محمد مهدي شمس الدين: إيران ليست مرجعاً سياسياً ولا دينياً للشيعة في العالم

«الشرق الأوسط» تنشر نص حوار غير معلن بين رجل الدين اللبناني ومناصرين لـ«حزب الله» عام 1997

عقد الإمام موسى الصدر مؤتمراً صحفياً، ألقى خلاله كلمته متوسطاً الشيخ محمد مهدي شمس الدين، النائب حسين الحسيني، نقيب الصحافة رياض طه (مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات)
عقد الإمام موسى الصدر مؤتمراً صحفياً، ألقى خلاله كلمته متوسطاً الشيخ محمد مهدي شمس الدين، النائب حسين الحسيني، نقيب الصحافة رياض طه (مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات)
TT

محمد مهدي شمس الدين: إيران ليست مرجعاً سياسياً ولا دينياً للشيعة في العالم

عقد الإمام موسى الصدر مؤتمراً صحفياً، ألقى خلاله كلمته متوسطاً الشيخ محمد مهدي شمس الدين، النائب حسين الحسيني، نقيب الصحافة رياض طه (مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات)
عقد الإمام موسى الصدر مؤتمراً صحفياً، ألقى خلاله كلمته متوسطاً الشيخ محمد مهدي شمس الدين، النائب حسين الحسيني، نقيب الصحافة رياض طه (مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات)

تنشر «الشرق الأوسط» حلقة ثانية من نص مطول هو عبارة عن حوار بين رئيس المجلس الإسلامي الشيعي في لبنان، الشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين، وأعضاء قريبين من بيئة «حزب الله»، عام 1997. وللنص أهمية بالغة كونه يتناول وضع الشيعة في بلدانهم وضرورة اندماجهم فيها، عوض أن يكونوا جزءاً من مشروع تابع لإيران. ومن المقرر أن ينشر إبراهيم محمد مهدي شمس الدين، نجل الشيخ الراحل، نص الحوار في كتاب يحمل عنوان: «الشيعة اللبنانيون والشيعة العرب - العلاقة مع الغير والعلاقة مع الذات». وتنشر «الشرق الأوسط» النص بمناسبة ذكرى مرور 25 سنة على وفاة رجل الدين الشيعي اللبناني التي تصادف يوم السبت، 10 يناير (كانون الثاني).

انجحروا في جحوركم، حاربوا كل العالم

يتابع الشيخ محمد مهدي شمس الدين، في رده على سؤال من أحد الحاضرين (عن فساد الأنظمة وفساد الجماعات الإسلامية):

«أنا أرثي لهؤلاء الأشخاص والجماعات الذين يفكرون هكذا (ويفسدون الناس والإيمان). أنا عندما أعيش حالة أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأن الإسلام استوعب المنافقين... المنافقون هم عندي مسلمون، حسب فقهي هم مسلمون في الاعتقاد. غاية الأمر أن المشروع السياسي للإسلام لم يعتنقوه... وإلا فإنَّ هؤلاء قد أسلموا ولذلك عوملوا معاملة المسلمين، يعني عايشوا المسلمين وتزاوجوا معهم ودُفنوا في مقابرهم. ولكن لاحظوا أن النهيَ في القرآن عن الصلاة عليهم هو فقط للرسول (صلى الله عليه وسلم): لا تصلِّ أنت. إذا مات أحد منهم يغسّلونه ويصلون عليه ويدفنونه. فإذا كان المنافق حالة مقبولة داخل المجتمع (أيام الرسول، صلى الله عليه وسلم)، وأنا الآن يأتيني (شخص) أموره (مذبذبة) بعض الشيء، لماذا لا أقبله؟! على أي أساس... بأي ميزان؟! اشتراط النقاوة الداخلية الكاملة خطأ موجود في تفكير بعض الشيعة. في علاقات الأفراد هذا التفكير غير مطلوب، أما في العمل المجتمعي العام فهو غير صحيح. في العمل المجتمعي العام يوجد مشروع يُدار، وكلُّ من يخدمه يدخل فيه. إذا (أصررت على أن) أعمل حالة تبرٍّ وتولٍّ مع الدول، فلن يبقى عندي أحد، وأكون كمنْ يقول للشيعة: انجحروا في جحوركم، حاربوا كل العالم، وَلْيحاربكم العالم كله، وستحدث مذابح! هذا الأمر أنا لا أراه مناسباً.

إذَنْ كما تواجه حالات الأنظمة تُواجه حالات الحركات. ومبدأ المهادنة أنتم سمعتموه مني، أنا أدعو إلى مهادنة عامة داخل الأمة؛ أدعو إلى مهادنة مع الأنظمة، وأدعو إلى مهادنة بين الأنظمة، وأدعو إلى مهادنة بين قوى المجتمع، داخل الإسلاميين وداخل القوميين وداخل اليسار وبين الجميع، لأنني أرى أن هذا هو الطريق الصحيح لأمرين: وقف الهدر وبناء الذات. مسألة المهادنة داخل الأمة أنا بحثتها فقهياً، وأرى أن كل ما يتنافى معها مخالف للفقه، يعني مخالف للتكليف الشرعي. عندما يوجد واحد يحرّض، أنا أقول: هو جاهل؛ إذا كان جاهلاً يكون معذوراً. لكن بالقضايا العامة الجهل لا يُعذر؛ أنا أكون معذوراً حينما أغامر بوضعي الخاص، أما أنْ أشيط بدماء أمة بكاملها وأقول: والله أنا جاهل (لم أكن أعلم)...! هذا غير مقبول! الجاهل يقعد في بيته! لا يشتغل بالشأن العام!

الشيخ محمد مهدي شمس الدين (غيتي)

واقع الحال هو هذا: يوجد مشروع للمجتمع، مشروع للأمة. أنا أدير مشروع أمة؛ أنا أحمل هَمَّ الشيعة العام خصوصاً في أضعف مواقعهم. أنا دائماً أتحدث عن الشيعة خارج إيران. شيعة إيران يحمون أنفسهم بدولتهم وحدودهم وثروتهم. وأنا دائماً أقول إنَّ الشيعة يمثلون خُمس المسلمين، خُمس المسلمين مقابل أربعة أخماس المسلمين... ليس شغلي أنْ أعمل جبهة داخل الإسلام، فضلاً عن جبهةٍ شيعية داخل كل مجتمع. أنا وظيفتي أن أحفظ هؤلاء، أن أخلق حالة صداقة بينهم وبين مجتمعاتهم بعيداً عن أي مذهبية سياسية. ليست عندي مذهبية سياسية؛ مذهبيتي السياسية معروفة، تقرأونها بنظام الحكم (كتاب نظام الحكم والإدارة في الإسلام) وغير نظام الحكم. فقهي السياسي مدوّن وأكثره مطبوع، وإن شاء الله يُطبع الباقي.

في إدارتي للعملية الشيعية على مستوى الأمة هذا هو فكري. أنا أقول إن كلمة نصح، كلمة صفاء (مع الحكومة المصرية) من شأنها أن تساعد على حماية شيعة مصر وتحفظ كرامتهم. أمَّا أنَّ إيران تبني حزباً لها في مصر وتريد أنْ تبنيَ عليه شُغلاً، فهذا ليس شغلي! إيران، تدبر أمرها... تُريد أنْ تتفاهم معي أتفاهمْ معها، قد أفهمها وقد تفهمني. أما أنْ أغامر بمصير جماعة كاملة لأنَّ المدعو شحاتة (يلهو ببنات الناس ويغويهن) وعنده مشروع شيعي (أيضاً)! لا والله، هذا ليس شغلي!».

