والذعر تحت أي منصة يعتليها ويمطرها بلغته الخشنة التي لا تلين إلا مع الأقوياء. وقد رأينا لغته مع الأمير محمد بن سلمان، وكيف كان ترمب ترحيبياً وبشوشاً على غير لغته في دافوس مع قادة أوروبا، مما يكشف عن أنه يحترم القوي ويكره الضعفاء ويسخر منهم، فقط لأنهم يحتاجون إلى درسٍ قاسٍ يُذكِّرهم بضعفهم وحاجتهم إلى أمريكا وأنهم لم يعودوا أقوياء. وإن كان أجدادهم يستعمرون الأرض كلها بما في ذلك أمريكا، فإن ترمب ابن أوروبا؛ عرقاً وسلالةً، عاد لها ليقول كم هو أوروبي في دمائه، ولكنه أمريكي في لغته الخشنة على المتطاول. وكان لا بد له من قاعة مثل قاعة دافوس حيث يقف هو في المجلس الأعلى وهم أمامه جلوس يتقرفصون ويتلقون كلماته دون أي قدرة على إظهار الامتعاض أو التصفير أو الخروج قبل أن يكمل وابل لغته عليهم، وحين التفت لشؤونٍ أمريكية داخلية تنفسوا الصعداء فخرج بعضهم ليشم هواءً يرد لهم أنفاسهم.

‏ومن حبائل لغة ترمب تناقضه كأنه فعلاً شخصيةٌ شكسبيرية تتحلى بشروط الأسلوبية السردية التي تأخذ بخصائص سيميولوجية (علاماتية)، ومن شرط العلامة كي تكون علامةً أن تدلَّ على الشيء ونقيضه، حسب تعريف عبد القاهر الجرجاني، وأبرز علاماتية ترمب جملته الشهيرة «سأُنهي الحروب في العالم»، ويتبعها بجملة نقيضة حيث يقول «القوة الحقيقية أن تجعل غيرك يخاف منك». وهذا التناقض شرط للسردية، وقد وقفت عليها مطولا ً في كتابي «ماذا لو كنتُ مخطئاً؟» حيث طرحت فكرة أن ترمب كائنٌ سردي يتناقض ولا يبالي، ويمهد في توظيف لغة الجسد مع لعبه بالأساليب والتعبيرات خارج شروط البروتوكول اللغوي والاجتماعي. ولقد أصبح ترمب بطل اللغة كأنه شخصيةٌ هربت من إحدى مسرحيات شكسبير لتمارس دورها على مسرح العالم، ولا تحترم غير القوي لكنها تفتك بمن يتوهم أنه قوي في حين أنه ضعيفٌ ولا حيلة له.

 

* ناقد ثقافي

 


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.