الذكاء البشري في مواجهة غريمه الاصطناعي... مَن يكسب معركة المصير؟

طلاب يتابعون حصة دراسية مع مدرّسة روبوتية تعمل بالذكاء الاصطناعي في بنغالور بالهند (إ.ب.أ)
طلاب يتابعون حصة دراسية مع مدرّسة روبوتية تعمل بالذكاء الاصطناعي في بنغالور بالهند (إ.ب.أ)
TT

الذكاء البشري في مواجهة غريمه الاصطناعي... مَن يكسب معركة المصير؟

طلاب يتابعون حصة دراسية مع مدرّسة روبوتية تعمل بالذكاء الاصطناعي في بنغالور بالهند (إ.ب.أ)
طلاب يتابعون حصة دراسية مع مدرّسة روبوتية تعمل بالذكاء الاصطناعي في بنغالور بالهند (إ.ب.أ)

إذا كان عصر السرعة بدأ مع الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، والمحرك البخاري الذي طوّره الاسكوتلندي جيمس واط محدثاً ثورة في وسائل النقل والمواصلات، ففي أي عصر نحن اليوم؟ وهل نملك الوسائل التي تسمح لنا بالسيطرة على الإيقاع الذي نسير عليه أو الإيقاع نفسه هو الذي يسير بنا ويسيّرنا؟

نحن في عصر يمكننا أن نسميه «عصر ما بعد السرعة»، أو «العصر التكنولوجي»، أو «العصر الرقمي»، أو ربما «عصر الذكاء الاصطناعي»... في الواقع التسمية ليست مهمة، في حين أن حياة الأفراد والمجتمعات والكرة الأرضية صارت في سباق مع ما يخرج من المختبرات ومراكز الأبحاث والشركات «الشرهة». سباق لا يبدو حتى الآن أن الغلبة فيه ستكون للإرادة البشرية الواعية، بل لتقنيات كان مفترضاً أن تكون في خدمة البشر، ليتبيّن بسرعة أن مستخدميها باتوا أسراها، وتحولوا إلى «زبائن» و«رعايا» لدى الممسكين بزمام اللعبة...

عامل في مصنع للدوائر الإلكترونية المتطورة الضرورية لخوادم الذكاء الاصطناعي في مدينة جيجوانغ الصينية (أ.ف.ب)

بما أننا شهدنا ولادة الذكاء الاصطناعي، ونشهد يوماً بعد يوم تطوره المطّرد ودخوله كل جوانب الحياة، يجدر بنا أن نلتفت إلى أن المساءلة عن أفعال الفرد هي مبدأ أساسي في أي مجتمع. فالإنسان واعٍ، وعليه أن يتحمّل مسؤولية ما يقوم به، خصوصاً أنه لا أحد يستطيع التذرع بجهله القانون. ولكن ماذا عن أفعال «الآلة» التي تتجاوز إدراكنا، ولا نستطيع مجاراة سرعتها؟ وماذا عن نيّات من يقفون وراءها ومخططاتهم ورؤاهم للمستقبل؟

«الوكلاء»

لا خلاف اليوم على أن الحوكمة السليمة في مجال الذكاء الاصطناعي هي معضلة وضع مبادئ توجيهية للاستخدام الأخلاقي لهذه التقنية وفرضها لكيلا تفلت التكنولوجيا من عقالها وتذهب بنا إلى مستقبل مجهول. والواضح أن الدول فشلت حتى الآن في تحقيق أي نوع من التوازن بين الأخلاقيات والتقنيات...