إيران ليست فاتيكان الشيعة

وسأله أحد المشاركين في الحوار عن تشديده الدائم على أن الشيعة في العالم العربي ليسوا عملاء لإيران، وأنهم متمسّكون بأوطانهم، وهم جزء من هذه الأوطان، فهل يريد بالتالي «فصل الشيعة في هذا العالم عن إيران» وعدم الإقرار بوجود علاقة خاصة ومميزة معها؟ فأجاب:

«إيران مجتمع شيعي كبير داخل الأمة الإسلامية. أكبر تجمع شيعي في العالم هو الآن موجود في إيران، أكبر تجمع شيعي قومي تركي وفارسي وبعض العروق الأخرى، موجود في إيران. الشاه كان يقول إنه حامي الشيعة. في لبنان كانوا يقولون إن هناك شغلاً على هذا الأساس، وفي الخليج كان هناك عمل. حين كان يأتي الشاه فإن شيعة الكويت أو شيعة البحرين مثلاً، كانوا يفرشون له السجادة الحمراء من القصر إلى الطائرة ومن الطائرة إلى القصر... بعد الثورة وتكوين الحكم الإسلامي في إيران، ادُّعِيَتْ هذه الدعوة أيضاً. الشاه ما كان يمثل الشيعة في العالم، وإنما كان ينطلق من رؤية إمبراطورية بوصفه وريث الأخمينيين، وهو الذي عمل ذكرى مرور 2500 سنة لعرش الطاووس، وهو الذي حاول أن يغيِّر التقويم الهجري.

أنا لا أتكلم فقط عن الشيعة العرب، أنا أتكلم عن الشيعة في تركيا أو في أذربيجان، وأقول إنهم ينتمون إلى تركيا وأذربيجان وليس إلى إيران. الشيعة في شبه القارة الهندية (باكستان، وبنغلاديش، والهند) أو في إندونيسيا أو في أي مكان، ينتمون إلى أوطانهم وقومياتهم وشعوبهم ودولهم، ولا ينتمون إلى إيران، وإيران لا تمثل لهم لا مرجعية سياسية ولا مرجعية دينية (...).

أعلام إيران و«حزب الله» خلال احتفال في طهران يوم 14 يونيو 2025 (أ.ب)

توجد قوميات داخل الأمة الإسلامية. هذه القوميات فيها انتماءات، انتماءات مذهبية وانتماءات سياسية تنظيمية. الشيعة ليسوا (كلّهم في) إيران، وإيران ليست الشيعة. إيران جزء من عالم التشيع. (...) نعم أنا أقول: أنت يا شيعي، يا لبناني أو يا كويتي أو يا مصري أو يا سعودي، أنت تنتمي إلى مجتمع، هذا المجتمع عنده نظام مصالح خاص، ونظامُ مصالحه أنت جزء منه. إذا كنت تنتمي إلى هذا المجتمع وتتمتع بكل خصوصياته (منافعه) فيكون عليك أنْ تدخل في نظام مصالحه الخاص؛ أما أنْ تكونَ في هذا المجتمع وتنتمي لنظام مصالح مجتمع آخر، فالمجتمع الذي أنتَ فيه سيأخذُ منكَ موقفاَ حَذِراً!

الآن السؤال هو: هل ينتمي الشيعة (اللبنانيون) إلى نظام المصالح الإيراني الداخلي أو في المنطقة أم لا؟

أنا لا أراهم ينتمون. أنا يهمني أن أدمج الشيعة اللبنانيين في نظام المصالح اللبناني، أن يحصّلوا منه رزقهم بكرامة ويُحترمون ويحميهم القانون. تُرى هل إيران (فاتيكان الشيعة) كما يُقال؟ الأستاذ نبيه بري ينظّر بأن إيران هي فاتيكان الشيعة، أنا لا أراها فاتيكان الشيعة. هل إيران هي مرجعيتهم الدينية؟ أيضاً لا، سواء كان مرجعهم جناب السيد علي الخامنئي أو جناب السيد محمد الروحاني أو قبله الكُلْبايكاني أو كائناً من كان. تُرى عندما كان المراجع العظام في النجف، هل كنا نقول إنَّ المرجعية الروحية للشيعة في العالم عراقية أو نجفية؟ لا! إيران ليست مرجعاً روحياً. افرضوا أنَّ أشخاصاً يقلّدون جناب السيد علي الخامنئي، فهؤلاء يلتزمون رأيه وموقفه، أما الآخرون فغير مجبَرين. حكاية أن إيران ترسم مسار الشيعة وتمثل مظلتهم هذه أنا أنفيها. إيران دولة مُعظمة لها مصالح إقليمية ودولية، وكلما وجدت ناساً يلتفّون حولها هي تستفيد؛ هذا شأن إيران. هم أحرار يحكون ما يريدون، وأنا حر أحكي ما أريده.

أنا قلت سابقاً ومراراً إنَّ إيران -من الأساس- ليست مرجعاً سياسياً ولا دينياً للشيعة في العالم. إيران جزء من هذا العالم الإسلامي، لها وضع مذهبي خاص، ولها وضع سياسي تنظيمي في المجتمع الدولي، ووضع إقليمي خاص. كل وضع محكوم بآلياته؛ لا يوجد وضع يمكن أن يستتبع أوضاعاً أخرى. (...) عندما كنت قبل أسبوع في مصر قلت: أَدْخِلوا إيران في نظام المصالح الإقليمي عن طريق السوق. لم أتشاور مع الإيرانيين، أنا أتكلم بقناعاتي. أنا أقول: حينما يوجد نظام مصالح عام (يجب أن) تستفيد منه كل الأمة. أما أن تستتبع إيران جماعة هنا وجماعة هناك، فلا! أنا أقول إن شيعة لبنان ليسوا أتباع إيران لا دينياً ولا سياسياً. كونهم شيعة! فيوجد شيعة في أفغانستان أيضاً. هذا لا يعني أنه إذا حكم مشايخ دولةً ما أصبح لزاماً على كل الأمة اتّباع هؤلاء المشايخ. لا، هم رجال ونحن رجال.

(...) الآن هذا هو الموقف المتعلق بالشيعة خارج إيران؛ الشيعة العرب أو الأتراك أو الهنود أو الأفغان أو الآسيويين. هذا الموقف واضح عندي ومُنَظَّرٌ له فقهياً. عندي فقرة في كتابي عن علم الاجتهاد، وهو موجود في فقهي السياسي في كتب أخرى.

ما الموقف من إيران؟ إيران دولة إسلامية، تحاول بجهد صادق حقيقةً أن تلتمس أفضل الطرق لتطبيق الشريعة. حققت نجاحات كبيرة، ولكن لم يكتمل نجاحها إلى الآن. هي تمثل نظام مصالحها الخاص، ومستهدَفة بنوعين من الاستهدافات: نوع ناشئ من موقفها السياسي، ونوع ناشئ من كونها دولة. حتى أيام الشاه أيضاً كانت مستهدَفة. حينما تتعرض هذه الدولة لظلامة معينة ونستطيع أن ندافع عنها، علينا أن نفعل. أنا أستطيع أن أدافع سياسياً، لا أملك وسيلة أخرى غير السياسة، غير الفكر، غير (الموقف). أنا لست عميلاً ولا دمية ولا مقلِّداً أيضاً، ولا أريد أن يقلد الناس أيضاً كما تعلمون. على هذا المستوى إيران ليست قطب استتباع، لا بالنسبة إلى الشيعة العرب ولا بالنسبة إلى غير العرب منهم. وهذا الأمر أنا أرى فيه مصلحة الشيعة. قد يكون خلاف مصلحة إيران. الشيعة في لبنان تذابحوا بأخطاء ذاتية وأخطاء إيرانية. تذابح الشيعة في أفغانستان بالطريقة نفسها. الآن مَن يتحمل المسؤولية؟ الله يحاسب، والناس كذلك. هذا الأمر يجب أن يُوضع له حد.

الشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين مع قادة روحيين وسياسيين شيعة وسنة في بيروت (أرشيف رئيس المجلس الإسلامي الشيعي في لبنان)

هذا هو موقفي من إيران الدولة ببُعدَيه أو جانبيه: ليست إيران مرجعيَّتي الدينية ولا السياسية؛ وفي الوقت نفسه أرى من واجبي مساندتها في حدود الإمكان، وبما لا يتعارَض مع المصلحة الوطنية اللبنانية، وفي نطاق التضامُن الإسلاميّ العام. موقفي في بُعده الأول لا يحرمني شيئاً، وفي بُعده الثاني لا يَدُرُّ عليَّ فُلوساً!

