تأرجح الملف النووي الإيراني بين الضغوط الدولية وغياب أفق التفاوض

قرار الوكالة الدولية ورقة ضغط إضافية على طهران والشروط المتبادلة للعودة إلى التفاوض أوصلتها إلى طريق مسدودة

مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي متحدثاً للصحافة عقب اجتماع مجلس المحافظين بمقر الوكالة في فيينا الأربعاء 19 نوفمبر (أ.ف.ب)
مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي متحدثاً للصحافة عقب اجتماع مجلس المحافظين بمقر الوكالة في فيينا الأربعاء 19 نوفمبر (أ.ف.ب)
TT

تأرجح الملف النووي الإيراني بين الضغوط الدولية وغياب أفق التفاوض

مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي متحدثاً للصحافة عقب اجتماع مجلس المحافظين بمقر الوكالة في فيينا الأربعاء 19 نوفمبر (أ.ف.ب)
مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي متحدثاً للصحافة عقب اجتماع مجلس المحافظين بمقر الوكالة في فيينا الأربعاء 19 نوفمبر (أ.ف.ب)

مرة أخرى تجد إيران نفسها في وضع لا تحسد عليه. فمن جهة، يواصل الغربيون (الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا)، تشكيل جبهة متماسكة في مواجهتها، كان آخر تعبيراتها قرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي يطالب طهران بإعادة فتح مواقعها النووية أمام المفتشين، استناداً إلى التزامات معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.

ويبدو جلياً أن الدول الغربية تستخدم هذا القرار، رغم تحذيرات طهران المتكررة، أداة ضغط رئيسية على إيران، وهي ورقة يمكن إشهارها في كل اجتماع مقبل لمجلس محافظي الوكالة. ومن جهة ثانية، تبدو موافقة إيران على المطالب الغربية وفتح منشآتها أمام المفتشين وكأن شيئاً لم يحدث.

وجل ما قبله الجانب الإيراني في «تفاهم القاهرة»، الذي أُبرم في سبتمبر (أيلول) الماضي بين مدير الوكالة رافائيل غروسي ووزير الخارجية عباس عراقجي، هو السماح للمفتشين بزيارة المواقع النووية التي لم تستهدف خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً. وقد سارع عراقجي، الخميس، إلى إعلان أن هذا التفاهم، رغم محدوديته، لم يعد قائماً.

ولعل عراقجي بالغ الصراحة في سرد الحجج التي تمنع بلاده من تمكين الوكالة من الاطلاع على ما أصاب المواقع النووية الثلاثة التي استهدفتها الضربات الإسرائيلية ثم الأميركية (أصفهان ونطنز وفوردو). وقال في مقابلة مع موقع «خبر أونلاين» المحلي، حرفياً: «حقيقة أنهم جاءوا وهاجموا وغادروا... والآن تأتي الوكالة لإعداد تقرير لهم حول ما الذي تعرّض للهجوم، وماذا حدث، ومدى الضرر، هو أمر غير ممكن، ومن الواضح أنه لن يكون حكيماً».

ملصق لمنشأة فوردو لتخصيب الوقود يُعرض عقب مؤتمر صحافي لوزير الدفاع الأميركي في واشنطن 26 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

وسبق لإيران أن اتهمت الهيئة التابعة للأمم المتحدة بـ«التواطؤ» مع إسرائيل عبر إطلاعها على المعلومات التي يجمعها المفتشون بحكم مهامهم، وهو ما تنفيه الوكالة بشكل قاطع. وفي السياق نفسه، صرح عراقجي بأن التعاون مع الوكالة «في هذه الظروف» أمر غير ممكن.

القلق من غياب المفتشين

في المقابل، لا يخفي الغربيون قلقهم من غياب المفتشين عن المنشآت الإيرانية. فهاجسهم الأول يبقى معرفة مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب الذي كانت إيران تمتلك منه، قبل الحرب، نحو 440 كيلوغراماً، إضافة إلى متابعة أي عمليات تخصيب إضافية.

وقالت وزارة الخارجية الفرنسية، الخميس، إن الوكالة الدولية للطاقة الذرية «لم تعد قادرة على التأكد من أن غاية البرنامج النووي الإيراني هي غاية سلمية»، مضيفة أن الوكالة «فقدت استمرارية معرفتها بالمواد والأنشطة النووية في إيران».

