قراءات المثقفين المصريين... الرواية والتراث الشعري وأدب البيئة

وليد علاء الدين
وليد علاء الدين
TT

قراءات المثقفين المصريين... الرواية والتراث الشعري وأدب البيئة

وليد علاء الدين
وليد علاء الدين

تنوعت قراءات الأدباء والمثقفين المصريين على مدار عام 2025 ما بين الرواية وسرديات الأدب الأخضر بخاصة في علاقته بالبيئة والطبيعة، مروراً بالشعر والكتب الفكرية ذات الطابع الفلسفي والنقدي.

أسامة علام... دفء الروايات في صقيع الغربة

عاش الكاتب الروائي والقاص أسامة علام تجربة خاصة مع قراءات عام 2025، حيث يقيم في الولايات المتحدة ويعمل طبيباً هناك، فكانت الكتب بالنسبة إليه مصدر دفء وسط صقيع الثلوج الذي بدأ العام به وانتهى معه. ويشير إلى أنه ربما كانت القراءة في عام 2025 هي الوسيلة الأكثر فاعلية لتمضية أوقات مبهجة لشخص وحيد مثله يعيش في مدينة مربكة ومزدحمة كنيويورك، إذ قرأ عشرات الروايات باحثاً عن المؤانسة والتعلم واكتشاف النفوس البشرية.

أسامة علام

ومن تلك الأعمال الروائية؛ «من الظل» لخوان خوسيه مياس، «جسور مقاطعة ماديسون» لروبيرت جيمس والر، «ثلاثية نيويورك» لبول أستر، «ثلاث مرات في الفجر» و«حرير» لألكسندرو باركو، «قبل أن تبرد القهوة» بأجزائها الخمسة لتوشيكازو كاواجوتشي، «العجوز الذي يقرأ الروايات الغرامية» للويس سبولفيدا.

ويلفت إلى رواية «أيام في مكتبة مورساكى لساتوشي ياجيساوا» بعدّها من أكثر الروايات التي تلامس الروح، فهي رواية دافئة عن العلاقات الإنسانية، عن الكتب، وهذا المخلوق العجيب والفاتن المسمى الإنسان. ربما المحرك الأهم في هذه الرواية القصيرة نسبياً ليس أحد أبطالها، وإنما حالة عامة من البراءة المفرطة، بخاصة في العلاقات العاطفية المفاجئة.

هدى حسين

هدى حسين... إعادة اكتشاف سحر القصيدة

وتشير الشاعرة والمترجمة هدى حسين إلى أن هناك أعمالاً لا يتوقف المرء عن قراءتها، فكلما نضج أكثر رأى هذه الأعمال بمنظور مختلف يضيء لوعيه المتجدد فضاءات جديدة متنوعة. ومن بين هذه الأعمال الكتابات الشعرية لجول فيرن، في لغته الأصلية، وهو شاعر فرنسي قديم، وكذلك ترجمة الأستاذ القدير بشير السباعي لكونستانتين كافافي، فهي تجمع بين الآفاق الواسعة لوعي الشاعر والحساسية الدقيقة في الترجمة لوعي المترجم الشاعر المرهف في الأساس.

هناك أيضاً أعمال إيدمون جابيس، وهو شاعر مصري يهودي راحل، أقام في فرنسا وكتب بالفرنسية، وظهر في أشعاره هذا الحنين للوطن بكل تفاصيله على الرغم من تقبله بمرارة اضطراره للهجرة في الخمسينات من القرن الماضي، مع رفضه التام للتجنس بالجنسية الفرنسية، حيث احتفظ بجنسيته المصرية واعتد بها حتى آخر لحظة في عمره.

وترى هدى أنه رغم اتجاه الكثيرين للقراءات العلمية أو الاقتصادية أو التنمية البشرية، «لكنني أجد في الأدب ما يحفظ الإنسان من التبدد وسط أنشطته الدنيوية المختلفة، وإذا كانت الرواية تمنح النفس البشرية التوازن في مواجهة تقلبات الحياة، فإن الشعر هو الحافظ الأمين للروح الإنسانية وجوهرها المتقد».على هذه الخلفية، فإن من أهم الكتب التي أعادت الشاعرة قراءتها في 2025، الكتاب الوحيد الذي جمع أعمال موريس دو جيران، وهو شاعر فرنسي من القرن الثامن عشر، كان مزارعاً بسيطاً، لكن معتقداته الشخصية سرعان ما تبدلت وعاش صراعاً نفسياً حاداً أنتج لنا كتابه الشعري. وينقسم الكتاب إلى قصائد عمودية وقصائد نثر، تتناول الصراع النفسي للكائنات الأسطورية التي من طبيعتها أن تكون نصف إنسان ونصف حيوان، كحورية البحر.