بسبب بعض السفلة من المعممين وغيرهم، من المخابرات الإيرانية وغيرها في ذاك الزمان، وبعض الناس هنا في بئر العبد وغيرها... أنا تعرَّضتُ في إيران لأذى كبير، ومع ذلك تحملته تحمل الكرام، ولم أدخل فيه بأي معاتبة مع أحد منهم، إلى أن ألتقي معهم بين يدي الله سبحانه وتعالى. وأقول عن إيران هذا الكلام الذي أقوله الآن سراً وعلناً. فموضوع العلاقة مع إيران، بمعنى أنَّ الشيخ ضد إيران وفلان مع إيران، والشيخ ضد حزب إيران وفلان مع حزب إيران... هذا الكلام يدخل في الاستغلال النَّفْعي والاستقطاب السياسي الزعاماتي، على ما ذكرتُ في بداية حديثنا.

يا أحبائي، قِسمٌ من شيعة لبنان داخل الوضع الحركي التنظيمي -وبعض الناس عندهم حالة استهواء- هم ضحية حالة ذهنية يُراد لهم بها أن يظلوا داخل القبضة؛ يعني أنَّ وجود الشيخ (محمد مهدي) في قلب إيران سيجعل بالتأكيد بعض الناس يخرجون من هذا القلب. هؤلاء يريدون أن يبقوا ليحصلوا على الفلوس والوجاهة والتأييد. من ذلك على سبيل المثال وجود الشيخ (محمد مهدي) داخل الضاحية: ضربوا بيتي ومكتبي وحرسي و(هجّروني) من بيتي في حارة حريك ليقطعوا صلة الناس معي، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى أبدلنا بهذا كرامةً أكبر بعشر مرات من حارة حريك.

الآن في قم، ثمة جهات معينة فيها لبنانيون منكم، يستدعون الطلبة (من الحوزة)، طلبة مستضعفين فقراء يدرسون، يعيشون على خمسة آلاف وعشرة آلاف تومان، وعلى الإقامة، يخافون أن يأتوا إلى هنا ويقعوا في هذه الحوزة الحزبية أو تلك. يقال لهم: إذا جاء الشيخ (إلى إيران) وزرتموه تُجرَّدون من الإقامة وتُطرَدون ونأخذ منكم راتبكم. إذا رحتم إلى لبنان وزرتموه فلا رجعةَ لكم إلى إيران! هل لديكم علم بهذا الشيء؟».

الشيعة والمشاريع السياسية

ضمن ما قاله الشيخ شمس الدين لمناصري «حزب الله» عام 1997 إن زعيم الحزب حسن نصر الله عندما قال «نحن لا نجاهد من أجل الشهادة» كان عليه «أنْ ينصفنا ويقول (هذا رأيُ الشيخ، ونحن نلتزم برأيه)» (أ.ف.ب)

ورداً على سؤال عن الشيعة المتضرّرين من الأنظمة، وهل يجوز أن يحملوا مشاريع سياسية لتحسين موقعهم؟ أجاب الشيخ شمس الدين:

«كلا، لا يجوز. لأنهم سيضرون أنفسهم وسيضرون الشيعة الآخرين».

تهجير من الضاحية

فقال له أحد الحضور: ماذا يحصل لنا بزيارتنا هذه إليك؟

وأجاب: «مضى وقت كنتم لا تجرؤون -وأنتم تعرفون هذا- على أن تأتوا وتجلسوا معي وتقابلوني. مضى وقت من الأوقات إلى ما قبل سنتين أو ثلاث كنتم لا تجرؤون. وكان يأتي ناس من الضاحية ويزورونني في بيت التهجير (في تلة الخياط)، وكانوا يقولون: إذا عُرف أننا أتينا لزيارتكم سيكون ذلك مأخذاً علينا في نظر جماعة الحزب وبئر العبد! الآن لعلَّ الله سبحانه وتعالى غيّر بعض الأفهام وبعض القلوب... والله غالب على أمره دائماً».

سُئل شمس الدين: ما سبب هذا الفتور؟ هل تُحمّلون الجمهورية الإسلامية المسؤولية؟ فأجاب: «سبب الفتور هو أولئك الذين تعرفونهم. قسم من المسؤولية قطعاً تتحمله الجمهورية الإسلامية... أنا علّمت كوادرها الأوائل بكتابي (نظام الحكم والإدارة في الإسلام). تُرجم إلى الفارسية وكانوا يدرسونه وتعلموا عليه. الجمهورية نعم مسؤولة. درجة مسؤوليتها؟ لا أدري! لكن الجهة الأخرى من المسؤولية هي ههنا، في هذا الكيد الذي تعرفونه.

هذه موعظة لكم أحبائي. لا تعتقدوا أن بشراً يطفئ بشراً. الله هو مالك الملك، هو يعز من يشاء وهو يذل من يشاء. الآن بحمد الله أنا وضعي في نمو...

يسألني جناب الأستاذ: مَن المسؤول عن هذا الفتور؟ أنا غير مسؤول. ابحثوا عمَّن عليه المسؤولية. أنا الآن إذا زرت إيران، وذهبت إلى قم، فإنَّ حوزة قم الإيرانية كلها تأتي وتجلس معي وتزورني، من أعلى طبقاتها إلى أدنى طبقاتها. حوزة قم العربية -يعني غير الإيرانية وغير اللبنانية- كلها تأتي وتزورني أيضاً. اللبنانيون فقط، هذا الرقيق المستضعف المُسترهَن للحالة الحزبية والحالة الصنمية، لا يأتون. والذي يأتي، يأتي آخر الليل لواذاً متخفياً.

موقفي من إيران كان في فبراير (شباط) سنة 1979، لما أخذت لبنان كله بطائرة خاصة ووضعته بين يدي الإمام الخميني. والآن أنا جالس معكم أتكلم، وفي أحاديث السر والعلن في مصر أو غير مصر، فإن موقفي الذي بيَّنتُه من إيران لا يتغيّر... ثمة أناسٌ يريدون أن يستأثروا بها أَوْجَدُوا هذا الجفاء. أنا أقول: لا بارك الله لإيران فيمن استأثر بها من هؤلاء المعممين الذي تعلمونهم أو بعض الحزبيين! إذا عاجبينها (إذا كانت إيران معجبة بهم) فلتأخذهم! منِّي إيران (لا ترى) شراً؛ إذا ما رأت خيراً فلن ترى شراً...

أما أن الشيعة أتباع لإيران فهذا غير صحيح، لا دينياً ولا سياسياً. يوجد مشروع إسلامي عام أنا أدعو الشيعة كلهم للاندماج فيه، سواء كان في مواجهة المشروع الصهيوني أو أيّ مشروعٍ معادٍ للأمة... وحتى لو ضرورات الأنظمة جعلت إيران تمشي في ركب مهادنة الصهيونية، أنا (مش ماشي) بالرَّكْب. غاية الأمر في وقتها سنقول إن إيران لها أسبابها العائدة إلى ضرورات النظام. لما الإمام (الخميني) قبل بالقرار 598 -القرار الأممي بوقف الحرب مع العراق، الذي وصفه الخميني بـ(تجرع كأس السم)- كنتُ أول صوتٍ خارج إيران أيَّد موقفه ونظَّر له، في حين كنتُ مهجَّراً، بسببهم، من بيتي أنا وعائلتي.