ووفق مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس، يكمن مصدر القلق في احتمال أن تكون إيران «استغلت الأشهر الخمسة التي انقضت منذ يونيو (حزيران) الماضي لتسريع إنتاج اليورانيوم عالي التخصيب والاقتراب إلى أقصر مسافة من العتبة التي تمكّنها من إنتاج السلاح النووي».

وإذا صحت هذه القراءة، فإن طهران غير مستعجلة لعودة المفتشين، وهي بلا شك تسعى إلى «تأطير» مهامهم بدلاً من منحهم «شيكاً على بياض» للتحرك بحرية كاملة داخل أراضيها.

ثمة قناعة راسخة مفادها أن طهران تسعى إلى تجنّب حرب جديدة مع إسرائيل والولايات المتحدة، وهي تقول ذلك صراحة على لسان كبار مسؤوليها. لكن هؤلاء يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد مع «الوكالة الذرية» من جهة، وحالة الجمود التي تطغى على الحراك الدبلوماسي من جهة أخرى، يمكن أن يوفّرا أرضية لعمل عسكري ضد إيران، وخصوصاً من الجانب الإسرائيلي، في ظل الضغوط الداخلية التي يواجهها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. ولا يبدو الخروج من هذا الفخ ممكناً إلا بالعودة إلى طاولة المفاوضات. لكن مع من؟

ورغم ورود أنباء (لا تزال تحتاج إلى تأكيد) عن محادثات مرتقبة بين إيران ودول «الترويكا الأوروبية» خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة، فإن الموقف الإيراني الرسمي، كما عبر عنه عراقجي مؤخراً، يقوم على أن التفاوض مع الأوروبيين «لم يعد مفيداً»، وأن «الترويكا» ارتكبت «خطأ» عندما فعّلت «آلية سناب باك» في مجلس الأمن في سبتمبر الماضي، ما أدى إلى إعادة فرض عقوبات دولية قاسية على طهران كان قد تم تجميدها بين عامي 2015 و2025 بموجب اتفاق 2015 مع مجموعة خمسة زائد واحد.

مع ذلك، قد ترى طهران، في ظل غياب أي قناة تواصل مع واشنطن، أن التفاوض مع «الترويكا الأوروبية» ما زال يحمل فائدتين على الأقل: الأولى، توجيه رسالة إيجابية إلى الغرب بأنها جادة في السعي إلى تفاهمات جديدة بشأن برنامجها النووي، وأن الأوروبيين يمكن أن يضطلعوا بدور ناقل للرسائل بينها وبين الولايات المتحدة. أما الثانية، فهي كسب مزيد من الوقت بانتظار اتضاح صورة المسار التفاوضي الممكن مع واشنطن.

«صعوبة العودة»

حتى الآن، لا تزال شروط الطرفين للعودة إلى طاولة المفاوضات غير واضحة تماماً. فإيران، التي يرى مرشدها علي خامنئي أن «النهج الأميركي غير مقبول ولن يستسلم الإيرانيون له»، ما يعني أن لا فائدة من التفاوض مع واشنطن، تريد في حال حصول مفاوضات، أن تكون «محادثات حقيقية وأن تقوم على الاحترام المتبادل والمساواة» بحسب ما نقل عن كمال خرازي، مستشار خامنئي. ولم يقدم أي مسؤول إيراني تفسيراً دقيقاً لما يعنيه ذلك.

كذلك ترفض طهران المطالب الأميركية التي تصفها بأنها «ضارة بمصالحها»، وترفض إدراج برنامجها الصاروخي الباليستي أو سياساتها الإقليمية ضمن أي تفاوض. أما الأهم، فهو تمسّكها بحقها في مواصلة تخصيب اليورانيوم على أراضيها. وهذا الملف، تحديداً، كان السبب الرئيسي في فشل خمس جولات من المفاوضات المتنقلة بين الجانبين؛ إذ جعلت واشنطن من مبدأ «صفر تخصيب» شرطاً لا يمكن تجاوزه. ويشبه الجدل بين الطرفين «حوار طرشان»؛ فطهران تشدد على أن انتماءها إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية يمنحها حق التخصيب أسوة ببقية الدول الأعضاء، وأنها مستعدة للتفاوض حول نسبة التخصيب لا مبدئه.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو يوم 18 أبريل 2025 (أ.ب)

بينما يؤكد الغربيون أمرين: الأول أن العقوبات الدولية التي أعيد فرضها تحرم إيران من هذا الحق. والثاني أن طهران لا تحترم نصوص الاتفاقيات، بدليل أن اتفاق 2015 منحها حق التخصيب بنسب لا تتجاوز 3.67 في المائة وبكميات محدودة، بينما راكمت لاحقاً مخزوناً يتجاوز المسموح به عشرات المرات ومن دون مبرر، ورفعت نسبة التخصيب إلى 60 في المائة، مقتربة بشكل خطير من العتبة اللازمة لإنتاج السلاح النووي.