لا بد هنا من فتح قوسين لشرح مصطلح جديد تقع عيوننا عليه كثيراً هذه الأيام، وهو «AI agents» أو «وكلاء الذكاء الاصطناعي»، والوكلاء هنا برامج أكثر تطوراً من «روبوت الدردشة Chatbot» الذي يستجيب للأوامر المباشرة؛ إذ إنها تستطيع استشعار الظروف الراهنة، واتخاذ القرارات، وتحديد الإجراءات اللازمة لتحقيق هدف معيّن بأقل مقدار من التدخل البشري. هي - إذاً - برامج تقوم على التفكير، والتخطيط، والذاكرة، والتعلّم من أجل العمل بشكل مستقل أو بالاندماج مع أدوات ومنصّات أخرى. ولكن أي تفكير؟ وأي تخطيط؟ ومن أدرج ماذا في ذاكرة هذه البرامج لتخرج لنا بما يؤثر في مساراتنا ومآلاتنا؟

روبوت يعيد تجميع لوحات جدارية محطّمة عُثر عليها في بومبيي المدينة الإيطالية التي دمّرها بركان فيزوف في العهد الروماني (رويترز)

التضليل والتحكّم

يكفي للدلالة على خطورة المسألة الحجم الكبير للمعلومات المضلِّلة الناتجة عن سوء الاستخدام المقصود وغير المقصود للذكاء الاصطناعي. وما يعنيه انتشار التضليل هو أننا ما زلنا عاجزين عن فهم هذه التكنولوجيا التي تتطوّر بسرعة مذهلة، وعن التحكم فيها. ويعود جزء من المشكلة إلى أنّ الشركات التي تدفع باتجاه أوسع نشر لـ«وكلاء الذكاء الاصطناعي» سعياً إلى الكسب المادي، حرصت على صرف انتباه الأفراد والجهات المنظِّمة عن الأضرار المحتملة.

يتحدث الرئيس التنفيذي لوحدة الذكاء الاصطناعي في «مايكروسوفت» مصطفى سليمان، البريطاني المولود لأب سوري، عن «ذكاء اصطناعي يُخيَّل للمرء أنه يمتلك درجة من الوعي». وهو ليس وعياً بشرياً بالمعنى المتعارف عليه، لكنّه يكفي لإطلاق نماذج قادرة على العمل بصورة ذاتية. وإذا استمر التغيّر بوتيرته السريعة، فإن الجيل المقبل من «وكلاء الذكاء الاصطناعي» لن يكتفي بتنفيذ وظائف في مجموعة واسعة من المجالات، بل سيقوم بذلك بشكل مستقل تماماً، من دون وجود أي عنصر بشري «داخل دائرة التحكم».

10 أخطار

ورد في الموقع الرسمي لشركة «IBM» ما حرفيته: «للذكاء الاصطناعي قيمة هائلة، غير أنّ الاستفادة الكاملة منه تستلزم مواجهة أخطاره المحتملة والتعامل معها. فالنُّظُم المتطورة نفسها التي تُستخدم لابتكار أدوية جديدة، وكشف الأمراض، ومواجهة تغيّر المناخ، والحفاظ على الحياة البرية، وحماية التنوع البيولوجي... يمكن أن تُنتج أيضاً خوارزميات منحازة مضرّة، وتقنيات تُهدّد الأمن والخصوصية، بل وجود الإنسان نفسه».

يعدّد الموقع عشرة أخطار: الانحياز، تهديدات للأمن السيبراني، مشكلات خصوصية البيانات، الأضرار البيئية، الأخطار الوجودية، انتهاك حقوق الملكية الفكرية، فقدان الوظائف، غياب المحاسبة والمسؤولية، غياب الشفافية، المعلومات المضلّلة والتلاعب.

يحتاج شرح كل هذه الأخطار إلى كتاب، لكن من الممكن التحدث عن الانحياز، وعنه جاء في الموقع المذكور: «لدى البشر انحياز فطري، ويمكن للذكاء الاصطناعي الذي نطوّره أن يعكس ذلك. فهذه الأنظمة تستوعب المواقف الموجودة في بيانات التدريب، والتي تظهر في خوارزميات التعلم الآلي ونماذج التعلم العميق التي تقوم عليها عملية تطوير الذكاء الاصطناعي. وقد تستمر هذه المواقف المكتسبة أثناء نشر الذكاء الاصطناعي، مما يؤدي إلى نتائج منحازة وعواقب غير مقصودة. ومن الأمثلة على ذلك: نظم تتبّع المتقدمين للوظائف التي تميّز على أساس الجنس، وأنظمة التشخيص الطبي التي تعطي نتائج أقل دقة للفئات التي عانت تاريخياً نقص الخدمات، وأدوات الشرطة الاستباقية التي تستهدف مجتمعات مهمشة بشكل غير منصف»...