هذا هو الوضع. يعني أنَّ إيران تارةً تكون مورد ارتزاق -أنا لست مرتزقاً لإيران ولا منها- وتارةً هي جزء من المشروع الإسلامي المبارك. الشيعة جزء من مشروع موجودة فيه إيران. هي لم تخلقه. الشغل الذي حصل منذ جمال الدين الأفغاني وقبل جمال الدين الأفغاني هذا كله لا أثر له؟! الإمام الخميني لم يخلق مشروع الإسلام، هو استعمل هذا المشروع في إيران والله سبحانه وتعالى أيَّده ووفَّقه. في المشروع العام للأمة، الشيعة جزء منه، ولكنَّ هذا المشروع ليس مشروع إيران بل هو مشروع الأمة: الجزائري يقاتل فيه، والسوداني يقاتل فيه، والمصري يقاتل فيه، والهندي يقاتل فيه، والعربي يقاتل فيه... هذا الأمر طبيعي. عندما واجهنا نظام عبد الكريم قاسم (في العراق) وكنا لا ننام الليل، ما كانت الجمهورية الإسلامية موجودة، كان الشاه موجوداً، وما كنا نعمل لسواد عيون إيران، كنا نعمل لتقوى الله سبحانه وتعالى. لما انحكمتُ (حُكِم عليّ) بعشرين حكم إعدام (في العراق) ما كان الخميني موجوداً، بل كان الشاه».

الشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين (أرشيف رئيس المجلس الإسلامي الشيعي في لبنان)

مشروع خاص للشيعة

سُئل شمس الدين: هل يمكن أن يكون هناك مشروع شيعي في المنطقة؟ فأجاب: «تسمعونني أقول إنَّ مشروعاً خاصاً للشيعة داخل أوطانهم لا يوجد ولا يجوز أن يوجد. يعني (إذا عرفت) أن جماعة شيعية عندها مشروع خاص أحاربها... أحاربها بكل وضوح! الآن في لبنان أحارب كل ذوي المشاريع الخاصة، لأنها مشاريعهم هم وليست مشروع الشيعة!

على مستوى الأمة أيضاً، لا يوجد مشروع شيعي خاص. على مستوى العرب، مشروع للشيعة العرب أنا أحذّر منه، لأنه مذبحة للشيعة العرب، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الشيعة الأفغان أو الشيعة الهنود... الشيعة يجب أن يندمجوا في الأمة. الشيعة يحملون شعار الإمام الصادق (س) شعار الاندماج. هذا الشيء الذي أقوله موجود في رواياتنا الصحيحة. أوصيكم بأن تقرأوا وصية الإمام الصادق لعموم الشيعة؛ وهو كتاب موجود في (وسائل الشيعة). (...) إذا قرأتم (نهج البلاغة) مثلاً، فلن تجدوا فيه شيئاً اسمه قضية شيعية، يوجد قضية إسلام. الشيعة مسلمون، والتشيع تيار فقهي منتشر في كل المذاهب. هذا كلام أنا أقوله علناً، وهو مسموع منّي علناً ومدوَّن ومنظَّر له. إذَنْ؛ لا توجد مشاريع خاصة. حتى المشروع الإيراني، الشيعة يغلطون وإيران تغلط عندما تقول إنها مشروع الشيعة. إيران تكون إيران حقيقةً حينما تخرج عن كونها مشروعاً شيعياً. لذلك أي واحد يحكي عن هَمّ الشيعة وقضية الشيعة، فهذا كلام يُنبئ إمَّا عن جهل وإما عن استغلال للشيعة. نظنُّ خيراً ونقول: عن جهل».

وتابع شمس الدين؛ رداً على سؤال آخر: «مصدرٌ آخر للخطر هو تصادم أنظمة المصالح: إذا كنت تريد أن تهدد لي نظام مصالحي، حتى لو كنت على مذهبي، أُدمِّرك! المساس بأنظمة المصالح، ومحاولة بناء نظام مصالح منفصل أو تهديد نظام المصالح؛ تهديد الرغيف، هذا سبب ثانٍ للاضطهاد. هذا أيضاً لا يبرر أن تبني لنفسك نظام مقاومة خاصاً، لأنك حينئذ تُدمَّر، باعتبار أنك تهدد نظام المصالح المقابل وتريد أن تنشئ نظام مصالحك الخاص. هناك جهاتٌ حزبيةٌ مضلِّلة أو مضلَّلة زجَّت بمجموعات شيعية كثيرة. لماذا يريد البعض قتل أمير الكويت؟ لماذا نضع متفجرات لأمير الكويت؟ أريد أن أعرف ما مصلحة الشيعة في قتل أمير الكويت، من أين أتت؟! لماذا نتآمر على هذا أو ذاك من الأنظمة أو مسؤولي الأنظمة؟ على أي أساس؟ نحسِّن وضعنا؟! لا يا عمّي، توجد جهة تريد أنْ تستثمر هذا الوضع؛ هذا الأمر محرَّم! إدارة أمور الشيعة تنشأ بأن يندمجوا. لاحظوا أن العمل بالحُسنى يقرِّب الشيعة من مقاصدهم أكثر من هذا الأسلوب الذي يُدعى إليه الآن. والمطلوب بكل آسف أن يكون الشيعة ضحايا من أجل أن تكون لهم ندّابة (الذين يندبون في المآتم). مقولة إننا لا نريد شهداء وليس من مقاصد الإسلام أن يكون له شهداء، هذه مقولتي. والحمد الله الآن بدأت أيضاً (بعض الجهات بذكر هذه المقولة). نحن نطلق المقولة لكن نُشتم عليها، ومن ثمَّ يأخذها أناسٌ (بعضهم من الذين شتمونا) وتصير لهم! يا عمِّي... على الأقل (أعطونا) حقوق الطبع، حقوق التأليف (ضحك في القاعة). قبل أيام قيل لي إنَّ جناب السيد حسن نصر الله يقول: نحن لا نجاهد من أجل الشهادة. قلت في نفسي -ما حكيت، الآن أحكي- قلت: والله هذا السيد حسن كان عليه أنْ ينصفنا ويقول (هذا رأيُ الشيخ، ونحن نلتزم برأيه). حالةُ النَّدْب وطلب الشهادة، أنا أسميها حالة التوابين. الله يرحمهم، لا بحياتهم نفعوا ولا بوفاتهم نفعوا. أصلاً ليس المقصد أن نثير الدنيا، المقصد أن (نهدّئ) الدنيا، أن نسكّن الدنيا».

* الشيعة يمثلون خُمس المسلمين مقابل أربعة أخماس المسلمين... وظيفتي أن أخلق حالة صداقة بينهم وبين مجتمعاتهم بعيداً عن أي مذهبيه سياسية

* لا أتكلم فقط عن الشيعة العرب... الشيعة في تركيا أو في أذربيجان ينتمون إلى تركيا وأذربيجان وليس لإيران... الشيعة في شبه القارة الهندية ينتمون إلى أوطانهم وقومياتهم وشعوبهم وإيران لا تمثل لهم لا مرجعية سياسية ولا مرجعية دينية

* لا يجوز أن يوجد مشروع خاص للشيعة داخل أوطانهم

* ما مصلحة الشيعة في قتل أمير الكويت؟! لماذا نتآمر على هذا أو ذاك من الأنظمة أو مسؤولي الأنظمة؟ إدارة أمور الشيعة تنشأ بأن يندمجوا

محمد مهدي شمس الدين

إبراهيم شمس الدين... لماذا الآن؟

مهّد إبراهيم شمس الدين، نجل الشيخ شمس الدين، لنشر النص/الوثيقة بمقدمة شرح فيها سبب كشفه عن مضمون الحوار بعد كل هذه السنوات التي مرت عليه. وجاء فيها: اخترت أن أنشر هذا النص لوالدي الشيخ محمد مهدي شمس الدين بمناسبة مرور 25 سنة على رحيله؛ تكريماً له وإحياءً لفكره، وتذكيراً ببصيرته العميقة والمُدرِكة، وشجاعته وصلابته في بيان الرأي الحق الذي يحفظ الناس، ويحفظُ الوطن والدولة لكلِّ الناس، ويضع وحدة المجتمع السياسي الوطني أولوية عُظمى تتقدمُ أي خصوصية - ولا خصوصية لأي جماعة - ومنهم اللبنانيون المسلمون الشيعة، وكذلك المسلمون الشيعة في أوطانهم العربية؛ إذ إنهم جزء من الاجتماع الوطني العام، وجزء من الاجتماع العربي العام، بالإضافة إلى كونهم جزءاً من الاجتماع الإسلامي العام.

