مجلس النواب الأردني كلام «التحديث» غير مدعوم بأقطاب

مخاوف من تآكل رصيد السلطة التشريعية بسبب تغييب «النواب»

داخل مجلس النواب الأردني (أ.ف.ب)
داخل مجلس النواب الأردني (أ.ف.ب)
TT

مجلس النواب الأردني كلام «التحديث» غير مدعوم بأقطاب

داخل مجلس النواب الأردني (أ.ف.ب)
داخل مجلس النواب الأردني (أ.ف.ب)

لم تغادر قصة «التوافقات» النيابية مربع «الاستعانة بصديق». وحسب مراقبين من داخل مجلس النواب الأردني، ما زال مسار القرار النيابي مرهوناً بـ«رغبات مراكز القرار الرسمية» في مشهد يُمعن بتآكل رصيد المجلس شعبياً. وفي جلسة الأسبوع الماضي لمجلس النواب، تسبّبت مشادات نيابية كادت أن تتطور إلى حدود الاشتباك بالأيدي في تعذر استكمال الجلسة التي خُصص جدول أعمالها لتقديم بيان الموازنة العامة للبلاد، وتشكيل اللجان الدائمة للمجلس. وما حصل أن البند الثاني لجدول الأعمال فجّر الجلسة، ما دفع رئيس مجلس النواب مازن القاضي إلى رفعها.

مازن القاضي (إكس)

ما حصل في مجلس النواب الأردني أخيراً أن نواب كتلة حزب «جبهة العمل الإسلامي» رفضوا إقصاءهم من التوافقات على تشكيل اللجان الدائمة، فحال الأمر دون استكمال الجلسة، ليعود رئيس مجلس النواب لدعوة المجلس للانعقاد بعد اجتماع في مكتبه سعى لاحتواء غضب الكتلة البالغ عدد أعضائها (31 نائباً).

صحيح، أنه في نهاية المطاف، جرى اختيار أعضاء اللجان الدائمة في اليوم التالي بالتوافق، لكن الصحيح أيضاً أن انتخاب رؤساء تلك اللجان الأسبوع المقبل قد يعيد الخلافات إلى مربعها الأول، بسبب اتهام نواب الحركة الإسلامية المعارضة، الكتل النيابية الأخرى، بأنها محسوبة على الخط الرسمي، وبأنها «تتلقّى تعليماتها من خارج أسوار المجلس». وهذه حُجة «جاهزة» عادة ما يستخدمها الإسلاميون عند خسارتهم.

«التحديث السياسي» جُملة من الماضي

من جهة ثانية، يدفع تيار سياسي جديد يعمل تحت شعار «الالتفات إلى الداخل» إلى تكريس عمل «مؤسسات الدولة» لبرامج محلية سياسياً واقتصادياً وإدارياً. وذلك بهدف معالجة ما يمكن وصفه بأخطاء سابقة تسبّبت بـ«إحباط مسارات الإصلاح الشامل» الذي يدعو له العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني منذ تسلمه سلطاته الدستورية عام 1999.

التيار، الذي يسعى لخلق حياة سياسية محلية مشحونة بـ«البرامج الوطنية»، تبلوَر خلال سنتي الحرب على غزة، ويدعو إلى أهمية الانتباه للشؤون الداخلية ذات الأولوية، وخلق توازن بين العمل الرسمي الدبلوماسي السياسي خارجياً والفعل الحكومي المُقنع في الساحة المحلية، ومحاولة استعادة ثقة الشارع الأردني في مؤسساته.

غير أن رغبات هذا التيار اصطدمت بالبرنامج الحكومي للعام المقبل الذي يُعبر عنه خطاب الملك الأردني عند افتتاح كل دورة برلمانية. إذ استبعد الخطاب أي كلام عن انتخابات البلدية، بعد تعطيل الحكومة لإقرار مشروع قانون الإدارة المحلية، وإغفالها ذكر أي معالجات لتشريعات المنظومة السياسية التي تكشفت عوراتها بعد تطبيق قانوني الانتخاب والأحزاب، وهو الأمر الذي يستوجب التعديل على أرضية مستقبل العمل السياسي في البلاد.

دستورياً تمثل خُطبة العرش عند افتتاح كل دورة برلمانية برنامج عمل حكومياً. وجرى العرف أن تتقدّم به الحكومة للملك، ويتبناه وفق خطط عمل برامجية موزّعة على جدول زمني مُلزم للحكومات التي يختار العاهل الأردني رئيسها، ومن ثم يطلب الثقة من البرلمان فور اختياره أعضاء الفريق الوزاري.