في ما يخص الأمن السيبراني، يقول موقع «آي بي إم»: «تستطيع جهات خبيثة استغلال الذكاء الاصطناعي لشن هجمات إلكترونية، عبر تقليد الأصوات، وإنشاء هويات مزيفة، وإعداد رسائل تصيّد إلكتروني مقنّع، كل ذلك بهدف الاحتيال، والقرصنة، وسرقة هويات الأفراد، أو المساس بخصوصيتهم وأمنهم».

ويحذّر الموقع من خطر فقدان وظائف؛ إذ «يُتوقع أن يغيّر الذكاء الاصطناعي سوق العمل، مما يثير مخاوف من أن الأتمتة المدعومة بالذكاء الاصطناعي ستؤدي إلى الاستغناء عن العمال. وفقاً لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، يتوقع نحو نصف المؤسسات المستطلعة أن يُحدث الذكاء الاصطناعي وظائف جديدة، في حين يرى ما يقارب ربعها أنه سبب محتمل لفقدان الوظائف. فعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي يساهم في تعزيز أهمية وظائف مثل خبراء التعلم الآلي، ومهندسي الروبوتات، والاختصاصيين في التحوّل الرقمي، فإنه يؤدي أيضاً إلى تراجع بعض الوظائف في مجالات أخرى، مثل الوظائف الإدارية، والسكرتارية، وإدخال البيانات، وخدمة العملاء، على سبيل المثال لا الحصر».

الخطر الوجودي

في ما يخص الخطر الوجودي، حذّر العالم البريطاني – الكندي جيفري هينتون، المعروف بأنه أحد «آباء الذكاء الاصطناعي»، من أن التطور السريع لهذه التقنية «قد يتجاوز قريباً مستوى الذكاء البشري».

وشرح هينتون في لقاء جمعه والسيناتور الأميركي برني ساندرز في جامعة جورج تاون، كل الطرق التي يتوقع أن يغيّر بها الذكاء الاصطناعي المجتمع بشكل سلبي، موضحاً أن تخوّفه يقوم على أن النمو السريع للذكاء الاصطناعي يتجاوز وتيرة حياتنا اليومية.

وقال: «الأشخاص الذين يفقدون وظائفهم لن يجدوا وظائف أخرى يلتحقون بها... إذا أصبح الذكاء الاصطناعي ذكياً مثل البشر، أو إذا فاقهم ذكاءً، فكل وظيفة يمكن أن يقوم بها البشر يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يقوم بها».

جيفري هينتون يتلقى «جائزة الملكة إليزابيث» من الملك تشارلز بقصر سانت جيمس في لندن (أ.ف.ب)

وعبّر عن قلقه من اتّساع الفجوة بين الأثرياء والفقراء بفعل الذكاء الاصطناعي، مما يوجِد «أرضاً خصبة للفاشية»، في حين يزداد الأغنياء ثراءً مع تراجع دخل الآخرين ومستوى معيشتهم.

ولفت هينتون أيضاً إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يتمكن في المستقبل من التلاعب بالبشر و«السيطرة عليهم». وقال في مقابلة تلفزيونية مع «سي بي إس نيوز»: «أكثر الأشياء ذكاءً منك ستكون قادرة على التلاعب بك»، متوقعاً كون العالم على مسافة أقل من عقد واحد من الوصول إلى «الذكاء الاصطناعي العام» (AGI) «ولا بد من اتخاذ إجراءات لتجنّب هذا التهديد الوشيك».