هذا النص هو خلاصة جلسة حوار، محفوظ على أشرطة تسجيل، استغرق أكثر من أربع ساعات من ليل الثلاثاء في 18/3/1997 بين الشيخ الإمام ومجموعة كبيرة من كوادر «الحركة الإسلامية» في لبنان – الذين هم شديدو القرب من الحالة الحزبية التي تولّدت داخل اللبنانيين المسلمين الشيعة في لبنان في وسط الثمانينات، برعاية إيرانية مباشرة ومستقرة. ومما دفعني خصوصاً إلى اختيار هذا النص للنشر – وهو غيرُ منشورٍ سابقاً – في ذكرى رحيل الشيخ الإمام، هو ما عالجه وبيّنَه وعلّلَه من مسائل إشكالية ساخنة في حينه، على صعيد علاقة الشيعة اللبنانيين تحديداً مع مواطنيهم اللبنانيين، وبإطارهم اللبناني الوطني، وفي محيطيَهم العربي والإسلامي، ولا سيما إشكالية علاقتهم بإيران، الجمهورية الإسلامية.

وقد عزّز لديّ هذا الاختيار، أن تلك المسائل الإشكالية لا تزال هي ذاتها، القضايا المطروحةَ اليوم بحرارةٍ وإلحاحٍ وتوترٍ أيضاً، وهي تتفاعل بقوة، وحاضرةٌ دائماً مع المتغيرات الجيوسياسية في منطقتنا والعالم؛ وبالتالي لا يكونُ هذا النص/الوثيقة نصاً قديماً، بل هو كلام راهنٌ حيّ، يخاطب حاضراً ساخناً ومُترقّباً. سيصدر هذا النص بعد مدّة، مع توسعة لخلاصته، في كتاب يحمل العنوان التالي: «الشيعة اللبنانيون والشيعة العرب - العلاقة مع الغير والعلاقة مع الذات».


مقالات ذات صلة

لبنان جاهز للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل... وتوجه لتشكيل وفد مصغر برئاسة كرم

المشرق العربي رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (رئاسة الجمهورية)

لبنان جاهز للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل... وتوجه لتشكيل وفد مصغر برئاسة كرم

يشهد لبنان في أعقاب إعلان وقف إطلاق النار حراكاً سياسياً ودبلوماسياً يتمحور حول تهيئة الأرضية اللازمة لإطلاق مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي جنود فرنسيون تابعون لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان يقفون أمام سكان يلوحون بأعلام «حزب ‌الله» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

مقتل جندي حفظ سلام في لبنان... و«حزب الله» ينفي مسؤوليته عن الهجوم

قالت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، السبت، إن جندياً من ​قوات حفظ السلام قُتل وأصيب ثلاثة إثر تعرض دورية تابعة لها لإطلاق نار من أسلحة خفيفة في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب في الوسط وعلى يمينه الرئيس اللبناني جوزيف عون وعلى يساره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب) p-circle

نتنياهو «مصدوم» من منشور ترمب بشأن لبنان... وتل أبيب تطلب توضيحات

طلبت إسرائيل من البيت الأبيض تقديم توضيحات بشأن منشور للرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي قال فيه إن إسرائيل «ممنوعة» من تنفيذ غارات جوية في لبنان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)

«حزب الله» يحصي قتلاه مع ترجيحات بتجاوزهم الألف

أعلن «حزب الله» أن أيدي عناصره ستبقى على الزناد، بعد ساعات من سريان وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي عائدون إلى كريات شمونة في شمال إسرائيل بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (إ.ب.أ)

حملات إسرائيلية على نتنياهو بعد وقف النار في لبنان

من السابق لأوانه تلخيص الحرب على إيران وغيرها من الجبهات، لكن الإسرائيليين بدأوا في التلخيص.

نظير مجلي (تل أبيب)

واشنطن ترفع الضغط على بغداد لمنع تشكيل «حكومة خاضعة للفصائل»

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

واشنطن ترفع الضغط على بغداد لمنع تشكيل «حكومة خاضعة للفصائل»

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

في غمرة انشغال قوى «الإطار التنسيقي» بتشكيل الحكومة الجديدة وما يرتبط بذلك من خلافات حادة بين زعمائه حول المرشح المناسب لرئاستها، يأتي إدراج وزارة الخزانة الأميركية 7 من قادة الميليشيات العراقية على قائمة العقوبات، ليزيد الأمر تعقيداً، حسب مراقبين، خصوصاً أنها طالت قوى وازنة، مثل «عصائب أهل الحق» التي تمتلك نحو 27 مقعداً برلمانياً وقد حصلت على منصب نائب رئيس البرلمان الاتحادي.

وجاءت العقوبات الجديدة بعد أقل من أسبوع على قيام وزارة الخارجية الأميركية بعرض مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات عن أحمد الحميداوي، زعيم «كتائب حزب الله» العراقي. بعد أن حمَّلته واشنطن مسؤولية شن هجمات ضد المنشآت الدبلوماسية الأميركية، وخطف مواطنين أميركيين، وقتل مدنيين عراقيين.

المكافأة التي نشرتها «الخارجية» الأميركية مقابل معلومات عن زعيم «كتائب حزب الله» العراقي

اتهامات أميركية

واتهم مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، في بيان، الجماعات المعاقبة بـ«ضلوعها في التخطيط والتوجيه وتنفيذ هجمات استهدفت أفراداً ومنشآت ومصالح أميركية داخل العراق. ويقود الأفراد المستهدفون في هذا الإجراء عدداً من أكثر الفصائل المسلحة الموالية لإيران عنفاً في العراق، من بينها (كتائب حزب الله)، و(كتائب سيد الشهداء)، و(حركة النجباء)، و(عصائب أهل الحق)».

وتعمل هذه الفصائل، حسب البيان، «بقدر كبير من الإفلات من العقاب، حيث تنفذ هجمات ضد أفراد أميركيين ومدنيين عراقيين، وتستنزف ثروات العراق لتمويل أنشطتها الإرهابية، كما تقوّض سيادة العراق وعملياته الديمقراطية».

وانخرطت الفصائل إلى جانب إيران في حربها ضد الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، وقامت بتنفيذ مئات الهجمات الصاروخية وإطلاق المسيَّرات على مواقع دبلوماسية وعسكرية أميركية في العراق، ومن ضمنها أكثر من 600 هجمة ضد أصول مدنية وعسكرية في إقليم كردستان، وهجمات صاروخية ضد بعض الدول الخليجية.

ونقل البيان الأميركي عن وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، القول: «لن نسمح للميليشيات الإرهابية في العراق، المدعومة من إيران، بتهديد أرواح الأميركيين أو مصالحهم. وكل مَن يمكّن عنف هذه الميليشيات سيُحاسب».

وتأتي الخطوة، بحسب البيان «استناداً إلى الأمر التنفيذي 13224 المعدل، الذي يستهدف الإرهابيين وداعميهم، وتستكمل سلسلة من الإجراءات السابقة التي اتخذتها وزارة الخزانة ضد شبكة الميليشيات المدعومة من إيران والتي تهدد العراقيين والأميركيين في المنطقة».

وسبق أن صنفت واشنطن «كتائب حزب الله»، و«عصائب أهل الحق»، و«حركة النجباء»، و«كتائب سيد الشهداء» جماعات «إرهابية عالمية ومنظمات إرهابية أجنبية».

ودعا رئيس حكومة إقليم كردستان، السبت، ما وصفهم بـ«شركائنا الدوليين إلى توفير المعدات اللازمة لحماية مواطني كردستان والبنية التحتية للطاقة من هذه التهديدات المستمرة». في إشارة إلى الهجمات المتكررة التي تنفذها الفصائل المسلحة ضد الإقليم، وقد سقط جراءها 5 قتلى خلال الأيام القليلة الماضية.