وليد علاء الدين... كالفينو في إخراج مبهج

يقول الشاعر والروائي وليد علاء الدين إنه خصص معظم هذا العام لإعادة قراءة أعمال الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو، وهو أحد أبرز كتَّاب الواقعية الجديدة، عوالمه مصنوعة بخيال مختلف، فقد سبق أن قرأ ترجمات عربية لأعماله، لكنه تحمس لقراءتها بالإنجليزية حين حصل خلال رحلته الأخيرة لإيطاليا على طبعات استعادية تذكارية لأعماله، في إخراج مبهج من تلك النوعية التي تجعل القراءة ممتعة، وبترجمة أقرب إلى الأصل الإيطالي؛ لأن الترجمات العربية عادة تتم عبر لغات وسيطة. ويشير إلى أنه قرأ له خلال هذا العام «الحواديت الإيطالية»، و«المدن غير المرئية»، والطبعة المختصرة من «القصص المصورة الكونية»، و«مسافر في ليلة شتوية».

أما في القراءات العربية فقد تعددت الكتب، كانت الأولوية كما اعتاد منذ سنوات على القراءة المنهجية، أن يقرأ الأعمال الكاملة لكاتب أو أديب أو مفكر اكتملت تجربته، وهو نوع من القراءة الجادة، فوائده تفوق القراءات المتفرقة؛ لذا فقد أنهى خلال 2025 قراءة الأعمال الكاملة لكل من يحيى حقي، ويوسف إدريس.

ومن الروايات المتفرقة التي قرأها وليد علاء الدين خلال العام؛ «أثر النبي» للروائي والشاعر محمد أبو زيد، ولذلك قصة؛ فقد كان من نصيبه أن تكون رفيقته على الطائرة في رحلة العودة من معرض الكويت للكتاب؛ بدأ القراءة بينما الطائرة تستعد للإقلاع، فلم ينتبه إلا على صوت عجلاتها تصافح أرض مطار الوصول. أما لماذا هذا الاستغراق الكامل؟ فلأنها تقترب – في رأيه - من حالة الكمال الفن، أو ما يسمونه في الفن التشكيلي النسبة الذهبية.

عبير عبد الحافظ

عبير عبد الحافظ... سحر كتابات أميركا اللاتينية

تنوعت قراءات المترجمة والأكاديمية، الدكتور عبير عبد الحافظ، ما بين أدب أميركا اللاتينية والأدب الإسباني والأدب العربي الحديث، ومن أبرز الكتب التي قرأتها «إسبانيا في تاريخها» للكاتب والباحث المستشرق الإسباني العلاّمة أميركو كاسترو، وهو من أهم المتخصصين في دراسات إسبانيا التاريخية واللغوية والأدبية.

كما قرأتْ الرواية الكلاسيكية «المكفنَّة» للكاتبة التشيلية ماريا لويسا بومبال، التي تتناول بدايات سرد المرأة والسيرة الذاتية مطلع القرن العشرين في واحد من بلدان أميركا اللاتينية، وكذلك «البحث عن كلينجسور» للكاتب المكسيكي خورخي بولبي، وأيضاً روايته الأخرى «أجزاء من الحرب»، ويعدّ بولبي من أهم الروائيين في أدب أميركا اللاتينية في الوقت الحالي، وترتكز أعماله على تأسيس خط روائي مختلف في الرواية، وتتعرض بشكل رئيسي للجرائم والفساد السياسي في إطار مكسيكي وعالمي، حيث يمزج بولبي ما بين المحلية والحس الإنساني العام في رواياته بشكل عام.