وأعرب في المقابلة نفسها عن كونه «سعيداً إلى حدٍّ ما»؛ لأنه يبلغ من العمر 77 عاماً، فبذلك من المحتمل أن يفوته أسوأ ما سيأتي به الذكاء الاصطناعي للعالم.

القلق والثمن

من المؤكد أن السرعة التي يكتسب بها الذكاء الاصطناعي القدرة على العمل بشكل مستقل، يجب أن تثير قلق الجميع. وعلى الدول والمجتمعات أن تتساءل عن الثمن الذي يمكن دفعه مقابل التقدم التكنولوجي، قبل أن تزول القدرة على السيطرة، وينتقل المصير من الأدمغة البشرية إلى الأسلاك الكهربائية والرقائق الإلكترونية والخوارزميات العجيبة...

المرصد الذي أنشأته «اليونيسكو» لمراقبة الأخلاقيات والحوكمة في مجال الذكاء الاصطناعي فكرة جيدة، لكن غير كافية، فالمطلوب تَوافق الحكومات بكل شجاعة على وضع قواعد تَحكُّم صارمة على مستوى العالم، وتحقيق شفافية مطلقة، قبل أن يعمد مجنونٌ ما في مختبر سريٍّ ما إلى صنع فيروس قاتل عصيّ على كل الأدوية واللقاحات...


مقالات ذات صلة

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

تكنولوجيا يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

«بيربليكسيتي» توسع طموحها من البحث إلى الحوسبة الشخصية، ساعية إلى دور أكبر للذكاء الاصطناعي في الاستخدام اليومي للحاسوب.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تقرير «سيسكو» يظهر أن الشبكات اللاسلكية في السعودية لم تعد مجرد بنية اتصال بل أصبحت عنصراً مؤثراً في نمو الأعمال 2030 (شاترستوك)

خاص «سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يعزز قيمة الشبكات اللاسلكية في السعودية رغم التعقيد

التقرير يرصد تحول الشبكات اللاسلكية في السعودية إلى أداة للنمو وسط تصاعد التعقيد والمخاطر الأمنية وفجوة المهارات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الميزة لا تعني إزالة «شورتس» نهائياً من المنصة بل تقليص ظهوره والتحكم في استهلاكه (أدوبي)

هل تسعى «يوتيوب» إلى تقليص حضور «شورتس»؟

«يوتيوب» يضيف خيار «صفر دقيقة» لتقليص تصفح «شورتس» في خطوة تمنح المستخدم تحكماً أكبر دون إزالة الخدمة نهائياً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الدراسة ترى أن تقدم الذكاء الاصطناعي في العمل يحدث تدريجياً عبر نطاق واسع من المهام لا عبر صدمات مفاجئة (رويترز)

دراسة من «MIT»: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المهام لا الوظائف فقط

تظهر دراسة «MIT» أن الذكاء الاصطناعي يتقدم تدريجياً في إنجاز المهام مع تفاوت قطاعي وفجوة مستمرة في الاعتمادية.

نسيم رمضان (لندن)
علوم نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

جهود حثيثة من أميركا اللاتينية إلى آسيا

كريس ستوكل - والكر (واشنطن)

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، وأكد أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

تحوّلات ونماذج بديلة

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

امتحان التكيّف والتعاون

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.


سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
TT

سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)

قال السفير الأميركي لدى تركيا توم براك إن واشنطن لا تمانع عودة تركيا إلى برنامج إنتاج وتطوير مقاتلات «إف - 35»، متوقعاً أن يتم معالجة مسألة العقوبات الأميركية المفروضة عليها بسبب شرائها منظومة الدفاع الصاروخي الروسية «إس - 400» قريباً.