أبرز قادة الميليشيات

وذكر البيان الأميركي أن «كتائب حزب الله» تبنّت العديد من الهجمات منذ تأسيسها عام 2006، ليس فقط ضد الولايات المتحدة، بل أيضاً ضد قوات التحالف الدولي. وترتبط الجماعة آيديولوجياً بإيران وتتلقى منها دعماً مالياً وعسكرياً، ومن بين المدرجين على لائحة العقوبات، عمار جاسم كاظم الرماحي، قائد عمليات في «كتائب حزب الله»، يشرف على التخطيط للهجمات وتحديد أهدافها. ورضوان يوسف حميد المحمد وحسن ذياب حمزة، وهما من كبار مسؤولي الكتائب ويشاركان في تنسيق العمليات، حسب البيان.

كما أشار البيان إلى أن «عصائب أهل الحق» نفذت آلاف الهجمات ضد القوات الأميركية وقوات التحالف، وتتلقى دعماً وتدريباً من إيران، واستخدمت طائرات مسيّرة إيرانية في هجمات شمال العراق حتى مارس (آذار) 2026.

ومن ضمن قادة «العصائب» التي طالتها العقوبات الأميركية، صفاء عدنان جبار سويد، قائد عسكري ومسؤول عمليات في محافظة صلاح الدين.

وذكرت أن «كتائب سيد الشهداء» التي يقودها أبو آلاء الولائي، وهو قيادي في «قوى الإطار التنسيقي» تتلقى دعماً إيرانياً في التدريب والتمويل والتسليح، ومن بين قادتها، خالد جميل عبد البختري وسعيد كاظم مخميس.

كما أدرجت اللائحة الأميركية هشام هاشم جيثوم، مدرب عسكري في «حركة النجباء»، التي أعلنت ولاءها لإيران وهددت باستهداف الأميركيين في العراق والمنطقة.

وأشار البيان الأميركي إلى أنه بموجب هذه الإجراءات «سيتم تجميد جميع الأصول والمصالح المالية للأشخاص المدرجين داخل الولايات المتحدة أو التي تقع تحت سيطرة أشخاص أميركيين، مع إلزام الجهات المعنية بالإبلاغ عنها، كما تُحظر على الأشخاص الأميركيين إجراء أي معاملات مع هؤلاء، ما لم يكن ذلك بموجب ترخيص خاص».

التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)

شحنات الدولار

بالتزامن، تشير تقارير اقتصادية إلى تحديات تتعلق بوصول شحنات الدولار النقدي المقبلة من البنك الفيدرالي الأميركي إلى البنك المركزي العراقي، ولم يصدر عن البنك المركزي أي بيان في هذا الاتجاه، الأمر الذي لا يمكن التأكد من حقيقة هذه التقارير. وقبل نحو شهرين، تحدثت تقارير مشابه عن تعثر وصول الأموال إلى بغداد، خصوصاً عقب غلق الأجواء العراقية نتيجة الحرب. ومعروف أن أموال النفط العراقي توضع في البنك الفيدرالي الأميركي قبل أن يتم شحنها نقداً إلى العراق.

وتشير بعض المصادر الاقتصادية إلى أن البنك الفيدرالي الأميركي يسعى إلى فرض قيود أشد للحد من تهريب الدولار إلى خارج العراق والالتزام بمعايير الامتثال الدولية (غسيل الأموال).

تشكيل الحكومة

لا تبتعد لائحة العقوبات الجديدة كثيراً عن أجواء تشكيل الحكومة الجديدة، غير أنه «ليس من الواضح فاعليتها في التأثير على خيارات القوى الإطارية بالنسبة لرئيس الوزراء المقبل»، حسب مصدر قيادي في القوى الإطارية.

وقال المصدر إن «عقوبات سابقة طالت الفصائل، لكنها لم تؤثر على نفوذها السياسي داخلياً، وأبرز مثال على ذلك (عصائب أهل الحق)».

لكنه لا يرجح «تجاهل قوى الإطار للرسائل الأميركية المباشرة وغير المباشرة لأنها تدرك حجم المخاطر وكلفة هذا النوع من السلوك، لذلك نجد هذا التعثر الواضح في حسم ملف تشكيل الحكومة».

في المقابل، ترى مصادر أميركية أن العقوبات الجديدة لا تبتعد عن محاولات واشنطن «منع تشكيل حكومة جديدة خاضعة لنفوذ الفصائل المسلحة» حيث تتحكم هذه الفصائل في نحو 100 مقعد برلماني، إلى جانب نفوذها الكبير داخل «قوى الإطار التنسيقي» المسؤولة عن تشكيل الحكومة وطرح مرشح لرئاسة الوزراء. وتفيد مصادر أميركية مطلعة بأن القائم بالأعمال الأميركي في العراق، جوشوا هاريس، أبلغ بعض قادة الإطار أن لدى إدارته «الكثير من المؤشرات السلبية تجاه جميع صانعي القرار في العراق بخصوص نفوذ الميليشيات».

وتقول المصادر إن هاريس تحدث عن أن «واشنطن ستتعامل بحزم مع أي حكومة لن تعمل على إيقاف الميليشيات من الاستمرار في زعزعة استقرار العراق والمنطقة وتوقف كل أنواع الدعم عنها».

وأيضاً «ستقوم واشنطن بمعاقبة أي كيان أو مؤسسة عراقية ستستمر بتسهيل حصول إيران على الدولار سواء كانت رسمية أم غير رسمية».


«حزب الله» لوّح بالعودة إلى الحرب مع إسرائيل… وفي الداخل

عائلة نازحة خلال عودتها إلى قريتها في الجنوب إثر الإعلان عن الهدنة وهي ترفع علم «حزب الله» على السيارة (رويترز)
عائلة نازحة خلال عودتها إلى قريتها في الجنوب إثر الإعلان عن الهدنة وهي ترفع علم «حزب الله» على السيارة (رويترز)
TT

«حزب الله» لوّح بالعودة إلى الحرب مع إسرائيل… وفي الداخل

عائلة نازحة خلال عودتها إلى قريتها في الجنوب إثر الإعلان عن الهدنة وهي ترفع علم «حزب الله» على السيارة (رويترز)
عائلة نازحة خلال عودتها إلى قريتها في الجنوب إثر الإعلان عن الهدنة وهي ترفع علم «حزب الله» على السيارة (رويترز)

لوّح «حزب الله» بالعودة إلى الحرب مع إسرائيل، بالتوازي مع الحملة السياسية العنيفة التي شنّها نواب وقياديون من الحزب ضد رئيس الجمهورية جوزيف عون على خلفية تمسّكه بخيار التفاوض وعدم توجيهه الشكر لإيران و«المقاومة»، وصولاً إلى القول على لسان أحد نواب الحزب إن من يريد أن يكون مثل (قائد ميليشيا جيش لبنان الجنوبي التي أنشأتها إسرائيل) أنطوان لحد، سنقاتله كما قاتلنا الإسرائيلي».

وجاء موقف الحزب الميداني ليعزّز منسوب التصعيد؛ إذ دعا النازحين صراحة إلى عدم الاستقرار في بلداتهم وقراهم في الجنوب أو الضاحية الجنوبية، والبقاء في أماكن نزوحهم مع الاكتفاء بتفقد الممتلكات، وهو ما عكس توجهاً واضحاً على استعداد الحزب لمرحلة قد تشهد تجدداً للحرب، وهو ما تحدث عنه نائب رئيس المجلس السياسي في الحزب محمود قماطي، متوجهاً إلى جمهور الحزب بالقول: «لا تستقروا في قراكم في الجنوب، ولا حتى في الضاحية، اطمئنوا على أملاككم، ولا تستقروا، ولا تتركوا أماكن نزوحكم».

وانطلاقاً من هذه الأجواء شهد طريق الجنوب - بيروت، يوم السبت، زحمة خانقة لمواطنين عادوا وغادروا مجدداً بلداتهم الجنوبية التي وصلوا إليها، الجمعة، بينما تناقل ناشطون مقربون من «حزب الله» على وسائل التواصل الاجتماعي بياناً طالب «الأهالي الذين عادوا إلى منازلهم خلال فترة الهدنة، تجهيز الاحتياجات الأساسية والضرورية فقط والاستعداد للعودة الفورية إلى أماكن النزوح الآمنة التي كنتم فيها». وورد في البيان أيضاً: «نريد الميدان خالياً إلا من رجال (حزب الله)، كي يكون الرد على الخروقات موجعاً، دقيقاً، وبلا أي تكلفة بشرية في صفوف أهلنا الصامدين».

