مؤتمر شامل في الرياض لإعادة ضبط بوصلة «القضية الجنوبية»

تأييد خليجي وعربي وإشادة بالجهود السعودية ورفض لتفرد «الانتقالي»

قافلة من المركبات المدرعة في أحد شوارع مدينة المكلا الساحلية بحضرموت شرق اليمن (أ.ف.ب)
قافلة من المركبات المدرعة في أحد شوارع مدينة المكلا الساحلية بحضرموت شرق اليمن (أ.ف.ب)
TT

مؤتمر شامل في الرياض لإعادة ضبط بوصلة «القضية الجنوبية»

قافلة من المركبات المدرعة في أحد شوارع مدينة المكلا الساحلية بحضرموت شرق اليمن (أ.ف.ب)
قافلة من المركبات المدرعة في أحد شوارع مدينة المكلا الساحلية بحضرموت شرق اليمن (أ.ف.ب)

وسط تأييد خليجي وعربي يتجه المشهد الجنوبي في اليمن نحو منعطف سياسي جديد مع إعلان عقد مؤتمر جنوبي شامل في الرياض، برعاية السعودية، واستجابة لمناشدة واسعة من مكونات وشخصيات جنوبية، وبطلب رسمي من رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي.

ويأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه محافظة حضرموت تحولات ميدانية لافتة، تمثّلت في بسط قوات «درع الوطن» سيطرتها الكاملة على وادي وصحراء حضرموت، وتأمين المعسكرات والمرافق السيادية، مع استمرارها في الانتشار لتأمين مدن الساحل كافّة، بما فيها المكلا، واستعادة المعسكرات التي تسيطر عليها قوات المجلس الانتقالي الجنوبي.

ويُنظر إلى تزامن المسارَيْن، السياسي والميداني في حضرموت، بوصفه محاولة لإعادة ضبط «البوصلة الجنوبية»، عقب إعلان رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي ما سمّاه «إعلاناً دستورياً»، يتضمّن ترتيبات أحادية لمرحلة انتقالية تنتهي باستفتاء على تقرير المصير، مع التلويح بتفعيل الإعلان فوراً في حال عدم الاستجابة لدعوات الحوار أو في حال التصعيد العسكري ضد قواته.

رفض يمني وإقليمي واسع لتفرد المجلس الانتقالي بملف القضية الجنوبية (أ.ب)

وأعلنت مكونات سياسية واجتماعية من مختلف المحافظات الجنوبية، في بيان مشترك، رفضها القاطع لما أقدم عليه رئيس المجلس الانتقالي من «قرارات انفرادية تمس جوهر القضية الجنوبية»، معتبرة أن الزبيدي نصّب نفسه ممثلاً حصرياً ومتحدثاً باسم الجنوب، وأقصى طيفاً واسعاً من المكونات والشخصيات الجنوبية.

وأكد البيان أن هذه الإجراءات الأحادية تخدم أجندات لأطراف خارجية، وألحقت ضرراً بالغاً بالقضية الجنوبية العادلة، وبوحدة الصف الجنوبي، داعياً إلى عقد مؤتمر جنوبي شامل، يجمع المكونات كافّة دون إقصاء أو تهميش، لمناقشة حلول عادلة للقضية الجنوبية تراعي أبعادها التاريخية والسياسية والاجتماعية، وتضمن التعايش السلمي والأمن والاستقرار والتنمية.

وطالبت المكونات الجنوبية، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، بمخاطبة السعودية لاستضافة هذا المؤتمر ورعايته، بصفتها الضامن الإقليمي لمسارات التوافق اليمني، وصاحبة الدور المحوري في دعم الشرعية اليمنية، ورعاية الحوارات السياسية منذ اندلاع الأزمة.

لا تمثيل حصرياً

سرعان ما تفاعل العليمي مع هذه المناشدة، طالباً من السعودية الاستجابة لعقد المؤتمر، وأكد مصدر رئاسي أن رئيس مجلس القيادة الرئاسي تابع باهتمام بالغ ما عبّرت عنه مكونات المحافظات الجنوبية من حرص صادق ومسؤول على حماية جوهر القضية الجنوبية وصون وحدتها، ورفض أي دعوات انفرادية أو إقصائية لا تعبّر عن تنوع الجنوب ولا عن تطلعات جميع أبنائه.

وشدد العليمي، حسب المصدر، على أن القضية الجنوبية تمثّل قضية عادلة ومحورية في مسار بناء الدولة اليمنية الحديثة، ولا خلاف على حق أبناء المحافظات الجنوبية في معالجة منصفة لقضيتهم، تراعي أبعادها التاريخية والاجتماعية، وتلبي تطلعاتهم المشروعة، وتصون كرامتهم وحقوقهم، وتضمن التعايش السلمي، والأمن والاستقرار، والتنمية.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وأوضح أن حل القضية الجنوبية لا يمكن أن يكون حكراً على أي طرف أو مكوّن بعينه، ولا يُختزل في إجراءات أحادية أو ادعاءات تمثيل حصرية، بل يجب أن يكون نتاج إرادة جماعية، ومسار حوار وطني مسؤول، ومقاربات مؤسسية، تستند إلى المرجعيات الوطنية والإقليمية والدولية المتوافق عليها، وفي مقدمتها مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، واتفاق الرياض، والمشاورات اليمنية-اليمنية برعاية مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وإعلان نقل السلطة، وقرارات الشرعية الدولية.