ومما سبق، يتضح أن طريق المفاوضات بين واشنطن وطهران ما زالت مسدودة حتى اللحظة.

كذلك، فإن رهانات طهران على الدعمين الروسي والصيني، وعلى «الوساطات» التي اعتمدت عليها سابقاً من خلال سلطنة عمان وقطر والرسائل المتبادلة مع واشنطن، لم تفتح أمامها أي منفذ في الجدار المسدود.

مقاربة جديدة

ودعا عراقجي، الجمعة، إلى ضرورة اعتماد مقاربة جديدة لتمكين مفتشي «الوكالة الذرية» من دخول المنشآت النووية الإيرانية التي تعرضت للقصف في يونيو الماضي.

وقال عراقجي، في مقابلة مع مجلة «ذي إيكونوميست»، نشرها على حسابه عبر منصة «تلغرام»: «نحن بحاجة إلى طريقة أو إطار لعمليات التفتيش في هذه المنشآت». وأشار إلى وجود «مخاطر مرتبطة بالسلامة والأمن بسبب الذخائر غير المنفجرة والصواريخ وغيرها. وهناك أيضاً خطر الإشعاع»، مضيفاً أن «طهران لا تزال تتلقى تهديدات من الولايات المتحدة فيما يتصل بإعادة تشغيل هذه المنشآت النووية».

وأعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، عن زيارة مرتقبة لعراقجي إلى عُمان وهولندا هذا الأسبوع.

وبحسب بقائي، سيسافر عراقجي، الاثنين المقبل، إلى مسقط للمشاركة في اجتماع «منتدى مسقط» واللقاء بنظيره العُماني، بدر البوسعيدي. كما سيشارك، الثلاثاء، في الاجتماع السنوي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بمدينة لاهاي في هولندا.


مقالات ذات صلة

شؤون إقليمية مجمع نطنز النووي في إيران بتاريخ 7 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ب) p-circle

واشنطن تدرس الإفراج عن 20 مليار دولار من أموال إيران المجمدة مقابل تسليم اليورانيوم

كشف موقع «أكسيوس» الإخباري الأميركي، اليوم (السبت)، عن إجراء مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بشأن خطة من ثلاث صفحات لإنهاء الحرب بين الجانبين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
شؤون إقليمية خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)

دعوات إصلاحية في إيران لدعم المفاوضات وسط تباين داخلي

نقلت صحف إصلاحية، الخميس، عن الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي دعوته إلى دعم مسار المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة، بوساطة باكستانية، وتثبيت المكاسب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست (ذكرى محرقة اليهود) في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس - 14 أبريل 2026 (أ.ب)

زامير: ينبغي ألا نسمح للإيرانيين بتحقيق مكاسب في الملف النووي أو مضيق هرمز

صرّح رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، خلال جولة على قواته في جنوب لبنان، إنه ينبغي عدم السماح للإيرانيين بتحقيق مكاسب في الملف النووي أو مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية تُظهِر هذه الصورة الملتقَطة بواسطة القمر الاصطناعي «بلياديس نيو» التابع لشركة «إيرباص للدفاع والفضاء» شاحنة محمَّلة بـ18 حاوية زرقاء تنقل يورانيوم عالي التخصيب تدخل إلى نفق داخل مجمع «مركز التكنولوجيا النووية» في أصفهان 9 يونيو 2025 (أ.ب)

«النووي الإيراني» تضرر بشدة في الحرب... لكنه لم ينتهِ بعد

نجحت إسرائيل والولايات المتحدة في إبعاد خطر امتلاك إيران سلاحاً نووياً في المدى المنظور، دون أن تتمكنا من الاستيلاء على المخزون من اليورانيوم عالي التخصيب.