لكن تبقى مداخلات مراكز القرار الأمنية والسياسية مُحبطة في ثورة أي مجلس نيابي في مواجهة الحكومات، خصوصاً بعد دخول شخصيات وقوى سياسية محسوبة على الخط الرسمي، أخيراً، تستطيع بدورها «إخفاء وتذويب الأصوات النشاز» تحت سقف القبة، في معادلة يضعف معها الثقة بأي كلام حول «التحديث السياسي».

مجالس النواب تختبر أعرافاً جديدة

في هذه الأثناء، يبدو أن أعرافاً برلمانيةً جديدةً استقرت بشأن انتخابات رئاسة مجلس النواب الأردني. فمنذ عام 2020 وحتى الانتخابات الأخيرة، طغت شكلية «التزكية» على مضامين الصراع التاريخيّ بين «أقطاب» برلمانية، حتى جاء اختيار النائب مازن القاضي رئيساً بالتزكية، معزّزاً العُرف الجديد.

وبين مجلسين نيابيين، المجلس التاسع عشر (2020 - 2024)، والمجلس الحالي الذي انتخب في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، تقلّب على رئاسة مجلس النواب أربعة رؤساء، هم النائب السابق الوزير الحالي عبد المنعم العودات، وعبد الكريم الدغمي - الذي حمل لقب أقدم النواب كونه لم يغب عن المجالس النيابية المنتخبة منذ عام 1989 وقرر اعتزال العمل النيابي عام 2024 - وأحمد الصفدي، وأخيراً مازن القاضي.

مجلس النواب اختار النائب مازن القاضي رئيساً بـ«التزكية» للدورة البرلمانية الحالية، بعد «توافقات» كتل نيابية تقاسمت مواقع المكتب الدائم من نائبين للرئيس ومساعدين اثنين، الأمر الذي يسحب من رصيد ثقة النواب عند الشارع، الذي وجد في مشهد انتخابات المكتب الدائم «تعييناً»، أكثر منه منافسة أو توافقاً.

القاضي، النائب عن «الدائرة العامة» (دائرة وطنية) ممثلاً حزب الميثاق في المجلس الحالي، سبق له أن تولّى حقيبة الداخلية عام 2016، كما كان مديراً لجهاز الأمن العام للفترة ما بين الأعوام 2007 - 2010، سبق له أيضاً أن كان نائباً عن دائرة البادية الشمالية في مجلس النواب السادس عشر 2010 - 2012، ومجلس النواب الثامن عشر 2016 - 2020.

ولقد أفضت توافقات الكتل النيابية إلا «اختيار» القاضي رئيساً للمجلس خلفاً لأحمد الصفدي الذي استمر رئيساً لثلاث دورات نيابية بين المجلسين السابق 2020 - 2024 وللدورة النيابية الأولى من عمر المجلس الحالي 2024 - 2025. ولكون الشخصيتين من الحزب ذاته، يرى مراقبون أن الحزب وإن كانت «واجهته أنيقة»، فإنه يختبئ خلفها صراع إرادات بين مراكز قرار.

الحياة البرلمانية بغياب القطبية النيابية

الواقع أنه كان لمصطلح «القطب البرلماني» معايير شَفِعت لها صفات النائب الذي استطاع التأثير في مجاله السياسي. فمن جهة دخلت أسماء مهمة على الحياة البرلمانية محمولة على أكتاف قواعد انتخابية وازنة، ومن جهة أخرى أظهر فرق الأداء التشريعي والرقابي لأسماء سابقة اعتزلت العمل البرلماني أن النواب يذهبون طوعاً نحو «كاريزما» القطب النيابي.

ومن الذاكرة، ثمة أسماء استقرت في التاريخ البرلماني وكانت تحمل الصفات السابقة، منهم رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري، وأول رئيس للوزراء في عهد العاهل الأردني الملك عبد الثاني عبد الرؤوف الروابدة، والمرحوم عبد الهادي المجالي، ومنهم أيضاً ممدوح العبادي وسعد هايل سرور وعبد الكريم الدغمي. ولئن كان هؤلاء جميعاً محسوبين على الخط الرسمي، فقد سجّل المعارضون أسماءً وازنة في مجال القطبية النيابية فكان بين أبرز الشخصيات التي مثلت الحركة الإسلامية (الإخوان المسلمين وذراعها الحزبية جبهة العمل الإسلامي)، حمزة منصور والمرحومان عبد اللطيف عربيّات وعبد المنعم أبو زنط.