لا حلول بالقوة

أكد العليمي الرفض القاطع لفرض الوقائع بالقوة أو استخدام السلاح لتحقيق مكاسب سياسية، معتبراً أي تصعيد عسكري لا يخدم القضية الجنوبية، ولا يحقق لها آثاراً قانونية أو دستورية، بل يهدد السلم الأهلي، ووحدة المجتمع، ويقوّض فرص التوصل إلى حلول عادلة ومستدامة.

كما أكد انفتاح الدولة على المبادرات والأفكار المؤسسية كافّة لحل القضية الجنوبية، شريطة أن تكون متسقة مع أولويات المرحلة الانتقالية، وتحفظ وحدة الصف، وتعزّز الثقة بين مختلف المكونات، وتضمن أن تكون أي حلول معبّرة عن الإرادة الشعبية، وبوسائل سلمية وقانونية، وفي ظروف طبيعية.

تصعيد المجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة جاء بشكل أحادي وبدعم إماراتي (أ.ف.ب)

وفي استجابة سريعة، أعلنت السعودية رسمياً ترحيبها بطلب الرئيس العليمي استضافة مؤتمر جنوبي شامل في مدينة الرياض، داعية جميع المكونات الجنوبية إلى المشاركة الفاعلة في الحوار، لإيجاد تصور شامل للحلول العادلة للقضية الجنوبية، بما يلبي تطلعات الجنوبيين المشروعة.

وأكدت وزارة الخارجية السعودية أن الاستجابة تأتي امتداداً للعلاقة الوثيقة بين البلدين الشقيقين، واستمراراً لجهود المملكة في دعم أمن واستقرار اليمن، وانطلاقاً من قناعتها بأن القضية الجنوبية قضية عادلة ذات أبعاد تاريخية واجتماعية، وأن السبيل الوحيد لمعالجتها هو الحوار ضمن الحل السياسي الشامل.

تأييد واسع

في تفاعل مع الدعوة السعودية إلى عقد مؤتمر جنوبي شامل، أعلنت دول خليجية إلى جانب الجامعة العربية، دعمها هذه الخطوة، باعتبارها مساراً سياسياً ضرورياً لمعالجة القضية الجنوبية ضمن إطار وطني جامع، يحفظ وحدة اليمن وسيادته ويعزز فرص الاستقرار.

وأعربت دولة قطر عن تقديرها لاستضافة المؤتمر، مؤكدة أن هذه الخطوة تندرج في إطار الجهود المتواصلة لدعم الأمن والاستقرار في اليمن. ورحبت وزارة الخارجية القطرية، في بيان، بالجهود التي تبذلها الحكومة اليمنية الشرعية لتعزيز مسار الحوار الوطني ومعالجة القضية الجنوبية، مثمنة طلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عقد المؤتمر في مدينة الرياض، بما يعكس حرص القيادة اليمنية على تغليب الحوار بوصفه وسيلة لمعالجة القضايا الوطنية.

وشددت «الخارجية القطرية» على أهمية مشاركة جميع المكونات الجنوبية بصورة بنّاءة في المؤتمر المرتقب، وبما يُعلي مصلحة الشعب اليمني الشقيق، مؤكدة ضرورة الالتزام بمخرجات مؤتمر الحوار الوطني، باعتبارها الإطار التوافقي والآلية الشاملة للتوصل إلى حل سياسي جامع يلبي تطلعات اليمنيين بمكوناتهم كافّة، ويحفظ وحدة البلاد وسيادتها وسلامة أراضيها.

كما حذّرت من أن الإعلانات أو الإجراءات الأحادية التي تُتخذ دون توافق أو تشاور جاد قد تقود إلى الانزلاق نحو الفوضى، وتقوّض فرص الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة.

من جانبها، أكدت دولة الكويت متابعتها الحثيثة لتطورات الأوضاع السياسية والعسكرية في اليمن، معربة عن قلقها من المستجدات التي قد تهدد وحدة الشعب اليمني وأمنه واستقراره. ودعت الكويت اليمنيين إلى التهدئة والحوار، باعتبارهما السبيل الأمثل لتوحيد الصف الوطني وتجاوز المرحلة الراهنة.

وأشادت الكويت بطلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عقد مؤتمر شامل في الرياض بمشاركة مختلف المكونات الجنوبية، معتبرة أن هذه الدعوة تعكس حرصاً واضحاً على تعزيز الحوار البنّاء وتفادي الانقسام. كما ثمّنت استجابة السعودية لاستضافة المؤتمر ورعايته.