«الشرق الأوسط» (لندن)

إغلاق «هرمز» مجدداً يعقّد المفاوضات


مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
TT

إغلاق «هرمز» مجدداً يعقّد المفاوضات


مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)

أعادت إيران، السبت، إغلاق مضيق هرمز بعد ساعات من فتحه بصورة محدودة، مطالبة بإنهاء الحصار الأميركي على موانئها، في خطوة زادت المفاوضات الجارية تعقيداً، وأعادت التوتر إلى الممر البحري الحيوي.

وجاء القرار بعدما أكدت واشنطن أن إعادة فتح المضيق لا تعني رفع الحصار البحري. وقال الجيش الأميركي إن 23 سفينة امتثلت لأوامره بالعودة إلى إيران منذ بدء تنفيذ الحصار البحري. وجاءت التطورات في حين كان يسود ترقب بشأن تحديد جولة ثالثة من المحادثات، بوساطة إسلام آباد.

ومع إغلاق المضيق، أطلق قاربان لبحرية «الحرس الثوري» النار على ناقلة شمال شرقي عُمان من دون تحذير لاسلكي، في حين نقلت «رويترز» عن ثلاثة مصادر في الأمن البحري والشحن أن سفينتين تجاريتين على الأقل تعرضتا لإطلاق نار أثناء محاولة العبور. وقالت الهيئة إن الناقلة وطاقمها بخير، في حين استدعت الهند سفير طهران بعد تعرض سفينة تحمل شحنة نفط خام لهجوم.

وفي واشنطن، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن المحادثات مع إيران «تسير على نحو جيد جداً»، لكنه اتهم طهران بمحاولة إعادة إغلاق المضيق، مضيفاً: «لا يمكنهم ابتزازنا». ولوّح بعدم تمديد الهدنة التي تنتهي الأربعاء إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق طويل الأمد، مؤكداً استمرار الحصار، في حين أفادت «وول ستريت جورنال» بأن الجيش الأميركي يستعد للصعود على متن ناقلات مرتبطة بإيران، والاستيلاء على سفن تجارية في المياه الدولية، مع استعداد الجانبين لاحتمال استئناف القتال.

وفي طهران، لوّح محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، برفض تمديد الهدنة، قائلاً: إما أن يمنحونا حقوقنا على طاولة المفاوضات أو ندخل ساحة المعركة.

وقال قائد عمليات هيئة الأركان علي عبداللهي إن «هرمز» عاد إلى «الوضع السابق» تحت رقابة مشددة، في حين أن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف اتهم ترمب بطرح «ادعاءات كاذبة».

وأفاد مجلس الأمن القومي بأن طهران تراجع مقترحات نقلها قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، الذي أنهى مساء الجمعة زيارة إلى طهران استغرقت ثلاثة أيام.


«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
TT

«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

دخل مجلس الأمن القومي الإيراني على خط السجال الداخلي المتصاعد بشأن إدارة المفاوضات مع الولايات المتحدة، بعد موجة انتقادات طالت وزير الخارجية عباس عراقجي واتهامات للجهات الرسمية بالغموض وسوء إدارة المعلومات، خصوصاً بعد إعلانه فتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة.

وجاء تدخل المجلس في محاولة لتوضيح مسار محادثات إسلام آباد، وشروط الهدنة المؤقتة، وآلية فتح المضيق، في وقت كانت فيه منابر مقربة من «الحرس الثوري» تصعّد هجومها على وزارة الخارجية، وتطالب بتفسير ما جرى للرأي العام، بينما توزعت المواقف داخل مؤسسات الحكم بين الدعوة إلى الانضباط الإعلامي، والمطالبة بتشدد أكبر، والتشكيك في جدوى التفاوض نفسه.

وفي بيان مطول، قالت الأمانة العامة لمجلس الأمن القومي إن الرسائل والطلبات الأميركية لوقف إطلاق النار وبدء التفاوض بدأت منذ اليوم العاشر للحرب، بعد ما وصفته بـ«فشل الأعداء المعتدين» في الميدان العسكري.

وأضافت الأمانة العامة التي يترأسها القيادي في «الحرس الثوري»، محمد باقر ذو القدر، أن الجمهورية الإسلامية قبلت إجراء مفاوضات إسلام آباد في اليوم الأربعين للحرب، بعد إعلان رسمي من الرئيس الأميركي قبول الخطة الإيرانية المكونة من عشرة بنود إطاراً لمفاوضات إنهاء الحرب.