تهديد عون بمصير السادات

وبعدما كان «حزب الله» لفترة طويلة يحيّد عون عن حملاته التي كان يركزها على رئيس الحكومة نواف سلام، فتح النار مؤخراً عليهما معاً بعد الاجتماع التمهيدي اللبناني - الإسرائيلي الذي عُقد في واشنطن، يوم الثلاثاء الماضي، ووصلت الأمور بمسؤول ملف الموارد والحدود في «حزب الله» نواف الموسوي بالقول إن رئيس الجمهورية حين يتفرد بخطوات بملف التفاوض المباشر «لن يكون بعد الآن رئيساً مقبولاً من أحد في لبنان، فهو ليس أهم من أنور السادات الذي عندما انفرد بخطوة من هذا النوع قاطعه العرب جميعاً وعزلوه». وكان الرئيس المصري الراحل أنور السادات أول رئيس عربي يوقع اتفاقية سلام مع إسرائيل عام 1978، وقد تم اغتياله خلال عرض عسكري في ذكرى حرب أكتوبر (تشرين الأول).

أطفال في السيارة خلال رحلة العودة إلى قريتهم في الجنوب بعد الإعلان عن هدنة الأيام العشرة رافعين إشارة النصر وعلم «حزب الله» (رويترز)

مواقف تصعيدية بالجملة

وانبرى نواب وقياديو الحزب في الساعات الماضية بالتهجم على عون مطالبين إياه بالتراجع عن مسار التفاوض. وفي مؤتمر صحافي لنائب رئيس المجلس السياسي في «حزب الله» محمود قماطي استنكر «الجحود الرسمي الفاقع الخارج عن الدبلوماسية» معتبراً أن «رئيس الجمهورية شكر القاتل والمجرم، ولم يشكر من أنقذنا وهي إيران».

وأضاف: «الدولة تركض وتهرول نحو الذل والهوان ونحو التفريط بالسيادة خطوة بعد خطوة بدلاً من التمسك بأقوى أوراقها».

من جهته، قال النائب عن الحزب حسن فضل الله: «من يريد أن يكون (أنطوان لحد) سنقاتله كما قاتلنا الإسرائيلي»، وأضاف: «نحن تفردنا بخيار المقاومة، ولم نطلب من السلطة سوى عدم طعننا... أعطيناكم صورة نصر فلا تعطونا صورة ذل».

حنكش: فليأخذوا العبر من التفاوض الأميركي - الإيراني

ورد النائب عن حزب «الكتائب اللبنانية» إلياس حنكش على مواقف نواب وقياديي الحزب معتبراً «أن (حزب الله) لا يزال ينتظر إشارة من إيران، فإذا أُبلغ بقرار الالتزام بمسار التفاوض فسيلتزم، علماً أنه إذا كانت طهران هي نفسها تفاوض من تسميها (الشيطان الأكبر)، فعلى الحزب أن يأخذ العبر مما يحصل بعدما فتح حرباً لمساندة إيران عسكرياً، وأوقف الحرب لمساندتها في مفاوضاتها».

ورأى حنكش في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الهجوم على الرئيس عون غير مبرر ومردود لـ(حزب الله)». وأضاف: «كنا نتوقع قليلاً من النضج والحكمة بالتعاطي على المستوى الوطني من قبلهم، لكن كل مرة تؤكد قياداتهم أنها منفصلة عن الواقع، وتنتهج سياسة النعامة غير آبهة بما يحصل من حولها».

مواطن يشرب الشاي في بيته المتضرر في بلدة قانا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وشدد حنكش على أن «الرئيس عون هو الذي يمثل الشرعية، وقام بمبادرة التفاوض مع إسرائيل بالمباشر، وهذا ما سيحصل، وكل لبنان يسير خلفه ما عدا (حزب الله)»، وقال: «يجب أن تسير هذه المفاوضات بالتوازي مع التزام الجميع بسقف الدولة وحصرية السلاح وبسط السيادة اللبنانية على الأراضي اللبنانية كافة، غير ذلك يكون الحزب يضع نفسه بمواجهة كل اللبنانيين، وسيكون مرة جديدة سبب تأخير قيام الدولة في لبنان... وهذا غير مستغرب من فصيل إيراني يفتخر أنه تابع لـ«الحرس الثوري)».

مواقف عون

وكان الرئيس عون قد توجه للبنانيين بخطاب أوضح خلاله توجهات السلطة اللبنانية في المرحلة المقبلة، فأكد «استعادة لبنان وقرار لبنان للمرة الأولى منذ نحو نصف قرن»، مشدداً على «أننا اليوم نفاوض عن أنفسنا، ونقرّر عن أنفسنا، لم نعد ورقة في جيب أي كان، ولا ساحة لحروب أي كان، ولن نعود أبداً». وشدد على أن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل «ليست ضعفاً وليست تراجعاً وليست تنازلاً؛ بل هي قرار نابع من قوة إيماننا بحقنا، ومن حرصنا على شعبنا، ومن مسؤوليتنا في حماية وطننا بكل الوسائل، خصوصاً من رفضنا أن نموت من أجل أي شيء كان غير لبنان. المفاوضات لا تعني، ولن تعني يوماً التفريط بأي حق، ولا التنازل عن أي مبدأ، ولا المساس بسيادة هذا الوطن».

وإذ أكد استعداده للذهاب حيثما كان «لتحرير أرضي وحماية أهلي وخلاص بلدي»، أوضح أن مهمته واحدة واضحة محددة؛ وهي إنقاذ البلد وشعبه.


لبنان جاهز للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل... وتوجه لتشكيل وفد مصغر برئاسة كرم

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (رئاسة الجمهورية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (رئاسة الجمهورية)
TT

لبنان جاهز للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل... وتوجه لتشكيل وفد مصغر برئاسة كرم

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (رئاسة الجمهورية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (رئاسة الجمهورية)

يشهد لبنان، في أعقاب إعلان وقف إطلاق النار، حراكاً سياسياً ودبلوماسياً يتمحور حول تهيئة الأرضية اللازمة لإطلاق مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، في محاولة لتحويل الهدنة المؤقتة إلى مسار تفاوضي مستدام يفضي إلى تثبيت الاستقرار. وتتكامل في هذا السياق الجهود الداخلية التي تقودها مؤسسات الدولة مع تحركات خارجية على أكثر من خط، فيما تؤدي المملكة العربية السعودية -التي وجه إليها رئيس الجمهورية جوزيف عون الشكر، خلال كلمة له مساء الجمعة- دوراً بارزاً في هذا الإطار.

كما تلقّى الرئيس عون، يوم السبت، اتصالاً من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، جرى خلاله بحث التطورات الأخيرة، ولا سيما الإعلان عن وقف إطلاق النار، والتحضيرات الجارية لإطلاق المفاوضات انطلاقاً من مبادرة الرئيس عون في هذا المجال، حسب بيان صادر عن الرئاسة اللبنانية. وأشار البيان إلى أن الرئيس عون شكر الرئيس الفرنسي على «الدعم الذي يلقاه لبنان منه ومن فرنسا في المجالات كافة، وللمساعدات التي قدمتها بلاده لإنهاء معاناة الشعب اللبناني».

توحيد الموقف وتثبيت سلطة الدولة

على المستوى الداخلي، يقود رئيس الجمهورية جوزيف عون، بالتعاون مع رئيس الحكومة نواف سلام، مساراً سياسياً يهدف إلى بلورة موقف لبناني موحّد حيال المفاوضات المرتقبة. وشكّل الاجتماع الذي عُقد بينهما صباح السبت محطة أساسية لتقييم مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، ووضع تصور أولي للإطار التفاوضي، بما يضمن حماية المصالح اللبنانية.

وحسب بيان رئاسة الجمهورية، «أجرى الرئيسان تقييماً لمرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، والمساعي الجارية لتثبيته، ومنها الاتصالات التي أجراها رئيس الجمهورية مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو وعدد من قادة الدول العربية والأجنبية».