بدورها، رحبت جامعة الدول العربية بدعوة العليمي لعقد المؤتمر، حيث أعرب الأمين العام أحمد أبو الغيط عن تقديره لمسارعة السعودية في الاستجابة لهذا الطلب. ونقل المتحدث الرسمي باسم الجامعة أن قضية الجنوب اليمني ذات أبعاد تاريخية وجوانب عادلة، تجب مناقشتها على طاولة الحوار في إطار يمني شامل، محذراً من أن فرض الأمر الواقع يفاقم الانقسامات ويقود إلى مزيد من التشظي، مؤكداً في الوقت ذاته التزام الجامعة بوحدة اليمن وتكامل ترابه الوطني.

كما رحبت وزارة الخارجية البحرينية بالمؤتمر المرتقب وعدّته «خطوة إيجابية لإنهاء التوتر والتصعيد وانتهاج الحوار والحلول الدبلوماسية، بما يؤدي إلى تسوية سياسية للأزمة الحالية تراعي المصالح العليا للشعب اليمني، وتحقق تطلعاته للأمن والاستقرار والنماء، وبما يحفظ الأمن والاستقرار الإقليمي ويلبي تطلعات شعوب المنطقة للسلام والاستقرار والازدهار».

قرار استراتيجي

عدّ مسؤولون وقيادات جنوبية يمنية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» الدعوة إلى عقد مؤتمر شامل للمكونات الجنوبية في الرياض فرصة تاريخية لإعادة ترتيب المشهد الجنوبي على أسس واقعية ومستدامة، بعيداً عن الإقصاء وفرض الأمر الواقع.

وأكد المهندس بدر با سلمة، مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، أن توقيت الدعوة بالغ الحساسية، مشيراً إلى أن اختيار الرياض ليس خياراً لوجستياً، بل قرار استراتيجي، لما تمثّله المملكة من ثقل سياسي ودورها بوصفها ضامناً إقليمياً ودولياً قادراً على جمع مختلف الأطراف في بيئة محايدة.

وشدّد با سلمة على أن الخروج برؤية جنوبية موحّدة يتطلّب شجاعة سياسية وتقديم تنازلات مؤلمة، تبدأ بمغادرة منطق «التمثيل الحصري»، والاتفاق على حد أدنى من المشتركات، وإعطاء الأولوية لاحتياجات المواطن في الأمن والخدمات والاقتصاد.

تحالف دعم الشرعية في اليمن يساند قوات «درع الوطن» لاستعادة المعسكرات في حضرموت (أ.ف.ب)

من جانبه، رأى الدكتور ناصر حبتور، أمين عام مجلس شبوة الوطني، أن المؤتمر المرتقب يجب أن يناقش تشكيل مكون سياسي جنوبي جامع، يشارك بفاعلية في المسار التفاوضي للحل السياسي الشامل في اليمن.

وانتقد حبتور ما وصفه بعقلية التفرد والإقصاء التي سادت في إدارة بعض المحافظات الجنوبية، معتبراً أنها قادت إلى واقع مضطرب وحروب عبثية. كما ثمّن الدور السعودي في رعاية الحوار وحماية القضية الجنوبية من الاستغلال والاستقطابات الخارجية.

بدوره، أكد فهد الخليفي، وكيل محافظة شبوة، أن مؤتمر الرياض يمثّل محطة مفصلية في مسار القضية الجنوبية، مشدداً على أهمية استعادة الدولة الجنوبية بتوافق إقليمي ودولي، بما يجعل الجنوب ركيزة للأمن والاستقرار، ويُسهم في توحيد الصفوف لمواجهة الميليشيات الحوثية وبناء دولة عادلة يتساوى فيها الجميع.


مقالات ذات صلة

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

العالم العربي الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

تكثف الحكومة اليمنية تحركاتها في واشنطن لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، مع التركيز على تمكين السلطات المحلية، وإصلاح الاقتصاد، ومعالجة أزمة المياه الحادة.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تتصاعد الاشتباكات بين نافذين حوثيين، بالتوازي مع تزايد جرائم القتل المرتبطة بخلافات تهدد بتفكك سيطرة الجماعة وتراجع واضح في قدرة مؤسساتها على فرض الهيمنة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تتصاعد الاشتباكات بين نافذين حوثيين، بالتوازي مع تزايد جرائم القتل المرتبطة بخلافات تهدد بتفكك سيطرة الجماعة وتراجع واضح في قدرة مؤسساتها على فرض الهيمنة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

الحكومة اليمنية تطالب بدعم مالي عاجل لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية وأزمة المناخ، وسط تفاقم الضغوط الاقتصادية وارتفاع الأسعار ونقص التمويل الدولي

محمد ناصر (عدن)
مسلحون حوثيون خلال حشد للجماعة في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

العليمي يدعو إلى إنهاء التهديد الحوثي وليس احتواءه

اتهم العليمي الحوثيين بتهديد الملاحة وخدمة أجندة إيران داعياً لحسم الخطر، فيما هاجمت الجماعة المبعوث الأممي واتهمته بالانحياز، مقابل تحذيرات دولية من التصعيد.

«الشرق الأوسط» (عدن)

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.