كذلك، إن جرت الانتخابات على رئاسة المجلس خلال الأعوام الخمسة السابقة، فإنها غالباً ما جاءت محسومةً لصالح مقربين من مراكز القرار، في صورة انطباعية لم تختبرها المنافسة الحقيقية، مع غياب التكافؤ في الفرص، وميْل نواب للقرب من مراكز القرار والمرجعيات فيها. في حين غاب تأثير المعارضة عن الشغب في تلك المواسم، لكون قدرتها محصورة بأعداد لا تتجاوز ثلث أعضاء مجلس النواب في أحسن الأحوال.

في السابق لم يكن الأمر مختلفاً، لكن طالما شهدت انتخابات رئاسة النواب صراعات بين أقطاب نيابية، وكان التنافس حاداًً. وسُجلت فروق كان من شأنها قلب النتائج. وكان من بين أشد المتنافسين التاريخيين المرحوم عبد الهادي المجالي، وخصمه العنيد سعد هايل سرور، وعبد الكريم الدغمي.

وفي عام 2011 دخل قطب برلماني آخر هو عاطف الطراونة، الذي أعلن اعتزاله العمل البرلماني وهو على سدة رئاسته الأخيرة عام 2020، مسجلاً رقماً قياساً أطول رئيس بقاءً لدورات نيابية متصلة، بينما سجل المجالي رقمه أطول رئيس بقاءً بعدد السنوات في عدة مجالس.

بعد اختيار القاضي رئيساً بـ«التزكية»...

اختباء التمرد النيابي يكشف عن تحديات مقبلة

حُجة التوافق في مواجهة دلالات الأرقام

مازن القاضي رئيساً لمجلس النواب بـ«التزكية»؛ جاء التنافس في انتخابات النائب الأول لرئيس المجلس كاشفة لتحديات متوقعة أمام المجلس، مُهددة بانقسامات مُحتملة خلال الشهور المقبلة، فجبهة الرفض لتوافقات نيابية «حزبية» عبرت عنها انتخابات النائب الأول لرئيس المجلس.

إذ ترشح في مواجهة مرشح التوافق النيابي خميس عطية، النائب المستقل آية الله فريحات، وكان فريحات قد كشف عن نيته خوض المنافسة على الموقع في صباح يوم افتتاح الدورة. وفيما فاز عطية بـ67 صوتاً، حصد الفريحات 55 صوتاً، بعد إلغاء 14 ورقة من أوراق المقترعين من النواب. وهذه نتيجة مُقلقة للتوافق النيابي الذي تغنى به نواب عشية اختيار القاضي بـ«التزكية».

وفي حسابات المتابعين فإن نحو 69 نائباً شكلوا جبهة رفض للتوافقات بين الكتل النيابية، في ظل حسابات محلية تُفيد بأن موقع الرئيس عادة ما يحظى باستحسان مراكز القرار، بينما تبقى مواقع المكتب الدائم الأخرى متروكة للتنافس الحر، أو التوافقات القريبة من مزاج النواب أنفسهم.

الانقسام المفاجئ في تصويت مجلس النواب لموقع النائب الأول للرئيس، وصفه مصدر نيابي لـ«الشرق الأوسط» بأنه «تمرّد» على «هندسة» اختيار القاضي رئيساً بالتزكية، خلفاً للصفدي - وهما يمثلان حزب الميثاق -، وأن التوافق على عطية ليس شرطاً لإثبات التوافق العابر للكتل، فمجموع أعضاء الكتلتين هو 62، وهو ما لا يمثل غالبية المجلس ليستدعي إقصاء بقية الكتل والأحزاب. إذ يبلغ عدد أعضاء مجلس النواب الأردني الحالي 138 نائباً، وبذا تكون الغالبية محصورة بنصاب النصف زائد واحد. ولو خاض القاضي الانتخابات في مواجهة أي مرشح من تيار «الضد» فقد يعجز عن تأمين نصاب الغالبية، وذلك يعني انقسام المجلس.

طاهر المصري (بترا)

خريطة الكتل النيابية

على صعيد آخر، شكلت الكتل النيابية أكثرية حالت دون تمكن ترشح آخرين لسباق انتخابات رئاسة مجلس النواب، في وقت قالت كتلة العمل الإسلامي (الذراع النيابية لحزب جبهة العمل الإسلامي) إن التوافقات النيابية «أقصت كتلة الحزب» عن التمثيل في المكتب الدائم.

وكتلة العمل الإسلامي، التي يمثلها 31 نائباً، حصلت على أعلى الأصوات في الانتخابات الأخيرة التي أجريت يوم 10 سبتمبر من العام الماضي. بعدما حصدت نحو 450 ألف صوت من عدد المقترعين الذي بلغ نحو 1.6 مليون مقترع من أصل نحو 5 ملايين مواطن يحق لهم الانتخاب في البلاد.