وفي تكرار لتصريحات أطلقها في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قال براك، خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الذي انطلقت دورته الخامسة، الجمعة، في مدينة أنطاليا جنوب تركيا،: «أعتقد أن مشكلة منظومة (إس – 400) ستحل قريباً، ومن وجهة نظر رئيسي (دونالد ترمب)، لا مانع من قبول تركيا في برنامج طائرات (إف - 35)».

وأخرجت الولايات المتحدة تركيا من برنامج مقاتلات «إف - 35»، التي تنتجها شركة «لوكهيد مارتن»، عقب حصولها على منظومة «إس - 400» في صيف عام 2019، لتعارضها مع منظومة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وفرض عليها ترمب عقوبات بموجب قانون «كاتسا» في أواخر عام 2020، فيما اعتبرته تركيا قراراً غير عادل، لا سيما أنها دفعت نحو 1.4 مليار دولار لشراء مقاتلات «إف - 35».

منظومة «إس - 400» الروسية (موقع الصناعات الدفاعية التركية)

وعلى الرغم من اتجاه تركيا للبحث عن بدائل مثل طائرات «يوروفايتر تايفون» الأوروبية أو إنتاج بدائل محلية، فإنها تواصل السعي لرفع العقوبات الأميركية والحصول على مقاتلات «إف - 35».

وفي ديسمبر الماضي، قال براك، إن أنقرة باتت أقرب إلى التخلي عن المنظومة الروسية، متوقعاً إمكانية حل هذا الملف خلال فترة تتراوح بين 4 و6 أشهر، لافتاً إلى أن القانون الأميركي لا يسمح لتركيا بتشغيل أو حيازة المنظومة الروسية إذا أرادت العودة لبرنامج إنتاج وتطوير المقاتلة الأميركية.

واقترحت تركيا، في مارس (آذار) الماضي، تشغيل منظومة «إس - 400» بشكل مستقل عن أنظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) لحل الخلاف مع الولايات المتحدة، وإنهاء أزمة استبعادها من مشروع إنتاج وتطوير مقاتلات «إف - 35» والحصول عليها.

وزير الدفاع التركي يشار غولر (الدفاع التركية)

ولم تفعّل تركيا المنظومة الروسية منذ حصولها عليها، بموجب الصفقة التي وقعت مع روسيا في عام 2017، أو نقلها إلى مكان آخر أو بيعها لدولة أخرى.

وقال وزير الدفاع التركي، يشار غولر، «إن الحل الذي اقترحته تركيا بات واضحاً، تم إبلاغ نظرائنا الأميركيين بفكرة تشغيل منظومة (إس – 400) كنظام مستقل، دون دمجها في أنظمة الناتو، وإن هذا هو الحل الأمثل».

وعن مسار العلاقات التركية - الأميركية، قال براك إن العلاقات بين أنقرة وواشنطن شهدت تقدماً ملحوظاً خلال الـ16 شهراً الماضية يفوق ما تحقق خلال الـ15 عاماً الماضية.

ولفت إلى إحراز تقدم في مجالات السياسة الخارجية والاستخبارات والشؤون العسكرية والتجارية، لا سيما في ظل العلاقات الجيدة بين الرئيسين، رجب طيب إردوغان ودونالد ترمب.

براك متحدثاً عن العلاقات التركية - الأميركية خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (إعلام تركي)

وأضاف براك: «يجري إعادة تشكيل التحالف بين البلدين، ما حدث في سوريا (منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024) كان في صالح تركيا إلى حد كبير، تستحق تركيا والسعودية ثناءً كبيراً لدعمهما هذا «الهيكل الناشئ» في سوريا.

وتابع أنه «حتى مع وجود بعض العيوب؛ في الواقع، كانت تركيا العامل الحاسم في هذه العملية، العلاقات بين البلدين أفضل من أي وقت مضى، أعتقد أنه سيتم التوصل إلى حل لمسألة منظومة (إس – 400) قريباً، ومن وجهة نظري، فإن إعادة قبول تركيا في برنامج (إف - 35) أمر ممكن أيضاً».