هذه الرواية تبدو للوهلة الأولى من طراز «الرواية السوداء»، فهي تشريح للمجتمع المكسيكي من خلال جريمة يرتكبها مراهقان في مدرسة ثانوية، فيسلط الضوء على تفسخ المجتمع في أميركا اللاتينية من الجهة الاقتصادية والاجتماعية، وأيضاً الفكرة الرئيسية تكاد تكون البحث عن جذور الشر في المجتمع المكسيكي، تحديداً في المناطق الأكثر عوزاً، وأيضاً كمرآة لدول أميركا اللاتينية بشكل عام.

ناهد راحيل

ناهد راحيل... مفاجآت «النقد البيئي»

وجاءت قراءات الناقدة الأكاديمية، الدكتور ناهد راحيل، خلال هذا العام امتداداً مباشراً لانشغال بحثي ومعرفي بمجال النقد البيئي أو الإيكولوجي، بوصفه أحد المسارات النقدية التي تعيد النظر في العلاقة بين الإنسان والطبيعة داخل الخطاب الثقافي والأدبي، فقد أصبحت الأسئلة البيئية اليوم جزءاً لا يتجزأ من فهمنا للأدب المعاصر، لا سيما في ظل تصاعد الأزمات المناخية، وانتشار المرض والأوبئة والكوارث البيئية.

في هذا السياق، توقفت راحيل عند دراسات عربية اهتمت بقضايا النقد البيئي؛ منها كتاب «السرديات الخضراء» للدكتور محمد الشحات، الذي يمثل إضافة نوعية للمكتبة العربية في مجال النقد البيئي وتطبيقاته السردية، فلم ينشغل الكتاب باستيراد المفاهيم البيئية الغربية فحسب، بل سعى إلى توطينها نقدياً داخل السياق الثقافي العربي، عبر قراءة واعية لتمثلات البيئة والطبيعة والجسد والمكان في السرد العربي الحديث، وعبر مقاربات تطبيقية تقترح فهماً للسرد بوصفه فضاءً للتفاوض بين الإنسان ومحيطه الطبيعي، وبين السلطة والمعرفة، وبين التقدم وحدوده الكارثية.

وتوقفت الناقدة الشابة كذلك عند كتاب «السرديات البيئية»، وهو كتاب جماعي أكاديمي من تنسيق وإشراف الدكتور مصطفى رجوان، والدكتور عادل المجداوي، يُعنى بإعادة صياغة المقاربات النقدية للسرد من منظور بيئي، وليس مجرد نقد بيئي تقليدي. وترجع أهمية الكتاب، بجانب الاهتمام بربط السرد الأدبي بالقضايا البيئية المعاصرة، إلى محاولة دمج السرديات البيئية بالسرديات البلاغية، أي قراءة النصوص السردية من خلال علاقاتها البيئية ومقوماتها البلاغية. ومن هنا يقترح الكتاب، عبر دراسات نظرية وتطبيقية وترجمات مختارة، تأسيس ما يمكن تسميته «السرديات البيئية» كمقاربة نقدية قادرة على تفكيك العلاقات المعقدة بين السرد والسلطة والمعرفة والفضاء الطبيعي.

علي قطب

علي قطب... بين محفوظ وطه حسين

ويصنف الروائي والباحث الشاب علي قطب القراءة بعدّها فعلاً متعدد التجليات، التي منها العودة إلى الجذور والبحث عن هؤلاء الذين ملأوا عقولنا وقلوبنا بالأفكار والمشاعر. وجاءت 2025 لتكون سنة إعادة قراءة بعض الأعمال الكبرى التي تمثل مشاريع ثقافية رائدة وعميقة، فقراءاته لنجيب محفوظ مستمرة، وأسفرت عن كتاب «الغناء والطرب في أدب نجيب محفوظ – قراءة نقدية ومعجم»، كما يستمر قطب في قراءة طه حسين صاحب المشروع المتكامل، فقد درس التراث وناقش معاصريه، كما قدم لنا رؤيته المستقبلية أيضاً عندما كتب عن «مستقبل الثقافة في مصر».

وتعمق علي قطب في قراءة «ثلاثية الأمالي» لخيري شلبي، المكونة من «أولنا الورق»، «ثانينا الكومي»، «ثالثنا الورق»، وهي ملحمة شعبية شديدة الإمتاع وتغوص في أعماق الروح المصرية، وتعد عملاً شديد الخصوصية يجمع بين الحداثة وتقاليد السرد التراثي.


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.