ومن إجمالي عدد أعضاء مجلس النواب الـ138 نائباً، توزع 136 نائباً على 5 كتل نيابية، وهي كتلة حزب الميثاق (36 نائباً)، وكتلة «مبادرة» التي تشكلت بعد اندماج حزب «إرادة» مع حزب «تقدم» ليصل عدد أعضائها 26. وكتلة حزب العمل الإسلامي التي لا تزال طور التشكيل والاستقطاب، والتي قد تندمج مع كتلة الأحزاب الوسطية وعدد أعضائها 17، وكتلة «عزم» (19)، في حين تظل كتلة حزب «جبهة العمل الإسلامي» صاحبة الحضور المؤثر بـ31 نائباً.

وعلى الرغم من محاولات «تحزيب» أعضاء مجلس النواب، وإدخالهم في الكتل النيابية، فإن حالة الأداء الفردي ظلت السمة الغالبة على أداء النواب، مع استمرار حالة التعارض بين مواقف الأحزاب المعلنة ومواقف نواب يمثلونها تحت القبة. في حين بقيت كتلة حزب «جبهة العمل الإسلامي» متمسكة بأداء ثابت عبر البرلمانات التي شاركت بها.

رؤية الملك في الإصلاح

عام 2013، في افتتاح أولى الدورات البرلمانية، خاطب العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، مجلس الأمة بغرفتيه النواب والأعيان، مُعلناً أن بقاء الحكومات مرهون بثقة مجالس النواب، وأن بقاء مجالس النواب مرهونٌ بالثقة الشعبية. وفي ذلك العام جرت الانتخابات النيابية على نار الشارع الأردني المتأثر بمزاج «الربيع العربي».

بعدها، تكررت دعوات الملك الأردني للإصلاح، وحاول من خلال عدة لجان شعبية أن يستقرئ الرغبات في نوع التشريعات السياسية الضامنة لمشاركة شعبية واسعة، وكانت آخر المحاولات نهاية عام 2021 بتشكيل لجنة تحديث المنظومة السياسية التي رفعت توصيات بتعديلات دستورية لازمة، وصيغ مشاريع لقانوني الانتخاب والأحزاب تحت عنوان تفعيل مشاركة المرأة والشباب.

وبالفعل أُقرّت كل توصيات اللجنة كتشريعات عبرت مساراتها الدستورية عام 2022. وأجريت الانتخابات الأخيرة على ما تم التوافق عليه شكلاً برعاية رسمية.

حقائق

رسائل ملكية مباشرة للشارع

قال العاهل الأردني في خطبة العرش: «يتساءل بعضكم كيف يشعر الملك؟ أيقلق الملك؟ نعم، يقلق الملك، لكن لا يخاف إلا الله... ولا يهاب شيئاً وفي ظهره (أردني)». هذا مفردات جديدة تفاعل الشارع معها، إذ إنها طالبت الأردنيين بشكل غير مباشر بشحن المعنويات ومواجهة المقبل من التحديات.

في ما يمكن تسجيله كسابقة في عهد الملك عبد الله الثاني، رفع الملك منسوب الوجدانيات في حديثه، على الرغم من قدرته على ضبط خطاباته في سياق خطوات تنفيذية طموحة. ولكن سرعان ما تخذل الحكومات تطلعاته بعد اكتشافها المتأخر، عن طريق الصدمة، الفارق بين وعودها الحالمة والواقع الصعب.

لم تتطرق خطبة الملك في افتتاح الدورة لبرنامج عمل الحكومة تفصيلاً، لكنه طالب بمواصلة برامج التحديث السياسي والرؤية الاقتصادية، والتطوير الإداري. أيضاً، لم يوجه الخطاب الملكي الحكومة لسرعة تعديل قانون الانتخاب، والتشريعات ضمن استحقاقات دستورية متعلقة بأولوية إجراء انتخابات البلدية بعد حلها وتعيين لجان مؤقتة، بعكس التوصيات التي ورثتها الحكومة من لجنة التحديث السياسي والتأكيد على أن تكون التوصيات عابرة للحكومات.

حكومياً حسب مصادر «الشرق الأوسط»، فإن رئيس الوزراء جعفر حسان يريد أن يجري الانتخابات البلدية في أبريل (نيسان) 2027 بينما طرحت مرجعيات تاريخاً مقترحاً هو أكتوبر (تشرين الأول) من العام المقبل. وفي ذلك تعطيل لفكرة تمثيل الشارع في مجالس البلديات المعنية بشؤون التنمية والحياة اليومية للمواطنين في مدنهم وقراهم خارج العاصمة.



مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.