التسامح في «رؤية 2030»: شطب خطاب التكفير

مقر مركز «اعتدال» السعودي الذي يعمل على مواجهة خطاب الإرهاب والتطرف العنيف (الشرق الأوسط)
مقر مركز «اعتدال» السعودي الذي يعمل على مواجهة خطاب الإرهاب والتطرف العنيف (الشرق الأوسط)
TT

التسامح في «رؤية 2030»: شطب خطاب التكفير

مقر مركز «اعتدال» السعودي الذي يعمل على مواجهة خطاب الإرهاب والتطرف العنيف (الشرق الأوسط)
مقر مركز «اعتدال» السعودي الذي يعمل على مواجهة خطاب الإرهاب والتطرف العنيف (الشرق الأوسط)

حلّ علينا هذه الأيام اليوم العالمي للتسامح، الموافق 16 نوفمبر (تشرين الثاني)، وهو مناسبة يتوقف معها العالم للتأمل في قيمة إنسانية كبرى تشكّل الأساس الذي تقوم عليه المجتمعات الحديثة الناجحة. وفي الوقت نفسه جاءت زيارة وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة، حيث قوبل باستقبال رسمي واسع، وتم توقيع عدد من الاتفاقات الاستراتيجية التي تعكس عمق الشراكة بين البلدين، من التعاون في الطاقة النووية المدنية إلى تطوير برامج المعادن الحيوية، وتوسعة الاستثمارات السعودية في الاقتصاد الأميركي، بالإضافة إلى صفقات الصناعات الدفاعية المتقدمة. هذه الاتفاقات الكبرى لا تُقرأ بلغة الاقتصاد فقط، بل بلغة الثقة السياسية أيضاً؛ إذ تؤكد أن العالم يفتح أبوابه للمملكة الجديدة.

غير أنه، وفي هذه اللحظة التي تتقدم فيها البلاد بثقة نحو المستقبل، لا يزال البعض عبر وسائل التواصل الاجتماعي يعيد إنتاج خطاب التكفير والتحريض المذهبي، ويُظهر الفرح بمقتل المختلف. هذه الأصوات، حين ضيّق عليها سابقاً، عادت إلينا من النوافذ عبر منصات مثل «إكس» و«تيك توك» متخفية أحياناً ومباشِرة أحياناً أخرى.

وهنا يظهر التناقض الواضح: بلد يبني لنفسه مستقبلاً جديداً بشراكات دولية كبرى، بينما يعيد بعض أفراده إنتاج خطاب ينتمي إلى عصور الدم والانقسام. إنه لمن الضروري شطب كل ما يتعارض مع رؤية 2030؛ فالرؤية ليست مجرد برنامج اقتصادي، بل هي مشروع دولة وصورة مجتمع يتجهان نحو المستقبل. جوهر هذه الصورة يقوم على احترام الإنسان وكرامته، وترسيخ الاعتدال والانفتاح، وتعزيز القدرة على التعايش واحتضان الاختلاف. إن أي خطاب تكفيري، مهما بدا محدوداً، هو خروج مباشر عن اتجاه الدولة، لأنه دعوة ضمنية إلى إلغاء الآخر، وتحريض على الكراهية، وتأسيس لمناخ يهدد الوحدة الوطنية.

وتثبت تجارب التاريخ أن تكفير فرد واحد ليس حدثاً بسيطاً، بل هو الشرارة التي تُفضي سريعاً إلى تكفير الجماعات والطوائف، ثم تكفير المجتمع والحكومات نفسها. هذا هو ديدن التكفيريين في كل زمان: يبدأون بحيز صغيرٍ في الأطراف، فإذا تُركوا، انتقلوا إلى المركز. ولهذا فإن مواجهة التكفير في بداياته ليست دفاعاً عن شخص بعينه، بل حماية سياسية واجتماعية وأمنية للدولة ولصورتها الدولية.

وفي واقع اليوم، لم يعد التكفير «اجتهاداً دينياً» يمكن التسامح معه. بل هو جريمة، لأن التكفير يقود إلى استباحة الدم، وخطاب كراهية يجب منعه بقوة القانون. فالكلمة التي تُسقط إنساناً من دائرة الإيمان تُسقطه في الوعي العام من دائرة الأمان، وتجعله هدفاً لكل من يريد أن يقيم الحدود بنفسه. وفي عالم تسعى فيه المملكة إلى تقديم نفسها نموذجاً للاعتدال والانفتاح، فإن استمرار الخطاب العدائي تجاه أصحاب الديانات الأخرى لا يسيء إليهم فقط، بل يسيء إلى صورتنا نحن، ويضعف القوة الناعمة للمملكة، ويخلق انطباعات سلبية لدى شركائنا حول العالم.

وندرك هنا أن العالم يسمعنا. أبناء الديانات والثقافات المختلفة يراقبون ما نقوله ويقرأون رسائلنا، ويقيمون علاقاتهم السياسية والاقتصادية معنا على ضوء ذلك. وفي عصر تُقاس فيه القوة بالثقة والدبلوماسية، يمكن لعبارة إقصائية واحدة أن تضرّ بشكل مباشر بعلاقات اقتصادية واسعة. فلا الدول تبني استثماراتها مع بيئة يُظن أنها معادية للتنوع، ولا المستثمر العالمي يغامر بأمواله في مجتمع يُطلق فيه وصف الكفر بسهولة، ولا السائح سيأتي مطمئناً وهو يسمع لغة تُعيد إنتاج مفردات القرون الماضية.