وأوضح البيان أن المحادثات استمرت 21 ساعة متواصلة، وأن الوفد الإيراني طرح مطالب الشعب الإيراني «بجدية وبروح مبادرة» رغم انعدام الثقة العميق بواشنطن، لكن الطرف المقابل عاد، بحسب البيان، وطرح مطالب جديدة ومبالغاً فيها خلال التفاوض، ما أدى إلى انتهاء الجولة من دون نتيجة محددة وتأجيل استئنافها إلى وقت لاحق.

وأوضح البيان أيضاً أن مقترحات أميركية جديدة طُرحت في الأيام الأخيرة عبر الوسيط الباكستاني، وأنها قيد المراجعة حالياً من دون أن تقدم رداً بعد. وشدد على أن الوفد الإيراني «لن يقدم أي تنازل أو تراجع» فيما وصفته بـ«المعركة السياسية» لتثبيت ما تحقق ميدانياً.

عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقائهما في مقر الوزارة الخارجية بطهران اليوم (البرلمان الإيراني)

كما أكد أن من الشروط الأساسية لقبول وقف إطلاق النار المؤقت وقف العمليات في جميع الجبهات، بما فيها لبنان. وقال إن إصرار طهران أفضى إلى وقف إطلاق نار في لبنان، على أن يُفتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة ومشروطة حتى نهاية فترة الهدنة لعبور السفن التجارية فقط، وليس السفن الحربية أو غير العسكرية التابعة لـ«دول معادية»، وذلك تحت إشراف القوات المسلحة الإيرانية وبموجب مسارات محددة.

وأضاف أن اعتماد «القواعد الأميركية» في الخليج على الإمدادات عبر مضيق هرمز يمثل تهديداً للأمن القومي الإيراني، وأن طهران ستواصل فرض الرقابة والسيطرة على الملاحة حتى انتهاء الحرب بالكامل وتحقيق سلام مستدام في المنطقة. وأوضح أن تنظيم حركة العبور يتم عبر الحصول على معلومات كاملة عن السفن، وإصدار تصاريح وفق القواعد الإيرانية المعلنة، وفرض رسوم تتعلق بالأمن والسلامة وحماية البيئة. كما شدد على أن استمرار ما وصفه بمحاولات «العدو» لعرقلة الملاحة أو فرض حصار بحري سيُعد خرقاً لوقف إطلاق النار، وسيؤدي إلى منع أي فتح مشروط أو محدود للمضيق.

وينتهي بيان المجلس بدعوة تحض الإيرانيين على الحفاظ على اليقظة والتماسك الوطني، مع التأكيد على ضرورة نجاح المسار الدبلوماسي إلى جانب تثبيت نتائج الميدان.

وجاء هذا التوضيح بعدما صعّدت وكالتا «فارس» و«تسنيم»، التابعتان لـ«الحرس الثوري»، لهجتهما تجاه طريقة إدارة الملف. ودعت «فارس» المسؤولين إلى تفسير «الصمت» حيال التطورات الأخيرة، واعتبرت أن المجتمع الإيراني دخل في «هالة من الارتباك»، متسائلة: إذا كانت مصلحة البلاد تقتضي عدم نشر تفاصيل المفاوضات أو التطورات الأخيرة، فلماذا لا يُشرح للشعب سبب هذا النهج وضرورة تجنب الشفافية؟

أما «تسنيم» فذهبت أبعد في انتقادها، ووصفت تغريدة عراقجي بشأن المضيق بأنها «سيئة وناقصة» وتمثل «سوء تقدير كاملاً في إيصال المعلومات»، معتبرة أنها نُشرت من دون شروح كافية، وأثارت غموضاً واسعاً بشأن شروط العبور وآلياته وأدت إلى موجة انتقادات كان يمكن تفاديها.

وطالبت «تسنيم» وزارة الخارجية بإعادة النظر في طريقة إدارتها لهذا الملف، بل دعت إلى تدخل مجلس الأمن القومي لوضع آلية أكثر تماسكاً لضبط الرسائل الصادرة عن المؤسسات الرسمية، بما فيها الخارجية.

وقالت الوكالة إن ما ينشره المسؤولون على منصة «إكس»، حتى إن كان موجهاً إلى الخارج أو مكتوباً بالإنجليزية، ينعكس أيضاً على الداخل الإيراني، وإن أي رسالة تثير القلق أو الإحباط تُعد إخلالاً بالتماسك الداخلي.