وبعد اللقاء، أوضح سلام أن البحث مع الرئيس عون تناول أيضاً الجاهزية اللبنانية للمفاوضات، إضافة إلى متابعة تنفيذ قرارات مجلس الوزراء، ولا سيما منها القرار الذي صدر في الجلسة الأخيرة للمجلس القاضي بتعزيز بسط سلطة الدولة على محافظة بيروت، وحصر السلاح فيها.

وأعرب سلام عن «أمله في أن يتمكن النازحون بعد ثبات وقف إطلاق النار من العودة الآمنة إلى منازلهم في أقرب وقت، مؤكداً أن الدولة اللبنانية ستواكب عودتهم، وتُقدم كل ما هو مطلوب منها لجهة تسهيل هذه العودة، ولا سيما ترميم الجسور المهدمة، وفتح الطرق وتأمين المستلزمات في المناطق التي ستكون العودة إليها آمنة وممكنة».

لبنان جاهز للمفاوضات

وقالت مصادر وزارية مقربة من رئاسة الجمهورية لـ«الشرق الأوسط»: «إن اللقاء بين عون وسلام تناول موضوع المفاوضات المحتملة؛ حيث أكّد رئيس الجمهورية أن لبنان جاهز للدخول في مفاوضات مباشرة فور تحديد موعدها، وأنّ الجانب اللبناني سيكون على أتم الاستعداد عند انطلاقها»، مشيرة «إلى أنّ تشكيل الوفد اللبناني سيتم بناءً على تركيبة الوفد الإسرائيلي، مع ترجيح أن يقتصر على السفير سيمون كرم رئيساً، إلى جانب معاون له وضابط من الجيش اللبناني»، ويأتي ذلك بعدما اصطدمت محاولة الرئيس عون بتشكيل وفد تفاوضي يمثل مختلف الطوائف برفض الطرف الشيعي الذي يمثله «حزب الله» ورئيس البرلمان نبيه بري.

مواطن ينقل بضائع من متجر تضرّر جراء غارة إسرائيلية قبيل بدء سريان وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لمدة 10 أيام (رويترز)

وأشارت المصادر إلى «أنّ الورقة اللبنانية باتت جاهزة، وخطوطها العريضة واضحة، وتتمحور حول تثبيت وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي احتلتها، وعودة الأسرى، إضافة إلى البند المتعلق بالنقاط الـ13 المختلف عليها بين لبنان وإسرائيل والمرتبطة بالخط الأزرق».

وعما إذا كان هناك لقاء قريب بين عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قالت المصادر: «هذا الأمر غير مطروح في المرحلة الراهنة».

كما تطرّق لقاء عون - سلام، حسب المصادر، إلى موضوع نزع السلاح في بيروت، في إطار تنفيذ قرار الحكومة، ولا سيما بعدما حصل في الضاحية الجنوبية لبيروت إثر وقف إطلاق النار مساء الخميس، إلى جانب التشديد على ضرورة عودة النازحين إلى قراهم، والعمل على تأمين المساعدات اللازمة وتمويل عملية العودة، بما يضمن استقرارهم في مناطقهم.

دور سعودي داعم للبنان

وفي ظل الجهود التي يبذلها عدد من الدول لدعم الاستقرار في لبنان، تتوقف المصادر عند الدور السعودي البارز في المرحلة الأخيرة من الاتصالات التي سبقت وقف إطلاق النار؛ حيث دخلت المملكة العربية السعودية على خط التحرك عبر وزير خارجيتها الأمير فيصل بن فرحان، والأمير يزيد بن فرحان المكلّف بالملف اللبناني.

يقف موسى بدران بجوار المبنى الذي يضم أعماله التجارية بعدما دُمّر في غارة إسرائيلية قبيل بدء سريان وقف إطلاق النار لمدة 10 أيام بين لبنان وإسرائيل في بلدة العباسية بقضاء صور (رويترز)

وفي هذا الإطار، كشفت المصادر الوزارية أنّ زيارة النائب علي حسن خليل، المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب نبيه بري، إلى الرياض قبل أيام كانت بدعوة من المملكة لوضعه في أجواء الجهود المبذولة لوقف إطلاق النار، مشيرة كذلك إلى اتصالات قامت بها السعودية دعماً للموقف اللبناني، ولا سيما لجهة فصل الملف اللبناني عن الملف الإيراني، في موازاة تأكيدها الاستمرار في دعم التحرك والمواقف اللبنانية، سعياً منها لتكريس الاستقرار، وتعزيز فرص نجاح المسار التفاوضي.

مواقف داعمة لرئيس الجمهورية ومسار الدولة

وبرزت في الداخل اللبناني سلسلة مواقف سياسية داعمة لرئيس الجمهورية وخياراته في إدارة المرحلة. فقد عدّ وزير الإعلام بول مرقص أن ما تحقق من وقف لإطلاق النار نتيجة الجهود الدولية يُشكل فرصة يجب عدم تفويتها، مؤكداً أن لبنان يسعى إلى تثبيت هذا الوقف وجعله مستداماً، بالتوازي مع تحقيق مطالب أساسية، أبرزها انسحاب إسرائيل، والإفراج عن الأسرى، ومعالجة النزاعات الحدودية. كما شدد على تمسك لبنان بمسار تفاوضي خاص به، بعيداً عن أي مسارات إقليمية أوسع، وبغطاء دولي، ولا سيما من الولايات المتحدة.

وفي السياق نفسه، عبّر النائب أشرف ريفي عن دعمه الكامل لرئيس الجمهورية، معتبراً أن اللبنانيين يراهنون على هذا المسار لاستعادة الدولة وهيبتها، داعياً إلى المُضي قدماً في مشروع استعادة السيادة، ووضع حد للفوضى التي أنهكت البلاد. وتعكس هذه المواقف توجهاً داخلياً متنامياً لمنح الدولة فرصة فعلية لإثبات قدرتها على إدارة المرحلة الحساسة، خصوصاً في ظل الدعم الدولي المتزايد.

كذلك، تركزت مواقف سياسية أخرى على ضرورة استثمار الهدنة لتحقيق تقدم فعلي في ملف التفاوض، بالتوازي مع معالجة القضايا الداخلية العالقة. وفي هذا الإطار، شدد رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع على أن لبنان يقف أمام لحظة حاسمة تتطلب قرارات واضحة، معتبراً أن مهلة وقف إطلاق النار تُشكل اختباراً لقدرة الدولة على فرض سيادتها. وأكد أن الأولوية يجب أن تكون لحصر السلاح بيد الدولة، إذ لا يمكن قيام دولة فعلية في ظل تعدد مراكز القرار الأمني والعسكري، محمّلاً «حزب الله» مسؤولية إدخال لبنان في دائرة المواجهة.

كما دعا إلى تعزيز حضور الجيش في المناطق الحدودية، ولا سيما لحماية القرى ومنع تهجير سكانها، مشدداً على ضرورة ربط أي دور سياسي مستقبلي للحزب بالتزامه الكامل بالدستور وقرارات الدولة.

من جهته، أكد النائب إبراهيم منيمنة أن تسليم السلاح لا يُشكل استسلاماً، بل خطوة نحو إعادة التوازن الوطني. كما حذَّر من هشاشة الهدنة، مشيراً إلى أن نجاحها مرتبط بتطورات أوسع، خصوصاً فيما يتعلق بالعلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، واحتمالات الوصول إلى تفاهمات طويلة الأمد.

بدوره، قال النائب وضاح الصادق: «رسم الرئيس عون الجدل، وأكد أن استعادة الدولة سيادتها وهيبتها لا جدال فيها. الدولة وحدها تفاوض، وحدها تحمي شعبها وتصون أرضها، وحدها تعمل على استعادة كل شبر من لبنان وتُعيد الإعمار. بعد قرارات الحكومة، أسقط الرئيس منطق سلاح (حزب الله) نهائياً، وأنهى هيمنة إيران على قرار لبنان. قطار الدولة اللبنانية انطلق».