ومن هنا تتجلّى أهمية الاتفاقات التي وُقّعت في واشنطن. فهي لا تتحدث بلغة الأرقام فقط، بل بلغة الثقة والانفتاح. فالعالم لا يتعامل مع اقتصاد صامت، بل يتعامل مع مجتمع يحمل قيماً ورسائل. وكلما كان خطابنا الداخلي متوازناً وعاقلاً، ازدادت قدرة المملكة على جذب الاستثمارات والتقنيات والشراكات العالمية. ولهذا فإن الدولة حين توقّع اتفاقات استراتيجية بهذا الحجم إنما توجه رسالة ضمنية إلى الداخل: لا تهدموا بالكلمة ما نبنيه بالفعل.

بل أكثر من ذلك، إن التسامح ليس مجرد قيمة معنوية؛ بل هو عنصر جوهري في بيئة التجارة الحديثة. فالشركات العالمية الكبرى تضع في حساباتها مؤشرات احترام الإنسان، ومدى قبول الآخر، ودرجة التعايش داخل المجتمع. وكل رسالة سلبية يرسلها الخطاب المحلي تنعكس، شئنا أم أبينا، على جاذبية المملكة الاستثمارية، وعلى صورتها في الإعلام الدولي، وعلى ثقة الأسواق العالمية بها. ولذلك فإن شطب خطاب التكفير من فضائنا العام ليس ترفاً، بل ضرورة استراتيجية لحماية مسار التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تتبناها القيادة.

إن السعودية اليوم تتجه بثبات لتكون مركزاً عالمياً للحوار والثقافة والتقنية والاستثمار. وهذا المسار لا يمكن أن يكتمل ما لم يُواجَه خطاب التكفير بوضوح. فالمجتمعات الحديثة لا تبنى بالاقتصاد وحده، بل بخطاب يعكس التحضر والاتزان. ولذلك فإن مسؤولية الشخصيات المؤثرة اليوم أصبحت مضاعفة؛ فكل كلمة تُقرأ في الخارج قبل الداخل، وكل خطاب إما أن يدعم صورة الوطن أو يضر بها.

لا بد من أن ندرك أن ما تختاره المملكة من مسار ليس تحولاً اقتصادياً فقط، بل قرار حضاري يعيد تشكيل صورتها، ويمنح أبناءها فضاءً أرحب لصناعة مستقبلهم. إن وطننا أكبر من أصوات العنف، وأسمى من أن يحمل إرث التكفير معه إلى الغد. ولدينا فرصة تاريخية لنثبت للعالم أن المملكة نموذج للتعايش الإنساني، وأن خطاب المجتمع ينسجم مع طموحات الدولة، وأن الاختلاف فيها مصدر قوة لا سبب نزاع. فالسعودية التي تبني الشراكات وتتحول إلى مركز دولي مؤثر، هي السعودية التي تحرس وحدتها، وتطوّر خطابها، وتقدّم للعالم وجهاً يليق بمكانتها.


مقالات ذات صلة

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

يوميات الشرق استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

أعلنت وزارة الثقافة السعودية عن مبادرة دعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية؛ لتعزيز مساهمة المجتمع في الحفاظ على أصوله التراثية ذات القيمة وتأهيلها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس) p-circle 00:33

تحليل إخباري الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة محمد شهباز شريف للمملكة تجسيداً لعمق العلاقة

جبير الأنصاري (الرياض)
الاقتصاد مستثمر يطالع كتيباً للتعرف على خدمات «المركز السعودي للتنافسية والأعمال» (المركز)

18 مليون خدمة و4 ملايين مستثمر... قفزة نوعية لبيئة الأعمال في السعودية

تشهد بيئة الأعمال في السعودية تطوراً متسارعاً؛ مدعوماً بحزمة من الإصلاحات والخدمات الرقمية المتكاملة، حيث تجاوز عدد الخدمات المقدمة 18 مليون خدمة.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد اجتماع سابق للمجلس برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الأمير محمد بن سلمان (واس)

«مجلس الشؤون الاقتصادية» السعودي يستعرض حصاد «رؤية 2030» لعام 2025

عقد مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية اجتماعاً عبر الاتصال المرئي. وتابع نتائج عدد من الملفات بما فيها «رؤية 2030».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ميناء الملك عبد العزيز في السعودية (الهيئة العامة للموانئ)

«أوكسفورد بزنس غروب»: السعودية ترسخ مكانتها مركزاً بحرياً عالمياً في ظل «رؤية 2030»

تتسارع وتيرة التحول في القطاع البحري السعودي، إذ باتت المملكة تعيد رسم خريطة دورها في منظومة التجارة الدولية، مستندةً إلى استثمارات ضخمة وبنية تحتية متنامية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.