وفي الساعات الأولى من نشر تغريدة عراقجي، سارعت «فارس» و«تسنيم» إلى نشر معلومات على لسان مصدر مطلع قريب من الأمن القومي بشأن تفاصيل الشروط المرتبطة بإعادة الفتح المؤقت للمضيق، مؤكدتين أن استمرار الحصار البحري سيُعد انتهاكاً لوقف إطلاق النار، وأن العبور يقتصر على السفن التجارية غير المرتبطة بدول معادية، وفق مسارات محددة وتنسيق مع القوات الإيرانية.

وسرعان ما امتدت ردود الفعل إلى شخصيات إعلامية وسياسية مقربة من «الحرس الثوري». فكتب نظام موسوي، المدير المسؤول السابق لصحيفة «جوان»، أن ثقة الناس بالمسؤولين المفاوضين «لا تعني تجاهل الرأي العام»، موجهاً رسالة مباشرة إلى المسؤولين: «قولوا شيئاً».

وذهب نشطاء آخرون، من بينهم علي قلهكي، إلى انتقاد ما وصفوه بـ«الوضع الإعلامي المتردي»، خصوصاً بعد تعارض مضمون تغريدة عراقجي مع توضيحات لاحقة صدرت عن مصدر عسكري عبر التلفزيون الإيراني.

وفي الاتجاه نفسه، دعا حسن عباسي، المنظّر الاستراتيجي المقرب من «الحرس الثوري»، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي أكبر ذو القدر، إلى تعيين متحدث «قدير ومتاح دائماً» للمجلس، مطالباً بإنهاء ما وصفه بـ«فتنة الإشاعات والغموض والحيرة» في أذهان الرأي العام.

وامتد السجال أيضاً إلى شخصيات برلمانية ومحلية. فقال النائب مرتضى محمودي إنه «لولا ظروف الحرب» لكان قد جرى استجواب عراقجي بسبب تغريدته، متهماً وزير الخارجية بأنه لعب مراراً دوراً مهدئاً لأسواق النفط والطاقة العالمية بتصريحات «غريبة وغير مناسبة» في لحظات حساسة.

وزير الخارجية عباس عراقجي خلال لقاء قاليباف ومنير في طهران اليوم (البرلمان الإيراني)

وقال عمدة طهران، المحافظ المتشدد علي رضا زاكاني، إن طاولة المفاوضات كان يفترض أن تكون امتداداً ومكملاً للميدان، وإن أي قرار أساسي يجب أن يظل منسجماً مع توجيهات المرشد الإيراني وبموافقته. كما اعتبر أن أي صحة في الرواية الأميركية بشأن استمرار الحصار تعني أن وقف إطلاق النار نُقض وأن إيران لا تزال «في وسط الحرب».

وفي المعسكر الأكثر تشدداً، صعّد عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، محمود نبويان، هجومه على مسار التفاوض، وقال إن المفاوضات مع الولايات المتحدة «لن تصل إلى نتيجة»، وإن إيران ستواصل الحرب حتى «الهزيمة الكاملة لترمب ونتنياهو». وأضاف أن مسؤولية السيطرة على مضيق هرمز تعود حصراً إلى بحرية «الحرس الثوري»، ولا يحق لأي جهة أخرى التدخل.

وكشف نبويان عن قرار داخل لجنة الأمن القومي يقضي بمنع عبور السفن العسكرية الأميركية من المضيق، ومنع سفن الدول التي «تمنح قواعد للعدو» من المرور أيضاً.

كما قال وزير الاقتصاد السابق، إحسان خاندوزي، إن المرور عبر مضيق هرمز يجب أن يكون فقط للدول غير المتخاصمة وبشرط تحصيل رسوم، محذراً من أن تُسوّق الولايات المتحدة رفع الحصار البحري كأنه امتياز لإيران، ومشدداً على أن باب الحوار يجب أن يُغلق ما دام الحصار قائماً.

في المقابل، صدرت دعوات إلى قدر من الانضباط الإعلامي من داخل الجهاز التنفيذي. فقد قال علي أحمدنيا، رئيس دائرة الإعلام الحكومي، إن ما وصفه بـ«العمليات النفسية وصناعة الإنجازات عبر التغريدات» يتطلب الحذر، مؤكداً ضرورة الحفاظ على الوحدة وعدم خدمة «مخطط العدو» من دون قصد.

وأضاف أن فريق الدبلوماسية يعمل في إطار استراتيجية «العزة والمصلحة والحكمة» للدفاع عن حقوق إيران في الإعلام وعلى طاولة المفاوضات. وقال وزير الثقافة السابق، محمد مهدي إسماعيلي، إن الاستراتيجية الأميركية في المفاوضات تقوم على «أخذ كل شيء من دون تقديم أي مقابل».

فيما دخلت مؤسسات أخرى على الخط، من بينها السلطة القضائية التي طالب رئيسها، غلام حسين محسني إجئي، بملاحقة الولايات المتحدة وإسرائيل قضائياً ودفعهما تعويضات عن الحرب.

تأتي هذه الخلافات في وقت تشير فيه تقديرات استخباراتية أميركية وغربية إلى أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية أضعفت آلية صنع القرار داخل إيران، بعد مقتل عدد من كبار القادة وتضرر منظومة القيادة والسيطرة.

ووفق هذه التقديرات، باتت قنوات التواصل بين مراكز القرار أكثر تعقيداً، فيما يواجه المسؤولون صعوبات في التنسيق وعقد الاجتماعات، وسط مخاوف من الاستهداف.

كما تعزز نفوذ التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري» على حساب مؤسسات أخرى، في ظل غموض يحيط بحدود سلطة المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علناً منذ توليه المنصب، فيما تعتقد أجهزة استخبارات أميركية وإسرائيلية أنه أصيب خلال الحرب.

ويرى مسؤولون أن هذا المشهد انعكس على أداء المفاوضين، الذين يعملون في بيئة تتسم بتعدد مراكز القرار وتباين الرسائل، ما يزيد صعوبة بلورة موقف تفاوضي موحد أو تقديم تنازلات واضحة.


تقرير: الجيش الأميركي يستعد لمداهمة سفن مرتبطة بإيران

ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

تقرير: الجيش الأميركي يستعد لمداهمة سفن مرتبطة بإيران

ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)

ذكرت ​صحيفة «وول ستريت جورنال»، السبت، ‌نقلاً ‌عن ​مسؤولين ‌أميركيين ⁠قولهم ​إن الجيش ⁠الأميركي يستعد خلال الأيام ⁠المقبلة ‌لمداهمة ‌ناقلات ​نفط ‌مرتبطة بإيران، والسيطرة ‌على سفن تجارية ‌في المياه الدولية.

ووفق الصحيفة الأميركية، يستهدف الجيش بذلك توسيع نطاق حملته البحرية ضد إيران لتشمل مناطق خارج الشرق الأوسط.

وتأتي هذه الخطوة في ظل استمرار الجيش الإيراني في تشديد قبضته على مضيق هرمز، حيث هاجم «الحرس الثوري» الإيراني عدة سفن تجارية، السبت، في المضيق، معلناً أن الممر المائي الحيوي يخضع «لسيطرة إيرانية مشددة».

وقد دفعت هذه التطورات شركات الشحن إلى حالة من الارتباك بعد يوم من تصريح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بأن المضيق مفتوح بالكامل أمام حركة الملاحة التجارية، وهو إعلان رحّب به الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ويهدف قرار إدارة ترمب بتصعيد الضغط الاقتصادي على طهران إلى إجبار النظام الإيراني على إعادة فتح المضيق، وتقديم تنازلات بشأن البرنامج النووي الإيراني، الذي يعد محور المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.

ونقلت وكالة أنباء «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، قوله، السبت، إن إيران تستخدم السيطرة على مضيق هرمز أداةَ ضغط سياسية في مواجهة العقوبات الدولية.

بدوره، قال الرئيس الأميركي إنه لن يسمح بتحرك إيران لإغلاق المضيق بوضعه تحت الضغط، بعد أن أعادت طهران إغلاق الممر المائي بعد رفض ترمب إزالة الحصار الذي فرضه على الموانئ الإيرانية.

ووفقاً للقيادة المركزية الأميركية، فقد أعادت الولايات المتحدة بالفعل 23 سفينة حاولت مغادرة الموانئ الإيرانية في إطار الحصار البحري.

وسيُمكّن توسيع نطاق هذه الحملة الولايات المتحدة من السيطرة على السفن المرتبطة بإيران حول العالم، بما في ذلك السفن التي تحمل النفط الإيراني والتي تبحر بالفعل خارج الخليج وبحر العرب، وتلك التي تحمل أسلحة قد تدعم النظام الإيراني، وفق «وول ستريت جورنال».